LOGINكانت الشمس قد نثرت خيوطها الذهبية ليعمّ ضوءها الكون بأكمله، معلنةً عن قدوم صباحٍ جديد تتخلله بدايات ونهايات، وما بينهما يذوب القلب ذوبانًا.
كان الجميع حاضرون بشقة زينب بعد استقبال المولود الجديد، حيث كانت صافيه تقوم برعاية زينب، وتُسر تحمل المولود، وغزل تساعد «أم حسين» في تدبير شؤون المنزل.
نهض «علي» عن مقعده وهو يتحدث إلى عبدالقادر قائلًا:
— اللي جابلك يخليلك يا قدّورة، وحمد الله على سلامتهم.
نهض عبدالقادر احترامًا لوالده وقال:
— الله يسلمك يا با، ويبارك في عمرك، يتربى في عزك إن شاء الله.
تمتم الأب وهو يتجه باتجاه باب الشقة:
— يتربّوا في عزك إنت وأمهم يا ابني، هنزل أنا بقى أريح شوية قبل صلاة الضهر.
— اتفضل يا حج.
نهض سليمان بدوره ليربت على كتف أخيه قائلًا:
— اتجدعن يا قدّورة، حمد لله على سلامتهم.
— الله يسلمك يا سليمان، رايح المحل ولا إيه؟!
أومأ سليمان موافقًا وقال:
— أيوة، هروح أبص بصّة كده وأجي أريح شوية، سي يحيى منيمناش الليل.
ابتسم عبدالقادر وقال:
— صحيح، إنت مكلمتش يحيى؟ اطمنت عليه وصل ولا لسه؟
— والله راح عن بالي خالص، بس أكيد وصل، دي الساعة داخلة على 11.
— طب كلّمه كده قبل ما تنزل، ألا أنا اتلهيت أنا كمان.
أخرج سليمان هاتفه وقام بالاتصال بهاتف يحيى، ليقطب حاجبيه قائلًا:
— التليفون مقفول!
— طيب جرّب تاني كده، جايز قاعد في حتة مفيش فيها شبكة.
حاول سليمان مرات عديدة دون فائدة، فنظر إلى أخيه وقال:
— برضو مقفول!
ساورهم الشك وانتابهم القلق، ليقول سليمان:
— أنا هكلم «حنّا» أسأله إذا كان راحلهم ولا لأ.
على الفور نطق عبدالقادر قائلًا:
— أيوة فكرة، كلّمه.
قام سليمان بالاتصال بـ«حنّا» أمين مخازن القماش بالمصنع الذي يتعاملون معه، فأجاب قائلًا:
— أيوة يا عم سليمان، كنت لسه هكلمك، التسليم اتأخر والريس رؤوف مستعجل وعمّال يسأل على يحيى وعبدالقادر.
ازدادت خفقات قلبه ليردف مستفهمًا:
— هو يحيى لسه موصلش؟! ده طالع من الساعة 5 الفجر.
— لأ، لسه محدش جه، أعمل إيه دلوقتي في البضاعة بتاعتكوا؟ أقفل وأروح ولا أستنى شوية؟
لم يُجب سليمان، بل أنهى المكالمة على الفور، ليعاود الاتصال بهاتف يحيى، ولكن الهاتف ما زال مغلقًا، مما جعله يضطرب، ونظر إلى شقيقه بخوف وقال:
— وبعدين يا عبدالقادر؟! يحيى تليفونه مقفول وحنّا بيقول إنه مراحش!! هنتصرف إزاي؟
مسح عبدالقادر وجهه بضيق وتوتر وقال:
— طيب خلينا نستنى شوية بدل ما نوتر روحنا عالفاضي، ولو مجاش أخبار تبقى إنت تسافر له.
أومأ سليمان وهو يحاول إخفاء توتره وقال:
— تمام، معاك حق، أنا هنزل دلوقتي ولو في جديد هبلغك.
