Share

12

last update Tanggal publikasi: 2026-06-12 14:21:11

كان دخوله أشبه بانفجار صامت.

خطواته بطيئة، ثقيلة، تنخر الأرض تحتها بثقة قاتلة. من بين الزحام والضجيج، انشق الحشد كأنه يشعر بوجود لا يرحم يقترب، حتى قبل أن يروه.

ميخائيل كان واقفًا في الظل للحظات، يراقب. عينيه الزجاجيتين تتوهجان بجمود، لا انفعال يظهر على ملامحه سوى برد قارس يبعث الرهبة في العظام.

رأى يد الشاب تلامس ذراع إيزابيلا، رآها تتراجع، تتوتر، تنكمش كمن شعر بالخطر.

في تلك اللحظة، سقط القناع من وجه ميخائيل، وبان الوحش الحقيقي.

تقدم خطوة... ثم أخرى. ببطء.

الناس بدأت تلاحظ وجوده، وتبتعد دون أن يُطلب منها، كأنهم رأوا شبح الموت نفسه يعبر.

وقف خلف الشاب، صمته أكثر رعبًا من أي تهديد.

نظرته لم تكن فقط تحذر، بل تعد. تعد بتدمير كامل.

الشاب استدار ببطء، شعر بشيء ثقيل خلفه، وعندما التقت عيناه بعيني ميخائيل... توقف الزمن.

صوت الموسيقى، الضحكات، الأضواء... كل شيء تلاشى للحظة.

نظرة ميخائيل كانت كالسيف... حادة، قاسية، لا ترحم.

قال بصوت منخفض لكنه مسموم بالغضب:

"أزل يدك... قبل أن أقطعها."

الشاب لم يتحرّك... أو بالأحرى، لم يستطع.

تجمّدت أطرافه، وصدره بالكاد يتحرّك ليدخل الهواء. ميخائيل لم يصرخ، لم يهدد بعلو صوته، لكنه كان أشبه بخنجر بارد وضع على الرقبة.

أعاد ميخائيل نظرته ببطء إلى يد الشاب التي ما زالت قريبة من إيزابيلا، كانت يده ترتجف الآن، حتى قبل أن تُمس.

ميخائيل لم يُكرّر كلامه. لم يكن بحاجة.

اقترب خطوة... المسافة التي تفصل بينه وبين الشاب لم تعد تتجاوز أنفاسًا.

ومن دون مقدمات، أمسكه من ياقة قميصه، رفعه قليلاً عن الأرض بيد واحدة، ببطء شديد، كمن يستعرض قوته لا لشيء... بل لتذكير من حوله بمن يكون.

"ألم تُعلّمك أمك ألا تلمس ما لا يخصك؟"

همسها ميخائيل في أذنه، والنبرة وحدها كانت كافية لتقشعرّ لها الأرواح.

أسقطه فجأة، ليس رحمةً، بل احتقارًا.

ثم أدار وجهه ببطء... ناحية إيزابيلا.

عينيه ثبتتا عليها... صامتًا، يقرأ ملامحها، توترها، ارتباكها، وربما... خجلها من نفسها.

لكنه لم يتكلّم. لم يكن الوقت مناسبًا للكلمات.

مدّ يده نحوها، كأنها دعوة، أو أمر... أو مزيج من كليهما.

"تعالي." قالها بصوتٍ منخفض، لكن لا مجال لرفضه.

صوته لم يكن فقط نداء... بل وعد بأن من يقترب منها مرة أخرى، لن يعود سالمًا.

إيزابيلا بقيت لثوانٍ معلقة في مكانها، كأن قدميها ترفضان الحركة، وكأن عقلها لم يستوعب بعد أن ميخائيل... هنا. في هذا المكان، بين الموسيقى الصاخبة والضوضاء والأضواء، وقف هو بثقله وقسوته، ليبدو وكأن كل شيء حوله ينتمي لعالم آخر لا يشبهه.

نظرت ليده الممتدة نحوها.

واسعة، قوية، أصابعه الطويلة الخشنة، تلك التي رأتها مرارًا حين كان غارقًا في صمته، أو يمسك بها سيجارًا، أو يغلق بها بابًا بثقل. الآن، كانت تلك اليد ممدودة فقط لها.

لم تجرؤ على سؤاله ما الذي جاء به. ولم تعرف هل تشعر بالخوف... أم الارتياح.

تقدمت خطوة... ترددت.

نظراته لم تتغيّر. جامدة، صلبة، لكنها لم تكن غاضبة. كانت حاسمة.

فعلت ما لم تتوقعه: وضعت يدها بهدوء في راحته.

يده التفت حول يدها بخفة لا تشبهه.

لكن عيناه لم تتركا الملهى، تدوران على الوجوه، ببطء، بنظرة واحدة تكفي لزرع الرعب.

سحبها معه.

لم يتكلّم، ولم يترك لها مجالًا للكلام. فقط تقدّم، شق طريقه وسط الحشد الذي تفرّق تلقائيًا كما لو أن شيئًا غير مرئي يدفعهم جانبًا.

وصل إلى الخارج، والهواء البارد ضرب وجوههم.

ورائحة دخان سيجارته التي بدأ بإشعالها كانت أول ما كسر الصمت.

فتح لها باب السيارة السوداء، كمن يفتح باب سجن أو مملكة.

"ادخلي."

قالها دون أن ينظر إليها.

ركبت إيزابيلا السيارة بصمت، وكأنها تحت تأثير صدمة لم تستوعب تفاصيلها بعد. جلست، وأغلقت الباب خلفها بهدوء، ثم أدارت رأسها ببطء لتجده يجلس بجانبها، وقد أشعل سيجارته بهدوء تام، يراقب الدخان وهو يتصاعد أمامه وكأن المشهد في الداخل لا يعنيه.

لم يقل كلمة.

الظلال التي يلقيها ضوء الشارع عبر الزجاج انعكست على ملامحه، فأظهرته أكثر قسوة... أكثر غموضًا.

نظرت إليه بخلسة. كان صامتًا كعادته، لكن شيئًا ما في قبضته المشدودة على ساقه اليسرى جعلها تتساءل عمّا يدور في رأسه.

- "ميخائيل..." همست بصوت بالكاد سُمع.

لم يلتفت. فقط قال بنبرة هادئة وباردة:

- "ما الذي كنتِ تفعلينه هناك، إيزابيلا؟"

ارتجف قلبها من نبرته، لم يكن يصرخ، ولم يكن غاضبًا... لكنه كان ساكنًا حد الرعب. صمته وحده كان يكفي لجعل الكلمات تخونها.

- "أختي... أرادت أن أرافقها، لم يكن لي خيار..."

لف رأسه نحوها ببطء، عينيه التقتا بعينيها، بقسوة قاتلة وهدوء مريب:

- "الخيار دائمًا موجود..."

ثم أعاد نظره للأمام، وسحب نفسًا طويلًا من سيجارته.

- "أتعرفين ما كان سيحدث لكِ لو تأخرت أكثر بدقيقة واحدة؟"

أرادت أن ترد، أن تشرح، لكن حلقها كان جافًا... وكأن صوته قد أحكم قبضته حول عنقها.

السيارة تحركت، وهو ما يزال صامتًا.

كان صمته أقسى من أي توبيخ.

كان الهدوء بينهما ثقيلاً... يحمل وزنهما معًا.

مضت السيارة في طريقها إلى القصر، والليل قد نضج في ظلامه، بينما الأضواء العابرة من نوافذ الطريق تلقي على وجهيهما ومضات متقطعة، كأنها تكشف الحكايا الصامتة المخبأة بينهما.

