جميع فصول : الفصل -الفصل 40

103 فصول

هيبة القصر في حضرة الصدأ

لم يكن السكن الجامعي مكاناً يرحب بالزوار الذين يرتدون بذلات "الساڨيل رو" الإيطالية الفاخرة؛ فممراته الضيقة التي تفوح منها رائحة الورق الرخيص الممتزجة بالمنظفات القوية والقهوة المرة التي أُغلِيَت حتى احترقت، كانت تعكس بوضوح حال المقيمين فيها؛ صراع يومي مرير مع الكتب والزمن. كنتُ جالساً خلف مكتبي الخشبي المتآكل، الذي ضاق بمخططاتي الهندسية، أحاول فك شفرات "الرسم المدني" لكي لا أغرق في بحر الذكريات، حين سمعتُ طرقاً قوياً ومنتظماً على الباب؛ طرقات تحمل نبرة "السيادة" التي لا يملكها طالبٌ مغترب. ​فتحتُ الباب، وتجمدتُ مكاني لثوانٍ. كان أحمد يقف هناك، بهيبته الطاغية وبذلته التي تبدو كجسم غريب وسط الجدران المتقشرة. جالت عيناه في الغرفة الضيقة، وتوقفت بقرف عند سريري الحديدي، ثم استقرت نظراته عليّ وكأنني جندي خذلتُه في معركة مصيرية. ​"هكذا إذاً؟" بدأ أحمد حديثه وهو يدخل الغرفة بصلف، واضعاً حقيبته الثقيلة فوق سريري الذي أصدر صريراً حاداً كأنه يئن تحت وطأة هذا الثقل الغريب. "تترك الجناح الملكي والخدم ورعاية راما التي كانت تحيطك بها، لتسكن في هذا الجحر يا كريم؟ هل هذا هو طموح المهندس الذي سأباهي
اقرأ المزيد

تراتيلُ الضوءِ والياسمين

بينما كنتُ أنا غارقاً في صمت غرفتي بالسكن الجامعي، أصارع المعادلات الرياضية وجفاف جدران الصدأ، كانت الشقة في تلك الساعات تعيش مخاضاً من نوع آخر؛ مخاضاً يفوح برائحة "الفانيليا" و"الياسمين"، وهي الأجواء التي اعتادت راما أن تختارها بعناية لتمهد لأي مناسبة سعيدة تحتضنها جدران ذلك البيت الفاخر. علمتُ لاحقاً أن راما تحركت في تلك الردهات الواسعة بخفةٍ ونشاط لم تعهدهما منذ رحيلي؛ فقد كانت التحضيرات لحفل عيد ميلادها تسير على قدمٍ وساق، والحماس يملأ قلبها وهي ترى الترتيبات تتحول من مجرد أفكار إلى واقع ملموس يملأ المكان بهجة. كانت تحمل كاميرتها، تلتقط صوراً عفوية لزوايا البيت؛ صورت باقات الزهور البيضاء التي وصلت للتو، وانعكاس ضوء الشمس الدافئ على الأواني الفضية التي رُتبت فوق المائدة الرئيسية، كأنها تحاول تخليد جمال اللحظات التي تسبق صخب الاحتفال. ​"راما، عزيزتي! هل ما زلتِ تطاردين الضوء بالعدسة؟" ​ارتفع صوت ليلى الرقيق من خلفها، وهي تدخل الصالة بخطواتها الواثقة المعتادة. كانت ليلى ترتدي في ذلك الصباح فستاناً هادئاً من اللون السماوي، وبدت ملامحها مشرقة وهي تضع حقيبتها جانباً وتتجه لتعانق راما
اقرأ المزيد

بريقُ الأقنعةِ المباشرة

كان الضجيجُ في الصالة الكبرى يشبه همهمةً بعيدة لا تصل إلى أعماقي، رغم أنني كنتُ أقف في قلب الإعصار. أضواء الثريات الكريستالية كانت تتكسر على الرخام المصقول، لترسم لوحاتٍ من البريق الباذخ الذي يليق بليلة ميلاد راما. وقفتُ في زاويةٍ هادئة، أصارع هذا التناقض الصارخ بين جدران السكن المتهالكة التي نفضتُ غبارها عن ثيابي منذ ساعات، وبين هذا الترف الذي يكاد يخنقني. كنتُ أراقب راما وهي تتنقل بين الضيوف كفراشةٍ استعادت ضوءها؛ فستانها الحريري ينساب خلفها بوقار يلامس الرخام، وضحكتها الصافية تعيد صياغة مفهوم البهجة في هذا البيت الذي غادرته وهو ينزف صمتاً. ​بجانبها، كان أخي أحمد يرتدي قناع "رب الأسرة" ببراعةٍ مذهلة. يضع يده على كتفها بحنو، ويوزع نظرات الفخر، بينما كانت ليلى تقف كظلها الودود، تساعدها في استقبال الضيوف وتهمس في أذنها بكلماتٍ تجعل راما تبتسم بعفوية. نظرتُ إليهم بامتنانٍ دافئ؛ خفتُ أن يكون رحيلي قد ترك ندبة، لكن البنيان بدا مرصوصاً، والمودة هي اللغة السائدة. ليلى كانت نِعم الصديقة الوفية، وأحمد كان الزوج الداعم، وراما كانت ملكةً تتوجها أضواء ليلتها الخاصة. ​"كريم! هل ستظل واقفاً هنا
اقرأ المزيد