نزل سليمان إلى شقته ليصطدم بغزل، حيث كانت تفتح الباب، فنظر لها وقال:
— مالك يا غزل؟ بتعيطي ليه؟!
جففت وجهها وقالت وهي تنظر للأرض:
— مفيش حاجة يا عمو سليمان.
— لأ في، حد مزعلك ولا إيه؟!
سالت دمعاتها تلقائيًا وقالت:
— لأ أبدًا، أنا قلبي مقبوض بس وحاسة إني مش عارفة أتنفس، قولت أنزل أصلي ركعتين.
أطلق تنهيدة حارة وقال:
— ربنا يستر يا بنتي، إنتِ طالعة؟
أومأت بتأكيد وقالت:
— أيوة، هطلع أطمن على زوبة ويحيى وأمشي بعدها.
ثم رفعت ناظريها إليه وقالت بقلق:
— كلمت يحيى ولا لأ يا عمو؟!
مسح وجهه بضيق وزفر مطولًا ثم قال:
— والله يا غزل مش عارفين نوصل له، تليفونه مقفول، وبكلم الناس اللي مفروض يستلم منهم بيقولوا مجاش، ربنا يستر.
عادت عيناها لتدمع من جديد، وازدادت ضربات قلبها وقالت بخوف:
— طيب وبعدين؟ ما تكلم حد من المرور طيب تسألهم على نمر العربية، وهما يشوفوا إذا كانت عدت ولا لأ.
تهلل وجهه وقال:
— عفارم عليكي يا غزل، كانت تايهة عني فين الفكرة دي.
على الفور أخرج هاتفه ليباغته اتصال من هاتف يحيى، ليجيب على الفور قائلًا بلهفة:
— ألو.. أيوة يا يحيى.
— ألو، السلام عليكم، حضرتك أستاذ سليمان؟
— أيوة أنا، مين حضرتك؟!
زم الرجل شفتيه بأسف وقال:
— التليفون ده لقيناه على طريق مصر إسكندرية عند محطة الزكي بتاعة البترول، كان مرمي على الأرض...
قاطعه سليمان قائلًا:
— ده تليفون أخويا يحيى الهنداوي!
أكمل الرجل بأسف:
— الحقيقة في حادثة هنا على الطريق، والتليفون كان مرمي على الأرض، وإحنا مش عارفين نوصل لصاحب التليفون ولا للي عمل الحادثة...
وكأن الأرض ضاقت عليه بما رحبت حتى أصبح لا يستمع إلى ما قيل، ليسقط الهاتف من بين يديه أرضًا وهو يقول:
— يحيى عمل حادثة.
شقّت صرخاتها سكون الكون، ليجتمع الكل على صوته وهم يتساءلون:
— في إيه يا سليمان؟ مالها غزل؟!
تحدث سليمان وهو يشعر بأن الأرض تميد به فقال:
— يحيى عمل حادثة، واحد كلمني من تليفونه دلوقتي وبلغني.
هرع الكل باتجاه موقع الحادث، والقلق يأكل دواخلهم وقد أخذ منهم كل مأخذ، خاصة عندما رأوا سيارات الإسعاف والشرطة والحشود الغفيرة تجتمع على جانبي الطريق، ودخان كثيف يغطي المكان من حولهم.
ترجّل الأب وسليمان وعبدالقادر ويُسر من السيارة يركضون بلهفة وخوف وأمل بداخلهم أن يكون الخبر غير صحيح، ليتقدم منهم الشرطي وهو يمسك بمحفظة تعرّفت يُسر إليها فورًا وقالت:
— دي محفظة يحيى.
نظر الشرطي إليها وغمرهم جميعًا بنظرات آسفة قبل أن يردف قائلًا:
— يحيى علي كامل الدمنهوري؟!
أومأ الأب مؤكدًا وقال:
— أيوة يا حضرة الظابط، ابني جراله إيه؟! وعربيته فين؟!
نظر الظابط إلى الدخان الكثيف ثم أعاد النظر إليهم ليقول:
— عربية يحيى (س ص ج 6541)؟!
