All Chapters of وليتني مت قبل هذا : Chapter 1 - Chapter 10

10 Chapters

الأول

في منزلٍ عريقٍ بحيٍّ راقٍ بالإسكندرية، تجتمع أسرةٌ ميسورة الحال حول مائدةٍ فخمةٍ تحتوي على كل ما لذَّ وطاب احتفالًا بفطور أول أيام شهر رمضان المبارك. كان يترأس المائدة كبير الأسرة «علي الهنداوي»، رجلٌ ذو هيبةٍ ووقار، قد زيَّن الشيب رأسه ليفصح عن بلوغه السبعين عامًا أو يزيد.يجاوره عن يمينه ولده الأكبر «سليمان»، ذو الأربعين عامًا، وزوجته «صافية» تجلس أمامه على الجانب الآخر من المائدة، يتبعه الأخ الأوسط «عبدالقادر» الذي يبلغ خمسةً وثلاثين عامًا، وزوجته «زينب» تجلس إلى جانب «صافية»، ويتلوه الأخ الأصغر «يحيى» ابن الثلاثين عامًا، وتجلس أمامه زوجته «يُسر» التي تحمل طفلتها الرضيعة «نور»، وإلى جانبها طفلها «زياد».حمحم الأب بقوة وهو يبسط ساعديه ويثنيهما في حركةٍ سريعة استعدادًا لتناول الطعام، وقال بصوتٍ قوي:— كل سنة وإنتوا طيبين يا ولاد.. يلا بسم الله.ردد الجميع دعاء الإفطار، وبدأوا بتناول فطورهم، وكلٌّ منهم يستعيد ذكريات الأعوام الماضية، ليقول «علي»:— ادعوا لزاهية، الله يرحمها.. النهارده تالت رمضان نفطر من غيرها.دعا الجميع لها بالرحمة، ليبادر سليمان قائلًا:— ربنا يطولنا في عمرك يا با، و
last updateLast Updated : 2026-05-21
Read more

الثاني

بعد أذان الفجر صلّى يحيى فرضه وودّع زوجته وأطفاله قائلًا:— إن شاء الله هنحاول نستلم بسرعة ونرجع قبل الفطار، ولو ملحقناش هنفطر في الطريق، وإبقي افطري إنتِ والعيال مع الجماعة عند سليمان.أومأت يُسر بموافقة ليبتسم لها قائلًا:— ومش عاوز مشاكل، أنا فهمتك كل حاجة، ولما أرجع هفهمك بزيادة.ابتسمت باتساع وقالت:— اللهم إني صايمة.. يلا اتكل على الله ومتنساش تجيبلي الحاجات اللي كتبتها لك في الورقة.أشار إلى عينٍ تلو الأخرى وقال:— من عنيا الاتنين.. لما نور تصحى بوسيهالي وخلي بالك منها وأكليها كويس.— حاضر، مع السلامة.نزل يحيى من شقته ليطرق في طريقه باب شقة عبدالقادر، قبل أن يفتح له الباب وهو يستعد فقال:— ثواني بس يا يحيى هجيب الفلوس وأنزل.قال:— ماشي براحتك، أنا هستناك تحت.نزل يحيى درجات السلم ليتصادف مع انفتاح باب شقة سليمان، قبل أن تخرج منه «غزل» التي ابتسمت فور أن رأته وقالت:— صباح الخير.ابتسم بلطفٍ كبير وأردف:— صباح الخير يا غزال، على فين كده؟اتسعت ابتسامتها أكثر لمناداته لها بذلك اللقب الذي طالما ناداها به منذ طفولتها فقالت:— ماشية بقى عشان بابا ميفطرش لوحده النهارده كمان.قال مت
last updateLast Updated : 2026-05-21
Read more

