Share

سارة

Author: Alaa issa
last update publish date: 2026-07-10 00:21:29

جاءني عرض الوظيفة في مدينة أخرى في نفس الأسبوع الذي قررتُ فيه، بصمت داخلي لم أُعلنه لأحد، أن وقت التغيير قد حان فعلاً.

لم يكن قراراً مفاجئاً ولا انفعالياً. كان قراراً تراكم ببطء على مدى أسابيع طويلة، مثل ثلج يتراكم على سطح دون أن تُلاحظه حتى يصل إلى وزن تسمع معه صوت السطح يئنّ قليلاً. لم يكن الوزن كله من قصة كريم وأحمد وما جرى، لكن تلك القصة كانت آخر طبقة أضيفت، الطبقة التي جعلت الثقل الكلي واضحاً لا يمكن تجاهله بعد الآن.

أمضيتُ أسبوعاً كاملاً أُعيد قراءة عرض الوظيفة كل يوم. ليس لأنني ترددتُ
Continue to read this book for free
Scan code to download App
Locked Chapter

Latest chapter

  • لعبة المرايا   أحمد

    اتصلتُ بكريم في مساء الأربعاء، وهذه المرة لم أُفكر طويلاً قبل أن أضغط على اسمه. المرة الأولى احتجتُ أسبوعاً لأقرر، وهذه المرة احتجتُ ثانية واحدة. ليس لأن الأمور أصبحت سهلة، بل لأن الخطوة الأولى حين تُخطى، تجعل الخطوة الثانية أخف وزناً بطريقة لا يمكن تفسيرها لمن لم يمر بها. "أحمد؟" صوته جاء بدهشة خفيفة، أقل من المرة الأولى لكنها لا تزال موجودة. "نعم." قلتُ. "عندي وقت. ظننتُ أتصل." "أنا أيضاً عندي وقت." قال، وسمعتُ في الخلفية صوت كتاب يُطوى. "كيف المذاكرة؟" سألتُ. "الاختبار بعد أربعة أيام." قال. "أشعر أنني مستعد. زياد يقول إنه مستعد أيضاً وهو ليس من يمتحن." ضحكتُ. "زياد دائماً كان مستعداً لكل شيء. حتى لامتحانات غيره." "أنت تعرفه؟" سأل كريم بدهشة خفيفة. "رأيتُه مرة أو مرتين في الجامعة حين كنتُ أزورك في الأيام الأولى من دراستك." قلتُ. "قبل أن تتعقد الأمور. كان دائماً يحمل ثلاثة كتب في نفس الوقت." "لا يزال يفعل هذا." قال كريم، وفي صوته شيء دافئ حين تحدث عن صديقه. تحدثنا عن الجامعة، عن الفصل القادم، عن التخصص الذي لم يحسمه بعد. أسئلة وأجوبة لم تكن تحمل ثقلاً أو حذراً مبالغاً فيه،

  • لعبة المرايا   سارة

    جاءني عرض الوظيفة في مدينة أخرى في نفس الأسبوع الذي قررتُ فيه، بصمت داخلي لم أُعلنه لأحد، أن وقت التغيير قد حان فعلاً. لم يكن قراراً مفاجئاً ولا انفعالياً. كان قراراً تراكم ببطء على مدى أسابيع طويلة، مثل ثلج يتراكم على سطح دون أن تُلاحظه حتى يصل إلى وزن تسمع معه صوت السطح يئنّ قليلاً. لم يكن الوزن كله من قصة كريم وأحمد وما جرى، لكن تلك القصة كانت آخر طبقة أضيفت، الطبقة التي جعلت الثقل الكلي واضحاً لا يمكن تجاهله بعد الآن. أمضيتُ أسبوعاً كاملاً أُعيد قراءة عرض الوظيفة كل يوم. ليس لأنني ترددتُ في القرار، بل لأنني أردتُ أن أتأكد أن ما أراه فيه حقيقي وليس مجرد رغبة في التغيير لذاته. حين قرأتُه في اليوم السابع ووجدتُ نفس الشعور الأول لا يزال موجوداً دون أن يتلاشى، عرفتُ أن القرار جاهز. اتصلتُ بنور في مساء الاثنين. "قبلتُ العرض." قلتُ مباشرة، بلا مقدمة طويلة، لأن نور تعرف متى الكلام يستحق مقدمات ومتى يجب أن يبدأ من الجوهر مباشرة. صمت قصير من جهتها، صمت من تستوعب لا من تُفاجأ. "متى قررتِ؟" "قبل أن يصلني العرض بأسبوعين." قلتُ بصدق. "العرض فقط أعطى القرار شكلاً ملموساً وتاريخاً محدداً."

