جميع فصول : الفصل -الفصل 20

23 فصول

11

ضوء الصباح انسدل برقة عبر ستائر الغرفة الرمادية، خطوط ذهبية تسلّلت إلى الأرجاء الهادئة، تلامس السرير بكسل، وتنساب على وجنتي إيزابيلا التي بدأت تتحرك ببطء.رمشت عيناها مرتين… ثم فتحت إحداهما بتثاقل.شعور غريب غلف جسدها، دفء مألوف، لكن غير معتاد.ثم، ومع تنفسها العميق، أدركت أن شيئًا… أو أحدًا يشاركها هذا السرير.استدارت قليلاً، وبهدوء شديد، دون أن تُصدر صوتًا، التفتت لتنظر إلى جانبه.وهناك… على الوسادة المجاورة، وجهه.ميخائيل.نائم، أنفاسه متزنة، ملامحه ساكنة كأن العالم لا يجرؤ على الاقتراب منه حتى في نومه.لكنها رأت شيئًا مختلفًا في هذه الملامح القاسية، شيء لم تراه من قبل: الهدوء.شعرت بأنفاسها تعلَق في صدرها للحظة، وهي تنظر إلى هذا الرجل… الذي لم يكن يومًا جزءًا من عالمها، والذي غيّر كل شيء فيه بوجوده الصامت.مرّ إصبعها ببطء على طرف الغطاء، ثم نظرت إلى المسافة القصيرة جدًا التي تفصل بينهما… لم يكن قد اقترب منها، لكنها شعرت به كما لو كان يحيط بها من كل الجهات.متى جاء؟ لماذا جاء؟لماذا اختار هذه الليلة تحديدًا لينام إلى جوارها؟نظرت حولها.هذه ليست غرفتها.شهقت بخفوت، محاولة استيعاب ا
اقرأ المزيد

12

كان دخوله أشبه بانفجار صامت. خطواته بطيئة، ثقيلة، تنخر الأرض تحتها بثقة قاتلة. من بين الزحام والضجيج، انشق الحشد كأنه يشعر بوجود لا يرحم يقترب، حتى قبل أن يروه. ميخائيل كان واقفًا في الظل للحظات، يراقب. عينيه الزجاجيتين تتوهجان بجمود، لا انفعال يظهر على ملامحه سوى برد قارس يبعث الرهبة في العظام. رأى يد الشاب تلامس ذراع إيزابيلا، رآها تتراجع، تتوتر، تنكمش كمن شعر بالخطر. في تلك اللحظة، سقط القناع من وجه ميخائيل، وبان الوحش الحقيقي. تقدم خطوة... ثم أخرى. ببطء. الناس بدأت تلاحظ وجوده، وتبتعد دون أن يُطلب منها، كأنهم رأوا شبح الموت نفسه يعبر. وقف خلف الشاب، صمته أكثر رعبًا من أي تهديد. نظرته لم تكن فقط تحذر، بل تعد. تعد بتدمير كامل. الشاب استدار ببطء، شعر بشيء ثقيل خلفه، وعندما التقت عيناه بعيني ميخائيل... توقف الزمن. صوت الموسيقى، الضحكات، الأضواء... كل شيء تلاشى للحظة. نظرة ميخائيل كانت كالسيف... حادة، قاسية، لا ترحم. قال بصوت منخفض لكنه مسموم بالغضب: "أزل يدك... قبل أن أقطعها." الشاب لم يتحرّك... أو بالأحرى، لم يستطع. تجمّدت أطرافه، وصدره بالكاد يتحرّك ليدخ
اقرأ المزيد

