وليتني مت قبل هذا

وليتني مت قبل هذا

last updateLast Updated : 2026-06-06
By:  نعمه حسنOngoing
Language: Arab
goodnovel12goodnovel
Not enough ratings
15Chapters
246views
Read
Add to library

Share:  

Report
Overview
Catalog
SCAN CODE TO READ ON APP

حين يختفي شخص لعامٍ كامل… هل يعود ليجد أن الزمن انتظره؟ أم أن الحياة أكملت طريقها بدونه؟ في بيتٍ عائليٍّ دافئ بمدينة الإسكندرية، كانت الحياة تمضي هادئة ومستقرة… إلى أن يغادر يحيى، أصغر أبناء العائلة، في رحلة عمل لا يعود منها كما كان. حادثٌ مفاجئ يسرق منه ذاكرته ويُبعده عن أهله لعامٍ كامل، يعيش خلاله بين أناسٍ غرباء احتضنوه دون أن يعرف من يكون. لكن ضربة أخرى تقلب كل شيء… وتُعيد إليه ماضيه دفعةً واحدة. يعود يحيى أخيرًا إلى منزله، حاملًا شوق عامٍ كامل، ليُصدم بحقيقة لم يتخيلها يومًا: زوجته أصبحت زوجة أخيه… بل وتنتظر طفلًا منه. بين الخذلان والغضب والرغبة في الانتقام، يقرر أن يبدأ من جديد، لكن ليس كل ما يبدأ بدافع الألم ينتهي بالطريقة ذاتها… فتدخل إلى حياته فتاة لم يكن يتوقع أن تغيّر كل شيء؛ فتاة يظن أنها ستكون مجرد أمٍ بديلة لأطفاله في المستقبل، بينما تُخفي هي سرًّا ظلّ يسكن قلبها لسنوات… حبٌّ قديم بدأ منذ الطفولة ولم ينطفئ. وسط المواقف، والمغامرات، والتقلبات، يكتشف يحيى أن بعض النهايات التي نظنها مأساوية… قد تكون بداية الحياة التي استحقّها منذ البداية. رواية عن الفقد، والخيانة، والفرص الثانية… وعن حبٍّ انتظر طويلًا حتى يحين موعده.

View More

Chapter 1

الأول

في منزلٍ عريقٍ بحيٍّ راقٍ بالإسكندرية، تجتمع أسرةٌ ميسورة الحال حول مائدةٍ فخمةٍ تحتوي على كل ما لذَّ وطاب احتفالًا بفطور أول أيام شهر رمضان المبارك. كان يترأس المائدة كبير الأسرة «علي الهنداوي»، رجلٌ ذو هيبةٍ ووقار، قد زيَّن الشيب رأسه ليفصح عن بلوغه السبعين عامًا أو يزيد.

يجاوره عن يمينه ولده الأكبر «سليمان»، ذو الأربعين عامًا، وزوجته «صافية» تجلس أمامه على الجانب الآخر من المائدة، يتبعه الأخ الأوسط «عبدالقادر» الذي يبلغ خمسةً وثلاثين عامًا، وزوجته «زينب» تجلس إلى جانب «صافية»، ويتلوه الأخ الأصغر «يحيى» ابن الثلاثين عامًا، وتجلس أمامه زوجته «يُسر» التي تحمل طفلتها الرضيعة «نور»، وإلى جانبها طفلها «زياد».

حمحم الأب بقوة وهو يبسط ساعديه ويثنيهما في حركةٍ سريعة استعدادًا لتناول الطعام، وقال بصوتٍ قوي:

— كل سنة وإنتوا طيبين يا ولاد.. يلا بسم الله.

ردد الجميع دعاء الإفطار، وبدأوا بتناول فطورهم، وكلٌّ منهم يستعيد ذكريات الأعوام الماضية، ليقول «علي»:

— ادعوا لزاهية، الله يرحمها.. النهارده تالت رمضان نفطر من غيرها.

دعا الجميع لها بالرحمة، ليبادر سليمان قائلًا:

— ربنا يطولنا في عمرك يا با، ودايمًا متجمعين على حسك.

هنا برز صوت يُسر تقول:

— أظن بكرة الفطار عندك يا عمو سليمان، إحنا متعودين على كده، وبعد بكرة عند عمو قدّورة.

رمقها سليمان بنظراتٍ خاطفة متفحصة قبل أن يقول:

— أكيد إن شاء الله، هو شهر في السنة اللي بنتجمع فيه.