ميخائيل جلس بثباته المعتاد، ظهره مائل قليلاً إلى الخلف، وساقه اليمنى مرتفعة بعض الشيء فوق الأخرى، بينما تنبعث من سيجارته أنفاس متتابعة من دخان كثيف، يذوب في الهواء من حوله بهدوء يشبه هدير ما قبل العاصفة.

إيزابيلا، تجلس إلى جانبه، وقد أحنت رأسها قليلاً، كأنها تراقب يدها المتشابكة في حجرها. تشعر بثقل نظراته القديمة... حتى وهو لا ينظر. تشعر به حاضرًا في كل خلية من الهواء حولها.

مر وقت طويل قبل أن ينطق من جديد، صوته خفيض لكنه حاد:

"لا أريدك في أماكن لا أستطيع رؤيتك فيها."

كلماته وقعت عليها بثقل مفاجئ، رفعت رأسها تنظر إليه، لكنه لم ينظر إليها... كأنه لا يريد أن يرى الصدمة في عينيها، أو ربما لأنه يعلم أنها لن ترد.

أكمل بنبرة أكثر هدوءًا، لكنها لا تزال تملك نفس القسوة التي تختبئ خلف الغلاف البارد:

"وجودك في حياتي تغيّر قواعد اللعبة، إيزابيلا. لكن لا تظني لوهلة أني أضعف."

اتسعت عيناها قليلًا، دون أن تنطق... لم تكن تعلم ما إذا كان حديثه تهديدًا أم اعترافًا.

"أنا لا أثق بأحد. تعلمت هذا منذ سنين... بعد أن ذبحت أمي بيدي."

كأن قلبها توقف عن الخفقان لحظة نطق تلك الكلمات.

تابع، صوته خشن هذه المرة، وكأنه ينبش من داخله شيئًا دفنه منذ زمن بعيد:

"الخيانة ليست مجرد خنجر في الظهر... إنها لعنة تراها كلما أغمضت عينيك."

أرادت أن تقول شيئًا، أي شيء، لكن الكلمات لم تجد طريقها إلى شفتيها.

ميخائيل ألقى السيجارة من نافذة السيارة قبل أن يقول بجفاف:

"لقد تركتِ جناحي، والآن تركتِ مدينتي... هل أحتاج إلى تذكيرك بأي نوع من الرجال أنا؟"

كانت السيارة تقترب من بوابات القصر الآن، والظلام من حولها ازداد ثقلًا، تمامًا كالسكون الذي غلف روحيهما.

وقف السائق برهة عند الباب الحديدي الضخم للقصر، يضغط على زر السماح بالدخول، ثم نزل بهدوء تاركًا ميخائيل وإيزابيلا في الخلف.

السيارة بقيت ساكنة، كأنها حجرة محصنة، والهدوء بدا أثقل من أي صوت.

ميخائيل جلس بهدوء لا يكاد يُحس، ظهره مستقيم كالسيف، وعيناه تلاحقان بعيدًا، كأنهما تحاربان شبحًا داخليًا لا يظهر.

لم ينطق، ولم يُبدِ أي حركة تُشير إلى توتر، لكن برودته كانت ملموسة، كجدار جليدي يفصل بينه وبين العالم.

إيزابيلا جلست متمسكة بيدها، تنظر إليه من زاوية عينيها، تبحث عن ذرة من ذلك الرجل الذي تعرفه.

جلسا في المقعد الخلفي للسيارة، والهدوء يعم المكان سوى صوت المحرك الخافت. نظرات ميخائيل كانت جامدة، عيونه الباردة تلاحق إيزابيلا دون كلام.

بصوت منخفض وجاف، قال ميخائيل:

"أبقيتك هنا، لأنك ما زلتِ لا تعرفين حجم الوحش الذي يختبئ بداخلي. تخافين من أن تري الحقيقة التي تظهر عندما لا أكون تحت أنظارك."

تقدم ببطء نحوها، وصوت كلماته كان كطعنة سكين:

"هذه المرة، سأريك كيف يكون الأمر عندما تكونين تحت قبضتي... ليس كزوجة، بل كلعبة كاملة لا مهرب منها."

اقترب من وجهها دون أن يلمسها، عيناه ترمقانها بجمود قاتل:

"ستتعلمين أن الخوف مني ليس مجرد كلمة... بل حياة تُعاش في ظل تهديد مستمر. وأنت الآن جزء من هذا العالم... سواء أحببتِ ذلك أو لا."

صمت لبرهة، ثم أضاف بحزم لا يحتمل الجدل:

"لا أسمح لكِ بالهرب من هذا. لا في عالمي، ولا في حياتي."

ميخائيل ظل صامتًا قليلاً، وعيناه لا تتركان إيزابيلا حتى شعرت بثقل النظر يضغط على صدرها.

ثم أضاف بصوت أشد برودة:

"في هذا العالم، الضعف يُقتل قبل أن يُسمح له بالظهور. وأنا لن أسمح لأحد، حتى أنتِ، أن يكون ضعيفًا أمامي."

تأملت إيزابيلا تلك الكلمات، وشعرت بثقل المسئولية يزداد، لكنه لم يكن سوى جزء من هذا الرجل الذي أمامها، رجل صُمم على السيطرة بكل ما أوتي من قوة.

ميخائيل استدار ببطء نحو النافذة، يغرق في ظلاله الخاصة، تاركًا إيزابيلا مع صمت السيارة، يختلط فيه الخوف والفضول، ووهج غير مفهوم لجزء من قلبها بدأ يذوب ببطء تحت هذا الجليد الصلب.

خرج ميخائيل وإيزابيلا من السيارة بخطوات ثابتة، ببطء وثقل كل حركة منهم تعبّر عن ثقل ما يجول في داخلهما. كان الجو هادئًا، لكن التوتر كان ملموسًا في الهواء.

عندما دخلا إلى بهو القصر الفسيح، كان أليخاندرو روستوف، والد إيزابيلا، يقف هناك منتظرًا، عيناه تتفحصان الواقف أمامه. توقف للحظة عند رؤية ميخائيل، وارتسمت على وجهه ملامح دهشة خفيفة، لم يكن يتوقع حضور ميخائيل شخصيًا.

تبادل الاثنان نظرات تحمل في طياتها الكثير: القوة، الغموض، والصراعات القديمة التي تجمعهما.

أليخاندرو، بصوت منخفض لكنه مليء بالاحترام والمراقبة، قال:

"ميخائيل... لم أتوقع أن تحضر بنفسك. هذا يعني الكثير."

ميخائيل رد بثقة ولكن ببرود:

"الحفل مهم، ولن أسمح لأي شيء أن يعرقل ما بدأناه. زوجتي تستحق الأفضل."

نظر أليخاندرو إلى إيزابيلا التي كانت بجانب ميخائيل، ثم ابتسم بخفة، معبراً عن رضاه الضمني رغم كل ما يدور في قلبه.

الهدوء عاد إلى المكان، لكن كل من حضر يشعر بثقل التوقعات التي تفرضها هذه اللحظة.

اقترب أليخاندرو من إيزابيلا بنظرة دافئة وقال بصوت منخفض:

«إيزابيلا، خذي ميخائيل إلى جناحك. لابد أن يشعر بالراحة بعد طول السفر.»

