جميع فصول : الفصل -الفصل 20

123 فصول

الفصل 11

مرّ الوقت في الطوارئ بشكل متسارع ومُتعب، ولم تنتبه لينا لذلك. بقيت تعمل مع الممرضات دون توقف، تنتقل بين الغرف، تسجل الملاحظات، وتراقب الحالات بصمت، وكأنها تحاول أن تثبت لنفسها أنها قادرة على الاستمرار مهما كان الثمن. لكنها لم تنتبه أنها لم تأكل شيئًا منذ الصباح. ولا أنها لم تجلس حتى لدقائق حقيقية. بدأ جسدها يرسل إشارات خفيفة في البداية… دوار بسيط، ثقل في الرأس، وبرودة خفيفة في أطرافها. لكنها تجاهلت ذلك، ظنًا أنه مجرد تعب عابر. حتى في إحدى اللحظات، وبينما كانت تقف في الممر مع الممرضة، شعرت بأن الأرض لم تعد ثابتة كما يجب. تأرجحت قليلًا، وارتدت خطوة للخلف دون وعي. كانت على وشك أن تفقد توازنها تمامًا… لكن يدًا قوية أمسكت بذراعها بسرعة وثبات. “مهلًا.” رفعها الطبيب سامر، رئيس قسم الأطباء، نظره نحوها بقلق واضح. ثبتها جيدًا حتى استعادت وقفتها، ثم حدّق في وجهها مباشرة: “ما بكِ؟ لماذا تبدين هكذا؟” حاولت لينا أن تستقيم بسرعة، وتمسح أثر الارتباك: “أنا بخير… فقط تعب بسيط.” لكن ملامحها كانت تقول العكس تمامًا. ضيق سامر عينيه قليلًا: “هل أخذتِ استراحة؟ هل تناولتِ شيئًا منذ الصباح؟”
last updateآخر تحديث : 2026-05-28
اقرأ المزيد

الفصل 12

أخفضت لينا عينيها نحو كوب الماء بين يديها، ثم همست بصوت خافت: “شكرًا…” هزّ سامر رأسه بهدوء، ثم وقف مبتعدًا قليلًا عنها. “لا تشكريني على شيء طبيعي.” “الطبيب الجيد لا يثبت نفسه بأن ينهار.” “بل بأن يعرف كيف يستمر.” مرّت لحظات هادئة، قبل أن يفتح سامر الباب مرة أخرى. “سأطلب من أحدهم أن يوصلكِ إن لم تكوني قادرة على القيادة.” رفعت رأسها بسرعة: “لا… أستطيع العودة وحدي.” تأملها لثوانٍ، وكأنه غير مقتنع تمامًا، لكنه لم يجادلها هذه المرة. “حسنًا.” “لكن غدًا أريدكِ أن تدخلي المستشفى كطبيبة، لا كأنكِ تحاولين إثبات أنكِ تستحقين البقاء.” بعد دقائق، خرجت لينا من غرفة الاستراحة ببطء. كانت الممرات أكثر هدوءًا الآن، وأضواء الطوارئ الباردة تنعكس على الأرض اللامعة بشكل متعب. سارت بخطوات بطيئة نحو غرفة تبديل الملابس، ثم أخذت حقيبتها ومعطفها. لكن قبل أن تخرج من القسم، لمحته. الدكتور أسر. كان يقف قرب إحدى النوافذ في نهاية الممر، يراجع ملفًا طبيًا بملامح جامدة كعادته. ترددت خطواتها تلقائيًا. لم يكن ينظر إليها… أو ربما كان يشعر بوجودها فقط. وعندما اقتربت بما يكفي، أغلق
last updateآخر تحديث : 2026-05-28
اقرأ المزيد

