Se connecterقدتُ إلى بيت الأهل في مساء الجمعة، الشارع الذي نشأتُ فيه يبدو في ضوء الغروب كما كان دائماً، لم يتغير شيء في مبانيه ولا في الأشجار على جانبيه، كأن هذا الشارع قرر منذ وقت طويل أن يظل شاهداً لا يتحرك بينما كل من عاش فيه يتغير. أوقفتُ السيارة أمام البيت وبقيتُ لحظة داخلها قبل أن أنزل. الضوء مضاء خلف النوافذ، الستائر المعتادة، والباب الخشبي الذي دخلتُ منه آلاف المرات. لم يكن هناك ما يجعل هذه المرة مختلفة من الخارج. لكنها كانت مختلفة تماماً من الداخل. نزلتُ وطرقتُ الباب. فتحت أمي، ووجهها حمل ابتسامة انتظرتُها من بعيد. احتضنتني بالطريقة التي تفعلها الأمهات حين يعود أبناؤهن بعد غياب طويل، بغض النظر عن سبب الغياب. "كريم." قالت اسمي فقط، وهذا كان يكفي. دخلتُ، والبيت يحمل روائحه المعتادة، رائحة الطبيخ من المطبخ ورائحة الخشب القديم في الصالة ورائحة العطر الذي يستخدمه أبي منذ سنوات طويلة. بعض الروائح تبقى ثابتة في الذاكرة بشكل لا يستطيع الزمن تحريكها. أبي كان في الصالة، جالساً في كرسيه المعتاد. رفع عينيه حين سمع صوت خطواتي. "كريم." قال، وأشار بيده نحو الكرسي المقابل. "اجلس." جلستُ. الصمت
طرق أبي بابي في مساء الخميس. لم أتوقعه. لم يتصل مسبقاً، لم يرسل رسالة. فقط صوت الطرق، وحين فتحتُ الباب وجدتُه واقفاً في الممر بمعطفه الرمادي الذي يلبسه دائماً في الطقس البارد، وجهه يحمل تعباً لم أره فيه من قبل بهذه الحدة، تعب رجل يحمل شيئاً ثقيلاً قرر أخيراً أن يضعه على الطاولة. "أبي." قلتُ، وفي صوتي دهشة لم أستطع إخفاءها. "تعال نتحدث." قال ببساطة. دخل، وجلس على الكنبة التي لم يجلس عليها من قبل. نظر حوله للحظة، نظرة رجل يقرأ المكان كما يقرأ وجه ابنه. جلستُ أمامه. "أخبرتني فايزة." قال مباشرة، بلا مقدمة ولا دوران. "عن ليلى. عن المنتزه. عن أن كريم وراما رأياكما." شعرتُ بشيء ينزل في معدتي، ليس خوفاً بقدر ما هو إدراك أن آخر ورقة في يدي سقطت. "أعرف." قلتُ بصوت منخفض. "أخبرتني أيضاً أنني سألتُك مرتين." قال، وفي صوته هدوء يشبه هدوء ما قبل العاصفة لكنه لم يتحول إلى عاصفة. "وكذبتَ عليّ مرتين." "نعم." "لماذا؟" السؤال الأبسط والأثقل في آن واحد. "لأنني كنتُ خائفاً." قلتُ أخيراً، والكلمة خرجت بصعوبة من مكان لم أعتد إخراج الكلمات منه. "خائفاً من نظرتك إليّ. خائفاً من أن تفقد الصورة التي
دعوتُ أخي لتناول القهوة في بيتي، وحين جلس أمامي في كرسيه المعتاد، رأيتُ في وجهه ما أراه فيه منذ بدأت هذه الأزمة: رجل يحمل أكثر مما يُظهر، ويعرف أكثر مما يقول. "فايزة." قال حين وضعتُ الفناجين على الطاولة. "تدعيني للقهوة في يوم الأربعاء في وقت غير معتاد. هذا يعني أن هناك شيئاً تريدين قوله." ابتسمتُ. أخي يعرفني منذ ستين سنة، وهذه المعرفة لا تحتاج مقدمات. "نعم." قلتُ وجلستُ. "هناك شيء." "تكلمي." شربتُ رشفة من قهوتي أولاً، لا من تهرب بل لأن ما سأقوله يستحق لحظة من الترتيب الداخلي. "حين اتصلتُ بليلى قبل أسابيع وحين التقيتُ بأحمد، كنتُ أحاول أن أفهم الصورة الكاملة." قلتُ. "وحين تحدثتُ مع كريم، فهمتُ شيئاً لم يُخبرك به أحد بالكامل." "ما هو؟" "أحمد بدأ الخيانة أولاً. مع ليلى. قبل أن يبدأ أي شيء بين كريم وراما." توقفتُ. "رأيا أحمد وليلى معاً في المنتزه. هذا ما كان وراء انهيار راما، ووراء ما تلاه." نظر إليّ أخي بعيون تستوعب ببطء ما سمعه. لم ينفجر، لم يتحرك. فقط جلس وعيناه تعملان. "هذا يعني أن الرواية التي قدمها أحمد لم تكن كاملة." قال أخيراً. "نعم." "وأنت كنتِ تعرفين هذا وانتظرتِ."