تطلعت إيزابيلا نحو ميخائيل، لكن قبل أن تحرك ساكنًا، رفع ميخائيل يده بحزم خفيف مقاطعًا:

«ليس الآن، أليخاندرو. أحتاج أن أتحدث معك في المكتب لبعض الوقت. أمورٌ مهمة تنتظر.»

وقف أليخاندرو متفكرًا للحظة، ثم أومأ برأسه موافقًا، ناظرًا إلى إيزابيلا بابتسامة بسيطة تشبه المواساة.

ثم توجّه مع ميخائيل نحو المكتب بهدوء، تاركين إيزابيلا واقفة في بهو القصر، تغمرها موجة من القلق والترقب.

دخل ميخائيل وأليخاندرو المكتب الواسع، حيث أضاءت الشمعدانات الأنيقة جدرانه الخشبية العتيقة، وأثاثه الفخم يعكس هيبة المكان. جلس أليخاندرو خلف مكتبه الكبير، بينما وقف ميخائيل مقابلَه، عيناه تراقبان كل حركة بتأنٍ وثقة.

بعد لحظة صمت، كسر ميخائيل الهدوء بصوت منخفض لكنه حاد:

«أليخاندرو، أنت تعرف جيدًا أن الأمور ليست سهلة بيننا. الحضور هنا اليوم ليس فقط للتظاهر بالسلام. هناك ما يجب أن يُقال... وما يجب أن يُفهم.»

ارتسمت على وجه أليخاندرو علامات الحذر، لكنه لم يختر أن يتراجع. تنهد بهدوء وقال:

«أنا مستعد للاستماع، ميخائيل. لكن تذكر، هذا ليس وقت الحرب، بل وقت السلام. نريد أن نبني جسورًا، لا نحطمها.»

اقترب ميخائيل ببطء، وكأن كلماته تحمل وزن الجليد:

«جسور السلام لا تُبنى على الخيانة، ولا على الظلال التي تطارد عائلتي. هناك من يحاول أن يزرع الفتنة بيننا. أعرف ذلك. وأريد أن أعرف من وأين؟»

رفع أليخاندرو حاجبيه بتوتر، وقال بهدوء:

«لا يمكنني أن أؤكد لك شيئًا بعد، لكنني أتابع الأمر بنفسي. عائلتنا أيضاً تعاني من من يحاولون إضعافنا. لكن علينا أن نكون حذرين...»

قاطعه ميخائيل بثقة كأن كلماته سيف حاد:

«الحذر لا يعني التردد. في عالمنا، القوة هي التي تفرض احترام السلام.»

سحب ميخائيل كبسولة صغيرة من جيبه، وفتحها ببطء، وكان فيها صورة مشوشة لرجل مجهول.

«هذا الرجل يحاول بيع معلوماتنا. قبضت عليه الليلة الماضية. لا أريد أن تتكرر أخطاء الماضي، أليخاندرو. الماضي الذي جعلني أنا الرجل الذي تراني اليوم.»

نظر أليخاندرو إلى الصورة لفترة طويلة ثم قال بصوت يخفف من توتره:

«أنا أعلم، ميخائيل. وأنا معك. لكن تعاوننا الآن هو ما سيحدد مستقبل عائلتينا.»

جلس ميخائيل ببطء على كرسي مقابل المكتب، مدركًا حجم المسؤولية التي تحمله، لكنه لم يتراجع.

«سأكون واضحًا، أليخاندرو. لا مكان للخيانة بيننا بعد اليوم. وأي خطوة خارج هذا الاتفاق ستكون نهاية كل شيء.»

صمت أليخاندرو قليلاً، ثم أومأ برأسه:

«أتفق معك. لنعمل معًا، من أجل عائلاتنا. ولنبقَ حذرين.»

عاد الهدوء يخيّم على الغرفة، لكن كل كلمة قيلت كانت كخطوة في طريق محفوف بالمخاطر، حيث لا مجال للخطأ.

جلس ميخائيل مستنداً إلى ظهر الكرسي ببطء، عينيه لا تزالان ترصدان أليخاندرو، الذي أخذ نفساً عميقاً قبل أن يبدأ الحديث بهدوء حذر:

«الشحنات التي تمر عبر موانئنا أصبحت غير مستقرة. هناك تسريبات... وهناك من يستغل هذه الثغرات. ليس فقط من أعدائنا، بل من داخل العائلة أيضاً.»

رفع ميخائيل يده، مقاطعاً بهدوء لكنه بثقة:

«التسريبات تعني ضعف السيطرة. ونحن لا يمكننا أن نسمح بضعف السيطرة، لا في الأسلحة، ولا في الحماية. لقد طلبت أن يشدد الرقابة على كل نقطة دخول وشحن.»

تطلع أليخاندرو إليه وقال بتنهيدة:

«أعلم ذلك، وقد أبلغني فرانسيسكو عن بعض المشاكل في توزيع الأسلحة في الجنوب. هناك من يحاول تهريب أسلحة إلى جهات لا نعرفها بعد.»

كاد ميخائيل يبتسم بمرارة:

«الجنوب دائماً كان نقطة ضعف. أرسلت رجالي هناك للتأكد من كل شيء. ولكن وجود خونة يجعل الأمر أكثر تعقيداً.»

أخذ لحظة ليكمل بصوت أكثر برودة:

«الأسلحة ليست مجرد أدوات للقتل، بل هي وسيلة لبسط النفوذ. وكل شحنة تمر بأمان تعني قوة لنا، وكل تسريب يعني موت لشيء أكبر من مجرد أفراد.»

صمت أليخاندرو قليلاً، ثم قال:

«سأعطيك يد العون في كل ما تحتاجه، ميخائيل. لن ندع أحداً يعكر صفو هذا الاتفاق.»

ميخائيل نهض ببطء، نظراته تشع برودة وثبات:

«حسنًا. إذا أردنا أن نستمر، علينا أن نكون كالجسد الواحد، لا مجال للأخطاء.»

اقترب من المكتب، وضع كفه على سطحه وأردف:

«وأي شخص يُثبت خيانته، مصيره سيكون واضحاً، لا رحمة ولا تساهل.»

ابتسم أليخاندرو، لكنه كان يعلم أن هذه الكلمات ليست مجرد تهديد، بل وعد قاتل.

ظل ميخائيل واقفاً بجانب المكتب، يحدق في أليخاندرو بعينيه الحادتين، كأنه يزن كل كلمة تخرج منه. كانت الأجواء مشحونة، كأن الصمت بينهما يحكي أكثر من الكلمات نفسها.

أليخاندرو تنفس ببطء، ثم قال بنبرة أكثر جدية:

«ميخائيل، أنت تعلم أن هناك توترات كثيرة بين عائلتنا وعائلتك، ولكن هذا الاتفاق يجب أن يستمر. لا مجال للعودة إلى الصراعات القديمة.»

ميخائيل هز رأسه برصانة، ورده بصوت منخفض وثقيل:

«أنا لا أريد حرباً، ولكني لن أسمح لأحد بأن يخون الثقة التي وضعتها بي، سواء منكم أو من عائلتي.»

اقترب خطوة، وأكمل:

«كل خطوة خاطئة ستُدفن في الدم، ولن تكون هناك فرصة ثانية. هذا ليس تهديداً، هذا قانون البراتفا.»

أليخاندرو أومأ بحذر، وقال:

«أنا أوافقك، ونعلم أن الطريق ليس سهلاً، لكن مع هذا التعاون، يمكننا السيطرة على كل شيء.»

ميخائيل استدار ببطء، وأشار بيده نحو الباب:

«سأنتظرك في المكتب لاحقاً إذا أردت أن نناقش المزيد من التفاصيل. الآن، سأذهب لأطمئن على إيزابيلا.»