تداخل صوت زينب وهي تقول:

— وإنتِ حسبتي الحسبة كده يا ست يُسر وطلعتي نفسك منها؟ مش ناوية تعزمينا يوم ولا إيه؟

— لا يا زيزي، ما إنتِ عارفة إني مليش في جو العزومات والطبخ وكده، لو تحبوا تفطروا دليفري ماشي.

لوت زينب جانب شفتيها بسخرية وقالت:

— دليفري؟! لأ ياختي منجلكيش في دليفري، إحنا رمضان بالنسبة لنا طبيخ كتير وحلل ودوشة وحاجات كده متفهميش فيها إنتِ يا بتاعة الدليفري.

أومأت يُسر بموافقة وقالت:

— خلاص هبقى أشوف، ولو كده هخلي «غزل» تبقى تطبخ معايا.

انتبه «علي» ونظر إلى صافية قائلًا:

— أومال صحيح فين غزل يا صافية؟!

تنهدت صافية بيأس وقالت:

— غلبت معاها يا حج والله إنها تقعد تفطر معانا، بس هي بتتكسف زي ما إنت عارفها.. قاعدة بتفطر جوه مع «أم حسين».

صدح صوته الجهور مناديًا:

— غزززززل!

انتبهت «غزل» إلى ندائه، لتنهض سريعًا عن الطعام وتذهب إلى الخارج، تتهادى خطواتها باستحياء، ونظرت إليه بابتسامةٍ هادئة وأردفت:

— نعم يا عمو علي؟

ابتسم هو باتساع وقال:

— مبتقعديش تفطري معانا ليه؟! عايزاني أزعل منك؟!

افتر ثغرها عن ابتسامةٍ صافية وقالت:

— لأ طبعًا يا عمو، مقدرش على زعلك، بس أنا بفطر مع خالتي أم حسين عشان متفطرش لوحدها.

أومأ موافقًا وقال:

— ماشي يا آنسة غزل.. وهو كذلك.

برز صوت يُسر متأففًا فقالت:

— غزل خدي نور شيليها لأني مش عارفة أفطر منها.

نظرت إليها غزل بتعجب، وهمّت بقول شيءٍ ما قبل أن يهمس إليها «يحيى» قائلًا:

— وهي غزل مش هتفطر ولا إيه؟! هاتي نور أشيلها أنا.

هنا تفوه الأب قائلًا:

— روحي يا غزل كملي فطارك يلا، ولما تخلصي فطار اعمليلي كوباية شاي حلوة من إيديكي.

أشارت غزل إلى عينٍ تلو الأخرى وأردفت:

— من عنيا حاضر.

حمحم سليمان بصوته الغليظ قائلًا:

— الحمد لله.. ربنا يديمها علينا نعمة ويحفظها من الزوال.. كل سنة وإنتوا طيبين جميعًا، والفطار بكرة عندي إن شاء الله.

أومأ الجميع موافقين ليقول «عبدالقادر»:

— بإذن الله أنا ويحيى نازلين القاهرة بكرة عشان نستلم البضاعة الجديدة.. لو لحقنا الفطار خير، ملحقناش تتعوض بقى.

أومأ سليمان بتفهم وقال:

— إن شاء الله.. بس قبل ما توصلوا كلموا التاجر وبلغوه إنكم على وصول عشان يجهز لكم البضاعة ومتتأخروش شبه النوبة اللي فاتت.

قال يحيى:

— أنا هكلمه على بيات كمان عشان يكون على علم بسفرنا ليه بكرة ويجهز الخامات كلها من دلوقتي.

هز سليمان رأسه بتأييد وقال:

— عفارم عليك.. يلا أستأذن أنا عشان ألحق المغرب.. سفرة دايمة يا با.

— يدوم عزك يا بني.. ها يا زينب قربتي ولا لسه؟!

قالها متوجهًا بحديثه نحو زينب وهو يشير برأسه إلى بطنها المنتفخ، فقالت:

— والله يا حج ما أنا عارفة.. بس هانت أهي.

أومأ مبتسمًا وقال:

— ربنا معاكي.. أومال سيف اتأخر ليه؟ مش قولتوا هيخرج من الدرس أذان المغرب؟!

ليقاطع حديثه دخول «سيف» محدثًا صخبًا، وقال:

— السلام عليكم.. جعاان يا ماما إلحقيني.

ضحك الجميع، فقال جده:

— ابن حلال، لسه جايبين في سيرتك، يلا اغسل وشك وإيديك وتعالى كُل بسرعة.

