Masukبعد أذان الفجر صلّى يحيى فرضه وودّع زوجته وأطفاله قائلًا:
— إن شاء الله هنحاول نستلم بسرعة ونرجع قبل الفطار، ولو ملحقناش هنفطر في الطريق، وإبقي افطري إنتِ والعيال مع الجماعة عند سليمان.
أومأت يُسر بموافقة ليبتسم لها قائلًا:
— ومش عاوز مشاكل، أنا فهمتك كل حاجة، ولما أرجع هفهمك بزيادة.
ابتسمت باتساع وقالت:
— اللهم إني صايمة.. يلا اتكل على الله ومتنساش تجيبلي الحاجات اللي كتبتها لك في الورقة.
أشار إلى عينٍ تلو الأخرى وقال:
— من عنيا الاتنين.. لما نور تصحى بوسيهالي وخلي بالك منها وأكليها كويس.
— حاضر، مع السلامة.
نزل يحيى من شقته ليطرق في طريقه باب شقة عبدالقادر، قبل أن يفتح له الباب وهو يستعد فقال:
— ثواني بس يا يحيى هجيب الفلوس وأنزل.
قال:
— ماشي براحتك، أنا هستناك تحت.
نزل يحيى درجات السلم ليتصادف مع انفتاح باب شقة سليمان، قبل أن تخرج منه «غزل» التي ابتسمت فور أن رأته وقالت:
— صباح الخير.
ابتسم بلطفٍ كبير وأردف:
— صباح الخير يا غزال، على فين كده؟
اتسعت ابتسامتها أكثر لمناداته لها بذلك اللقب الذي طالما ناداها به منذ طفولتها فقالت:
— ماشية بقى عشان بابا ميفطرش لوحده النهارده كمان.
قال متعجبًا:
— ماشية بدري كده؟! طب استني لما النهار يطلع طيب.
أردفت بود:
— لا مفرقتش بقى.. أبو حسين هيوصلني.
أومأ موافقًا وقال:
— توصلي بالسلامة إن شاء الله.. مش عاوزة حاجة أجيبهالك من مصر؟!
تمتمت بهيامٍ دون وعي منها:
— عاوزة سلامتك وبس.
ابتسم وقال:
— الله يسلمك يا رب.. طب عن إذنك أنا بقى.
ولاها ظهره لتناديه هي قائلة:
— يحيى.
استدار ناظرًا إليها بانتباهٍ مستفهم، ليجد وجهها وقد أصبح كتلةً حمراء، فعلم بخجلها لأنها نطقت اسمه دون ألقاب فقال:
— نعم يا غزل؟! كنتِ عاوزة حاجة؟!
لم تجب سؤاله، ولكن امتدت يدها إلى حقيبتها وأخرجت منها مصحفًا صغيرًا وأعطته له وقالت:
— خد المصحف ده خليه معاك.. ترجع بالسلامة إن شاء الله.
اتسعت ابتسامته وقال:
— متحرمش منك يا غزل.. شكرًا بجد.
قاطع حديثه رنين هاتفه، فأجاب وهو ينظر لها متعجبًا ويقول:
— ده قدّورة.
— ألو.. أيوه يا قدّورة؟!
= أيوه يا يحيى بقولك.. زينب شكلها كده هتولد النهارده ومش عارف أعمل إيه؟! آجي ولا أخليني معاها؟
ابتسم يحيى قائلًا:
— والله مراتك دي مستقصداني، يعني يوم ولادة سيف كنت أنا مسافر ومعرفتش تيجي توصلني، ودلوقتي محبكتش تولد غير في يوم زي ده! خليك معاها يا عم وأنا هروح لوحدي.
= معلش يا يحيى غصب عني والله، بس أنا مش ضامن ترجع تولد وأنا مش هنا، ومحدش هيسلك معاها غيري.
— ولا يهمك يا عبدالقادر، ربنا معاها وتقوم بالسلامة إن شاء الله.
أنهى يحيى حواره الهاتفي وقال موجهًا حديثه إلى غزل:
— قدّورة مش هيعرف ييجي معايا عشان زينب هتولد.. هضطر أمشي لوحدي بقى.
تهلل وجهها وقالت بحماس:
— بجد زوبة هتولد!! ده أنا كده مش ماشية بقى، أصل أنا بحب اللحظات التاريخية دي.
تشدق ضاحكًا فقال:
— طيب يا ستي خليكي إنتِ احضري اللحظات التاريخية دي، وأنا هطير بقى عشان ألحق أوصل قبل الميعاد.