13

هدير المحركات كان مكتومًا، كأن الطائرة صُممت خصيصًا لاحترام الصمت.جلست إيزابيلا إلى جانب النافذة، تسند رأسها بخفة إلى الزجاج البارد، وتُراقب الغيوم الكثيفة التي تمتد أسفلها كبحر ساكن. الشمس تتسلل من بين طبقات السحب، ترسم خطوطًا ذهبية باهتة على وجهها الشاحب. لم تكن نائمة، لكنها لم تكن مستيقظة تمامًا.كانت تُفكر.في الليلة السابقة.وفي كلماته.وفي القبلة التي لم تُشبه شيئًا مما اختبرته من قبل.الطائرة تشق طريقها بثبات فوق سُحب رمادية، والضوء الناعم من النوافذ ينعكس على المقاعد الجلدية اللامعة. في هذا الصباح الصامت، بدت الأجواء وكأنها تتهيّأ لشيء لا يُقال.إيزابيلا جلست إلى جانب النافذة، ترتدي معطفًا رماديًا من الكشمير، وشالًا من الحرير الأزرق، يلتفّ حول عنقها بحنوّ... كأنها تحاول أن تُدفئ نفسها مما سيأتي، لا مما مضى.ميخائيل كان يجلس مقابلها، يقرأ بصمت، لكن يده لم تفارق فنجان القهوة الأسود الذي تبخّرت منه رائحة داكنة، كقلبه.مرت لحظة طويلة دون أن يتحدث أحد.ثم قالت إيزابيلا، بصوتٍ خافت لكنها حازمة: "لن تكون العودة سهلة."رفع عينيه نحوها ببطء، تأمّل وجهها للحظة، قبل أن يرد:"لم تكن يوم
اقرأ المزيد

14

السماء فوق المقبرة كانت رمادية، بلا شمس، بلا زرقة،كأنها هي الأخرى دخلت في حدادٍ صامت.هواء الصباح بارد، يحمل في طياته رائحة تراب رطب وذكرياتٍ مثقلة بالألم.الثلج لم يسقط، لكن الأرض كانت ما تزال تئنّ تحت وطأة الأمس.في وسط المقبرة، حيث الاصطفاف المعتاد، وقف عدد من رجال العائلة، الحرس، والكهنة الأرثوذكس.نعش بوريس مالكوف وُضع على منصّة خشبية بسيطة، تُهيّأ للنزول.الصلوات تُتلى. الوجوه منحنية. العائلة في الصف الأول.داريا كانت شبه منهارة.فستانها الأسود لم ينجح في تغليف انكسارها.ركبتاها بالكاد تحملانها، ودموعها لم تتوقف منذ دخلت البوابة الحديدية.كانت تهمس لنفسها:"أبي… أبي… لماذا؟"صوتها بالكاد يُسمع، لكنها كانت تُكررها، كأنها تناديه من حفرةٍ لم يخرج منها.صوفيا، زوجته، كانت واقفة بجانبها، تمسك بيدها، تحاول أن تتمالك نفسها، لكن الذقن المرتعش، والنظرة الزجاجية في عينيها… كانت تقول كل شيء.كل شيء تحطم.وفي الخلف… خلف الجموع، خلف البكاء، خلف الكلمات الدينية .... كانت تقف إيزابيلا.صامتة.مستقيمة.تلف حول جسدها معطفًا داكنًا، وشالًا رماديًا.وشعرها مربوط بنعومة عند مؤخرة العنق.لم تكن قري
اقرأ المزيد

15

صباح اليوم التالي كان رماديًا كالمعتاد، لكن القصر بدا أكثر هدوءًا من أي وقت مضى.كأن الجميع يمشي على أطراف أصابعه، بينما الفراغ الذي تركه بوريس لم يُملأ بعد.في جناحها، كانت داريا قد استيقظت مبكرًا.ارتدت فستانًا بسيطًا بلون كحلي داكن، وشعرها مُسرّح بدقة غير معتادة،عيناها مرآة راكدة لا تظهر ما خلفها.جلست أمام مرآتها.وضعت القليل من العطر… الذي كانت ترتديه دومًا في طفولتها حين تريد لميخائيل أن "ينتبه" أنها كبرت.أخذت نفسًا عميقًا.ثم خرجت من جناحها. خطواتها على الرخام كانت محسوبة.هدوء في ملامحها. نعومة في الحركة.لكن في الداخل… سُمّ بارد يُعيد ترتيب الأوردة.لم تنزل إلى الطابق السفلي. بل… صعدت.الطابق العلوي حيث جناح ميخائيل.طوال السنوات الماضية، لم تجرؤ أن تطرقه في هذا التوقيت.لكن الآن، هو "بيتهم"، جناح "الزوجين" الجديد.إيزابيلا نائمة فيه. في سريره. اقتربت من بابه.لم تطرقه.وقفت فقط أمامه… تأملت المقبض.ثم ابتسمت لنفسها، ابتسامة شبحية… كأنها ترى ما سيأتي، لا ما يحدث.ثم استدارت. ولم تطرق الباب.بل اتجهت إلى غرفة جانبية، حيث تجلس ناديا، خالة ميخائيل، تحتسي قهوتها بصمت.داريا دخل
اقرأ المزيد