نهضت يُسر عن الطعام وقالت منادية:

— غزل.. يا غزل.

قالت صافية:

— عايزة غزل في إيه يا يُسر؟

— تيجي تشيل نور على ما أغسل إيديا.

طالعها يحيى مستاءً وقال:

— هاتي نور وأنا أشيلها، وروحي اغسلي إيديكي.

ثم قال بغضب:

— مش كل شوية يا غزل يا غزل، البنت مش شغالة عندنا.

خرجت غزل من المطبخ تقول:

— أفندم يا أبلة يُسر.. عاوزة حاجة؟!

نظرت يُسر إليها بتجهم وعبس وجهها فقالت:

— إيه أبلة دي؟ هو إنتِ شايفاني إيه؟!

نظر إليها الجميع بضيق، فقال يحيى:

— خلاص يا يُسر بقى.. روحي إنتِ يا غزل خلاص.

أومأت غزل بموافقة وانصرفت، لينهض يحيى عن المائدة ويلتقط طفلته من بين يدي أمها ويقول بضيقٍ واضح:

— كل سنة وإنت طيب يا حج، وبعودة الأيام.

ثم نظر إلى يُسر وقال:

— أنا طالع.. خلصي وتعالي.

صعد يحيى إلى شقته ليجد زوجته تتبعه على الفور، فنظر إليها بضيق وقال:

— مش هتبطلي حركاتك السخيفة دي بقى يا يُسر؟! قولتلك مية مرة بلاش تضايقي حد بأسلوبك ده، وبالأخص غزل.

قاطعته وقد اشتعل فتيل غضبها وقالت:

— أيوه.. إشمعنا غزل بقى اللي هتموت عليها كده ومش عايز حد يمسها بكلمة؟!

نظر إليها متعجبًا وقال:

— برضو يا يُسر؟! رجعنا لنفس الحوار الأهبل ده؟! قولتلك مليون مرة غزل دي أختي.. أنا اللي مربيها ومن وهي عيلة صغيرة لسه، من أول ما بدأت تيجي عند صافية من سنين السنين.. وبعدين كلنا هنا بنعتبرها من أهل البيت، وهي بتحب الكل هنا وبتعاملهم بعشم وأخوية.. وإنتِ عارفة إن أبويا بيعزها ودايمًا يقول «بت يتيمة متكسروش خاطرها».

ثم تمتم باستنكار:

— وبعدين يبقى فيه تمييز شوية، يعني ده أنا أكبر منها بكذا سنة!

نظرت إليه باستخفاف وقالت:

— بس دلوقتي مبقتش عيلة صغيرة يا يحيى، وبصراحة بقى أنا لما بشوفها هنا بتغم والعفاريت بتركبني.

قلّب كفيه متعجبًا وقال:

— لا حول ولا قوة إلا بالله.. وأنا مالي بقت عيلة ولا مبقتش عيلة؟! أنا مال أبويا؟ هو أنا هتجوزها؟! وبعدين بقولك أختي.. فاهمة يعني إيه أختي؟! ثم يعني إيه لما بتشوفيها هنا بتتغمي؟! إنتِ عايزاها تبطل تزور عمتها عشان خاطرك ولا إيه؟!

قالت بجدال:

— بس الزيارة بتبقى يوم ولا اتنين.. دي لما بتيجي عند صافية كأنها لزقت بغرا...

قاطعها بعصبية وصاح متشنجًا فقال:

— يُسر بقولك إيه، أنا مش رايق لكلام النسوان ده عالمسا.. تقعد يوم، تقعد شهر، هي مش قاعدة على قلبك.. وإنتِ عارفة إن هي بتيجي تقعد مع صافية تونّسها، مش جاية عياقة.. وهعيدها لكِ لآخر مرة.

ثم أشار بإصبعه باتجاه رأسها وقال:

— الكلام الفاضي اللي حطاه في دماغك ده هيتعبك.. كبّري عقلك كده واعرفي إنتِ إيه وهي إيه، هتلاقي نفسك ارتحتي.

راقتها كلماته، فاقتربت منه لتلتصق به بغنج، وراحت تعبث بأزرار قميصه وهي تنظر له بخبث وقالت:

— قوللي إنت أنا إيه وهي إيه؟!

هز رأسه يائسًا ثم ابتسم وأحاطها بكلتا يديه يقربها منه أكثر وقال:

— عليا الطلاق إنتِ مجنونة ومخك ضارب.. بقى يا عبيطة حد يتجوز برنسيسة زيك ويبص لأي واحدة خلقها ربنا؟! حتى لو كانت حورية نازلة من الجنة.