الثالث

كانت الشمس قد نثرت خيوطها الذهبية ليعمّ ضوءها الكون بأكمله، معلنةً عن قدوم صباحٍ جديد تتخلله بدايات ونهايات، وما بينهما يذوب القلب ذوبانًا.كان الجميع حاضرون بشقة زينب بعد استقبال المولود الجديد، حيث كانت صافيه تقوم برعاية زينب، وتُسر تحمل المولود، وغزل تساعد «أم حسين» في تدبير شؤون المنزل.نهض «علي» عن مقعده وهو يتحدث إلى عبدالقادر قائلًا:— اللي جابلك يخليلك يا قدّورة، وحمد الله على سلامتهم.نهض عبدالقادر احترامًا لوالده وقال:— الله يسلمك يا با، ويبارك في عمرك، يتربى في عزك إن شاء الله.تمتم الأب وهو يتجه باتجاه باب الشقة:— يتربّوا في عزك إنت وأمهم يا ابني، هنزل أنا بقى أريح شوية قبل صلاة الضهر.— اتفضل يا حج.نهض سليمان بدوره ليربت على كتف أخيه قائلًا:— اتجدعن يا قدّورة، حمد لله على سلامتهم.— الله يسلمك يا سليمان، رايح المحل ولا إيه؟!أومأ سليمان موافقًا وقال:— أيوة، هروح أبص بصّة كده وأجي أريح شوية، سي يحيى منيمناش الليل.ابتسم عبدالقادر وقال:— صحيح، إنت مكلمتش يحيى؟ اطمنت عليه وصل ولا لسه؟— والله راح عن بالي خالص، بس أكيد وصل، دي الساعة داخلة على 11.— طب كلّمه كده قبل ما
last updateLast Updated : 2026-05-21
Read more

الرابع

قبل أربـع ساعات— حااااااااااسب!اخترق صوت بسّام أذن يحيـى كصفعةٍ مباغتة، فرفع رأسه ليفاجأ بشاحنة نقلٍ ثقيل تشق الطريق نحوهم بسرعةٍ مرعبة. تحركت يده بغريزة النجاة وانحرف بالمقود محاولًا تفادي الاصطدام، لكن السيارة فقدت اتزانها وانزلقت إلى منطقة منخفضة على جانب الطريق.وفي لحظةٍ خاطفة…انفتح الباب المجاور ليحيـى بعنف، فانقذف جسده إلى الخارج متدحرجًا على الأرض عدة مرات، بينما استمرت السيارة في اندفاعها قبل أن تشتعل النيران بها وتنفجر.لم تمضِ سوى لحظات حتى ظهر رجلٌ يترقب الطريق كما لو أنه ينتظر وقوع مثل تلك الكوارث. اقترب سريعًا من يحيـى، سحبه إلى منطقة بعيدة عن الأنظار، ثم أخرج هاتفه واتصل بأحدهم.جاءه الصوت من الطرف الآخر:— هاا، عندك جديد؟ابتسم الرجل ابتسامةً جشعة وقال:_الجديد كله هنا… حتة بشواتي متدبّش فيها مقص.= راجل ولا ست؟_شاب… في حدود التلاتين. آخده المستشفى ولا أسيبه؟ساد الصمت لثوانٍ قبل أن يأتيه الرد حاسمًا:= تسيب إيه يا غبي؟ هو إحنا بنلاقي جثة كل يوم؟ إيه ظروفه؟ معاه ورق؟_واقع من عربية موديل السنة، والعربية بقت حتة فحمة أهي… ولأ، مفيش معاه أي إثبات شخصية.= طيب ربنا يس
last updateLast Updated : 2026-05-21
Read more

الخامس

أنا مين؟!.. مش عارف.خرجت الكلمات من بين شفتيه متقطعة، ضائعة، كأنها صادرة عن رجلٍ استيقظ في عالمٍ لا يعرف عنه شيئًا.تجمّد مصعب للحظة وهو يطالعه بعدم استيعاب، ثم قطّب حاجبيه وقال بدهشة:— مش عارف؟! يعني إيه مش عارف؟!رفع يحيى يده ببطء نحو رأسه وضغط عليها محاولًا انتزاع أي ذكرى، أي صورة، أي اسم… لكن الفراغ كان سيد الموقف.أغمض عينيه للحظات ثم فتحهما مجددًا، وعيناه تحملان ارتباكًا خالصًا لا أثر فيه لادعاء أو مزاح.وقال بصوتٍ خافت:— والله… مش فاكر حاجة… ولا عارف أي حاجة.ثم سكت قليلًا كأنه يبحث داخل نفسه عن شيءٍ مفقود، قبل أن يضيف بشرودٍ موجع:— حاسس إن دماغي… صفحة بيضا.اتسعت عينا مصعب شيئًا فشيئًا، ثم تمتم بذهول:—معقول… تكون فقدت الذاكرة؟!التقط يحيى الجملة كأنها شيءٌ ثقيل أُلقي فجأة فوق صدره، فنظر إليه مصدومًا بينما أكمل مصعب بتفكير:— أكيد الضربة اللي خدتها على دماغك أثّرت على الذاكرة.قطّب يحيى حاجبيه وقال بتوتر:— ضربة؟!.. مين ضربني؟! وإيه اللي حصل أصلًا؟تنهد مصعب ثم جلس قبالته وقال بهدوء:— إمبارح لقيناك مرمي على الطريق… غرقان في دمك. وكان في شابين بيجروا من بعيد، ملحقناش نشوف
last updateLast Updated : 2026-05-21
Read more