  • لعبة المرايا   كريم

    وصلتُ إلى مكتب الدكتور سليم في الموعد المحدد، الورقة التي أعطاني إياها في لقائنا الأول في يدي، مع ملاحظات كتبتُها الليلة السابقة عن الفصول التي أعدتُ قراءتها وما الذي لا يزال غير واضح. "كريم." استقبلني الدكتور سليم ببساطته المعتادة. "اجلس. كيف سارت المذاكرة؟" "أحسن مما كانت في الأسابيع الأولى." قلتُ بصدق. "الفصل الخامس والسادس كانا المشكلة الأساسية. أعدتُ قراءتهما ثلاث مرات وبدآ يستقران." "ما الذي تغيّر؟" فكرتُ في السؤال. "أعتقد أن الذهن كان مشغولاً بأشياء خارج المادة في الفصل الماضي. الآن تلك الأشياء استقرت، والمساحة الذهنية أصبحت متاحة." أومأ الدكتور سليم برأسه، نظرة رجل يُقدّر الصدق ولا يطلب تفاصيل لم تُعطَ. "سأُعطيك نموذجاً من اختبارات سابقة." قال، وفتح درجاً وأخرج ورقة. "ليس للحل الآن، بل لتعرف ما الذي ينتظرك. الاختبار سيكون بنفس الهيكل." أخذتُ الورقة وتصفحتُها. ثلاثة أسئلة رئيسية، كل منها يتفرع. النوع الذي يتطلب فهماً لا حفظاً. "سؤال." قلتُ. "تفضل." "إذا اجتزتُ الاختبار، هل يُمحى الرسوب من السجل تماماً؟" "تماماً." قال. "تُسجَّل نتيجة اختبار الإعادة وكأنها النتيجة الأص

  • لعبة المرايا   راما

    في مساء الثلاثاء، كنا نتجادل على الفيلم. ليس جدالاً حقيقياً، كان من النوع الذي يستمتع فيه الطرفان بالجدال أكثر من اهتمامهما بالنتيجة. كريم يريد فيلماً وثائقياً عن الطبيعة، أنا أريد شيئاً يحمل قصة وشخصيات وحواراً. وكلانا يعرف أن الاختيار النهائي سيكون في مكان وسط لم نصل إليه بعد. "الوثائقيات لها قصص أيضاً." قال كريم، وهو يتصفح قائمة الأفلام على الشاشة. "قصص بلا حوار ليست قصصاً، هي ملاحظات." قلتُ. "هذا تعريف متحيز." "كل التعريفات متحيزة." نظر إليّ بعيون يحاول أن يجعلها تبدو محتجة. "هذه جملة فلسفية لا علاقة لها بالموضوع." "الفلسفة دائماً لها علاقة بالموضوع." "راما." "كريم." وضحكنا كلانا في نفس اللحظة. هذا ما لم أكن أعرف أنني كنتُ أفتقده بشكل محدد: الجدال الخفيف مع شخص تعرفيه كافياً لتعرفي متى يكون جاداً ومتى يلعب، ومتى الضحكة ستأتي حتى قبل أن تأتي. "حسناً." قال كريم وهو يضع الريموت على الطاولة. "أختاري أنتِ." "إذا اخترتُ أنا ستشكو طوال الفيلم." "لن أشكو." "كريم." "وعد." اخترتُ في النهاية فيلماً في منتصف الطريق، قصة إنسانية بصور طبيعية جميلة. حل وسط لم يكن متعمداً بقدر ما

  • لعبة المرايا   أحمد

    وصلتُ إلى العمل في الصباح الباكر، قبل معظم الزملاء، واخترتُ مكتبي الهادئ في الركن البعيد عن الضجيج. لم أكن دائماً من يأتي مبكراً. كانت هذه عادة أحمد القديم، أحمد ما قبل كل شيء، الرجل الذي كان يؤمن بأن الوقت الصباحي الهادئ هو أفضل وقت للتفكير الصافي. ثم جاءت الأشهر الأخيرة وأخذت منه ذلك النظام الداخلي واحداً بعد الآخر. لكن اليوم جاء مبكراً بقرار، لا بعادة. فتحتُ الحاسوب وراجعتُ بريدي، ووجدتُ بين الرسائل واحدة من مديري بعنوان "مشروع جديد - مهتم؟" فتحتُها. كانت تعرض عليّ قيادة مشروع متوسط الحجم لعميل جديد في قطاع الخدمات، مشروع يستغرق ثلاثة أشهر ويتطلب تنسيقاً مع فريق من أربعة أشخاص. ليس المشروع الأضخم في تاريخ الشركة، لكنه كان يتطلب رجلاً يملك حضوراً ذهنياً كاملاً، لا رجلاً كان حضوره الذهني مشتتاً بين محاكم ومعارك عائلية منذ أشهر. قرأتُ تفاصيله مرتين. ثم فكّرتُ. الأشهر الأخيرة أثبتت شيئاً لم أكن أعرفه عن نفسي: أنني حين تُضغط الأشياء من حولي، أميل إلى الانشغال بالحرب بدل الانشغال بما يبنيه الإنسان في زمن السلم. كان وقتي كله يذهب للمواجهات والخطط والانتقامات، وما يجعل الرجل من هو في