ابتسمت بسعادة ليستكمل حديثه قائلًا:

— وبعدين يا يُسر إنتِ مراتي وأم ولادي.. يعني كل حاجة بالنسبة ليا.. أول واحدة حبيتها، وأول واحدة عرفتها، وأول واحدة لمستها.. هااا.

قال الأخيرة غامزًا إياها بعينه وهو يضحك بعبث ويقول:

— واخدة بالك إنتِ يا جميل؟

صدحت ضحكاتها عاليًا ليقول:

— الله أكبر.. بقولك إيه أنا داخل أريح شوية.

أومأت بموافقة، ليسير باتجاه الغرفة وينظر خلفه ليجدها ما زالت بمكانها فقال:

— يا بت بقولك داخل أريح شوية.

ضحكت بشدة وقالت:

— الله.. مش تقول.

قال مشاكسًا:

— ما هو الفجر مبيقولش.. الفجر بيدخل على طول.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بالأسفل في شقة «صافية»، كانت تجلس «زينب» تحمل طبقًا كبيرًا من الحلويات الشرقية تتناوله بنهم وهي تثرثر قائلة:

— شوفتي السهونة اللي اسمها يُسر وعمايلها.. بت تحسي إنها راضعة سم والعياذ بالله.

أتاها صوت «غزل» من خلفها وهي تلتقط طبق الحلويات من بين يديها وتقول:

— يعني تفضلي صايمة طول النهار يا زوبة وتضيعي صيامك على ست يُسر دي؟! اتقي الله.

نظرت إليها زينب وقالت:

— يُسر.. وما أدراكِ بيُسر ياختي، دي مية من تحت تبن، حرباية وبتتلون على كل لون شوية.. اسأليني أنا، أنا اللي عرفاها وحفظاها.. سيبك من عمتك دي، خايبة وقلبها قلب خصاية وبيتضحك عليها بكلمتين.

غمزتها غزل بمشاكسة وقالت:

— يا واد يا شبح إنتِ.. بس إيه رأيك في الأكل النهارده؟! كان فخامة مش كده؟!

لوت زينب شفتيها وقالت:

— بوريه منك يا بت، وإنتِ طالعة لعمتك مبتحبيش تجيبي في سيرة حد.. غيرتي الموضوع في ثانية.

نظرت صافية وغزل إلى بعضهما البعض ضاحكتين، فهزت صافية رأسها بيأس وقالت:

— ما هو ده الصح يا زينب، وإحنا هنستفيد إيه لما نتكلم على دي ودي.. دعي الخلق للخالق.

مصمصت زينب شفتيها وقالت:

— طيب يا شيخة خضرا إنتِ وبنت أخوكي، فوتكوا بعافية بقى، أطلع أجهز لقدّورة هدومه عشان ماشي بدري.. تصبحوا على خير.

مشت زينب بخطواتٍ متثاقلة تجر قدميها جرًّا حتى صعدت إلى شقتها، فقالت غزل التي كانت تنظر في أثرها:

— يا ساتر منها.. ربنا ما يوقعنا في لسانها.

ربتت صافية على كتفها وقالت:

— زينب طول عمرها بتحب الكلام الكتير، مش جديد عليها يعني.. المهم قومي يلا نامي عشان هصحيكي على السحور، وإنتِ لو صحيتي مش هيجيلك نوم تاني، خليكي تمشي بكرة وإنتِ فايقة.

تثاءبت غزل وقالت:

— آه والله فكرتيني.. والله يا عمتو على عيني إني أسيبك.

غمزتها صافية وقالت:

— يا بت؟! على عينك إنك تسيبيني أنا برضو؟!

ابتسمت غزل بحزن وأردفت وهي تنظر للأمام بألمٍ داخلي يسكن بين أضلعها:

— مش فارقة يا عمتي.. القلب اتكسر من زمان، وسيبت زي ما سيبتش واحد.

ربتت صافية على خدها برفق وقالت:

— كله نصيب يا غزل يا بنتي.. ربنا يعوض عليكي باللي يريح قلبك ويسعدك.

أومأت غزل بهدوء ونهضت لتدلف إلى غرفتها، وتدثرت بغطائها جيدًا، وشردت تفكر بهِ، مهلك قلبها ومؤرق مضجعها، قبل أن يغلبها النعاس وتستسلم لسلطانه.