السادس

ذهبت يُسر إلي بيت أهلها ليستقبلها أشقائها الصغار بفرحة عارمه و هم يتسارعون إليها لتخرج هي الحلوي و الهدايا من حقيبة يدها قبل أن تري والدتها التي تتقدم نحوها بخطوات متباطئه متثاقله فنهضت هي تستقبلها لتحتضنها بإشتياق كبير ثم قالت: مالك يا ماما بس صحتك في النازل و مش راحمه نفسك بردو. تمتمت والدتها بتعب وقالت: مفيش يا حبيبتي أنا كويسه، إنتي عامله إيه و عيالك عاملين ايه؟ أومأت يُسر بهدوء وقالت: كويسين، زياد مع جده و نور مع صافيه و أنا قولت آجي أشوفكوا و أطمن عليكوا. ربتت أمها علي فخذها وقالت: شافتك العافيه يا حبيبتي. نظرت حولها وقالت: أومال سبع البرمبه فين النهارده؟! جاتله مصيبه خدته ولا إيه؟! ضحكت والدتها بإقتضاب وقالت: بره عالقهوة. تسائلت يُسر: ليه معندوش شغل بردو؟! أومال بتاكلوا و تشربوا منين؟! قالت أمها بحزن: لولا القرشين اللي بتديهوملي كل مرة كان زمان إخواتك ماتوا من الجوع. قالت يُسر بضيق: و إنتي بتصرفي عليه من الفلوس دي يا ماما؟! أنا مش بقولك الفلوس دي لعلاجك و عشان لو إخواتي إحتاجوا حاجه؟! _هعمل إيه يا يُسر؟! أهي أيام و بتعدي زي ما تعدي. أومأت يُسر وفتحت حقيبتها لتخرج الكث
last updateLast Updated : 2026-05-28
Read more

السابع

مرّت الأشهر المنصرمه عليهِ وكإنها أعواماً لا تُعد ولا تحصي فـ كم تمني بكل يوم يمضي أن تعود إليه ذاكرته و يكتشف هويّته و لكن أحلامه تضيع هباءً منثوراً، كان يأمل في كل مساء أنه سيفيق غداً وقد تذكر من هو و ماذا أودي بِحياته حتي أصبحت هكذا ليفاجأ بأنه لازال يحمل تلك الذاكرة الفارغه و يعود إليه الإحباط و خيبة الأمل من جديد. نهض عن فِراشِه عندما إستمع إلي آذان الفجر ليتوضأ و يصلّي الفجر ثم جلس يقرأ بالمصحف الذي لا يعلم هل هو خلصّته أم أن أحدهما قد أعطاه له ثم إنتبه علي حركة مِصعب وهو يستعد للخروج إلي عمله فهرول ناحيته وقال: مصعب إنت نازل الشغل مش كده؟! أومأ مِصعب قائلاً: أيوة يا محمد، عايز حاجه؟! _عايز آجي معاك؟! نظر إليه مصعب بتعجب وقال: تيجي معايا فين؟! _هاجي معاك دريم بارك. قالها يحيـي ساخراً ثم أردف بجدية: هيكون فين يعني يا مِصعب، هاجي معاك الشغل، أنا زهقت من القعده و عايز أشتغل. قال مصعب شارحاً: أيوة بس إحنا شغلنا صعب و كله لم خرده و قرف، و إنت إيديك ناعمه شكلك إبن ذوات يعني ومش وش بهدله. قال يحيـي مستنكراً: ملكش دعوة وش بهدله ولا لأ، أنا مصمم أشتغل معاك في الخردة، هو إنت أرجل
last updateLast Updated : 2026-05-29
Read more