أليخاندرو تبع نظراته، لكنه لم يرد، عارفاً أن هذه العلاقة بين الرجلين أقرب للحرب الصامتة منها لتحالف.

خرج ميخائيل من المكتب بخطوات ثابتة، تاركاً خلفه أجواءً ثقيلة من الحذر والاحترام المشوب بالخوف.

غادر ميخائيل مكتب أليخاندرو بخطواتٍ ثابتة. لم يغلق الباب خلفه، تركه مواربًا... كتهديد مؤجل.

الممر كان هادئًا إلا من صدى حذائه الجلدي يرتطم بأرضية الرخام الباردة. خدم القصر اختفوا كأن الأرض ابتلعتهم، لا أحد يجرؤ على مواجهته، ولا حتى بنظرة.

كان الظلام يسير معه، يتسلل من داخله إلى الجدران، يملأ الزوايا، ويثقل الهواء.

لم ينظر في عينيّ.

ذلك العجوز يعلم... يعلم أنه خان الاتفاق بطريقة ما. لم يكن صادقًا حين سلّمني إياها.

إيزابيلا ليست كما توقعت. ليست ضعيفة. ليست خائفة... بل مشوشة. وهذا أخطر من الخوف.

توقف أمام باب غرفتها. لم يطرقه. اكتفى بالتحديق في الخشب، كأنه يقرأ شيئًا لا يراه سواه.

فكر، بمرارة هادئة أي باب هذا؟

باب امرأة؟ أم باب شركٍ نُصب لي؟

هي لا تنتمي لي، ولم أنتمِ لأحد منذ أن غسلت دمي من على وجهي وأنا في السابعة عشرة.

مدّ يده نحو المقبض... ثم توقف.

أغلق عينيه، ثم فتحهما بثقل.

إيزابيلا ليست هي... لا تخلط الوجوه.

لكنها أيضًا قادرة على الخيانة، فالدم الإسباني لا يؤمن بالولاء.

أدار المقبض بهدوء... فتح الباب ببطء، كمن يقتحم روحه لا غرفة.

كان القصر غارقًا في صمت ثقيل، لكن ميخائيل سار عبر ممراته كصدى للموت... خطواته بطيئة، ثابتة، وكل خطوة تحمل خلفها تاريخًا من الدم والنار.

وصل إلى باب غرفة إيزابيلا. لم يطرق.

دفع الباب بهدوء، ودخل.

الضوء الخافت كشف عن جسدها الجالس عند النافذة، في فستانها الحريري الليلي، وظهرها له، لكن جسدها تجمّد عند سماع وقع خطواته.

قال بصوتٍ منخفض، ثقيل ببروده:

"أهذا ما حلمتِ به حين قبلتِ الزواج بي؟ قفص من ذهب، وحارس من جليد؟"

استدارت ببطء، عيناها تلاقيانه بثبات، وإن كان قلبها يخفق في صدرها كالطبل.

قالت بهدوء، رغم رعشة خفيفة في صوتها:

"لم أحلم قط، ميخائيل. كنت أعلم تمامًا من أرتبط به."

اقترب منها بخطوات هادئة، لكن عينيه كانتا تشعان بشيء مظلم، مزيج من الغضب والكبح والخوف المدفون. وقف أمامها، ورفع يده ليضعها على مسند الكرسي، لا على جسدها.

همس وكأنه يتحدث إلى نفسه:

"في كل مرة أنظر إليك... أرى خيانة محتملة."

نظرت إليه، بعينين واسعتين، لكنها لم تبتعد:

"وأنا؟ في كل مرة أنظر إليك، أرى موتي يمشي على قدمين... لكني لا أهرب."

طال الصمت بينهما.

هو يحدّق فيها، يختبر صدقها، يفتش عن ارتجافة، عن كذبة.

لكنها لم ترتجف. لم تكذب.

قال بعد لحظة، بنبرة مشوبة بالغموض:

"إما أن تكسري... أو تكسريني، إيزابيلا."

ثم اقترب أكثر، حتى شعرت بأنفاسه الباردة على وجهها.

"لكن إن لعبتِ... فلعبك سيكون بدمك."

سادت الغرفة لحظات من الصمت الثقيل .

دون أن ينظر إليها، وكأن ما دار بينهما قبل دقائق لم يكن أكثر من تمرين على الجليد.

إيزابيلا كانت لا تزال قرب النافذة، تحدق في الظلام خارج القصر، وظهرها له. لكنها شعرت به، بوجوده، ببروده وهو يسير بثقة نحو الأريكة المقابلة للسرير.

نزع سترته الجلدية الثقيلة ورماها جانبًا، ثم قال دون أن ينظر إليها:

"نامي. لا أنوي خنقك الليلة."

نبرة صوته كانت هادئة، لكن السمّ يقطر من كل حرف.

استدارت ببطء، عيناها تشتعلان:

"وليلة أخرى؟"

رفعت حاجبًا ساخرًا.

"هل ستحذّرني مسبقًا؟ أم تفضل أن تجعلها مفاجأة؟"

توقف عن الحركة، ثم نظر إليها أخيرًا. عيناه كانتا كهاوية لا قرار لها.

"هذا يعتمد عليكِ، سنيجكا."

لم ترد. فقط سارت نحو السرير، التقطت وشاحًا خفيفًا من على الأريكة، ولفته حول كتفيها.

لم يكن الخوف هو ما حرّكها... بل كرامتها.

همست وهي تستلقي على الطرف البعيد من السرير:

"ابقَ في جانبك، يا ميخائيل. لا أريد أن أستيقظ وأجد الحرب بدأت في صدري."

ابتسم ابتسامة صغيرة لا فرح فيها، ثم جلس على الأريكة، وسحب المسدس من خاصرته، وضعه على الطاولة الصغيرة أمامه.

"لا تقلقي... الحرب لا تبدأ من السرير."

أطفأ المصباح الجانبي، وغرقت الغرفة في الظلام.

لكن بينهما، ظل الجمر مشتعلاً تحت الرماد.

ــ تسلّل الضوء الرمادي عبر ستائر الغرفة المخملية، ناثرًا وهجًا باهتًا على أرضية الرخام الباردة. كانت الغرفة تغرق في صمت ثقيل، لا يقطعه سوى زقزقة خجولة لعصافير في الحديقة البعيدة.

إيزابيلا فتحت عينيها ببطء، لا تعرف كم الساعة، ولا كم مر من الوقت منذ أن غفت... أو ربما استسلمت للإرهاق. كان جسدها ساكنًا، كأن النوم قيّد أطرافها. أما صدرها، فكان يعلو ويهبط ببطء كمن يحاول أن يتنفس العالم بحذر.

شعرت بثقل خلفها... حرارة قريبة جدًا... أنفاس منتظمة، عميقة، دافئة.

ميخائيل.

لم تتحرك. بقيت ممددة على جنبها، تحدق في اللاشيء، تستمع فقط لهدير أنفاسه خلفها. لم تدرِ متى استلقى إلى جانبها... أو لماذا لم تشعر به حين فعل.

لكنه الآن هنا. قريبًا لدرجة تخيفها... ودافئًا لدرجة تربكها.

هي، التي كانت تنام في سريرها هذا وحدها منذ طفولتها، تستيقظ الآن وبينها وبين زعيم البراتفا شبر من الهواء المشحون.

