Home / الرومانسية / ظل بارد / Chapter 71 - Chapter 80

All Chapters of ظل بارد : Chapter 71 - Chapter 80

93 Chapters

البارت الحادى والسبعين

جلس أيمن على الأريكة المتهالكة غارقًا في لُجّةٍ من الشك والشرود، ظهره منحني قليلًا كمن يقف في مهب ريح عاتية، وكأن همَّ الدنيا بأسرها قد استقر كصخرة جلمود فوق كتفيه المهدودتين.كانت عيناه الغائرتان معلّقتين بصغيره يزن، الذي كان يجلس على البلاط العاري يلعب بمكعباته البلاستيكية في براءة طفولية ناصعة، لا تفقه شيئًا من طقوس الحرب الدائرة من حوله. كان الصغير يصفّ القطع الملونة فوق بعضها ليرفع برجًا صغيرًا، ثم يهدمه بضحكة غريره ويعيد بناءه من جديد، بينما والده يحدّق فيه بنظرة طويلة، واجفة... نظرة رجل مكسور يخشى في أعماقه أن ينهار سقف حياته وكل ما بناه في غفلة من الزمن، كما تنهار تلك المكعبات الصغيرة تحت أصابع ولده.لكن عقل أيمن في الحقيقة لم يكن مع ابنه ولا مع لعبه؛ كان تائهًا، مبعثرًا في دوامة كابوسية من الأفكار السوداء والثقيلة: استدعاءات المحاكم… همز ولمز الناس في الحارة… ونظرات ليلى الصارمة الباردة التي جمدت الدم في عروقه صباح اليوم… وذاك الإحساس الخانق والمذل بأنه أصبح فجأة، ولأول مرة في حياته، في الجانب الخاسر والمهزوم من المعركة.على الناحية الأخرى من الغرفة المغمورة بظلال الكآبة، جلس
Read more

البارت الثانى والسبعين

تطلعت سلمى إلى ليلى بدهشة عارمة، واتسعت عيناها بذهولٍ شابتْه حيرة حقيقية، كأنها تحاول جاهدة استيعاب وتفكيك شفرات الكلمات التي ألقتها ليلى على مسمعها للتو، وسألتها بنبرة متلعثمة:- يعني إيه يا ليلى؟ يعني كدة خلاص… نويتي وتوكلتي على الله وهتتجوزي المحامي؟لثانية واحدة عميقة ومطبقة صمتت ليلى، ورسمت على وجهها ملامح جادة، ثم فجأة… انفجرت ضاحكة. ضحكة طويلة، متهدجة ورنانة، حملت في طياتها من السخرية السوداء والتهكم المرير أكثر بكثير مما يحمله الفرح أو الارتياح. هزّت رأسها يمنة ويسرة في تعجب، وهي ترفع سبابتها لتمسح طرف عينيها من أثر دمعة فرت بفعل الضحك، وقالت مستنكرة- أوافق عليه؟ محامي إيه ده يا سلمى اللي أوافق اتجوزه؟مالت ليلى بجسدها قليلًا إلى الخلف، واستندت على ظهر مقعدها في استرخاء مريب، بينما لمعت عيناها بذوق وذكاء بارد، ثاقب، لا تفوته لفتة، وتابعت قائلة- أولًا وقبل أي حاجة… الحكاية دي بالنسبة له مش مشاعر ولا جوازة حقيقية، دي صفقة عمر وتجارة رابحة. هو شايف قدامه ست قوية، نصبت فخ لطليقها وطلعت منه كسبانة شقة تمليك وعفش كامل بالمناديل.. واحدة موراهاش عيل يربطها، ولا تيل يهددها… والأهم من
Read more