صدى الخطوات فوق الرخام القديم

​بدأ الضجيجُ ينسحبُ تدريجياً من أرجاء الشقة، مخلفاً وراءه تلك "البقايا" التي تتركها الحفلاتُ الباذخة كآثار معركة صامتة؛ رائحة عطورٍ ثقيلة عالقة في الهواء، كؤوسٌ فارغة مبعثرة كجثثٍ زجاجية، وبتلاتُ زهورٍ سقطت من أعالي باقاتها المنسقة لتفترش الرخام البارد. انصرف آخرُ المدعوين، ومعهم غادرت سارة التي لم تكفّ طوال السهرة عن محاولةِ محاصرتي بحديثها عن "التصميم" وطموحاتها التي بدت لي في تلك اللحظة أبعد ما يكون عن واقعي المربك. وقفتُ في وسط الصالة، أعدّل ياقة قميصي التي شعرتُ أنها تضيقُ على أنفاسي أكثر فأكثر، وشعرتُ برغبةٍ عارمة في الهروب نحو صمت غرفتي في السكن الجامعي، حيث الجدران لا تملك ذاكرة، والعيون لا تملك فضولاً لملاحقتي. ​"كريم، أنت لن تذهب إلى أي مكان في هذه الساعة المتأخرة،" قطع صوتُ أخي أحمد حبلَ تفكيري وهو يضع يده على كتفي بحزمٍ أخويّ لا يقبل التفاوض. "الطريقُ طويل، والوقتُ تجاوز منتصف الليل بكسورٍ كثيرة. غرفتكَ لا تزال كما هي، وراما أعدتْ لكَ كل شيء هناك." ​نظرتُ نحو راما، التي كانت تبدو منهكةً لكن ملامحها تفيضُ ببهجة النجاح. أومأت برأسها بابتسامةٍ هادئة: "أحمد معه حق يا كريم..
اقرأ المزيد

الشقُّ في جدارِ الثقة

استيقظتُ في الصباح الباكر على خيوطِ شمسٍ قوية تتسللُ من النافذة، لكنها لم تكن شمساً دافئة، بل كانت كاشفة وحادة. شعرتُ بدوارٍ خفيف، وكأن رأسي لا يزال يحمل صدى موسيقى البارحة المضللة. توجهتُ نحو الحمام، غسلتُ وجهي بالماء البارد محاولاً طرد أشباح الحلم، استعداداً للرحيل النهائي. كان البيتُ يغط في هدوءٍ مريب، وبدا أن راما وأحمد لا يزالان نائمين تحت وطأة عناء الحفل الصاخب. ​خرجتُ من غرفتي حذراً، متجهاً نحو المطبخ، وبمروري بجانب باب المكتب الذي كان موارباً قليلاً، تجمدت دقات قلبي. سمعتُ صوتاً خفيضاً.. كان صوت أخي أحمد. توقفتُ غريزياً؛ لم تكن تلك النبرة الحازمة التي يرهب بها الموظفين، ولا النبرة الودودة التي يغلف بها حديثه مع راما. كانت نبرةً "دافئة"، نبرةً تحمل حنيناً واهتماماً "محرماً" لم أسمعه منه قط. ​"أعلم، أعلم.. لقد كنتِ الأجمل في السهرة بلا منازع،" همس أحمد بكلماتٍ تقطر بالسرية والحذر. ​تجمدتُ في مكاني كأنني أصبت بشللٍ لحظي. الكلماتُ كانت كالسهام المسمومة التي اخترقت سكون صباحي. "الأجمل في السهرة؟" هل يتحدث مع راما؟ مستحيل.. راما في الغرفة المجاورة، وهذا الصوت كان موجهاً لهاتفٍ يم
اقرأ المزيد