مدّ ميخائيل يده ببطء، دون أن يفتح عينيه، كأن جسده حفظ شكلها عن ظهر قلب. راح طرف أصابعه يلامس ذراعها ببطء، لا بعبث ولا برغبة... بل بتيقّن.

كأنه يختبر حقيقة أنها ما زالت هناك.

كأنها لو اختفت فجأة، سيعود العالم ليتشقق من جديد.

همس بصوت مبحوح، بالكاد يُسمع:

- «صباح الخير... سنيجكا.»

شعرت القشعريرة تسري في عمودها الفقري. نفس الكلمة. نفس اللقب. نفس الجليد الذي يسكن عينيه حين يناديها به... لكنه هذه المرة نطقها بهدوء.

لم تجبه. بقيت ساكنة، تحدق في خطوط الضوء على الجدار المقابل، بينما قلبها ينبض على وقع اسمه لها... لقبها الجديد، الذي صنعه هو، واحتكره لها.

هو لا يحبّها وهي لا تثق به.

لكن هذا لا يعني أن العالم لا يتغيّر حين يناديها... "سنيجكا."

تحركت إيزابيلا أخيرًا، ببطء يشبه نهوض زهرة في صباح شتوي. انتزعت نفسها من دفء السرير دون أن تلتفت. لم تنظر إليه. ولم تحاول أن تفسّر شعورها.

ميخائيل الذي كان خلفها، بقي مستلقياً، عينيه نصف مغمضتين، يتابعها بصمت وهي تسير نحو النافذة، تسحب الستارة قليلاً لتتسلل أشعة الشمس الرمادية إلى الداخل.

وقفت هناك للحظة، كتفاها عاريان تحت قماش الحرير الأبيض، شعرها المنسدل فوضوي، لكن ملامحها ساكنة... كأنها على وشك خوض معركة لا يفهمها أحد سواها.

قالت بصوت خافت، دون أن تنظر إليه:

- "اليوم خطبة أختي، وهي لا تعرف حقيقة عالمنا."

لم يرد.

استدارت ببطء، نظرت إليه نظرة قصيرة، عميقة، ثم أضافت:

- "أريد هذا اليوم أن يمر بسلام."

جلس ميخائيل على السرير، يمد ذراعيه ليزيح عن جسده ثقل النوم. نظر إليها بعينين نصف مغمضتين، فيها شيء يشبه التفكير... أو التقدير. ثم قال ببرود معتاد:

- "هل تظنينني لا أُجيد التمثيل؟"

رمشت إيزابيلا، لكن تعابيرها لم تتغير. اقتربت من خزانتها، وبدأت تختار ثوبًا بسيطًا بلون الخزامى، ناعم، أنيق، لكنه يخلو من الزينة. كأنها أرادت أن تكون ظلًا في هذا اليوم... لا نجمة.

مرت دقائق ثقيلة بصمت.

ثم دخلت الخادمة برفق، تهمس:

- "آنسة إيزابيلا... الآنسة كارمن بانتظارك في غرفة الزينة."

أومأت إيزابيلا بخفة، ثم التفتت نحو ميخائيل:

- "سأسبقك. سيبدأ التجمع خلال ساعة."

ومضت.

تركت وراءها عبيرها... وصمتها... وقلبًا ثقيلًا لا تعرف كيف تصمت عنه بعد الآن.

كانت الغرفة مضاءة بنور ناعم يتسلل من النوافذ الواسعة، ومرآة كبيرة تعكس وجوه النساء اللواتي يتحركن بخفة وهمس. عطور فاخرة تملأ الأجواء، وأقمشة ناعمة بألوان الباستيل تغطي الكراسي والطاولات الصغيرة.

جلست إيزابيلا على الطرف، ساكنة كظل، تراقب شقيقتها غير الشقيقة - لوسيا - وهي تضحك بخفة بينما تضع لها كارمن لمسات من البودرة على خديها.

لوسيا بدت كفتاة صغيرة في حلم وردي. فستانها الفاخر من الدانتيل العاجي احتضن جسدها النحيل برقة، وعينيها الواسعتين تلمعان بالحماسة والتوتر.

قالت لوسيا وهي تلتفت نحو إيزابيلا:

- "ألن تباركي لي؟"

نظرت إيزابيلا إليها للحظة، نظرة طويلة لا تحمل ابتسامة ولا جفاء، فقط عمقًا.

ثم همست:

- "أتمنى لك حياة أقل تعقيدًا من حياتي."

سكتت لوسيا، لم تفهم المعنى كاملاً، لكنها شعرت بالثقل في نبرة إيزابيلا. فأخفضت عينيها.

دخلت ماريسا في اللحظة التالية، ترتدي ثوباً أنيقًا بلون النبيذ الداكن، ورفعت حاجبيها حين رأت إيزابيلا جالسة بهدوء:

- "ماذا تفعلين هنا بهذا الصمت؟ هذا يوم احتفال، وليس عزاءً."

ردّت إيزابيلا بهدوء، دون أن تلتفت:

- "الاحتفال لا يحتاج لصخبٍ دائم يا خالتي."

ضحكت ماريسا، ضحكة قصيرة متوترة، ثم اقتربت لتعدل خصلة من شعر لوسيا، وكأنها تهرب من الرد.

أما كارمن، فرفعت نظرها من بين أدوات الزينة، ونظرت إلى صديقتها نظرة قصيرة فهمت فيها الكثير. ثم قالت بخفة، محاولة كسر الصمت:

- "بالمناسبة، لم نركِ منذ الحفل... كيف كانت ليلتكِ مع الروسي؟"

تجمد الهواء للحظة.

رفعت إيزابيلا عينيها، ببطء، ونظرت إلى كارمن. لم تقل شيئًا. لم تبتسم. فقط ردت بنبرة لا تحمل أي تفسير:

- "هادئة كالعاصفة."

ضحكت ماريسا مجددًا، لكن الضحكة هذه المرة كانت أكثر توترًا.

أما لوسيا، فشعرت بقشعريرة خفية، لكنها طردتها، ونهضت بسرعة تقول:

- "أريد أن أراها قبل أن ينادوني. تعالي معي، إيزابيلا."

وقفت إيزابيلا، سارت خلفها بخطوات بطيئة، متزنة، والعباءة الحريرية الطويلة تلامس الأرض برقة، لكن في عينيها... كان شيء آخر. شيء لا يعرفه أحد.

سارت إيزابيلا خلف لوسيا في الممر الطويل المؤدي إلى الحديقة الداخلية، حيث جهزوا المكان لاستقبال الضيوف والمراسم الأولى. الأرضية اللامعة تعكس خيالهنّ، والجدران العالية مزينة باللوحات القديمة التي تحمل وجوهًا من الماضي... وجوهًا تراقب بصمت.

لوسيا كانت تتحدث، تتنقل بين موضوع وآخر، عن الفستان، عن الورود، عن كيف سيبدو والدها حين يراها، لكن إيزابيلا بالكاد كانت تسمع. كانت كلمات أختها تتلاشى شيئًا فشيئًا، وكأنها تصدر من خلف جدار زجاجي.

خطوات هادئة قادمة من الجهة الأخرى من الممر...

رفعت إيزابيلا نظرها ببطء، وشهقت لوسيا بخفة وهي تتوقف.

ميخائيل.

كان يسير بهدوء، كعادته، كتفاه العريضتان يملؤهما المعطف الداكن، وعيناه ثابتتان، لا تزيغان. كل شيء فيه يوحي بالسيطرة... والخطر.

توقف حين اقترب منهما. نظرة عابرة للوسيا، ثم استقرت عيناه على إيزابيلا.

