مشاركة

راما

مؤلف: Alaa issa
last update تاريخ النشر: 2026-07-07 01:21:38

وصلتُ إلى بيت أهلي في منتصف الضحى، البيت الذي نشأتُ فيه، الذي حفظتُ كل تفصيل فيه منذ الطفولة. الباب الخشبي الذي يحتاج قليلاً من القوة ليُفتح، الدرجة الثالثة في السلم التي تصدر صوتاً لم يُصلحه أحد منذ سنوات، رائحة الهيل من المطبخ التي لم تتغير يوماً واحداً.

فتحت أمي الباب قبل أن أطرق، كأنها كانت تنتظر عند النافذة.

"راما."

احتضنتني بالطول الكامل، بلا أي عجلة، وأنا بقيتُ في حضنها لحظة أطول مما كنتُ أعتزم، أستنشق تلك الرائحة التي لا تتغير، رائحة أمي التي كانت دائماً تعني أن هناك مكاناً آمناً في
استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق
الفصل مغلق

أحدث فصل

  • لعبة المرايا   أحمد

    اتصلت بي أختي منال في صباح الجمعة، صوتها يحمل ذلك المزيج المعتاد من الفرح المنهك الذي يصاحب الأمهات الجديدات. "أحمد، متى ستتعال لترى يوسف؟ أسبوعان مضيا ولم تأتِ بعد." يوسف. ابن أختي الذي وُلد وسط كل هذا الضجيج الذي ملأ حياتنا. لم أذهب لأزوره، ليس نسياناً بل لأن كل يوم كان يحمل ما يكفيه من أثقال، وإضافة مشاعر جديدة إلى الكومة بدا أكثر مما أستطيع تحمله في تلك الأسابيع. "سآتي هذا المساء." قلتُ، وأنا أُقرر في نفس اللحظة التي أتكلم فيها. "جدياً؟" في صوتها دهشة خفيفة. "جدياً." وصلتُ بعد الظهر، وبيت منال يحمل تلك الفوضى المنظمة التي تصاحب المواليد دائماً: ملابس صغيرة على الكرسي، زجاجات على الطاولة، رائحة مسحوق الأطفال في كل مكان. منال فتحت الباب، وجهها يحمل تعباً جميلاً، وابتسمت حين رأتني بطريقة أدركتُ أنها كانت تنتظرني أكثر مما أخبرتني. "تعال." قالت ببساطة وأشارت نحو الغرفة. كان يوسف نائماً في سريره الصغير، وجهه مكتنز بتلك الدهنية الطفولية التي تجعل وجوه المواليد تبدو وكأنها رُسمت بعناية فائقة. يداه الصغيرتان مطويتان بجانب خديه، وصدره يرتفع وينخفض بانتظام هادئ. وقفتُ عند حافة السري

  • لعبة المرايا   راما

    وصلتُ إلى بيت أهلي في منتصف الضحى، البيت الذي نشأتُ فيه، الذي حفظتُ كل تفصيل فيه منذ الطفولة. الباب الخشبي الذي يحتاج قليلاً من القوة ليُفتح، الدرجة الثالثة في السلم التي تصدر صوتاً لم يُصلحه أحد منذ سنوات، رائحة الهيل من المطبخ التي لم تتغير يوماً واحداً. فتحت أمي الباب قبل أن أطرق، كأنها كانت تنتظر عند النافذة. "راما." احتضنتني بالطول الكامل، بلا أي عجلة، وأنا بقيتُ في حضنها لحظة أطول مما كنتُ أعتزم، أستنشق تلك الرائحة التي لا تتغير، رائحة أمي التي كانت دائماً تعني أن هناك مكاناً آمناً في العالم. دخلنا وجلسنا على الكنبة المعتادة، كوبا شاي بيننا، وأبي في غرفته يمنحنا مساحة بهدوء رجل يعرف متى يغيب. "أنظر إليكِ." قالت أمي، وفي عينيها تلك النظرة التي تقرأ الوجه كأنه كتاب مفتوح. "تبدين أفضل مما توقعت. وأثقل في الوقت نفسه." ابتسمتُ. "هذا وصف دقيق جداً." "أخبريني." فأخبرتُها. هذه المرة بشكل أكمل من المكالمة الهاتفية. الليالي التي كانت فيها الشقة تشعر بالفراغ رغم وجود أحمد. الطريقة التي كنتُ أُبرر بها أشياء لم تكن تستحق التبرير. لحظة المنتزه والصدمة التي لم أسمح لنفسي بأن أُعبّر عنه