Expand
Next Chapter
Download

Latest chapter

More Chapters
No Comments
15 Chapters
الأول
في منزلٍ عريقٍ بحيٍّ راقٍ بالإسكندرية، تجتمع أسرةٌ ميسورة الحال حول مائدةٍ فخمةٍ تحتوي على كل ما لذَّ وطاب احتفالًا بفطور أول أيام شهر رمضان المبارك. كان يترأس المائدة كبير الأسرة «علي الهنداوي»، رجلٌ ذو هيبةٍ ووقار، قد زيَّن الشيب رأسه ليفصح عن بلوغه السبعين عامًا أو يزيد.يجاوره عن يمينه ولده الأكبر «سليمان»، ذو الأربعين عامًا، وزوجته «صافية» تجلس أمامه على الجانب الآخر من المائدة، يتبعه الأخ الأوسط «عبدالقادر» الذي يبلغ خمسةً وثلاثين عامًا، وزوجته «زينب» تجلس إلى جانب «صافية»، ويتلوه الأخ الأصغر «يحيى» ابن الثلاثين عامًا، وتجلس أمامه زوجته «يُسر» التي تحمل طفلتها الرضيعة «نور»، وإلى جانبها طفلها «زياد».حمحم الأب بقوة وهو يبسط ساعديه ويثنيهما في حركةٍ سريعة استعدادًا لتناول الطعام، وقال بصوتٍ قوي:— كل سنة وإنتوا طيبين يا ولاد.. يلا بسم الله.ردد الجميع دعاء الإفطار، وبدأوا بتناول فطورهم، وكلٌّ منهم يستعيد ذكريات الأعوام الماضية، ليقول «علي»:— ادعوا لزاهية، الله يرحمها.. النهارده تالت رمضان نفطر من غيرها.دعا الجميع لها بالرحمة، ليبادر سليمان قائلًا:— ربنا يطولنا في عمرك يا با، و
Read more
الثاني
بعد أذان الفجر صلّى يحيى فرضه وودّع زوجته وأطفاله قائلًا:— إن شاء الله هنحاول نستلم بسرعة ونرجع قبل الفطار، ولو ملحقناش هنفطر في الطريق، وإبقي افطري إنتِ والعيال مع الجماعة عند سليمان.أومأت يُسر بموافقة ليبتسم لها قائلًا:— ومش عاوز مشاكل، أنا فهمتك كل حاجة، ولما أرجع هفهمك بزيادة.ابتسمت باتساع وقالت:— اللهم إني صايمة.. يلا اتكل على الله ومتنساش تجيبلي الحاجات اللي كتبتها لك في الورقة.أشار إلى عينٍ تلو الأخرى وقال:— من عنيا الاتنين.. لما نور تصحى بوسيهالي وخلي بالك منها وأكليها كويس.— حاضر، مع السلامة.نزل يحيى من شقته ليطرق في طريقه باب شقة عبدالقادر، قبل أن يفتح له الباب وهو يستعد فقال:— ثواني بس يا يحيى هجيب الفلوس وأنزل.قال:— ماشي براحتك، أنا هستناك تحت.نزل يحيى درجات السلم ليتصادف مع انفتاح باب شقة سليمان، قبل أن تخرج منه «غزل» التي ابتسمت فور أن رأته وقالت:— صباح الخير.ابتسم بلطفٍ كبير وأردف:— صباح الخير يا غزال، على فين كده؟اتسعت ابتسامتها أكثر لمناداته لها بذلك اللقب الذي طالما ناداها به منذ طفولتها فقالت:— ماشية بقى عشان بابا ميفطرش لوحده النهارده كمان.قال مت
Read more
الثالث
كانت الشمس قد نثرت خيوطها الذهبية ليعمّ ضوءها الكون بأكمله، معلنةً عن قدوم صباحٍ جديد تتخلله بدايات ونهايات، وما بينهما يذوب القلب ذوبانًا.كان الجميع حاضرون بشقة زينب بعد استقبال المولود الجديد، حيث كانت صافيه تقوم برعاية زينب، وتُسر تحمل المولود، وغزل تساعد «أم حسين» في تدبير شؤون المنزل.نهض «علي» عن مقعده وهو يتحدث إلى عبدالقادر قائلًا:— اللي جابلك يخليلك يا قدّورة، وحمد الله على سلامتهم.نهض عبدالقادر احترامًا لوالده وقال:— الله يسلمك يا با، ويبارك في عمرك، يتربى في عزك إن شاء الله.