اخترت أمي مقهى قريباً من بيتها، المكان الذي كانت تأخذني إليه حين كنتُ صغيرة بعد زيارات الطبيب وتقول "هذه جائزتكِ على الشجاعة." كنتُ أحب ذلك المقهى لأنه كان يعني نهاية شيء مخيف وبداية شيء حلو. لا أعرف إن كانت اختارته بوعي أم بحدس، لكن حين رأيتُه من نافذة السيارة شعرتُ بشيء يشبه الاطمئنان قبل أن أدخل. كانت موجودة قبلي، تجلس عند طاولة قريبة من النافذة، أمامها كوب شاي مبخّر، وعيناها ترصدان الباب بتلك الطريقة التي تفعلها الأمهات دون أن يعرفن أنهن يفعلنها. رأتني فابتسمت. ليست ابتسامة استقبال اجتماعي، بل ابتسامة من يرى شيئاً كان يبحث عنه وعثر عليه. جلستُ، وطلبتُ قهوة، وبقينا لحظة صامتتين، الصمت الذي يسبق الحديث الحقيقي. "أحسن مما توقعت." قالت أمي، وعيناها تدرسان وجهي. "أنا أيضاً." قلتُ. "في آخر مرة رأيتُكِ كان وجهكِ يحمل شيئاً كنتِ تُخفينه." قالت. "الآن مختلف. لا يزال هناك شيء، لكنه ليس مُخبّأ." نظرتُ إليها. هذه القدرة على القراءة التي تملكها الأمهات، التي تجعلك تتساءل كيف أخفيتَ أشياء عنها طوال هذا الوقت، ثم تدرك أنك ربما لم تُخفِها بالشكل الذي ظننتَه. "مررتُ بأسابيع كثيرة." قلتُ.
كنتُ في المكتبة الجامعية في منتصف الضحى، أمامي كتاب الفيزياء مفتوحاً على الفصل الثالث، أحاول أن أفهم معادلة كانت واضحة حين درستُها في البداية ثم أصبحت غريبة بعد أسابيع من الغياب عن كل شيء يخص الدراسة، حين اهتزّ هاتفي على الطاولة باسم لم أتوقعه في ذلك الوقت من النهار. أحمد. بقيتُ أنظر إلى الاسم لرنتين كاملتين، لا من تردد بل من دهشة حقيقية لم أعرف كيف أتعامل معها بسرعة. في كل المرات السابقة التي رأيتُ فيها اسمه على شاشة هاتفي في الأسابيع الأخيرة، كانت تأتي معه حالة من التأهب الفوري، استعداد لمواجهة أو لتهديد أو لخبر يتطلب رداً حذراً. هذه المرة لم أعرف ماذا أتوقع. قمتُ من مكاني بهدوء وخرجتُ إلى الممر خارج قاعة الصمت، ثم أجبتُ. "نعم." "كريم." صوته جاء عادياً بشكل أرباكني، بلا مقدمة ثقيلة ولا نبرة رسمية، كأنه يتصل لأمر عابر في يوم عابر. "أعرف أن هذا غير متوقع." "أعرف." قلتُ بصدق. "سمعتُ من أبي أنك مررتَ بفصل دراسي صعب." قال. "أردتُ أن أسأل عن حالك." وقفتُ في الممر، أظهري على الجدار البارد، أحاول أن أُقيّم ما أسمعه. لم يكن في صوته أي شيء يوحي بخطة أو مناورة. لم يكن يبحث عن معلومة يس