  • لعبة المرايا   راما

    أخبرني كريم عن مكالمة أبيه حين جاء في ذلك المساء، وجهه يحمل شيئاً لم أره فيه منذ وقت طويل: خفة حقيقية، كأن شيئاً ما كان يجلس على كتفيه قرر أخيراً أن يغادر. جلستُ أستمع وهو يروي، الطريقة التي بدأت بها المكالمة ببرود حذر ثم تليّنت تدريجياً، جملة الأب التي لم يتوقعها: "الغضب والحب لا يتنافيان." والجملة الأخيرة التي أغلقت المكالمة: "أحضر كتاب الفيزياء." "هذا أبٌ يحب ابنه." قلتُ حين انتهى. "أعرف." قال كريم. "كنتُ أعرف دائماً. لكن المعرفة والشعور بها شيئان مختلفان." بقيتُ بعد أن نام كريم في غرفته، جالسة في الصالة الهادئة، أفكر في تلك الجملة. المعرفة والشعور بها شيئان مختلفان. كم مرة عرفتُ شيئاً دون أن أسمح لنفسي بالشعور به كاملاً؟ فكرتُ في أمي. لم أُخبرها بكل شيء. تلك المكالمة التي أجريتُها قبل أسابيع كانت بداية، لكنها لم تكن كاملة. أخبرتُها بما يكفي لتطمئن، لكنني احتفظتُ بالجزء الأثقل لنفسي، كما اعتدتُ دائماً أن أفعل معها. لماذا؟ جلستُ مع السؤال طويلاً في الصمت. الجواب لم يكن مريحاً: لأنني اعتدتُ أن أكون "البنت التي تُحل مشاكلها بنفسها" أمامها. كان هذا دوراً أديتُه منذ صغري، البنت

  • لعبة المرايا   كريم

    ردّ أبي في الصباح التالي. رسالة قصيرة: "متاح المساء بعد السابعة." بقيتُ أنظر إلى الرسالة لدقيقة كاملة قبل أن أرد. "سأتصل." قضيتُ ذلك اليوم في المحاضرات، أحاول أن أكون حاضراً فعلاً لا بالجسد فقط، لكن جزءاً من تفكيري كان يُراجع ما سأقوله مساءً. ليس تحضير خطاب، بل تحضير نفسي للصدق الذي لا يأتي بسهولة حتى حين تختاره. في السابعة ونصف، جلستُ على حافة سريري في الغرفة الهادئة — زياد خرج لمحاضرة ليلية — وضغطتُ على اسم أبي. رنّ الهاتف مرة واحدة فقط قبل أن يُجيب. "كريم." "أبي." صمت قصير، ليس من عدم معرفة ما يقول، بل كأنه يُعطينا كلينا لحظة لنستقر قبل أن نبدأ. "كيف حالك؟" سأل أخيراً، وفي السؤال البسيط شيء لم يكن موجوداً في مكالماتنا الأخيرة: دفء حذر، كدفء يوم شتائي حين تقترب من موقد لا تعرف بعد إن كانت النار لا تزال مشتعلة. "أحاول." قلتُ بصدق. "هناك أشياء تسير بشكل أفضل. وهناك أشياء لا تزال تحتاج عملاً." "الدراسة؟" "نعم. هذا أحد الأسباب التي أردتُ أن أتحدث معك." أخذتُ نفساً. "رسبتُ في مادة هذا الفصل. غيابي كان كثيراً. ومكتب الشؤون الأكاديمية أخبرني أن المنحة في خطر إن تكرر هذا." سمعتُ

  • لعبة المرايا   كريم

    جاءت النتائج في صباح الأربعاء، رسالة على البريد الجامعي بدت كأي رسالة أخرى من الخارج، لكنها حين فُتحت حملت ما كنتُ أتجنب التفكير فيه منذ أسابيع. رسوب في مادة واحدة. فيزياء تطبيقية. المادة التي غبتُ عن نصف محاضراتها في الأسابيع التي كانت فيها المعركة القانونية والعائلية تستهلك كل يوم بأكمله. أغلقتُ الجهاز، ثم فتحتُه مرة أخرى كأنني أتحقق أن ما رأيته حقيقي. كان حقيقياً. اتصلتُ بزياد. "نتائج الفصل وصلت." "وكيف—" بدأ، ثم سمع شيئاً في صوتي توقف عنده. "ماذا حدث؟" "رسبتُ في الفيزياء." صمت قصير. "هذا قابل للحل." "هناك شيء آخر." قلتُ، وفتحتُ بريداً ثانياً وصل في نفس الوقت، من مكتب شؤون الطلاب. "يقولون إنني في خطر فقدان المنحة الدراسية إن تكررت نتيجة مشابهة في الفصل القادم. يطلبون مني حضور اجتماع مع المستشار الأكاديمي." سمعتُ زياد يتنفس بعمق من جهته. "متى الاجتماع؟" "يطلبون مني أن أحجز موعداً. في غضون أسبوع." "إذن احجز اليوم." قال بحزم هادئ لا يفيض. "لا تُؤجّل هذا." أغلقتُ الهاتف وبقيتُ جالساً على حافة سريري، أنظر إلى الجهاز المفتوح أمامي، أستوعب ثقل ما أراه. لم يكن الرسوب في حد ذاته