16

كان ضوء الفجر الرمادي يتسلل عبر الستائر الثقيلة، ينتشر بخجل فوق الجدران الحجرية، ويغمر أطراف السرير الضخم بدفء خافت.إيزابيلا استيقظت أولاً.كانت على جانبها، ظهرها إلى صدر ميخائيل، وذراعه ملتفة حول خصرها، ثقيلة… لكنها لا تُقيدها. بل تُطمئن.تنفست ببطء.أغمضت عينيها مجددًا للحظة، ثم فتحتها بهدوء.تحركت قليلاً، ليس لتبتعد، بل لتُعيد جسدها إلى موضع أكثر قربًا منه… كأنها تبحث عن توازن دقيق داخل حضنه.لم تقل شيئًا. ولم توقظه.فقط استمتعت بثقل ذراعه، ورائحة جلده، ونبضه المنتظم خلف ظهرها.ثم، دون أن تخطط، مدّت يدها وغطّت بها يده المستقرة عند بطنها.أصابعها مرّت فوق أصابعه، ببطء، كأنها تُعيد ترتيب شكل العلاقة… كما ينبغي.بعد لحظات، تحرك هو أيضًا.صوته كان أجشًّا، خافتًا، نائمًا:"أنتِ مستيقظة؟"أجابت دون أن تلتفت:"منذ قليل."قالتها بهدوء، لكنها كانت أقرب إلى اعتراف داخلي:"ولم أنوِ الرحيل."سكت.ثم تمتم:"إذن… صباح الخير، سنيجكا."ابتسمت.ابتسامة صغيرة. حقيقية. ثم أغلقت عينيها، وتركته يحتضنها في هدوء.لا شيء يُلحّ.لا موعد مستعجل.لا صراع.فقط… لحظة من الصباح، بين رجل بدأ يتغير، وامرأة بدأت
اقرأ المزيد

17

مرّت أكثر من ساعتين منذ دخولها غرفة العمليات، ولم ينطق أحد بكلمة طوال ذلك الوقت.حتى داريا، التي كانت دائمًا الأسرع إلى الحديث، بقيت حبيسة مقعدها، لا تتحرك، لا ترفع وجهها، ولا تُجيب على نظرات صوفيا التي لم تعد تدري أين تضع قلقها.ميخائيل، بعيد عن الجميع، جلس ساكنًا.جسده أماميًا، راحته على ذقنه، لكنه لم يرَ شيئًا.كأنه ينتظر خروج الطبيب لا ليستمع… بل ليقرر إن كانت الحياة ستمنحه فرصة ثانية، أم ستسلبه إياها… قبل أن يعرف ما تعني تمامًا.ثم فُتح الباب.خرج الطبيب، في معطفه الأبيض المُلطخ ببقع معقّمات وماء، وجهه مرهق… لكن هادئ، كمن يُجيد التحدث عند حافة الموت.نهض ميخائيل فورًا، وتقدمت ناديا خلفه، أما داريا فظلت في مكانها، تجمدت.قال الطبيب، بصوت هادئ لكنه مُحمّل بثقل:"الإصابة كانت على مستوى مؤخرة الرأس. الارتطام أحدث نزيفًا دماغيًا متوسّطًا في الفص القذالي الأيسر… وهو قريب من المنطقة المسؤولة عن المعالجة البصرية والتخزين الحسي المرتبط بالذاكرة."سكت الطبيب لثوانٍ، ثم أردف بنبرة جادة:"تمكّنا من وقف النزيف جراحيًا، لكن لا يمكننا تقييم مدى الضرر حتى تستيقظ. الورم الطفيف الذي أحدثه النزيف ق
اقرأ المزيد