تمتم الأب وهو يتجه باتجاه باب الشقة:— يتربّوا في عزك إنت وأمهم يا ابني، هنزل أنا بقى أريح شوية قبل صلاة الضهر.— اتفضل يا حج.نهض سليمان بدوره ليربت على كتف أخيه قائلًا:— اتجدعن يا قدّورة، حمد لله على سلامتهم.— الله يسلمك يا سليمان، رايح المحل ولا إيه؟!أومأ سليمان موافقًا وقال:— أيوة، هروح أبص بصّة كده وأجي أريح شوية، سي يحيى منيمناش الليل.ابتسم عبدالقادر وقال:— صحيح، إنت مكلمتش يحيى؟ اطمنت عليه وصل ولا لسه؟— والله راح عن بالي خالص، بس أكيد وصل، دي الساعة داخلة على 11.— طب كلّمه كده قبل ما
Read more
الرابع
قبل أربـع ساعات— حااااااااااسب!اخترق صوت بسّام أذن يحيـى كصفعةٍ مباغتة، فرفع رأسه ليفاجأ بشاحنة نقلٍ ثقيل تشق الطريق نحوهم بسرعةٍ مرعبة. تحركت يده بغريزة النجاة وانحرف بالمقود محاولًا تفادي الاصطدام، لكن السيارة فقدت اتزانها وانزلقت إلى منطقة منخفضة على جانب الطريق.وفي لحظةٍ خاطفة…انفتح الباب المجاور ليحيـى بعنف، فانقذف جسده إلى الخارج متدحرجًا على الأرض عدة مرات، بينما استمرت السيارة في اندفاعها قبل أن تشتعل النيران بها وتنفجر.لم تمضِ سوى لحظات حتى ظهر رجلٌ يترقب الطريق كما لو أنه ينتظر وقوع مثل تلك الكوارث. اقترب سريعًا من يحيـى، سحبه إلى منطقة بعيدة عن الأنظار، ثم أخرج هاتفه واتصل بأحدهم.جاءه الصوت من الطرف الآخر:— هاا، عندك جديد؟ابتسم الرجل ابتسامةً جشعة وقال:_الجديد كله هنا… حتة بشواتي متدبّش فيها مقص.= راجل ولا ست؟_شاب… في حدود التلاتين. آخده المستشفى ولا أسيبه؟ساد الصمت لثوانٍ قبل أن يأتيه الرد حاسمًا:= تسيب إيه يا غبي؟ هو إحنا بنلاقي جثة كل يوم؟ إيه ظروفه؟ معاه ورق؟_واقع من عربية موديل السنة، والعربية بقت حتة فحمة أهي… ولأ، مفيش معاه أي إثبات شخصية.= طيب ربنا يس
Read more
الخامس
أنا مين؟!.. مش عارف.خرجت الكلمات من بين شفتيه متقطعة، ضائعة، كأنها صادرة عن رجلٍ استيقظ في عالمٍ لا يعرف عنه شيئًا.تجمّد مصعب للحظة وهو يطالعه بعدم استيعاب، ثم قطّب حاجبيه وقال بدهشة:— مش عارف؟! يعني إيه مش عارف؟!رفع يحيى يده ببطء نحو رأسه وضغط عليها محاولًا انتزاع أي ذكرى، أي صورة، أي اسم… لكن الفراغ كان سيد الموقف.أغمض عينيه للحظات ثم فتحهما مجددًا، وعيناه تحملان ارتباكًا خالصًا لا أثر فيه لادعاء أو مزاح.وقال بصوتٍ خافت:— والله… مش فاكر حاجة… ولا عارف أي حاجة.ثم سكت قليلًا كأنه يبحث داخل نفسه عن شيءٍ مفقود، قبل أن يضيف بشرودٍ موجع:— حاسس إن دماغي… صفحة بيضا.اتسعت عينا مصعب شيئًا فشيئًا، ثم تمتم بذهول:—معقول… تكون فقدت الذاكرة؟!التقط يحيى الجملة كأنها شيءٌ ثقيل أُلقي فجأة فوق صدره، فنظر إليه مصدومًا بينما أكمل مصعب بتفكير:— أكيد الضربة اللي خدتها على دماغك أثّرت على الذاكرة.قطّب يحيى حاجبيه وقال بتوتر:— ضربة؟!.. مين ضربني؟! وإيه اللي حصل أصلًا؟تنهد مصعب ثم جلس قبالته وقال بهدوء:— إمبارح لقيناك مرمي على الطريق… غرقان في دمك. وكان في شابين بيجروا من بعيد، ملحقناش نشوف
Read more
السادس