- "سنيجكا..." قالها بصوته الأجش المنخفض، كما لو كانت كلمة سرّ لا يعرفها سواهما.

رفّت رمشها، وأجابت بهدوء:

- "ميخائيل."

سكتت لوسيا للحظة، ثم تمتمت محاولة كسر الصمت:

- "سأذهب لأتفقد الخاتمين... أترككما."

وغادرت، بخفة، كمن يعرف متى عليه الانسحاب.

ظلّا واقفين، على بُعد خطوات قليلة.

قال بصوت منخفض:

- "أردت أن أراكِ قبل أن يبدأ الحفل."

رفعت حاجبيها قليلًا:

- "لأجل الاحتفال... أم لتتأكد أنني لم أهرب؟"

اقترب منها خطوة. نظراته لم تترك عينيها.

- "لأتأكد أنكِ هنا."

سكتت. ثم قالت بهدوء مشوب بالحذر:

- "أنا دائمًا هنا، ميخائيل. حتى حين لا تراني."

نظر إليها طويلًا. ثم اقترب أكثر، حتى بات بينهما نفس مشترك. همس:

- "وأنا أراكِ... حتى حين تتوارين خلف نظراتك الصامتة."

ارتجف شيء خفي في أعماقها، لكنها حافظت على سكونها. رفعت نظرها إليه وقالت:

- "وماذا ترى يا جزار البراتفا؟"

صمت... ثم قال دون تردد:

- "أرى امرأة من جليد، لكن النار تتراقص تحت جلدها."

شردت نظراتها للحظة. ثم ابتعدت خطوة، وقالت وهي تلتفت:

- "احرص ألّا تقترب كثيرًا... الجليد قد يحرقك."

وغادرت، بخطوات هادئة، تاركة خلفها ظلًا من الهدوء المشوب بالشرر.

أما هو، فظل واقفًا، يراقبها... والشبح الذي في داخله يبتسم.

السماء كانت صافية كصفحة ماء، والشمس تداعب أطراف الأشجار بلمسات من ذهب. الحديقة الداخلية تحوّلت إلى ساحة فاخرة للترحيب، مزيّنة بأكاليل الزهور البيضاء والزجاج الكريستالي اللامع، تنعكس فيه ألوان الورود وأصوات الكمان الناعمة التي تُعزف من خلف الستائر الحريرية.

على أطراف الممر المبلّط، وقف رجال العائلة... صفوف متقنة من الهيبة والنفوذ.

أعمام إيزابيلا الثلاثة:

أنطونيو، الأكبر، ببدلته الكحلية الداكنة، يقف صامتًا كجبل، عيناه لا تضحكان أبدًا.

ريكاردو، الأوسط، بابتسامة هادئة تخفي خلفها أعوامًا من الحنكة... وجرائم لا تُذكر.

خافيير، الأصغر، نظراته فضولية، أكثر شبابًا وأقل خنوعًا للبروتوكول.

وأبناؤهم، متشابهون في المظهر، مختلفون في الحضور. أليخاندرو الصغير، ابن أنطونيو، كان يقف في الخلف، يرتدي نظارات شمسية سوداء ويبدو غير مهتم بالمراسم. ماريو، ابن ريكاردو، كان يتحدث همسًا مع أحد رجالات الأمن، فيما رافاييل، ابن خافيير، يوزع ابتسامات ساحرة على الحضور كأنه النجم الخفي للحفل.

وعلى الجانب الآخر... أشقاء والدة إيزابيلا، آل "كوردوفا"، حضروا بكامل عددهم.

إميليو كوردوفا، بشاربه الرمادي وصوته العميق، كان يتحدث مباشرة مع والد إيزابيلا. أما ابناه، نيكولاس وخوسيه، فكانا يتنقلان بين الضيوف بنوع من التوتر المحسوب. الجميع يعرف أن عائلة الأم لا تزال تُعامل على أنها "طرف ثانوي"... لكن ليس اليوم.

وسط هذا المشهد، وقف أليخاندرو روستوف، كملك حقيقي، يتحدث بصوت خافت لكن واضح، بينما يُحيي كبار رجالات العائلتين ويُقدمهم لبعضهم. وكان بين كل اثنين يتوقف عنده النظر... يتكرر السؤال:

- "من هذا؟"

- "زوج الابنة الكبرى... الروسي."

كل الأعين كانت تلاحق ميخائيل، رغم وقوفه على الهامش، بجوار إيزابيلا، صامتًا، مراقبًا، بثبات لا يملك سواه. ثوبه الأسود يعاكس الزهور البيضاء، وكأنه سكين مغروز في كعكة زفاف.

ثم... لحظة سكون.

ظهرت لوسيا من أعلى الدرج المؤدي إلى الحديقة، ترتدي فستانًا أبيض بسيطًا، يليق بفتاة في أول عمرها، لكنها تحمل في عينيها نظرة امرأة تعرف ما تريد. يدها في يد والدها، وابتسامة خفيفة تلمع على شفتيها.

صفّق الجميع.

لكن ميخائيل... لم يصفق. نظر فقط إلى إيزابيلا، التي كانت تتابع المشهد بصمت، والابتسامة الهادئة على شفتيها تخفي عاصفة داخل صدرها.

همس ميخائيل لها دون أن ينظر إليها:

- "هل تظنين أنهم سيتزوجان فعلًا؟"

أجابته دون أن تلتفت:

- "في عائلتي، لا أحد يتهرب من الزواج... فقط من الحب."

ابتسم بخفة لم يرها أحد.

تقدّم أنطونيو، عم إيزابيلا الأكبر، نحوها بخطى واثقة. لم يبتسم، كعادته، لكن نظرته كانت أقلّ صرامة من المعتاد.

قال بصوت منخفض:

- "جميلة لوسيا... تليق باسم العائلة."

ثم ألقى نظرة سريعة على ميخائيل قبل أن يضيف:

- "وزوجك الروسي... لا يتكلم كثيرًا، هذه نعمة."

إيزابيلا لم ترد، بل اكتفت بإيماءة خفيفة. لكن ميخائيل، رغم أنه لم يكن يُنظر مباشرة، التقط الكلمات كأنها أُطلقت صوبه عمدًا. لم يعلّق، بل اكتفى برشف كأس الماء في يده، وكأن كلماته أثمن من أن تُهدَر على القريبين.

على الطرف الآخر من الحديقة

كان رافاييل، ابن عمها الأصغر، يتحدث مع كارمن، صديقة إيزابيلا، محاولًا انتزاع ابتسامة منها. لاحظت إيزابيلا ذلك، فمرّت بجانبهما، وقالت له بنبرة لاذعة:

- "رافاييل، توقّف عن اللعب في يوم عائلي."

أجابها مبتسمًا، دون خجل:

- "وهل هناك وقت أنسب للتفاوض؟ هذه الحفلات صُنعت من أجل الهمسات."

قهقهت كارمن بصوت مكتوم، فرفعت إيزابيلا حاجبًا، ثم تركتهما خلفها.

عند طاولة طويلة في الزاوية

جلس ريكاردو، عمّها الأوسط، مع إميليو كوردوفا، خالها، وكأن الزمن أعادهما لسنوات سابقة من النقاشات السرية. على الطاولة بينهما، خرائط صغيرة، وهواتف مغلقة، وحديثٌ لا يصل إلى أحد.

في تلك اللحظة، كان أليخاندرو الصغير يقترب منها، نظارته الشمسية لا تزال تخفي نظرته.