أومأت موافقة وقالت:
— ربنا معاك.. مع السلامة.
نزل يحيى إلى شقة والده وطرق الباب قبل أن يدلف إلى غرفته فوجده قائمًا يصلي، فانتظر حتى انتهائه وتقدم منه مقبلًا يديه وقال:
— أنا ماشي يا با، عايز حاجة؟!
ربت والده على كتفيه قائلًا:
— ربنا يسهل عليك يا بني، تروحوا وترجعوا بالسلامة.
— قدّورة مش جاي أصل مراته شكلها تعبانة وبتولد.
= وهو كذلك.. ربنا يسترها معاك.. مع السلامة.
انصرف يحيى للخارج واستقل سيارته وانطلق بها نحو القاهرة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ارتفع صراخها وزلزل جدران البيت محدثًا ضجةً عارمة، لقد اشتدت آلام المخاض حتى شعرت بأنها ميتة لا محالة.
اجتمع الكل في شقة زينب وعبدالقادر ينتظرون قدوم وليدها الذي طال انتظاره بعد مجيء شقيقه الأكبر «سيف»، لتعلن صرخاته الضعيفة عن قدومه إلى عالمهم.
فتهلل وجه الجميع مستبشرين، قبل أن تخرج صافية من الغرفة تحمله بين ذراعيها وهي تضمه إلى صدرها باشتياقٍ ولهفة كما لو أنها من أنجبته.
لتتقدم من الجد الذي نهض يستقبل حفيده الأصغر باسمًا، وحمله بحب قائلًا:
— بسم الله الرحمن الرحيم، بسم الله ما شاء الله.
ثم انحنى ليطبع على جبينه قبلةً لتقول صافية:
— شبه مين يا حج؟!
نظر إليها مبتسمًا وقال:
— بالرغم من إن المولود عمره ما تقدري تحددي له شبه، بس ابن الكلب ده جاي نسخة من عمه يحيى.
أومأت صافية بموافقة وقالت:
— معاك حق يا حج، أنا كمان أول ما شوفته قولت شبه يحيى.. يحيى لما يرجع ويشوفه هيفرح بيه أوي.
أومأ ضاحكًا وقال:
— أومال.. الوحيد اللي نصه جه شبهه، ده عياله معملوهاش.
تقدمت يُسر منهم بسرعة وهي تحمل الصغير وتقول:
— ياااتي على الطعامة يا ناس، فعلًا شبه يحيى خالص.. عقبال ما تجيبي يا صافية.
انقشعت ابتسامة صافية عن ثغرها وأومأت بهدوء فقالت:
— ربنا يخليكي يا يُسر، عن إذنكوا أشوف زينب.
كانت غزل تطالعها بحنقٍ وغضب يملؤها حينما رأتها تخرج هاتفها وتقوم بالتقاط الصور للصغير برفقتها فقالت:
— بلاش صور يا أبلة يُسر، ده لسه بيبي مولود، مينفعش يتصور.
نظرت لها يُسر بغيظ وقالت:
— ملكيش دعوة يا أبلة غزل، وبعدين أنا مش هوريها لحد، يعني ده أنا هبعتها ليحيى يشوفها.
قالت غزل باندفاع:
— لا بلاش، أكيد سايق دلوقتي، لما ييجي بالسلامة يبقى يشوفها.
رفعت يُسر إحدى حاجبيها بتعجب لرؤية لهفتها الواضحة وأردفت بفظاظة:
— ملكيش فيه!
كان «علي» يتابع الحوار بينهما بعينٍ خبيرة التقطت ما يدور في نفس كلٍّ منهما تجاه الأخرى، ليصدح صوته قائلًا:
— غزل معاها حق يا يُسر، متخليهوش يتلهى عن الطريق.
قالت يُسر مديرة دفة الحوار:
— هتسميه إيه يا بابا الحج؟!
هندم «علي» شاربه العريض بخيلاءٍ وزهو قبل أن يتمتم قائلًا:
— يحيى.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كان يسير في طريقه بتركيزٍ وهدوء، قبل أن يتوقف عندما رأى على مدّ بصره شابًا يشبهه في الهيئة ويقاربه في السن، يقف على جانب الطريق ينتظر مساعدةً ما. فتوقّف أمامه بالسيارة، وأنزل زجاج النافذة وقال متسائلًا:
— يلزم خدمة يا ريس؟!
تحدث الشاب قائلًا:
— معلش يا ذوق، تاخدني في طريقك بس للمينا؟
— وماله يا عم، إنت على دماغي.. اتفضل.