ذهبت يُسر إلي بيت أهلها ليستقبلها أشقائها الصغار بفرحة عارمه و هم يتسارعون إليها لتخرج هي الحلوي و الهدايا من حقيبة يدها قبل أن تري والدتها التي تتقدم نحوها بخطوات متباطئه متثاقله فنهضت هي تستقبلها لتحتضنها بإشتياق كبير ثم قالت: مالك يا ماما بس صحتك في النازل و مش راحمه نفسك بردو. تمتمت والدتها بتعب وقالت: مفيش يا حبيبتي أنا كويسه، إنتي عامله إيه و عيالك عاملين ايه؟ أومأت يُسر بهدوء وقالت: كويسين، زياد مع جده و نور مع صافيه و أنا قولت آجي أشوفكوا و أطمن عليكوا. ربتت أمها علي فخذها وقالت: شافتك العافيه يا حبيبتي. نظرت حولها وقالت: أومال سبع البرمبه فين النهارده؟! جاتله مصيبه خدته ولا إيه؟! ضحكت والدتها بإقتضاب وقالت: بره عالقهوة. تسائلت يُسر: ليه معندوش شغل بردو؟! أومال بتاكلوا و تشربوا منين؟! قالت أمها بحزن: لولا القرشين اللي بتديهوملي كل مرة كان زمان إخواتك ماتوا من الجوع. قالت يُسر بضيق: و إنتي بتصرفي عليه من الفلوس دي يا ماما؟! أنا مش بقولك الفلوس دي لعلاجك و عشان لو إخواتي إحتاجوا حاجه؟! _هعمل إيه يا يُسر؟! أهي أيام و بتعدي زي ما تعدي. أومأت يُسر وفتحت حقيبتها لتخرج الكث
Read more
السابع
مرّت الأشهر المنصرمه عليهِ وكإنها أعواماً لا تُعد ولا تحصي فـ كم تمني بكل يوم يمضي أن تعود إليه ذاكرته و يكتشف هويّته و لكن أحلامه تضيع هباءً منثوراً، كان يأمل في كل مساء أنه سيفيق غداً وقد تذكر من هو و ماذا أودي بِحياته حتي أصبحت هكذا ليفاجأ بأنه لازال يحمل تلك الذاكرة الفارغه و يعود إليه الإحباط و خيبة الأمل من جديد. نهض عن فِراشِه عندما إستمع إلي آذان الفجر ليتوضأ و يصلّي الفجر ثم جلس يقرأ بالمصحف الذي لا يعلم هل هو خلصّته أم أن أحدهما قد أعطاه له ثم إنتبه علي حركة مِصعب وهو يستعد للخروج إلي عمله فهرول ناحيته وقال: مصعب إنت نازل الشغل مش كده؟! أومأ مِصعب قائلاً: أيوة يا محمد، عايز حاجه؟! _عايز آجي معاك؟! نظر إليه مصعب بتعجب وقال: تيجي معايا فين؟! _هاجي معاك دريم بارك. قالها يحيـي ساخراً ثم أردف بجدية: هيكون فين يعني يا مِصعب، هاجي معاك الشغل، أنا زهقت من القعده و عايز أشتغل. قال مصعب شارحاً: أيوة بس إحنا شغلنا صعب و كله لم خرده و قرف، و إنت إيديك ناعمه شكلك إبن ذوات يعني ومش وش بهدله. قال يحيـي مستنكراً: ملكش دعوة وش بهدله ولا لأ، أنا مصمم أشتغل معاك في الخردة، هو إنت أرجل
Read more
الثامن
كان مقيّداً بأغلالً من شوك لم يستطع حلّها أو نزعها و لكن قدماه كانتا محررتان ليفيق من غفلته و يهرول سريعاً إلي الخارج ليجد إمرأةً جميله تقف بعيداً علي مدد بصره ليركض بإتجاهها فإذ بها تعود للخلف ليعود و يركض نحوها مرة أخري ليجدها وكلما إقترب منها إبتعدت أكثر ليتيقن أنها سراب و أنه لن يتمكن من اللحاق بها فوقف مستنداً بيديه إلي ركبتيه يحاول إلتقاط أنفاسه اللاهثه ليستمع إلي صوتٍ يصدح بعيداً ليعتدل قائماً فوجدها تشير له بالإقتراب منها وهي تناديه بإسمٍ لم يستطع تمييزه ليعود و يهرول نحوها مرةً أخري ليسقط في قاع بئرٍ مظلم فـ طفق يصرخ مستغيثاً