أومأ سليمان قائلًا:
— أيوة صح.
تمتم الظابط آسفًا وقال:
— الكاميرات اللي في محطة البترول رصدت العربية وقت ما اصطدمت بتريلا وانقلبت في منطقة منخفضة، مما أدى لاشتعالها وتفحمها، وتم نقل الجثة لمشرحة مستشفى الهلال المركزي... البقاء لله.
سقط الأب مغشيًا عليه، قبل أن يهرع إليه أبناؤه يحملونه مسرعين باتجاه المستشفى.
بعد إفاقة الأب كانوا يتسارعون نحو المشرحة ليستوقفهم الطبيب قائلًا بفظاظة:
— يا جماعة الزحمة دي ملهاش لازمة، وبعدين للأسف الجثة متفحمة، يعني منصحش حد يدخل يشوفها أصلًا.. ياريت تخلصوا الإجراءات وتستلموا الجثة وتتفضلوا.
كان الحزن قد مزّق قلوبهم وبدّد أرواحهم حتى أصبحوا كالموتى؛ لا ينطقون ولا يسمعون، بل يكادوا لا يفقهون شيئًا ولا يشعرون.
عادوا إلى المنزل يحملون جثمانه المشوّه، لينتشر على الفور خبر موته، ويبدأوا في إجراءات الدفن والعزاء.
كانت «غزل» كالقالب المصمت، لم تنتج عنها أية ردة فعل، فكانت تجلس بالعزاء تتشح بالسواد في صمت وهدوء، حتى إنها لم تذرف دمعة واحدة.
لقد كانت تعاني من أولى مراحل الصدمة النفسية، ألا وهي «الإنكار»، حيث إنها لم تكن تصدق ما يدور حولها، لتتحدث بشرود إلى عمتها وتقول:
— بتعيطي ليه يا عمتي؟ يحيى كويس والله وراجع بإذن الله.. أكيد الخبر ده مش صحيح!
طالعها الجميع بشفقة وأسف، ما عدا «يُسر» التي كانت تنظر إليها بغضب وضيق يتخللهما تعجب من حزنها غير المبرر من وجهة نظرها، لكنها لم تعقب.
همست إليها صافيه وقالت:
— قومي يا غزل ارتاحي إنتِ.
— إشمعنا أنا؟!
نطقت بها غزل بحدة جعلت الكل ينتبه لها، وقد دخلت في ثاني مراحل الصدمة وهي «الغضب»، فأردفت قائلة:
— إشمعنا أنا اللي مفيش فرحة بتكمل لي أبدًا؟! ليه كل ما أحب حد أتحرم منه يا عمتي؟! ده مش عدل أبدًا!!
احتضنتها صافيه لتنفجر باكية وهي تتشبث بها، فقالت صافيه:
— قومي معايا يا غزل.
نهضت غزل برفقة عمتها، ثم دخلت إلى غرفتها، وجلست صافيه إلى جوارها وهي لا تزال تضمها إلى صدرها وقالت:
— اجمدي يا غزل، الناس كلها خدت بالها منك ومن كلامك، وأنا عارفة إنه غصب عنك، بس لازم تاخدي بالك من تصرفاتك يا حبيبتي.
أجهشت غزل باكية وهي تضرب موضع قلبها بقبضتها وتصرخ بألم:
— محدش حاسس بالنار اللي جوايا.. يحيى مات يا عمتي، يحيى خلاص راح ومش هشوفه تاني، أنا كنت راضية أعيش العمر كله أحبه من بعيد لبعيد، بس أشوفه وأعرف إنه بخير...
ثم صرخت قائلة:
— ليه يا رب؟ يا رب إنت عارف إني محبيتش غيره، بتحرمني منه ليه؟!
وانتقلت إلى مرحلة «المساومة»، ليتهادى صوتها حزينًا بائسًا:
— يا رب يكون كل ده كابوس وأصحى منه.. يا رب رجعهولي، وأنا مش عايزة حاجة من الدنيا تاني.. يا رب خدني أنا ويحيى يكون عايش وبخير.
