اندفع أمجد إلى داخل البيت بخطواتٍ متلاحقة، سريعة، كأن جدران الممر لا تتسع لخطواته الوثابة، والفرح الطاغي يفيض من تقاطيع ملامحه وعينيه بطريقةٍ بكرة، مشعة، لم تعهدها أمه منه منذ سنواتٍ طوال. ما إن وقعت عيناه على والدته الجالسة في صدر الصالة، حتى اقترب منها فورًا بوجهٍ متهلل، واحتضنها بقوةٍ وعنفوان جارف، كأنه يود أن يصبّ في جسدها الوهن جزءًا من عافية روحه الجديدة، ثم انحنى يطبع على رأسها قبلةً حارة، ممتلئة بحنانٍ عميق واحترامٍ جم. تطلعت إليه والدته بدهشةٍ بالغة، امتزجت في حدقتيها بسعادةٍ فطرية؛ فقد اعتادت منه منذ شهورٍ مضت أن تراه شارد اللب، واجمًا، صامتًا كجدار، غارقًا بكليته في حزنٍ مكتوم وأسفٍ دفين لا يفصح عن أسبابه لأحد… أما الآن، فكان يقف أمامها شامخًا، متوهجًا، كأن دماء الحياة عادت لتسري في عروقه بقوةٍ وعنفوان من جديد. ربّتت بكفها المرتعشة على كتفه العريض بحنان الأمومة، وقالت وثغرها ينفرج عن ابتسامةٍ رقيقة - خير يا قلب أمك.. شايفاك مبسوط والضحكة مالية وشك أوي النهاردة، ربنا يفرح قلبك دايماً. أمسك كفها بين كفيه الدافئتين وقبّلها باحترامٍ بالغ، وعيناه العسليتان تلمعان ببريقِ فرح
続きを読む