الفصل 13

كانت لينا تحدق عبر النافذة بشرود، بينما أضواء المدينة تنعكس على الزجاج أمامها، والتعب يثقل جسدها أكثر مع كل دقيقة. ثم سألت بصوت خافت بعد تردد طويل: “هل… تعاملت مع جميع الأطباء الجدد بهذه الطريقة؟” فهم مقصدها مباشرة. أجاب بهدوء وهو يثبت نظره على الطريق: “الطوارئ لا مكان فيها للمجاملة.” “الطبيب الذي لا يتعلم السيطرة على نفسه تحت الضغط… لن يستطيع حماية مرضاه لاحقًا.” “لكنني أيضًا لا أسمح بأن يتحول الضغط إلى فوضى أو إهمال.” “هذا المستشفى لم يُبنَ بسهولة يا لينا.” “والدي أمضى سنوات من عمره وهو يبنيه من الصفر، تعبًا ووقتًا وسمعة.” “وكل شخص يعمل هنا… يمثل هذا الاسم.” خفضت لينا عينيها تستمع إليه بهدوء. أما هو، فتابع: “لهذا أراقب كل من يدخل هذا المكان بنفسي.” “ليس لأنني أبحث عن الأخطاء فقط… بل لأنني لا أقبل أن يحمل هذا المستشفى شخص غير قادر على تحمّل المسؤولية.” شعرت لينا أن طريقته هذه المرة مختلفة… أقل قسوة،. “وأنتِ…” “رغم تعبكِ اليوم… لم تهربي من العمل، ولم تتذمري، ولم تتركي مرضاكِ.” “وهذه أمور لا يمكن تجاهلها.” “ظننت… أنك بالكاد تنتبه لوجودي.” “أنا ألاح
last updateآخر تحديث : 2026-05-28
اقرأ المزيد

الفصل 14

أغلقت لينا باب غرفتها بهدوء، ثم أسندت ظهرها إليه للحظة طويلة. كان التعب ينهش جسدها بالكامل، ورأسها يكاد ينفجر من ضغط اليوم الطويل. نزعت معطفها ببطء، ثم جلست على طرف السرير وهي تغلق عينيها للحظة قصيرة، محاولة فقط أن تلتقط أنفاسها. لكن بعد دقائق… دوّى طرق قوي على الباب دون انتظار رد. رفعت رأسها بتعب، قبل أن يُفتح الباب وتدخل غادة بملامح باردة ومشدودة. وقفت عند المدخل تنظر إلى لينا بنظرة حادة، ثم قالت مباشرة دون مقدمات: “أتعلمين ما المشكلة فيكِ؟” أغلقت غادة الباب خلفها، ثم اقتربت بخطوات بطيئة: “أنكِ لا تفكرين أبدًا بعواقب تصرفاتك.” “وكأنكِ نسيتي تمامًا من تكونين.” “أي فتاة تملك ذرة كرامة أو إحساس بسمعة عائلتها… لا تسمح لرجل بإيصالها إلى المنزل بهذه الطريقة.” “خصوصًا أمام الناس.” قبضت لينا على طرف الغطاء بصمت، وشعرت بالكلمات تغرس نفسها داخلها رغم محاولتها التماسك. لكن غادة لم تتوقف. “أنتِ ابنة ياسر العبدالله.” “اسم والدك وحده يجعل الناس يراقبونك أكثر من غيرك.” “وأنتِ تتصرفين وكأنكِ فتاة عادية لا فرق إن تحدث الناس عنها أو لا.” رفعت لينا رأسها أخيرًا، وقالت بصوت متعب: “لم
last updateآخر تحديث : 2026-05-28
اقرأ المزيد

الفصل 15

مرّ أسبوع على عمل لينا في المستشفى، أسبوع لم يكن سهلاً. لم تعد تلك الطبيبة التي تتبع من الخلف، بل أصبحت جزءًا حقيقيًا من فريق الطوارئ، تُطلب في الحالات الصعبة، وتُستشار في التفاصيل الدقيقة. وفي ذلك اليوم تحديدًا… كان الامتحان الحقيقي. حالة طارئة وصلت إلى المستشفى: مريض في منتصف العمر يعاني من انسداد حاد في الشريان التاجي، مع تدهور سريع في العلامات الحيوية. التشخيص كان واضحًا، لكن الخطر كان في سرعة التدخل. كان الدكتور أسر والدكتور سامر خارج المستشفى في مهمة إدارية طارئة، ما جعل الفريق تحت ضغط حقيقي. نظر رئيس الفريق إلى الحالة ثم قال بسرعة: “نحتاج قرارًا جراحيًا فورًا… من يتولى التقييم؟” “سأقوم بالتقييم.” نظرات سريعة تبادلتها الممرضات والأطباء، لكن لم يعترض أحد. اقتربت من المريض، فحصت المؤشرات، راجعت التخطيط القلبي، ثم طلبت تصويرًا عاجلًا للشرايين. كانت تتابع كل تفصيل بدقة، أنفاسها هادئة رغم تسارع الموقف من حولها. بعد دقائق من التحليل، رفعت رأسها وقالت بثبات: “انسداد في الشريان التاجي الأيسر بنسبة خطيرة… الحالة لا تحتمل الانتظار.” “نحتاج تدخلًا جراحيًا فوريًا… عملية قلب مفت
last updateآخر تحديث : 2026-05-28
اقرأ المزيد