ضمتها صافيه بقوة وهي تقول ببكاء:
— استغفري ربنا يا غزل يا بنتي، مش كده.
اعتلّ قلبها وشعرت أن روحها ستفارق جسدها وأنها هالكة لا محالة، لتزداد نوبات بكائها وتقول:
— مش عارفة يا عمتي، مش قادرة أتخيل إني مش هشوفه تاني.. ليه مات وسابني؟
هاجمتها مرحلة «الاكتئاب» فأردفت بهدوء:
— مات وسابني خلاص، يعني حياتي ملهاش لازمة بعده.. أعيش أو أموت مش فارقة.
ربتت صافيه على وجنتها قائلة:
— بعد الشر عليكي يا حبيبتي.. وحدّي الله.
أومأت غزل بهدوء وقد وصلت لآخر مراحل الصدمة وهي «التقبّل» وقالت:
— ونعم بالله.. ربنا يرحمه ويغفر له، لو سمحتي يا عمتي أنا عايزة أفضل لوحدي.
أومأت صافيه بموافقة، وقبلت رأسها قبل أن تنصرف خارج الغرفة وتتركها بمفردها، حيث جلست تبكي وتنتحب بصمت وقد انعدمت لديها جميع المشاعر، حتى الألم ما عادت تشعر به.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ألقت بها زينب بقوة دفعةً واحده لتتسمر قدما صافيه بالأرض من أسفلها وقد شعرت بأن الأرض تميد بها لتتسائل بصوتٍ مهزوز :بتقولي إيه؟!إزاي؟!مستحيل!قالت كلمتها الأخيرة بقهرٍ لم و لن يشعر به أحدٌ سواها لتقول زينب غير آبهه :هو إيه اللي مستحيل ،بقوللك حامل ، و البيت مقلوب فوقاني تحتاني من إمبارح و سليمان هايص و مسابش حد غير لما قالله ..........لم تستمع صافيه إلي بقية حديثها بل أنهت الإتصال علي الفور و بدون وعيٍ منها إرتدت ملابسها و خرجت من الغرفه لتلتقي بأخيها يجلس شارداً قبل أن ينتبه لها فقال مستغرباً : رايحه فين يا صافيه عالصبح؟!بجمودٍ أجابته :راجعه بيتي .إزداد تعجبه فقال :راجعه بيتك الساعه 8 الصبح؟ و بعدين مش المفروض جوزك هييجي ياخدك!أشاحت بوجهها إلي الجانب تخفي عينيها الدامعه عنه حتي لا يتبين كذبها وقالت :منا كلمته إمبارح بالليل و قال إنه مش فاضي النهارده،هرجع أنا بقا هو أنا هتوه يعني!نظر إليها مطولاً و قال :إنتي متخانقه مع جوزك؟حاسس إن في حاجه مش طبيعيه.تأففت بنزق وضيق يملؤها وقالت :يووه يا إبراهيم،هو عشان عاوزة أرجع بيتي يبقا في حاجه مش طبيعيه؟!تبين ضيقها بالإضافه إلي عدم رغبتها با
بعد مرور شهر علي زواج سليمان و يُسر...... دخل سليمان إلي شقة يُسر ليجدها نائمة كعادتها في الآونه الأخيرة فإنتابه الضيق و جلس إلي جانبها يحاول إفاقتها وهو يقول: يُسر، إصحي بقينا المغرب. تحركت في الفراش بضيق و تجاهلته ليعاود حديثه قائلاً: يا يُسرررر، قومي بقا مش كل ما أدخل ألاقيكي نايمه إنتي إيه اللي جرالك؟! زفرت بتأفف وقالت: في إيه يا سليمان حرام عليك هو إنت هتنقص حاجه لو سيبتني نايمه! رفع حاجبيه متعجباً و قال: هنقص حاجه؟! أه هنقص كتير قومي يلا. نظرت إليه بضيق وقالت: عشان خاطري يا