اتصلت بي أختي منال في صباح الجمعة، صوتها يحمل ذلك المزيج المعتاد من الفرح المنهك الذي يصاحب الأمهات الجديدات. "أحمد، متى ستتعال لترى يوسف؟ أسبوعان مضيا ولم تأتِ بعد." يوسف. ابن أختي الذي وُلد وسط كل هذا الضجيج الذي ملأ حياتنا. لم أذهب لأزوره، ليس نسياناً بل لأن كل يوم كان يحمل ما يكفيه من أثقال، وإضافة مشاعر جديدة إلى الكومة بدا أكثر مما أستطيع تحمله في تلك الأسابيع. "سآتي هذا المساء." قلتُ، وأنا أُقرر في نفس اللحظة التي أتكلم فيها. "جدياً؟" في صوتها دهشة خفيفة. "جدياً." وصلتُ بعد الظهر، وبيت منال يحمل تلك الفوضى المنظمة التي تصاحب المواليد دائماً: ملابس صغيرة على الكرسي، زجاجات على الطاولة، رائحة مسحوق الأطفال في كل مكان. منال فتحت الباب، وجهها يحمل تعباً جميلاً، وابتسمت حين رأتني بطريقة أدركتُ أنها كانت تنتظرني أكثر مما أخبرتني. "تعال." قالت ببساطة وأشارت نحو الغرفة. كان يوسف نائماً في سريره الصغير، وجهه مكتنز بتلك الدهنية الطفولية التي تجعل وجوه المواليد تبدو وكأنها رُسمت بعناية فائقة. يداه الصغيرتان مطويتان بجانب خديه، وصدره يرتفع وينخفض بانتظام هادئ. وقفتُ عند حافة السري
كان مشهد احتضان أحمد لزوجته ينبغي أن يكون دافئاً، لكنه بالنسبة لي كان كصب الزيت على حريق اندلع في أعماقي. وقفت هناك، متجمداً كتمثال من جليد، وعيناي مسمرتان على يد أحمد التي استقرت بملكية مطلقة على خصر راما.. الخصر ذاته الذي كاد يذهب بعقلي قبل ثوانٍ. كان أحمد نقيضه تماماً؛ ببدلته الرسمية ورائحة ال
فتحت الباب.لم تكن ربة البيت العادية التي تخيلتها في ذهني طوال رحلة القطار المتعبة. كانت شيئاً آخر تماماً. كانت تقف هناك، تؤطرها إضاءة المدخل الدافئة، ترتدي ثوباً منزلياً حريرياً بلون الياقوت الداكن. قصير. قصير لدرجة أن قلبي توقف عن النبض لثانية كاملة. انسدل الحرير على جسدها بنعومة قاتلة، لا يخفي
استيقظت راما في ذلك الصباح على سكونٍ لم تعهده من قبل؛ سكونٌ ثقيل لا يقطعه صرير قلم كريم فوق الأوراق الهندسية، ولا وقع خطواته الهادئة وهو يتجه نحو المطبخ ليعدّ قهوته المرة التي كانت رائحتها تملأ الممر كل فجر كطابعٍ للطمأنينة. كانت الشقة تبدو شاسعة بشكلٍ موحش، وكأن الجدران قد تباعدت عن بعضها البعض لت
في صباح اليوم التالي، كان جحيمي لا يزال مستمراً، بل وتطور ليتخذ شكلاً جديداً من العذاب المنظم الذي لا مفر منه. كنا نجلس ثلاثتنا حول مائدة الإفطار؛ أحمد يرتشف قهوته وعيناه مسمرتان على شاشة جهازه اللوحي يتابع مؤشرات الأسهم ببرود، وراما تجلس قبالتي، تقضم قطعة من الخبز المحمص وتدندن مع الموسيقى الهادئة


![زوجتي الحبيبة: [سيد عبّاد، لقد غازلتك بالخطأ!]](https://www.goodnovel.com/pcdist/src/assets/images/book/43949cad-default_cover.png)