زنزانة الذاكرة والسر الثقيل

عادت جدرانُ غرفتي في السكن الجامعي لتضيق عليّ من جديد، لكن انقباضها هذه المرة لم يكن بسبب ضيق المساحة، بل بسبب "الثقل" المسموم الذي حملتُه معي من تلك الشقة اللعينة. وضعتُ حقيبتي فوق السرير الحديدي، ذلك الصرير المألوف الذي كان يزعجني سابقاً بدا الآن وكأنه الصوت الوحيد الصادق في عالمٍ من الزيف. جلستُ على حافة الفراش، وأسندتُ رأسي بين كفيّ، بينما كانت كلماتُ أخي أحمد في الهاتف لا تزال تدوي في أذني كأجراس جنائزية تمزق سكون الصباح: "لقد كنتِ الأجمل في السهرة.. سأجد حجةً تقنع راما". ​كيف يمكن لليقين أن ينهار في ثوانٍ؟ في الهندسة، نتعلم أن الهياكل العظيمة لا تسقط فجأة إلا إذا كانت هناك شقوقٌ سرية نخرت في الأساسات، ويبدو أنني كنتُ أعيشُ في مبنىً باهر الجمال، لكن قواعده كانت منخورةً بالخديعة. كنتُ أنظرُ إلى كتبي المبعثرة، إلى "مبادئ الرسم" و"توازن القوى"، وشعرتُ بسخريةٍ لا ترحم؛ فأنا الذي أدرس كيفية موازنة الأحمال في ناطحات السحاب، عجزتُ تماماً عن موازنة حطام قلبي. ​استرجعتُ صورة راما وهي تودعني عند الباب بابتسامتها التي تشبه النور، تلك الابتسامة التي كانت تظن أن قدرها آمنٌ خلف نجاحات زوجها.
اقرأ المزيد

الرنين المكسور

لم يكن رنينُ هاتفي فوق المكتب الخشبي المتهالك مجرد صوتٍ عابر؛ كان اختراقاً عنيفاً لفقاعة الصمت التي حاولتُ بناءها حول نفسي منذ فررتُ من تلك الشقة. نظرتُ إلى الشاشة، وشعرتُ بانقباضٍ مألوف يدهس صدري وأنا أرى اسمها يلمع بوضوح: "راما". ترددتُ لثوانٍ، شعرتُ خلالها أن الهاتف يزن طناً من الرصاص المصبوب. كيف سأواجه ذلك الصوت الذي يختصر كل انكساراتي؟ كيف سأمثل دور الأخ الصغير العادي وأنا أحمل في صدري سر الخيانة الذي يلوث هواء تلك الشقة، بينما صاحبة الصوت غارقة في طهرها؟ ​أجبتُ أخيراً، محاولاً ضبط نبرة صوتي لتبدو مستقرة كرسمٍ هندسي. "أهلاً راما.. كيف حالكِ؟" ​"أهلاً يا مهندسنا العزيز!" جاء صوتها رقيقاً، مشرقاً، يحمل صدى سعادةٍ عفوية جعلت قلبي يرتجف خلف ضلوعي. "أردتُ فقط أن أطمئن عليك.. لقد كان وجودك البارحة هو الهدية الأجمل في الحفل. بصراحة يا كريم، كنتَ تبدو وسيماً ورزيناً جداً، حتى أن أحمد لم يكفّ عن مدح نضجك وهدوئك بعد مغادرتك." ​كانت كلماتُها كالسياط المحمية بالنار. هي تمدح نضجي، ولا تعلم أن هذا "النضج" هو في الحقيقة "احتراق" داخلي تسببت فيه معرفتي بما يفعله زوجها في العتمة. "شكراً لكِ ي
اقرأ المزيد

هندسة الهروب

أمضيتُ الساعات التي سبقت الموعد في حالة من التخبط الذهني التي لم يسبق لي مثيل لها، حتى في أصعب امتحاناتي الهندسية المعقدة. كنتُ أقف أمام المرآة الصغيرة في غرفتي بالسكن، أعدل ياقة قميصي للمرة العاشرة بأصابع مرتعشة، ثم أتوقف فجأة لأسأل نفسي: "ماذا تفعل يا كريم؟ هل أنت حقاً مستعد لهذه الخطوة؟". شعرتُ وكأنني مهندسٌ يحاول ترميم مبنى آيل للسقوط باستخدام مواد بناء رخيصة؛ كنتُ أعلم في قرارة نفسي أن دافعي الأول للاتصال بسارة كان "الهروب"، الهروب من طيف راما الذي يسكن زوايا ذاكرتي، ومن ثقل السر الذي كشف لي الوجه الآخر لأخي. ​كان التردد ينهشني بضراوة. فكرتُ في الاعتذار، في إرسال رسالة نصية أدعي فيها وعكة صحية مفاجئة أو تكليفاً دراسياً طارئاً يمنعني من الخروج. جلستُ على حافة السرير، والهدوء في السكن الجامعي يزيد من ضجيج أفكاري المتضاربة. تذكرتُ صوت راما وهي تشجعني، ورأيتُ في خيالي نظراتها الصافية وهي تتمنى لي "الاستقرار". هل كان من العدل أن أستخدم سارة كـ "مخدر"؟ هل كانت سارة تستحق أن تكون مجرد وسيلة لنسيان امرأة أخرى؟ شعرتُ بضيق في صدري، وكدتُ أن أحسم أمري بإلغاء الموعد، لولا أنني أدركتُ أن الب
اقرأ المزيد