البارت الثالث والسبعين

كانت الأمور تزداد تعقيدًا وإظلامًا، كخيوطٍ صوفية عتيقة تشابكت عقدها بغلّ، حتى ما عاد أحدٌ من أطراف اللعبة يعرف من أين يبدأ فكّها أو بترها. بين ضياعٍ ينهش العقول ويلتهم ما تبقى من حكمة، وهروبٍ اضطراري غادِر لا يملك أصحابه في ليله طريقًا واضحًا أو خط رجعة.تبدلت الأدوار فجأة وبلا تمهيد، كأن القدر صياد ماهر أعاد ترتيب المسرح، ونقل العرائس من خيوطها دون استئذان. هدأت نيران الانتقام في صدورٍ كانت مشتعلة بالأمس كأتون جحيم، وفي المقابل اشتعلت نيران غدرٍ وقهر أخرى في قلوبٍ بليدة كانت تظن نفسها آمنة في بروجها المشيدة. اتسعت الفجوة السحيقة بين المرء ونفسه، وبين المرء ودمه، حتى صار الوقوف على طرفيها أشبه بوقوف غرباء في محطة قطار مهجورة، لا يجمعهم سوى ذكرى قديمة شائهة لبيتٍ كان دافئًا يومًا ما.بينما آخرون… اشتد عودهم على وقع الألم المسكوب فوق الرؤوس، صلبتهم الخسارات المتتالية حتى علمتهم الجحود، وصهرتهم التجارب في أفرانها الضيقة، فلم يعودوا أبدًا كما كانوا؛ صاروا كالفولاذ الأسود… لا ينثني لتهديد ولا يلين لرجاء، حَمُولين كالجِبال الرواسي… يحملون أوجاعهم وهزائمهم وصراعاتهم الداخلية في صمتٍ مطبق يُش
Read more

البارت الرابع والسبعين

راح أيمن يربت على ظهره الهزيل بارتباك شديد ورعب هز كيانه، يقبّل رأسه ووجهه بجنون أعمى، ويضغطه إلى ضلوعه وكأنه يخشى أن يُنتزع منه أو يتلاشى إن أرخى قبضته ثانية. كان قلبه يدق بعنفٍ وهيجان يكاد يمزق عظام صدره.أما سمر… فكانت واقفة أمامه الآن على بعد خطوتين، شعرها مبعثر يغطي وجهها الشاحب، أنفاسها سريعة ومتلاحقة كمن بذل جهدًا خرافيًا، وعيناها جاحظتان ومتسعتان بطريقة غريبة، غامضة ومخيفة… كأنها استفاقت لتوها من مس شيطاني ولا تصدق بشاعة ما اقترفته يداها، أو كأنها ما زالت غارقة في لجّة تلك اللحظة المظلمة ولم تخرج من أسر غلها بعد.تطلعت إلى أيمن وإلى الصغير يزن بنظرة خالية من أي ندم، نظرة مشحونة بتحدٍ مريض وكسرة قاتلة.وفي تلك اللحظة تحديدًا… سقط آخر سقف للامان. لم يعد البيت بيتًا، ولا الجدران جدرانًا تحمي من غدر الدنيا؛ تحول المكان فجأة، وبلا رجعة، إلى ساحة مواجهة دامية وموحشة… حيث سقط آخر قناع، وبانت الوحوش الكامنة في النفوس، معلنةً أن الحرب الحقيقية قد بدأت الآن داخل جدران بيته، وضد دمه ولحمه.✨✨✨✨✨✨✨جلست ليلى إلى جوار عمتها وفاء، والصمت الرهيب يربض بينهما كضيفٍ ثقيل، غليظ الظل، لا يعرف كيف
Read more

البارت الخامس والسبعين

انتهت سعاد من وضع اللمسات الأخيرة على مائدة طعام الغداء، ومسحت كفيها المبللتين في طرف مريلتها الملطخة بآثار المطبخ، وهي تلتفت بلهفة نحو باب الشقة الخارجي بعد أن سمعت صرير مفتاحه المألوف يُفتح. وما إن وقع بصرها على ابنها نادر حتى تهللت أسارير وجهها المتعب، وارتسمت ابتسامة أمومة دافئة وعريضة على شفتيها غسلت عنها عناء اليوم - أهلاً أهلاً بالغالي... اتأخرت كل ده ليه يا نادورة؟ الأكل خلاص قرب يبرد. اقترب نادر منها بخطوات واسعة سريعة، وملامح الحماس والابتهاج واضحة على تقاسيم وجهه كطفل غرير يحمل في جعبته خبرًا خرافيًا وعيدًا كبيرًا، وقال وهو يلتقط أنفاسه - كنت مع ليلى أختي من الصبح يا ماما... راحت النهاردة مع أيمن المجمع عشان تتنازل رسمي عن كل القضايا والمحاضر اللي بينها وبينه، وطبعًا في المشاوير دي والمحاكم لازم يبقى معاها راجل يسندها و يخلّص الورق... تجمّدت سعاد في مكانها عند سماع تلك الكلمات، كأن صدمة كهربائية خفيفة سرت في جسدها. توقفت يدها المرفوعة في الهواء وهي تسوي ثوبها، وكأن حركة الزمن في الغرفة قد تعثّرت وسقطت فجأة في بئر السكون. لكن نادر، الغارق في تفاصيل رحلته، لم ينتبه إطلا
Read more