  • لعبة المرايا   راما

    أرسلتُ طلب التوظيف في منتصف الليل، حين يكون العقل هادئاً بما يكفي ليتوقف عن مقاومة الأشياء التي يؤجلها في النهار. كانت وظيفة في شركة تسويق متوسطة الحجم، إعلان رأيتُه بالصدفة على موقع للتوظيف حين كنتُ أبحث عن شيء آخر. ما لفتني ليس الوصف الوظيفي بحد ذاته، بل جملة واحدة في نهايته: "نبحث عن شخص يمتلك قدرة على فهم الناس وتحويل ذلك الفهم إلى رسائل تصل." جلستُ أمام تلك الجملة لدقيقتين، أفكر في أنني ربما، طوال سنوات الزواج التي قضيتُها أحاول أن أفهم ما يريده أحمد وما لا يريده وكيف أقوله بطريقة تصل، ربما كنتُ أُمارس هذه المهارة دون أن أسميها. ضغطتُ على إرسال. المقابلة كانت بعد أسبوع. أمضيتُ تلك الأيام في تحضير لم يكن مبنياً على قلق، كان مبنياً على فضول حقيقي. فضول من تكتشف أن لديها شيئاً لم تعرف أنه قابل للاستخدام خارج الجدران التي عاشت فيها. في صباح المقابلة وقفتُ أمام المرآة أختار ما سألبسه، وأدركتُ أنني لا أعرف ما الذي "يُناسب" مقابلة عمل. طوال سنوات كانت ملابسي تُختار لمناسبات تخص أحمد. هذه كانت المرة الأولى منذ وقت طويل أن أختار ما سألبسه بناءً على ما أريد أن أُظهره عن نفسي أنا. اختر

  • لعبة المرايا   ظلالٌ خلف العدسة

    استيقظت راما في ذلك الصباح على سكونٍ لم تعهده من قبل؛ سكونٌ ثقيل لا يقطعه صرير قلم كريم فوق الأوراق الهندسية، ولا وقع خطواته الهادئة وهو يتجه نحو المطبخ ليعدّ قهوته المرة التي كانت رائحتها تملأ الممر كل فجر كطابعٍ للطمأنينة. كانت الشقة تبدو شاسعة بشكلٍ موحش، وكأن الجدران قد تباعدت عن بعضها البعض لت

  • لعبة المرايا   شوارع مزدحمة بالفتنة

    في صباح اليوم التالي، كان جحيمي لا يزال مستمراً، بل وتطور ليتخذ شكلاً جديداً من العذاب المنظم الذي لا مفر منه. كنا نجلس ثلاثتنا حول مائدة الإفطار؛ أحمد يرتشف قهوته وعيناه مسمرتان على شاشة جهازه اللوحي يتابع مؤشرات الأسهم ببرود، وراما تجلس قبالتي، تقضم قطعة من الخبز المحمص وتدندن مع الموسيقى الهادئة

  • لعبة المرايا   فضيحة جسدية

    جلستُ خلف الطاولة الرخامية كمن يحتمي بخندق في معركة خاسرة، أراقب راما وهي تنهي قهوتها ببطء مستفز. وضعت كوبها في الحوض برنين خافت، ثم التفتت نحوي بالكامل. كانت نظرتها العسلية تتنقل بين وجهي المتوتر المتعرق وكوبي الذي تجمد بخاره. ​"ألم تعجبك القهوة؟" سألت وهي تمسح يديها بمنشفة صغيرة، ثم بدأت تتقدم ن

  • لعبة المرايا   جدران زجاجية

    قضيت تلك الليلة في جحيم لا يُطاق، أتقلب فوق السرير الواسع الذي بدا وكأنه ساحة معركة لأفكاري المحرمة، بينما تلفني ملاءات باردة لا تمنحني أي عزاء. كلما أغمضت عيني، رأيت نظرات راما وهي تتفحص جسدي، وشعرت برنين صوتها المبحوح وهو ينطق اسمي، يخترق صمتي كسهم ملتهب. كنت أسمع خطوات أحمد المكتومة في الممر، خف

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status