فتح يحيى باب السيارة ليدلف ذلك الرجل وهو يمد يده ليصافحه قائلًا:
— أخوك بسّام.
صافحه يحيى بترحاب وقال:
— عاشت الأسامي يا بسّام، يحيى الهنداوي.
— تشرفنا يا باشا، إنت من عيلة الهنداوي بتوع القماش؟!
أومأ يحيى موافقًا ليقول الآخر:
— ما شاء الله، ده إنتوا صيتكوا ذايع ومعروفين في كل حتة، ربنا يزيد ويبارك.
— تسلم يا بسّام، ده من ذوقك.. وإنت بقى شغال في المينا؟
أومأ بسّام قائلًا:
— أنا شغال في أي حاجة، وكل حاجة بتجيب فلوس، محسوبك فهلوي وبيعرف يجيب القرش من حنك السبع.
هزّ يحيى رأسه مراتٍ متتالية وقال:
— آآآه فهمت.. بتهرّب بضاعة مش كده؟!
مسح بسّام جانب فمه وأردف باسمًا:
— يعني حاجة زي كده، لو ليك أي مصلحة قولّي وأنا أقضيها لك بعون الله.
أردف يحيى ساخرًا:
— يا عم بعون الله إيه؟ ربنا بريء من أمثالكم.. وبعدين أنا مليش في الشمال الحمد لله، أنا باكل لقمتي بالحلال ومقبلش أدخل مليم حرام على ولادي.
ابتسم الآخر متهكمًا وقال:
— يا عم متحبكهاش، ما أنا ليا عيال زيك برضو، ولو معملتش كده مش هلاقي العيش الحاف آكله ليهم.
قال يحيى معترضًا:
— بيتهيألك، ربنا بيرزق، بس إنتوا اللي بتستسهلوا الحرام.
ارتفع رنين هاتف يحيى، وكان الاتصال واردًا من زوجته، ليجيب على الفور قائلًا:
— ألو.
— أيوة يا يحيى، وصلت ولا لسه؟
= عالطريق أهو، إيه الأخبار؟
— تمام، زينب ولدت وجابت يحيى.
= بسم الله ما شاء الله، ربنا يبارك ويخلي.. كويس إنك بلغتيني عشان أجيب هدية للأستاذ يحيى وأنا جاي.
— ليه يعني؟ مش لازم على فكرة.. المهم اقفل كده هبعتلك صورته، نسخة منك.
= طيب ابعتيها قبل ما التليفون يفصل شحن.. يلا سلام.
أنهى المكالمة لتصله على الفور رسالة منها تحتوي على صورة المولود. فتحها ليرتفع حاجباه بذهول ويقول:
— يا ابن الإيه... ده شبهي أكتر مني!
انشغل بتكبير الصورة وهو يحملّق بها ويتفحصها جيدًا، ليتفاجأ بصياح بسّام وهو يحذره من اقتراب سيارة نقل ثقيل «تريلا» ويصرخ قائلًا:
— حااااااااااسب!!!!
ألقت بها زينب بقوة دفعةً واحده لتتسمر قدما صافيه بالأرض من أسفلها وقد شعرت بأن الأرض تميد بها لتتسائل بصوتٍ مهزوز :بتقولي إيه؟!إزاي؟!مستحيل!قالت كلمتها الأخيرة بقهرٍ لم و لن يشعر به أحدٌ سواها لتقول زينب غير آبهه :هو إيه اللي مستحيل ،بقوللك حامل ، و البيت مقلوب فوقاني تحتاني من إمبارح و سليمان هايص و مسابش حد غير لما قالله ..........لم تستمع صافيه إلي بقية حديثها بل أنهت الإتصال علي الفور و بدون وعيٍ منها إرتدت ملابسها و خرجت من الغرفه لتلتقي بأخيها يجلس شارداً قبل أن ينتبه لها فقال مستغرباً : رايحه فين يا صافيه عالصبح؟!بجمودٍ أجابته :راجعه بيتي .إزداد تعجبه فقال :راجعه بيتك الساعه 8 الصبح؟ و بعدين مش المفروض جوزك هييجي ياخدك!أشاحت بوجهها إلي الجانب تخفي عينيها الدامعه عنه حتي لا يتبين كذبها وقالت :منا كلمته إمبارح بالليل و قال إنه مش فاضي النهارده،هرجع أنا بقا هو أنا هتوه يعني!نظر إليها مطولاً و قال :إنتي متخانقه مع جوزك؟حاسس إن في حاجه مش طبيعيه.تأففت بنزق وضيق يملؤها وقالت :يووه يا إبراهيم،هو عشان عاوزة أرجع بيتي يبقا في حاجه مش طبيعيه؟!تبين ضيقها بالإضافه إلي عدم رغبتها با