الفصل 16

في خضمّ ضغط اليوم داخل المستشفى، وبين الملفات والأصوات المتسارعة في الطوارئ، رنّ هاتف لينا. نظرت إليه بتردد… كان رقمًا غير مسجل. ترددت للحظة ثم أجابت: “ألو؟” جاءها صوت هادئ وواثق من الطرف الآخر: “الدكتورة لينا؟” “معكِ الدكتور رائد من مستشفى الشفاء.” توقفت لينا قليلًا، واعتدلت في وقفتها فورًا. “ اهلا دكتور رائد.” “أردت أن أهنئكِ.” اتسعت عيناها قليلًا دون وعي. “سمعت عن العملية التي قمتِ بها.” “قلب مفتوح… في ظروف معقدة… وقرار في لحظة حرجة.” “لقد نجحتِ.” شعرت لينا بشيء خفيف في صدرها، مزيج من الفخر والتوتر. لم تكن معتادة أن يأتيها هذا النوع من التقدير من خارج مستشفاها.: “وأريد أن أقول لكِ شيئًا مهمًا.” “أنتِ لم تحطمي ثقتي بكِ.” تذكرت حين رفضت في البداية من مستشفى الشفاء…“لاكان بالعكس… أنا سعيد جدًا أنكِ في مستشفى النور.” “واضح أنكِ في المكان الذي يُظهر قيمتكِ الحقيقية.” “لو كنتِ في الشفاء… ربما لم يكن هذا القرار الجريء ليظهر بهذه الطريقة.” “النور منحكِ مساحة لتظهري.” “شكرًا دكتور…”. “لا تشكريني.” “أنا فقط أتابع طبيبة واعدة… وستكون لها مكانة كبيرة قريبًا.” ثم أضاف ب
last updateآخر تحديث : 2026-05-28
اقرأ المزيد

الفصل 17

في مستشفى الشفاء… كان اليوم هادئًا نسبيًا، حتى انفتح باب الإدارة فجأة بطريقة مختلفة عن المعتاد. “الدكتور ريان وصل…” رفعت لمى رأسها بسرعة من مكتبها، وتغيرت ملامحها فورًا إلى اهتمام واضح. دخل ريان بخطوات ثابتة، يحمل ملفًا بيده، وملامحه هادئة لكن باردة بطريقة لافتة. لم يكن من النوع الذي يرفع صوته… لكن حضوره وحده يكفي لفرض هيبته. توقف وهو يراجع بعض الأوراق، ثم قال دون أن ينظر لأحد: “أريد تقرير الحالات الحرجة خلال الأسبوع.” أجابه أحد الأطباء بسرعة: “نعم دكتور ريان.” رفع رأسه قليلًا، وعيناه تجولان في المكان بتركيز بارد… وكأنه يقيم كل شيء قبل أن يحكم عليه. في تلك اللحظة، اقتربت لمى بخطوات محسوبة: “دكتور ريان… أنا لمى، من الفريق الإداري الجديد.” نظر إليها نظرة قصيرة، ثم أومأ بخفة دون اهتمام زائد: “أهلاً.” ثم عاد مباشرة لعمله. لمى ابتسمت لنفسها بخفة، لكنها شعرت أن الوصول إليه أصعب مما توقعت. في المساء… داخل مكتبه. جلس ريان وحده يراجع ملفات المستشفى، حتى وقع نظره على تقرير حديث من “مستشفى النور”. رفع حاجبه قليلًا. “النور…” همس لنفسه. فتح التقرير… وت
last updateآخر تحديث : 2026-05-28
اقرأ المزيد