قال بصوت متهكم:

- "سمعت أن الروس لا يحتفلون... فكيف تُقنعين واحدًا منهم أن يرقص؟"

قالها وهو ينظر نحو ميخائيل، الجالس على مقعد حجري، يراقب الجميع كتمثال أسود وسط الحديقة البيضاء.

إيزابيلا أجابت دون تفكير:

- "هو لا يرقص. هو يشاهد... ليتذكّر من سيكون أول من يخونه."

تجمّد أليخاندرو للحظة، ثم ضحك بخفة، وابتعد.

وبينما كانت إيزابيلا تدور بهدوء بين الضيوف، توقفت فجأة.

شخص لم تره منذ سنوات، يظهر أمامها.

إلياس، ابن عمتها، رجل في أوائل الثلاثينات، غاب عن الحفلات واللقاءات منذ سنوات بعد خلاف قديم مع والدها. لكن ها هو الآن، يقف بكامل أناقته، ونظرة لا تزال تحمل ملامح الطفولة والتمرّد.

قال مبتسمًا:

- "هل كنتِ تنتظرينني؟"

همست بدهشة:

- "لم أكن أظن أنك ستأتي."

أجاب، وهو يرمق ميخائيل بنظرة طويلة:

- "سمعت أنكِ تزوجت وحشًا... فأتيت لأرى بنفسي."

صمتت إيزابيلا، لكن عينيها تراقب ميخائيل، الذي كان، رغم البعد... يحدّق في إلياس.

وقفت إيزابيلا أمام إلياس، لا تزال متفاجئة من حضوره، وعيناها تتنقل بين ملامحه القديمة وتفاصيله الجديدة.

قالت بهدوء:

- "تغيرت."

ابتسم بخفة، وهو يمرر يده فوق لحيته الخفيفة:

- "وكأنكِ لم تتغيري أنتِ... رغم كل شيء."

نظرت إليه طويلًا، ثم تمتمت:

- "توقعت أن تبقى في مدريد، بعيدًا عن هذا العالم."

رفع حاجبًا ساخرًا:

- "عالمكم لا يسمح لأحد بالابتعاد تمامًا... حتى المنفيون، تجرّهم الدماء."

صمتت لثوانٍ، تشعر بثقل الكلمات، ثم نظرت نحوه مباشرةً:

- "لم تأتِ فقط من أجل الخطبة... أليس كذلك؟"

تنفس ببطء، ثم قال:

- "أتيت لأراكِ... قبل أن تختفي ملامحكِ خلف وجه آخر."

أخفض صوته، ثم أضاف:

- "أو خلف اسم رجلٍ لا يعرف كيف يلمس قلبًا دون أن يكسره."

تجمدت ملامحها. ورغم أنها تمالكت نفسها، إلا أن بريقًا غريبًا ظهر في عينيها.

همست بمرارة:

- "ميخائيل ليس كما تظن."

ضحك إلياس بسخرية، بصوت منخفض:

- "أوه، إيزابيل... كلهم ليسوا كما نظن، إلى أن يسفكوا أول قطرة من قلبنا."

اقترب منها خطوة، نظراته أكثر حدة:

- "هل يجعلكِ تشعرين بالأمان؟"

لم تجب. لم تجرؤ.

فأضاف، هذه المرة بنبرة أكثر ليونة، لكنها لا تخفي القلق:

- "إن لم تشعري... فعودي."

ارتعشت أنفاسها. وأجابت بهدوء:

- "العودة لم تعد خيارًا، إلياس."

ثم رفعت رأسها، وقالت بثقة مخنوقة:

- "وهذا زواجي. وهذا قدري."

طأطأ رأسه لوهلة، كأن شيئًا في قلبه انكسر، ثم رفع نظره إليها وقال:

- "إذن سأبقى... لبعض الوقت. لأراقب، لا أكثر."

ثم ابتعد بخطوات بطيئة، دون أن ينتظر ردها.

وبعيدًا، على الطرف الآخر من الحفل، كانت عينا ميخائيل لا تفارقان تلك الزاوية المعزولة... حيث وقف إلياس.

ميخائيل كان يقف دون أن يتظاهر بالاندماج... لم يشارك الرجال في المزاح، ولا ابتسم لتحية النساء. فقط يراقب.

نظراته اخترقت الزحام بثبات، تحدق في الزاوية البعيدة حيث كانت إيزابيلا قبل لحظات.

لمح إلياس وهو يبتعد منها، بخطوات واثقة... لكن عينيه قالتا ما لم يُقل.

اقترب منه ديمتري، حاملًا كأسًا من العصير، دون أن يحاول التخفيف من نبرته الجافة:

- "أهو أحد معارفها القدامى؟"

أجابه ميخائيل دون أن يشيح بنظره:

- "أكثر من ذلك..."

ثم التفت إليه، وأضاف:

- "راقبه. لا أريده أن يقترب منها مرة أخرى."

ــ إيزابيلا عادت إلى جانب شقيقتها التي كانت تُصافح عمًّا آخر من العائلة، فيما والدتها تُتابع المشهد بعينٍ فاحصة.

ماريسا، خالتها، اقتربت منها وهمست بخفة في أذنها:

- "الجو متوتر... حتى الطاولات تشعر بالتوتر."

ابتسمت إيزابيلا بخفوت، لكن لم ترد.

ماريسا تابعت بنظرة جانبية:

- "ذاك الشاب الذي تحدث معكِ... هو إلياس، أليس كذلك؟ ابن عمتك روزا؟"

هزّت إيزابيلا رأسها بالإيجاب.

فأردفت ماريسا بنبرة حذرة:

- "كوني حذرة، صغيرتي... ليس كل من عاد، عاد من أجل الخير."

ثم... يبدأ أحد أبناء الأعمام - شاب طويل ذو شعر داكن - بالعزف على البيانو

ويخفت الحفل للحظة. يبدأ الجميع بالانتباه.

وإيزابيلا تشعر بأن أنظار ميخائيل لا تزال تُثقل كتفها.

نظرت حولها، بعفوية... حتى التقت عيناها بعينيه.

هو لم يبتسم. لم يشر. لم يقترب.

لكنه جعلها تعرف... أنه رأى كل شيء.

ضج المكان بالتصفيق الخفيف.

تقدّم والد العروس، أليخاندرو روستوف، بوقاره المعتاد، يضع يده على كتف خطيب ابنته - شاب أنيق من إحدى العائلات المتحالفة معهم- وقال بصوتٍ جهوري:

- "نحتفل اليوم بخطبة ابنتي، وأعلن أمامكم جميعًا، أن هذه الخطوة تُثبّت تحالفًا جديدًا، لا بين عائلتين فحسب، بل بين مستقبلين."

العائلة صفقت مرة أخرى، فيما ساد جو من الاحترام والفضول...

في الزاوية المقابلة من القاعة، بجانب طاولة مزينة بالكريستال والزهور البيضاء

جلست إيزابيلا، تراقب وجوه الحاضرين...

تعرف هذا العم، وهذا ابن الخال، وذاك الذي اختفى سنوات ثم عاد فجأة...

اقترب منها إلياس مرة أخرى، دون ضجة. كان يحمل كأس ماء، وجلس إلى يمينها وكأن الأمر طبيعي تمامًا.

قال بصوتٍ منخفض:

- "لم أركِ منذ سنتين... وها أنتِ هنا، متزوجة من ميخائيل مالكوف نفسه."