الثامن

كان مقيّداً بأغلالً من شوك لم يستطع حلّها أو نزعها و لكن قدماه كانتا محررتان ليفيق من غفلته و يهرول سريعاً إلي الخارج ليجد إمرأةً جميله تقف بعيداً علي مدد بصره ليركض بإتجاهها فإذ بها تعود للخلف ليعود و يركض نحوها مرة أخري ليجدها وكلما إقترب منها إبتعدت أكثر ليتيقن أنها سراب و أنه لن يتمكن من اللحاق بها فوقف مستنداً بيديه إلي ركبتيه يحاول إلتقاط أنفاسه اللاهثه ليستمع إلي صوتٍ يصدح بعيداً ليعتدل قائماً فوجدها تشير له بالإقتراب منها وهي تناديه بإسمٍ لم يستطع تمييزه ليعود و يهرول نحوها مرةً أخري ليسقط في قاع بئرٍ مظلم فـ طفق يصرخ مستغيثاً وهو ينظر للأعلي ينتظر مرور أحدهم ليراها تقف علي حافة البئر و هي تنظر إليه ببكاء و تمدّ يدها نحوها تريد مساعدته قبل أن تختفي و تعود مجدداً وهي تلقي إليه بـ حبل أمسك هو به و سحبته للأعلي حتي وصل إلي قمة البئر لترتفع ضحكاته فرحاً بالنجاه قبل أن تنقشع عنه مجدداً و تتحول إلي صرخات مستجديه وهو يراها تترك طرف الحبل من بين يديها ليهوي هو إلي قاع البئر من جديد فـ ظلّ يصرخ و يناديها مستغيثاً بينما عَلَت ضحكاتها الساخرة لتتركه و تبتعد مختفيه عن أنظاره. إنتفض يحيـي
last updateLast Updated : 2026-05-30
Read more

التاسع

صعد سليمان إلي شقته و دلف ليجد صافيه تتحدث إلي "غَزَل" عبر الهاتف ليشير إليها مبتسماً وقال: سلميلي عليها و قوليلها إني مخاصمها. إبتسمت صافيه وقالت لـ غزل: عمك سليمان بيقوللك إنه مخاصمك. ثم نظرت إلي سليمان وقالت: بتقولك متقدرش علي زعلك بس الشغل الجديد لخمها. أومأ موافقاً لتقول صافية: ماشي يا حبيبتي، علي العموم خلي بالك من نفسك و إسمعي كلام بابا هو عارف مصلحتك، وأنا هبقا أكلمك وقت تاني! أنهت المكالمه لتتقدم من سليمان و تجلس إلي جانبه مبتسمه بلطف وقالت: إيه يا حبيبي أعملك تتعشي؟ تصنّع الضيق و زفر مطولاً ثم مسح وجهه بغضب لتتسائل بقلق وقالت: مالك يا سليمان، فيك إيه؟! نظر إليها كثيراً ثم تمدد علي الأريكه ليضع رأسه علي قدمها و يقول بنبرة حزينه أتقن صُنعها: تعبان يا صافيه. تسائلت بلهفه و أسي وقالت: مالك يا حبيبي تعبان من إيه كفي الله الشر. _أبويا مخاصمني و مش راضي يكلمني من إمبارح، جيت دلوقتي أتكلم معاه مرضيش يكلمني و قاللي مليش كلام معاك غير لما تنفذ اللي قولتلك عليه. قطبت جبينها بتعجب وقالت: طيب ما تعمله اللي هو عايزه يا سليمان ما إنت عارف عمي الحج طيب و أكيد مش هيطلب منك غير الصال
last updateLast Updated : 2026-05-31
Read more

العاشر

كانت غزل تجلس إلي جوار السيدة كاريمان تسند يديها أسفل خديها وتستمع إلي حكاياتها التي أصبحت جزءاً هاماً من يومها لتقول: أفهم من كده إنك فضلتي تحبيه رغم اللي كان بيعملوا فيكي و رغم إنه إتجوز عليكي! أومأت كاريمان بإبتسامه تمتزج بها آلام الذكريات وقالت: لله يرحمه مكانش سايبلي إختيار غير إني أحبه كل يوم أكتر من اللي قبله، طول عمره كان حنين عليا و عمره ما كان قاسي. تسائلت غزل بتعجب وقالت: كل ده و مكانش قاسي!! هي القسوة بالنسبة لك إيه؟! نظرت كاريمان أمامها بشرود و أردفت: القسوة ليها معاني كتيرة يا غزل غير اللي إنتي فاهماها، أو يمكن أنا عشان كنت بحبه أوي كنت ببص للأمور من زاوية تانيه غير كل الناس، القسوة بالنسبه لي هي مش إنه يضرب و يهين و يخاصم و يجافي، لأ، القسوة بالنسبه لي كانت لو جيت في يوم بكيت و ممسحش دموعي، لو لقاني عايزة أعيط و محضنيش، لو حسيت لمسته ليا راح منها الدفا اللي كان ملازمها، لو نبرة صوته وهو بيتكلم معايا مبقاش فيها نفس اللهفه اللي بيتكلم بيها. ثم نظرت إلي غزل وقالت: لو هنحسب القسوة بالمقاييس بتاعتي يا غزل فهو عمره ما كان قاسي عليا. لم يَسعها سوي أن تبتسم لتلك الكلمات ال
last updateLast Updated : 2026-06-01
Read more
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status