سليمان سيبني نايمه أنا مش قادرة أقوم. قلّب كفيه متعجباً وقال: طيب قومي هاتيلي أتغدي. أجابت بإقتضاب: مقدرتش أطبخ، إنزل إتغدي عند صافيه. نظر إليها مغتاظاً و قال: أتغدي عند صافيه؟! طب و عيالك هياكلوا فين؟! عند صافيه بردو؟! نهضت عن الفراش بحدة و صاحت بعصبية بالغة وقالت: يووه، هو تحقيق ولا إيه عالصبح؟! ظل ينظر إليها متعجباً من عصبيتها المفرطه و الغير مبررة بالنسبة له وقال: في إيه يا يُسر مالك؟؛ بقيتي عصبيه و خُلقك قصير كده ليه؟! تنهدت مطولاً وقالت: مش عارفه أعصابي تعبانه ليه الفترة دي! مبقيتش مستحمله حد
أتي يوم خطبة غَزَل التي إستقبلته بحزن و بؤس شديد، كانت صافيه تجلس إلي جوارها تحتضنها وهي غارقه في سيْل دموعها الجارف. _خلاص بقا يا غزل يا حبيبتي، في عروسه تعيط يوم خطوبتها بردو؟ نظرت غَزَل إليها وقالت: مش عيزاه يا عمتو، حاسه إني هيجرالي حاجه لو إتجوزته، حاسه إني كده هبقا بخون يحيـي! دُهِشت صافيه مما إستمعت إليه فأردفت بحدة تقول: بتخوني يحيـي!! إيه العبط اللي بتقوليه ده يا غزل؟! يحيـي مات يا بنتي الله يرحمه، و حتي لو كان عايش إنتي لا كنتي مراته ولا خطيبته عشان تقولي كده. و أضافت بإستهجان: ده مراته معملتهاش!! لم تجيبها غَزل لتتابع عمتها حديثها و تقول: قومي يلا بلاش خيابة، إغسلي وشك كده و غيري و حطي ميكب و حاجات من بتاعة العرايس دي زمان المعازيم علي وصول. علي مضض، نهضت غَزل و قامت بتبديل ملابسها إلي رداء فضفاض بسيط من اللون الوردي و لم تضيف أي زينه إلي وجهها و خرجت لتجلس وسط الحضور بوجهٍ عابس شاحب اللون. تقدم منها والدها فنهضت لتصافحه فقام هو بإحتضانها بسعادة وهو يقول: حبيبة قلبي يا غزل أخيراً ربنا إستجاب ليا و شوفتك عروسه زي القمر. إحتضنت والدها بشده وقد أجهشت بالبكاء ليقول محذر
كانت غَزَل تباشر عملها بالمركز قبل أن تنتبه إلي صوت رنين هاتفها لتخرجه من حقيبتها فوجدت رقم مجهول يتصل بعدها فأجابت مسرعة ليصلها صوت أنثوي ميّزته هي فقالت بلهفه: أيوة يا طنط هبه؟ _أيوة يا غزل، بابا تعبان وإحنا في المستشفي الأميري غرفة 205 تعالي بسرعه. هرولت ركضاً تستوقف سيارة أجرة ركبتها و إتجهت بها إلي المشفي فوراً. وصلت للغرفه الموجود بها والدها و دلفت بلهفه لتجده راقداً علي الفراش لا حول له ولا قوة فإقتربت منه و دمعاتها تسيل دون هوادة و أمسكت بيده تقبلها وهي تقول: مالك يا بابا سلامتك ألف سلامه. ثم نظرت إلي جارتهم المدعوة هبه وقالت: هو جراله إيه يا طنط هبه؟! قالت هبه بأسف: والله يا غزل إحنا كنا قاعدين في أمان الله و فجأه سمعنا صوت حاجه بتتهبد علي الأرض، طلعنا نجري لقينا صوت حد بينازع عندكوا في الشقه، أبو إسلام كسر باب الشقه و دخل لقا الحاج إبراهيم واقع في الأرض و جمبه الكرسي كان تقريباً بيحاول يتسند عليه قام خده و وقع.. نظرت غزل إلي والدها بحزن وقالت: أكيد مخدش العلاج بتاعه، أنا السبب. قللت الأخيرة لتنفجر بالبكاء فقالت هبه: وإتتي ذنبك إيه بس يا بنتي؟ _ذنبي إني سيبته و نزلت إ