البارت السادس والسبعين

جلست ليلى، واضعةً ساقًا فوق الأخرى في ثقةٍ طاغية وثباتٍ تملكه الصخر، وكانت هناك ابتسامة خفيفة، مبهمة، تلتمع كشفرة الحسام على شفتيها النضرتين. جلست أمام المحامي الذي لم يتوقف منذ بداية الجلسة عن رميها بنظرات الإعجاب والتلويح بعبارات الغزل الرخيصة، ظنًا منه أنها صيدٌ سهل وثمين ألقت به الأيام في شباكه. نظرت إليه ليلى بعينين واسعتين مملوءتين بالمكر والذكاء الحاد، وسألته بهدوءٍ قاتل يخبئ وراءه تحديًا بركانيًا - آخر كلامك يعني إيه يا متر؟ تعالى كده معايا دوغري....... أنا ست مش بحب اللف والدوران، ولا بآكل من الكلام المعسول. ابتسم المحامي بثقةٍ عمياء، ورأى في سؤالها ضوءًا أخضر يعلن استسلامها، فتخلى عن مقعده الوثير خلف مكتبه الضخم، وتقدم بزهو مفرط نحو المقعد المقابل لها مباشرة، ثم قال بسعادة غامرة ظنًا منه أنه شارف على قنص هدفه - بصراحة كدة ومن غير لف ودوران… أنا عاوز أتجوزك يا ليلى. لم تهتز ليلى، ولم يطرف لها جفن، بل اتسعت ابتسامتها الباردة؛ فقد قررت اليوم، وفي هذه اللحظة تحديدًا، أن تغلق هذا الباب العفن إلى الأبد، وأن تضع حدًا لألاعيب هذا الثعلب. قالت بنبرة هادئة مستدرجة - تمام… كلام ك
Read more

البارت السابع والسبعين

عادت حياة ليلى إلى شيءٍ يشبه الاستقرار… ليس ذلك الاستقرار الكامل الذي يمنح المرء رفاهية الطمأنينة المطلقة، بل ذلك الهدوء الرزين الذي يعقب عاصفة هوجاء طويلة؛ حين تظل الأرض مبتلة بطين المعارك، لكن السماء تتوقف أخيرًا عن الصراخ، وتسمح لخيام الراحلين بأن تستقر. كانت تعيش الآن في كنف والديها. البيت الذي خرجت منه يومًا خائفة، مكسورة الجناح ومثقلة بالاتهام، عادت إليه اليوم امرأة مختلفة تمامًا؛ أكثر صمتًا… وأكثر صلابة، كأن النيران التي مرت بها لم تحرقها، بل صقلتها. وكان وجود الصغير يزن بجوارها هو البلسم الذي داوى جروح روحهما معًا. كان يتحرك في أرجاء البيت ببراءته المعتادة، يركض خلف ألعابه البسيطة، يضحك فتهتز الجدران الصامتة، وينام على كتفها أحيانًا وهو يبث دفء أنفاسه الصغير في عنقها، ويناديها خالتي بصوتٍ رخيم يذيب كل جليد تراكم في قلبها جراء خذلان أيمن وأهله. كلما نظرت إلى تفاصيل وجهه، شعرت أن ندى ليست بعيدة؛ كأن طيف أختها الراحلة يحوم في المكان، يراقب الصغير، ويطمئن على الأمان الذي حُرمت منه في قبرها. وأحيانًا، حين تقف ليلى أمام قبر ندى تنثر الورد والدموع، كانت تشعر بشيءٍ غريب وعميق… تشعر
Read more

البارت الثامن والسبعين

أحيانًا… وبعد كل هذا الضجيج من الخسارات والخذلان، يتسلل إلى القلب شعورٌ هادئ لا نعرف كيف جاء. لا يطرق الأبواب بقوة، ولا يعلن حضوره بالكلمات، بل يأتي خفيفًا… كنسمة تمرّ على روحٍ أنهكها الصراع. نحاول أن نقاومه، أن نقنع أنفسنا أن القلب لم يعد مكانًا آمنًا لأحد، لكن الحقيقة التي نخشى الاعتراف بها… أن أكثر القلوب المكسورة شوقًا للحياة هي القلوب التي ذاقت الألم. وفي هذا البارت… قد لا تختفي الجراح، لكن ربما… تتعلم لأول مرة كيف تنبض بهدوء ✨✨✨✨✨✨✨✨✨ كان المحامي يذرع الممرّ ذهابًا وإيابًا بعصبية مفرطة، تنمّ عن بركانٍ أوشك أن ينفجر من صدره. كانت خطواته سريعة، متلاحقة، وثقيلة، كأن الأرض بما رحبت تضيق بمطامعه وهيبته التي دُيست في الوحل. يداه تتحركان في الهواء بحركات تشنجية حادة، وأصابعه تضرب كفّه بين الحين والآخر بصفعات مكتومة، بينما وجهه محتقن بدم الغيظ الذميم. على المقعد الخشبي القريب، كان صديقه يجلس واضعًا رجلًا فوق أخرى، يتابعه بعينين قلِقتين. بدا أن التوتر قد تسلل إلى أطرافه هو الآخر، ولم يعد يحتمل تلك الحركة المغزلية التي لا تهدأ في أرجاء المكتب الضيق. زفر بضيق وقال محاولًا
Read more