18

في صباح اليوم التالي، كان الضوء الشتوي يتسلل إلى أروقة المشفى من خلف النوافذ الزجاجية الكبيرة، لكنه لم يصل إلى الغرفة رقم (٤).هناك… النور لم يعد يعني شيئًا.داخل الغرفة، كانت إيزابيلا ممددة بهدوء تحت البطانية البيضاء.وجهها شاحب، وأنفاسها بطيئة لكن منتظمة.الأجهزة من حولها لا تزال تومض وتنبض، لكنها لم تكن مستيقظة تمامًا… ولا نائمة تمامًا.كانت تُبقي عينيها مغمضتين أغلب الوقت، لكن بين الحين والآخر، تفتح جفنيها المرتبكين… ولا ترى شيئًا.في كل مرة تستيقظ، تبدأ التنهيدة، ثم يتبعها ارتباك، ثم نبض متسارع، ثم همسة حائرة:"لماذا… لماذا لا أرى؟"وحين يبدأ نبضها في الارتفاع، ويتغير تنفسها، يتدخل الطبيب أو الممرضة… يُحقن في وريدها القليل من المهدئ،فتغرق مجددًا في سُبات مرّ، ليس فيه أحلام… فقط صمت يشبه الفقد.ميخائيل لم يُغادر. بقي على كرسيه ذاته، ثابتًا كأنه جزء من الحائط. لم يكن يتكلم، لكنه كان يُراقب كل شيء.كل مرة تفتح عينيها، يقف على قدميه، يتقدم خطوة، لكنها لا تراه.تُدير وجهها ناحية صوته حين يناديها… لكن عينيها تبقيان ساكنتين في السواد.في أحد المساءات، همست بصوت منهك:"هل سأبقى… هكذا؟"
اقرأ المزيد

19

السماء في مدريد كانت رمادية، لكن لا تمطر.الهواء معتدل، وحفيف الأشجار في الطريق الطويل المؤدي إلى القصركان يُحدث صوتًا متقطعًا يشبه الهمس... كأن الطبيعة تُرحّب بحذر.تحركت سيارات آل روستوف داخل البوابة الرئيسية للقصر،بوابة من الحديد الأسود، تتوسطها الحروف الأولى من اسم العائلة محفورة بزخارف فخمة.في السيارة الأمامية، جلس أليخاندرو إلى جوار ابنته إيزابيلا، التي كانت تضع يدها على النافذة المغلقة، كأنها تتحسس الأصوات من الزجاج.قال بهدوء، وهو يُراقب الطريق داخل القصر:"اقتربنا... خمس دقائق فقط، وستكونين في غرفتك."لم تُجب.لكن أصابعها انزلقت ببطء على الزجاج، ثم سحبت يدها إلى حضنها.جلس خلفها فرانسيسكو، يُحدق بظهر مقعدها، وكأن شقيقته... أصبحت امرأة لا يعرفها تمامًا.هادئة جدًا، ساكنة جدًا، لكن داخله يعرف:البركان لا يهدأ... بل ينتظر.وصلت السيارة إلى البهو الخارجي، أمام القصر المبني من الحجر الكريمي اللون، والنوافذ الواسعة ذات الشرفات الحديدية.الواجهة ذاتها، التي اعتادت إيزابيلا أن تركض نحوها في طفولتها... اليوم لا ترى منها شيئًا، لكنها سمعت الصدى... وتذكرت.توقفت السيارة. فتح السائق ا
اقرأ المزيد

20

كان المركز هادئًا هذا الصباح، الاستقبال مضاء بنور ناعم،والممرات خالية تقريبًا، كأنّ الصباح نفسه قرر أن يتنفس ببطء… ليمنحها فرصة للتقدّم.دخلت إيزابيلا ممسكة بذراع ميخائيل، خطوتها الأولى كانت بطيئة، لا من الخوف، بل لأنها أرادت أن تشعر الأرض تحتها.هو لم يتكلم، لم يدلها، لم يوجّهها…فقط كان يمشي إلى جانبها، يده تمسك بكفّها، وأصابعه تُرسل نبضًا هادئًا تحت جلدها:"أنا هنا… أنا لن أترككِ."في غرفة العلاج، جلست على المقعد المخصص، ظهرها مستقيم، وجسدها مشدود بتوتر خفيف.أخصائية العلاج، شابة في منتصف الثلاثينات، تحدثت بهدوء وهي تضع ملفًا صغيرًا على الطاولة:"اليوم، سنبدأ بتحفيز الإدراك الحسي من خلال الحركة البطيئة في البيئة. الهدف هو أن تعتمدي على السمع واللمس لتخطيط المساحة."أومأت إيزابيلا برأسها.صوتها لم يخرج، لكنها أمسكت بيد ميخائيل لحظة، ثم همست:"ابقَ… ولا تقل شيئًا، فقط… كن هنا."نظر إليها، ورغم أنه لم يتعوّد على هذا الدور، على الجلوس صامتًا بينما من يُحب يتألم أمامه دون أن يتدخل، لكنه فقط أومأ… ثم جلس على الكرسي المقابل، يداه مشبوكتان، ووجهه… مشدود الصمت.بدأ التمرين.وضعت الأخصائية
اقرأ المزيد
السابق
123
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status