وهو ينظر للأعلي ينتظر مرور أحدهم ليراها تقف علي حافة البئر و هي تنظر إليه ببكاء و تمدّ يدها نحوها تريد مساعدته قبل أن تختفي و تعود مجدداً وهي تلقي إليه بـ حبل أمسك هو به و سحبته للأعلي حتي وصل إلي قمة البئر لترتفع ضحكاته فرحاً بالنجاه قبل أن تنقشع عنه مجدداً و تتحول إلي صرخات مستجديه وهو يراها تترك طرف الحبل من بين يديها ليهوي هو إلي قاع البئر من جديد فـ ظلّ يصرخ و يناديها مستغيثاً بينما عَلَت ضحكاتها الساخرة لتتركه و تبتعد مختفيه عن أنظاره. إنتفض يحيـي
Read more
التاسع
صعد سليمان إلي شقته و دلف ليجد صافيه تتحدث إلي "غَزَل" عبر الهاتف ليشير إليها مبتسماً وقال: سلميلي عليها و قوليلها إني مخاصمها. إبتسمت صافيه وقالت لـ غزل: عمك سليمان بيقوللك إنه مخاصمك. ثم نظرت إلي سليمان وقالت: بتقولك متقدرش علي زعلك بس الشغل الجديد لخمها. أومأ موافقاً لتقول صافية: ماشي يا حبيبتي، علي العموم خلي بالك من نفسك و إسمعي كلام بابا هو عارف مصلحتك، وأنا هبقا أكلمك وقت تاني! أنهت المكالمه لتتقدم من سليمان و تجلس إلي جانبه مبتسمه بلطف وقالت: إيه يا حبيبي أعملك تتعشي؟ تصنّع الضيق و زفر مطولاً ثم مسح وجهه بغضب لتتسائل بقلق وقالت: مالك يا سليمان، فيك إيه؟! نظر إليها كثيراً ثم تمدد علي الأريكه ليضع رأسه علي قدمها و يقول بنبرة حزينه أتقن صُنعها: تعبان يا صافيه. تسائلت بلهفه و أسي وقالت: مالك يا حبيبي تعبان من إيه كفي الله الشر. _أبويا مخاصمني و مش راضي يكلمني من إمبارح، جيت دلوقتي أتكلم معاه مرضيش يكلمني و قاللي مليش كلام معاك غير لما تنفذ اللي قولتلك عليه. قطبت جبينها بتعجب وقالت: طيب ما تعمله اللي هو عايزه يا سليمان ما إنت عارف عمي الحج طيب و أكيد مش هيطلب منك غير الصال
Read more
العاشر
كانت غزل تجلس إلي جوار السيدة كاريمان تسند يديها أسفل خديها وتستمع إلي حكاياتها التي أصبحت جزءاً هاماً من يومها لتقول: أفهم من كده إنك فضلتي تحبيه رغم اللي كان بيعملوا فيكي و رغم إنه إتجوز عليكي! أومأت كاريمان بإبتسامه تمتزج بها آلام الذكريات وقالت: لله يرحمه مكانش سايبلي إختيار غير إني أحبه كل يوم أكتر من اللي قبله، طول عمره كان حنين عليا و عمره ما كان قاسي. تسائلت غزل بتعجب وقالت: كل ده و مكانش قاسي!! هي القسوة بالنسبة لك إيه؟! نظرت كاريمان أمامها بشرود و أردفت: القسوة ليها معاني كتيرة يا غزل غير اللي إنتي فاهماها، أو يمكن أنا عشان كنت بحبه أوي كنت ببص للأمور من زاوية تانيه غير كل الناس، القسوة بالنسبه لي هي مش إنه يضرب و يهين و يخاصم و يجافي، لأ، القسوة بالنسبه لي كانت لو جيت في يوم بكيت و ممسحش دموعي، لو لقاني عايزة أعيط و محضنيش، لو حسيت لمسته ليا راح منها الدفا اللي كان ملازمها، لو نبرة صوته وهو بيتكلم معايا مبقاش فيها نفس اللهفه اللي بيتكلم بيها. ثم نظرت إلي غزل وقالت: لو هنحسب القسوة بالمقاييس بتاعتي يا غزل فهو عمره ما كان قاسي عليا. لم يَسعها سوي أن تبتسم لتلك الكلمات ال
Read more
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status