بعد مرور شهر علي زواج سليمان و يُسر...... دخل سليمان إلي شقة يُسر ليجدها نائمة كعادتها في الآونه الأخيرة فإنتابه الضيق و جلس إلي جانبها يحاول إفاقتها وهو يقول: يُسر، إصحي بقينا المغرب. تحركت في الفراش بضيق و تجاهلته ليعاود حديثه قائلاً: يا يُسرررر، قومي بقا مش كل ما أدخل ألاقيكي نايمه إنتي إيه اللي جرالك؟! زفرت بتأفف وقالت: في إيه يا سليمان حرام عليك هو إنت هتنقص حاجه لو سيبتني نايمه! رفع حاجبيه متعجباً و قال: هنقص حاجه؟! أه هنقص كتير قومي يلا. نظرت إليه بضيق وقالت: عشان خاطري يا سليمان سيبني نايمه أنا مش قادرة أقوم. قلّب كفيه متعجباً وقال: طيب قومي هاتيلي أتغدي. أجابت بإقتضاب: مقدرتش أطبخ، إنزل إتغدي عند صافيه. نظر إليها مغتاظاً و قال: أتغدي عند صافيه؟! طب و عيالك هياكلوا فين؟! عند صافيه بردو؟! نهضت عن الفراش بحدة و صاحت بعصبية بالغة وقالت: يووه، هو تحقيق ولا إيه عالصبح؟! ظل ينظر إليها متعجباً من عصبيتها المفرطه و الغير مبررة بالنسبة له وقال: في إيه يا يُسر مالك؟؛ بقيتي عصبيه و خُلقك قصير كده ليه؟! تنهدت مطولاً وقالت: مش عارفه أعصابي تعبانه ليه الفترة دي! مبقيتش مستحمله حد
أتي يوم خطبة غَزَل التي إستقبلته بحزن و بؤس شديد، كانت صافيه تجلس إلي جوارها تحتضنها وهي غارقه في سيْل دموعها الجارف. _خلاص بقا يا غزل يا حبيبتي، في عروسه تعيط يوم خطوبتها بردو؟ نظرت غَزَل إليها وقالت: مش عيزاه يا عمتو، حاسه إني هيجرالي حاجه لو إتجوزته، حاسه إني كده هبقا بخون يحيـي! دُهِشت صافيه مما إستمعت إليه فأردفت بحدة تقول: بتخوني يحيـي!! إيه العبط اللي بتقوليه ده يا غزل؟! يحيـي مات يا بنتي الله يرحمه، و حتي لو كان عايش إنتي لا كنتي مراته ولا خطيبته عشان تقولي كده. و أضافت بإستهجان: ده مراته معملتهاش!! لم تجيبها غَزل لتتابع عمتها حديثها و تقول: قومي يلا بلاش خيابة، إغسلي وشك كده و غيري و حطي ميكب و حاجات من بتاعة العرايس دي زمان المعازيم علي وصول. علي مضض، نهضت غَزل و قامت بتبديل ملابسها إلي رداء فضفاض بسيط من اللون الوردي و لم تضيف أي زينه إلي وجهها و خرجت لتجلس وسط الحضور بوجهٍ عابس شاحب اللون. تقدم منها والدها فنهضت لتصافحه فقام هو بإحتضانها بسعادة وهو يقول: حبيبة قلبي يا غزل أخيراً ربنا إستجاب ليا و شوفتك عروسه زي القمر. إحتضنت والدها بشده وقد أجهشت بالبكاء ليقول محذر
كانت غَزَل تباشر عملها بالمركز قبل أن تنتبه إلي صوت رنين هاتفها لتخرجه من حقيبتها فوجدت رقم مجهول يتصل بعدها فأجابت مسرعة ليصلها صوت أنثوي ميّزته هي فقالت بلهفه: أيوة يا طنط هبه؟ _أيوة يا غزل، بابا تعبان وإحنا في المستشفي الأميري غرفة 205 تعالي بسرعه. هرولت ركضاً تستوقف سيارة أجرة ركبتها و إتجهت بها إلي المشفي فوراً. وصلت للغرفه الموجود بها والدها و دلفت بلهفه لتجده راقداً علي الفراش لا حول له ولا قوة فإقتربت منه و دمعاتها تسيل دون هوادة و أمسكت بيده تقبلها وهي تقول: مالك يا بابا سلامتك ألف سلامه. ثم نظرت إلي جارتهم المدعوة هبه وقالت: هو جراله إيه يا طنط هبه؟! قالت هبه بأسف: والله يا غزل إحنا كنا قاعدين في أمان الله و فجأه سمعنا صوت حاجه بتتهبد علي الأرض، طلعنا نجري لقينا صوت حد بينازع عندكوا في الشقه، أبو إسلام كسر باب الشقه و دخل لقا الحاج إبراهيم واقع في الأرض و جمبه الكرسي كان تقريباً بيحاول يتسند عليه قام خده و وقع.. نظرت غزل إلي والدها بحزن وقالت: أكيد مخدش العلاج بتاعه، أنا السبب. قللت الأخيرة لتنفجر بالبكاء فقالت هبه: وإتتي ذنبك إيه بس يا بنتي؟ _ذنبي إني سيبته و نزلت إ
كانت تجلس شارده كعادتها تفكر بهِ فكيف لها أن تنساه وهو من أول من داعب قلبها و إنتزع إبتساماتها فلطالما عشقته و إنتظرته ولكنها أبت ان يبدو ذلك عليها فهي كانت لا تزال صغيرة وتراه قد لا يلتفت لها يوماً فكيف لها أن تطمح في ذلك وقد يراها طفلة في نظره، فـ كبتت مشاعرها بينها وبين نفسها وعانت من لوعة الحب الصامت الذي لم يُلهب إلا وجدانها وحدها.كانت تأمل أن ربما بداخله شيء نحوها هو الآخر ولم ير منها شيئا يدفعه لأن يصرّح لها بما داخله فإنتظرته ليالٍ طوال. هكذا قيدت غزل تلك المشاعر و دعتها تكبر داخلها فقط هي وحدها حتى فوجئت بخبر زواجه من يُسر لتنسحب علي الفور من وسط ذلك الجمع الغفير وهي تحبس دمعاتها لأنها لم تحمل داخلها إلا لوعة الحب والفراق. مسحت دمعاتها التي طفقت تسبح فوق وجنتيها و أسبلت جفنيها توّد النوم حتي تنعزل به عن عالمها المُهلك ولكن أنَّي لها ذلك.رأت يحيـي يجلس مبتسماً لها وهي تدنو بخطواتها منه حتي إقتربت منه و توقفت أمامه لتجده ما زال ينظر بإتجاهها و يبتسم ولكن ليس لها فنظرت خلفها لتجد يُسر في مكتمل أنوثتها تقف وعلي ثغرها إبتسامه فاتنه و يحيـي ينظر لها و يبتسم ثم نهض عن مقعده و س
كانت غزل تجلس إلي جوار السيدة كاريمان تسند يديها أسفل خديها وتستمع إلي حكاياتها التي أصبحت جزءاً هاماً من يومها لتقول: أفهم من كده إنك فضلتي تحبيه رغم اللي كان بيعملوا فيكي و رغم إنه إتجوز عليكي! أومأت كاريمان بإبتسامه تمتزج بها آلام الذكريات وقالت: لله يرحمه مكانش سايبلي إختيار غير إني أحبه كل يوم أكتر من اللي قبله، طول عمره كان حنين عليا و عمره ما كان قاسي. تسائلت غزل بتعجب وقالت: كل ده و مكانش قاسي!! هي القسوة بالنسبة لك إيه؟! نظرت كاريمان أمامها بشرود و أردفت: القسوة ليها معاني كتيرة يا غزل غير اللي إنتي فاهماها، أو يمكن أنا عشان كنت بحبه أوي كنت ببص للأمور من زاوية تانيه غير كل الناس، القسوة بالنسبه لي هي مش إنه يضرب و يهين و يخاصم و يجافي، لأ، القسوة بالنسبه لي كانت لو جيت في يوم بكيت و ممسحش دموعي، لو لقاني عايزة أعيط و محضنيش، لو حسيت لمسته ليا راح منها الدفا اللي كان ملازمها، لو نبرة صوته وهو بيتكلم معايا مبقاش فيها نفس اللهفه اللي بيتكلم بيها. ثم نظرت إلي غزل وقالت: لو هنحسب القسوة بالمقاييس بتاعتي يا غزل فهو عمره ما كان قاسي عليا. لم يَسعها سوي أن تبتسم لتلك الكلمات ال