الفصل 18

داخل غرفة الطوارئ، كانت الحالة في لحظة حساسة. المريض تحت مراقبة دقيقة، الفريق يتحرك بسرعة محسوبة، ولينا تتابع المؤشرات دون أن ترفع نظرها كثيرًا عن الشاشة. فجأة، تقدّم ريان خطوة داخل الغرفة. لم ينتظر إذنًا، ولم يكتفِ بالمراقبة من الباب. اقترب من السرير، نظر إلى الشاشة، ثم قال ببرود: “لا يزال النزيف مستمرًا.” أجابت لينا وهي تتابع الإعدادات: “نحن نعمل على تثبيته.” “تعملون… أم تحاولون؟” ثم أشار إلى أحد الأجهزة“الجرعة الحالية من السوائل مرتفعة.” أجاب أحد الممرضين بسرعة:تم تعديلها بناءً على استجابة الضغط.” قاطعهم ريان فورًا:الاستجابة غير كافية. خفّضوا الجرعة فورًا.” توقف الممرض لحظة ونظر إلى لينا. قالت لينا بثبات:تخفيضها الآن قد يسبب انهيارًا في الدورة الدموية.” التفت إليها ريان:وتركها كما هي قد يؤدي إلى نزيف غير قابل للسيطرة.” اقترب خطوة:اتخذي قرارًا.” أحد الأطباء قال بصوت منخفض: “دكتورة، الوضع حساس…” لكن ريان قاطعه دون أن ينظر إليه:لا أريد شرحًا من الخلف.” ثم عاد إلى لينا:كل ثانية تأخير هنا تُحسب ضدك.” رفعت لينا عينيها إليه:والقرارات المتسرعة تُحس
last updateآخر تحديث : 2026-05-28
اقرأ المزيد

الفصل 19

مرت عدة دقائق ثقيلة قبل أن يتحدث أحد الأطباء أخيرًا وهو يراقب الشاشة أمامه: “الضغط بدأ يستجيب… النبض أصبح أكثر استقرارًا.” تنفس أحد الممرضين براحة خفيفة، بينما بقيت لينا مركزة على الحالة دون أن تسمح لنفسها بالارتخاء الكامل. كانت تعرف أن الحالات الحرجة قد تنقلب خلال ثوانٍ، وأن الاطمئنان المبكر خطأ لا يقل خطورة عن التردد. قالت بهدوء وهي تراجع المؤشرات: “استمروا بالمراقبة، لا أريد أي تغيير يمر دون إبلاغي.” أومأ الجميع بسرعة، وفي تلك اللحظة فقط سمحت لنفسها بأن تبتعد خطوة صغيرة عن السرير، لكنها لم ترفع نظرها عن الأجهزة. إلا أن ذلك الهدوء لم يدم طويلًا. دخل ريان. كان يحمل ملفه بيده كعادته، وملامحه ثابتة تمامًا، وكأن ما حدث قبل قليل لم يكن مواجهة حادة كادت تفجر المكان. توقف عند الباب للحظات، ثم تحرك ببطء داخل الغرفة، بينما التوتر عاد فورًا إلى الوجوه دون أن يتكلم أحد. رفع أسر نظره إليه مباشرة وقال ببرود: “أعتقد أنني كنت واضحًا عندما طلبت منك الخروج.” لكن ريان لم ينظر إليه فورًا، بل اتجه نحو الشاشة الرئيسية يراجع كل شيء بنفسه، ثم قال بهدوء: “والحالة استقرت الآن، لذا لا أرى سببًا
last updateآخر تحديث : 2026-05-28
اقرأ المزيد

الفصل 20

في المساء، كان منزل آل العبدالله هادئًا على العادة. أضواء الصالة مضاءة، وصوت التلفاز منخفض في الخلفية، بينما جلس ياسر العبدالله على الأريكة يراجع بعض الأوراق المتعلقة بعمله، وقد بدا مرهقًا بعد يوم طويل. أما غادة، فكانت تجلس بالقرب منه تحتسي قهوتها بهدوء، في حين كان زين منشغلًا بهاتفه على المقعد المقابل. فُتح باب المنزل بقوة خفيفة. دخلت لمى. ألقت حقيبتها على الأريكة بانزعاج واضح، ثم جلست وهي تزفر بضيق متعمد حتى تلفت الانتباه. رفع ياسر نظره إليها: “ما بكِ؟” هزت رأسها وكأنها مترددة في الكلام، ثم قالت: “لا شيء… فقط بدأت أفهم لماذا أصبحت سمعة لينا حديث المستشفى.” توقفت يد ياسر فوق الأوراق. أما غادة، فرفعت عينيها فورًا باهتمام واضح. قال ياسر بجمود: “ماذا تقصدين؟” تنهدت لمى وكأنها لا تريد الحديث، ثم قالت: “اليوم كانت تتجادل أمام الجميع مع الدكتور ريان المنصور صحب مستشفى الشفاء داخل الطوارئ مستشفى النور.” عقد ياسر حاجبيه: “تجادل؟” “وليس جدالًا عاديًا… كانت تتحدث معه وكأنها في مستوى واحد معه.” تدخلت غادة بهدوء مصطنع: “لينا دائمًا ترفض أن تعرف حدودها.” أكملت لمى وكأنها وجدت
last updateآخر تحديث : 2026-05-28
اقرأ المزيد
السابق
123456
...
13
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status