البارت التاسع والسبعين

وعلى النقيض تمامًا من حالتها المشتعلة بالقلق، والتحسّب، والاضطراب، كان أمجد يعيش في ملكوتٍ آخر لا يمتّ بصلة إلى عالمها المثقل بالشكوك؛ عالمٍ غزلته يد الهوى خيطًا خيطًا ليليق برجلٍ ذاق العشق لأول مرة في حياته. كان هائمًا… عاشقًا حتى آخر نبضة في قلبه، مأخوذًا بفتنتها كمن تلبّسته تعويذة سحرية لا يرجو منها شفاءً. كان يسير في طرقات يومه كمن يحمل كنزًا سريًا ثمينًا بين ضلوعه، تخاف عليه أنفاسه أن تبدده؛ ابتسامة خفيفة، دافئة تتسلل إلى شفتيه في غفلةٍ منه، ونظراته تسرح بعيدًا، تخترق الجدران والوجوه لتطارد طيفًا وارفًا عذبًا لا يبصره في هذا الوجود سواه. كل شيء من حوله بدا أخفّ وأجمل مما هو عليه في الواقع؛ كأن قسوة الدنيا قد هُدنت لأجله، فصار الهواء في رئتيه ألين وأكثر عذوبة، والضوء المسكوب فوق عينيه أدفأ، وحتى ضجيج الحياة الصاخب، بمعاركها اليومية وسعيها المتعب، تحوّل في مسامعه إلى موسيقى خافتة، حالمة، تمرّ من حواسه دون أن تخدش سكينة روحه الطافية. كان قلبه كحديقةٍ ربيعية غنّاء، فُتحت بواباتها المغلقة فجأة بعد شتاءٍ قارس، طويل، وطاعن في الصقيع؛ تتفتح في أرجائها مشاعر بكرٌ لم يختبر عصفها من قبل.
Read more

البارت الثمانون

كان الليل قد ألقى بثقله الداكن على الجميع، وساد وجومٌ رصاصي كأن لكل قلبٍ منهم ليلًا خاصًا به، ليلًا أشد عتمة وأطول مدى من الليل نفسه، تنمحي فيه المظاهر وتتعرى أمام مرآته الضمائر والسرائر. كانت تجلس بمفردها في ركن غرفتها، وساقاها مَضومتان إلى صدرها، تحدق في الفراغ الساكن بينما الأفكار تتشابك في عقلها كخيوطٍ معقدة أفسدها كثرة الشد. اسم أمجد يمرّ في خاطرها كثيرًا هذه الأيام، يتردد كأغنية قديمة دافئة، يطرق بوابات قلبها المتعبة بهدوءٍ عنيد لا يكل ولا يمل. قلبها ما زال يدق له، بل إن دقاته تزداد تلاحقًا كلما تذكرت رجولته العفيفة ورفضه الكبريائي للحلول السهلة؛ تلك الحقيقة العارية التي تحاول إنكارها والهروب منها كل صباح، لكنها تعود دائمًا مع عتمة الليل لتواجهها بها في عنفوان. لكن الخوف في جوفها كان أقوى، أشرس من رغبتها في الاستسلام. الخوف من أن تكرر الدائرة الخبيثة نفسها، أن تمنح مفاتيح قلاعها ليدٍ أخرى فتدفع الثمن غاليًا من بقايا روحها الممزقة. كانت تشعر بعجزها وهي تقف متجمدة بين بابين مشرعين: بابٌ دافئ خلفه رجل يحبها بصدق مستعد أن يشتري رضاها بشقائه، وبابٌ آخر موحش خلفه ذكريات الخذلان والج
Read more
PREV
1
...
5678910
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status