ظلالُ راما في ممراتِ الحاضر

عادت الحياةُ لتتدفق في عروقي بنمطٍ مختلف منذ ذلك العشاء مع سارة؛ نمطٌ يشبه محاولة بناء هيكلٍ جديد فوق أنقاضٍ لا تزال ساخنة. لم يعد السكن الجامعي مجرد زنزانةٍ إسمنتية، بل صار محطةً أنتظر فيها رنين هاتفي لعلّه يخرجني من قاع أفكاري المظلمة. كانت سارة تمتلك تلك القدرة الإعجازية على سحبي من دوامتي بضحكتها العفوية، لكنني كنتُ أشعر بظلالٍ غريبة تلاحقني؛ ظلالٌ لا تنتمي لغبار السكن، بل لتلك الشقة التي تركتُ فيها "نخاع" روحي. ​كنّا نجلسُ في مقهىً يطلُّ على ساحةٍ واسعة، وسارة تتحدث بحماسٍ يلمع في عينيها عن مشروع تنسيق الألوان. كنتُ أنظر إليها، لكن صوتي خانني فجأة ليقاطعها: "أتعلمين يا سارة.. راما لديها وجهة نظر مشابهة جداً.. كانت تقول إن اللون حالة ضوئية تغير ملامح الأشياء.. لقد حولت الرمادي الباهت في الصالة إلى فضةٍ سائلة عبر عدستها." ​توقفت سارة عن الكلام. ساد صمتٌ مفاجئ، تداخل فيه صوت ارتطام الفناجين المجاورة كأنه دقات ساعة الحقيقة. لمحتُ في عينيها خيطاً رفيعاً من التوتر، وابتسامةً باهتة افتقرت لحيويتها المعتادة. ​"راما.. دائماً راما يا كريم،" قالت بصوتٍ هادئ يقطر عتباً مكتوماً. "منذ بدأنا
اقرأ المزيد

كيمياءُ الظلالِ والقبلةِ المسروقة

كانت رائحةُ "الفشار" الممزوجة ببرودة المكيفات في ردهة السينما تعيدني، رغماً عني، إلى زنزانتي في السكن؛ أتخيلُ عالماً لا أكون فيه وحيداً مع أشباحي. وقفتُ بجانب سارة وهي تختار التذاكر؛ كانت تفيض حيوية، عيناها تلمعان ببهجةٍ طفولية وهي تختار فيلماً درامياً: "أحتاجُ لجرعةٍ من العاطفة يا كريم، الهندسةُ جففتْ روحي." ​دخلنا القاعة المظلمة، وجلسنا في المقاعد الخلفية حيث يسودُ صمتٌ مريب. كانت الشاشة تعكسُ أضواءها المتقلبة على وجه سارة، لترسم ظلالاً غامضة جعلت ملامحها تبدو أكثر عمقاً. بدأتُ أراقبها بطرف عيني؛ كيف تبتسم للمواقف اللطيفة، وكيف تضيق عيناها في اللحظات المتوترة. ​في منتصف الفيلم، وصل السردُ لقمة الألم؛ مشهد وداعٍ تحت مطرٍ اصطناعي وموسيقى كمانٍ حزينة تذبح الروح. شعرتُ بسارة تشدُّ قبضتها على يدي، والتفتُّ إليها فرأيتُ لمعة الدموع في عينيها؛ تأثرٌ صادق جعلني أشعر برغبةٍ غريزية في حمايتها.. أو ربما في حماية نفسي. ​في ذلك الظلام الحميم، حدث "الانزلاق الزمني" الذي رعبتُ منه. انمحت الشاشة، وتلاشت القاعة، وعدتُ لليلة الفيلم مع راما. تذكرتُ عطرها الذي كان يملأ المكان، وحركة شفتيها وهي تحلل
اقرأ المزيد
السابق
123456
...
11
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status