كانت تجلس شارده كعادتها تفكر بهِ فكيف لها أن تنساه وهو من أول من داعب قلبها و إنتزع إبتساماتها فلطالما عشقته و إنتظرته ولكنها أبت ان يبدو ذلك عليها فهي كانت لا تزال صغيرة وتراه قد لا يلتفت لها يوماً فكيف لها أن تطمح في ذلك وقد يراها طفلة في نظره، فـ كبتت مشاعرها بينها وبين نفسها وعانت من لوعة الحب الصامت الذي لم يُلهب إلا وجدانها وحدها.كانت تأمل أن ربما بداخله شيء نحوها هو الآخر ولم ير منها شيئا يدفعه لأن يصرّح لها بما داخله فإنتظرته ليالٍ طوال. هكذا قيدت غزل تلك المشاعر و دعتها تكبر داخلها فقط هي وحدها حتى فوجئت بخبر زواجه من يُسر لتنسحب علي الفور من وسط ذلك الجمع الغفير وهي تحبس دمعاتها لأنها لم تحمل داخلها إلا لوعة الحب والفراق. مسحت دمعاتها التي طفقت تسبح فوق وجنتيها و أسبلت جفنيها توّد النوم حتي تنعزل به عن عالمها المُهلك ولكن أنَّي لها ذلك.رأت يحيـي يجلس مبتسماً لها وهي تدنو بخطواتها منه حتي إقتربت منه و توقفت أمامه لتجده ما زال ينظر بإتجاهها و يبتسم ولكن ليس لها فنظرت خلفها لتجد يُسر في مكتمل أنوثتها تقف وعلي ثغرها إبتسامه فاتنه و يحيـي ينظر لها و يبتسم ثم نهض عن مقعده و س
كانت غزل تجلس إلي جوار السيدة كاريمان تسند يديها أسفل خديها وتستمع إلي حكاياتها التي أصبحت جزءاً هاماً من يومها لتقول: أفهم من كده إنك فضلتي تحبيه رغم اللي كان بيعملوا فيكي و رغم إنه إتجوز عليكي! أومأت كاريمان بإبتسامه تمتزج بها آلام الذكريات وقالت: لله يرحمه مكانش سايبلي إختيار غير إني أحبه كل يوم أكتر من اللي قبله، طول عمره كان حنين عليا و عمره ما كان قاسي. تسائلت غزل بتعجب وقالت: كل ده و مكانش قاسي!! هي القسوة بالنسبة لك إيه؟! نظرت كاريمان أمامها بشرود و أردفت: القسوة ليها معاني كتيرة يا غزل غير اللي إنتي فاهماها، أو يمكن أنا عشان كنت بحبه أوي كنت ببص للأمور من زاوية تانيه غير كل الناس، القسوة بالنسبه لي هي مش إنه يضرب و يهين و يخاصم و يجافي، لأ، القسوة بالنسبه لي كانت لو جيت في يوم بكيت و ممسحش دموعي، لو لقاني عايزة أعيط و محضنيش، لو حسيت لمسته ليا راح منها الدفا اللي كان ملازمها، لو نبرة صوته وهو بيتكلم معايا مبقاش فيها نفس اللهفه اللي بيتكلم بيها. ثم نظرت إلي غزل وقالت: لو هنحسب القسوة بالمقاييس بتاعتي يا غزل فهو عمره ما كان قاسي عليا. لم يَسعها سوي أن تبتسم لتلك الكلمات ال