  • لعبة المرايا   راما

    جاء الإشعار الرسمي في صباح يوم عادي. لا مطر، لا غيوم، لا شيء في الطقس يؤشر على أن هذا اليوم مختلف. شمس خفيفة، هواء بارد بقدر الاعتدال، وطائر يغني في الشجرة التي أمام النافذة منذ أسابيع. فتحتُ المغلف، قرأتُ الجمل القانونية الجافة، وأغلقتُه. انتهى. جلستُ لحظة مع هذه الحقيقة، أتركها تستقر. ليس كصدمة، بل كشيء كنتُ أعرف أنه قادم وأعددتُ له مكاناً في داخلي منذ وقت. تماماً كما تعد مكاناً لضيف تعرف موعد وصوله، فحين يطرق الباب لا تُفاجأ، بل تفتح. اتصلتُ بكريم. "صدر الحكم." قلتُ. توقف ثانية. "كيف تشعرين؟" "لا أعرف بعد." قلتُ بصدق. "اسألني مساءً." "سأكون هناك المساء." أغلقتُ الهاتف، ونهضتُ، ومضيتُ في يومي. هذا ما لم أتوقعه: أن الحياة لا تتوقف لتُعلن أن شيئاً انتهى. تستمر، بنفس إيقاعها، وتترك لك مهمة استيعاب ما انتهى وأنت تسير. ذهبتُ إلى السوق، اشتريتُ خضاراً، تحدثتُ مع البائع عن ارتفاع أسعار الطماطم. عدتُ، طبختُ، أكلتُ وحيدة على الطاولة الصغيرة التي صارت مألوفة بما يكفي. جاء كريم في المساء كما وعد، وجلسنا معاً في تلك الهدأة التي صارت تخصنا. لم يسألني كثيراً، وأنا لم أتك

  • لعبة المرايا   عناق يوقظ الوحش

    كان مشهد احتضان أحمد لزوجته ينبغي أن يكون دافئاً، لكنه بالنسبة لي كان كصب الزيت على حريق اندلع في أعماقي. وقفت هناك، متجمداً كتمثال من جليد، وعيناي مسمرتان على يد أحمد التي استقرت بملكية مطلقة على خصر راما.. الخصر ذاته الذي كاد يذهب بعقلي قبل ثوانٍ. ​كان أحمد نقيضه تماماً؛ ببدلته الرسمية ورائحة ال

  • لعبة المرايا   وشاح من حرير

    فتحت الباب.لم تكن ربة البيت العادية التي تخيلتها في ذهني طوال رحلة القطار المتعبة. كانت شيئاً آخر تماماً. كانت تقف هناك، تؤطرها إضاءة المدخل الدافئة، ترتدي ثوباً منزلياً حريرياً بلون الياقوت الداكن. قصير. قصير لدرجة أن قلبي توقف عن النبض لثانية كاملة. انسدل الحرير على جسدها بنعومة قاتلة، لا يخفي

  • لعبة المرايا   ظلالٌ خلف العدسة

    استيقظت راما في ذلك الصباح على سكونٍ لم تعهده من قبل؛ سكونٌ ثقيل لا يقطعه صرير قلم كريم فوق الأوراق الهندسية، ولا وقع خطواته الهادئة وهو يتجه نحو المطبخ ليعدّ قهوته المرة التي كانت رائحتها تملأ الممر كل فجر كطابعٍ للطمأنينة. كانت الشقة تبدو شاسعة بشكلٍ موحش، وكأن الجدران قد تباعدت عن بعضها البعض لت

  • لعبة المرايا   شوارع مزدحمة بالفتنة

    في صباح اليوم التالي، كان جحيمي لا يزال مستمراً، بل وتطور ليتخذ شكلاً جديداً من العذاب المنظم الذي لا مفر منه. كنا نجلس ثلاثتنا حول مائدة الإفطار؛ أحمد يرتشف قهوته وعيناه مسمرتان على شاشة جهازه اللوحي يتابع مؤشرات الأسهم ببرود، وراما تجلس قبالتي، تقضم قطعة من الخبز المحمص وتدندن مع الموسيقى الهادئة

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status