أجابت ببرود متعمد:

- "وهل جئت لتذكيري بذلك؟"

ضحك بخفة، ثم نظر أمامه، حيث وقف ميخائيل، وحده.

- "لا، جئت فقط لأعرف... هل أنتِ بخير؟"

نظرت إليه إيزابيلا لوهلة، بصمت، ثم همست:

- "هل يهم؟"

رد دون أن ينظر إليها:

- "إن كنتِ إيزابيلا التي أعرفها... فأجل، يهم."

هنا اقتربت إحدى بنات الأعمام، لتجذب انتباه إيزابيلا بلطف:

- "تفضلي معنا يا ابنة عمي... الخطيبة الجديدة تريد الحديث معك."

ابتسمت إيزابيلا بخفة، ووقفت.

لكنها قبل أن تخطو، همست لإلياس دون أن تلتفت:

- "لا تحاول أن تجعل من الماضي مستقبلًا... فالماضي مات."

وتركت الكلمة معلّقة، وهي تبتعد بخطى ثابتة.

من بعيد، كان ميخائيل لا يزال يراقب. لكن هذه المرة، ابتسم بخفة.

ببطء، تتابع الأحاديث واللقاءات في القاعة، حيث تتداخل همسات التكهنات مع ضحكات النساء المتبادلة، وأصوات الأطفال وهم يلعبون بالقرب من الطاولات المزينة بألوان الفضة والذهبي.

إيزابيلا تشعر بثقل النظرات التي تتقاطع عليها من الجميع، خصوصًا من رجال العائلة الذين يراقبون كل حركة فيها، كأنهم يحرسونها بسلاح صامت.

اقترب إلياس بخطى متأنية، ووقف بجانب إيزابيلا حين كانت تتحدث مع إحدى قريباتها. قال بصوت منخفض لكنه واضح:

"إيزابيلا، هل يمكنني التحدث معك قليلاً بعيدًا عن هذا الصخب؟"

نظرت إليه بإصرار، محاولة أن تقيم نواياه، ثم وافقت بهدوء، قائلة:

"حسنًا، فقط لبرهة."

ابتعدا قليلًا عن الحشد، حيث كان الصوت أقل وضوحًا، مما سمح لهما بحوار خاص. التفت إلياس إلى إيزابيلا

، صوته منخفضًا لكنه يحمل نبرة حميمية:

"إيزابيلا، أنتِ لا تستحقين أن تكوني عالقة مع رجل مثل ميخائيل... الجميع يعرف أنه قاسٍ، لا يشعر بأي شيء."

رفعت إيزابيلا رأسها بثبات، ونظرت إليه مباشرة دون تردد، بصوت هادئ لكن حازم:

"ميخائيل هو زوجي. وإذا أردت التحدث عنه، فلتذكره بكل احترام وأنت أمامي."

توقف إلياس للحظة، مفاجأً بقوة ردها، ثم حاول مرة أخرى، هذه المرة بنبرة أكثر إصرارًا:

"لكنكِ تستحقين الأفضل... لا تستطيعي أن تكملي حياتك معه بهذه الطريقة."

أشارت إيزابيلا بيدها، قاطعة كلامه بحزم:

"أنا أعرف ما أفعله، وأعرف من هو ميخائيل حقًا. من الآن فصاعدًا، إذا تحدثت عنه أمامي مرة أخرى، فليكن ذلك باحترام."

فجأة، ظهر ميخائيل من خلف إيزابيلا، ووضع يديه بثقة على خصرها، أمام أعين إلياس مباشرة، مظهراً سيطرته وحضوره القوي. نظر إلياس بعينين لا تخفيان التحدي، بينما بقي ميخائيل ثابتًا.

سكت إلياس للحظة، يزن الوضع، قبل أن يبتعد بهدوء، تاركًا الموقف لصمت يملأ المكان بين الثلاثة.

بهدوء وبرود، ظل ميخائيل واقفًا خلف إيزابيلا، يضع يديه على خصرها دون أن يظهر أي تعبير ود أو دفء. صوته كان هادئًا ولكنه حاد، كأنه يراقب كل حركة.

ميخائيل واقف خلف إيزابيلا، يضع يديه بثبات على خصرها، صوته منخفض وبارد كثلج:

"إلياس، ابن عمتك... ماذا يريد منك؟"

إيزابيلا تلتفت ببطء إليه، نظراتها ثابتة لا تعطي مجالًا للشك:

"إلياس؟ مجرد فرد من العائلة، يحاول أن يكون ودودًا أكثر مما ينبغي."

ميخائيل يضغط قليلاً، كأنه يرسل رسالة واضحة:

"ودود؟ لا أحب أن أرى أحدًا يقترب منك أكثر من اللازم."

صمتت قليلاً ، قبل أن تقول بنبرة صارمة:

"أعلم كيف أدير عائلتي."

ميخائيل يبتسم بخفة، لكنه لا يترك يديه، حازمًا:

"سأبقى مراقبًا، لا تسمحي لأحد أن يتخطى الحدود."

الصمت يخيم على المكان، لكن القوة والسيطرة واضحة بين الزوجين.

إيزابيلا أزاحت نظراتها عن ميخائيل ببطء، ثم أعادت ترتيب تعابيرها لتبدو أكثر حيادًا، لكنها لم تبتعد عن قبضته.

هو لم يزح يديه، بل بقيتا على خصرها كأنهما يعلنان ملكيته الصريحة لها أمام كل من ينظر.

قالت بهدوء دون أن تنظر إليه:

"لا حاجة لأن تحذرني منهم، فأنا أعرف تمامًا من أين يأتي الخطر."

أجاب بصوت عميق:

"أحيانًا، يأتي الخطر من أقرب الناس... مثل ابن عمتك هذا."

ابتسمت إيزابيلا ابتسامة صغيرة، أقرب للسخرية، قبل أن تهمس:

"لا تقلق، سنيجكا تعرف كيف تحرق أصابع من يظنها مجرد جليد يمكن لمسه."

هنا، اقترب ميخائيل قليلاً منها، حتى صار صدره يلامس ظهرها، وقال عند أذنها:

"تذكّري فقط... أنتِ لستِ وحدكِ الآن."

لم ترد، بل بقيت صامتة، لكن جسدها لم يتزحزح، ولم يرفض اقترابه.

العلاقة بينهما، وإن بدت متجمدة أمام الآخرين، كانت تغلي تحت السطح.

صوت الموسيقى عاد ليلف المكان من جديد، وضحكات الضيوف تملأ القاعة، لكن عالمهما ظل معزولًا، ينبض بإيقاع آخر.

بهدوء، بدأ الحفل يلفظ أنفاسه الأخيرة. تلاشت أصوات الموسيقى تدريجيًا، وبدأ الضيوف بالمغادرة، الواحد تلو الآخر، تاركين خلفهم بقايا ضحكات ومجاملات وعبق عطور فاخرة خفّت رائحتها في الهواء.

إيزابيلا وقفت قرب إحدى النوافذ العالية، تراقب الخارج بعينيها الهادئتين، فيما كانت شقيقتها تودّع آخر الضيوف. شعرها المرفوع بدأ يتهدّل عند أطرافه، وجسدها مرهق من ساعات طويلة من الوقوف والابتسامات المتكلّفة.

وراءها، اقترب ميخائيل بخطوات بطيئة، كعادته، دون أن يصدر صوتًا. لم تلتفت إليه، لكنها شعرت به. سكونه وحده كان كافيًا ليُعلن حضوره.

قال بصوته العميق والهادئ:

"لقد كانوا كُثُر... أقاربك."

أجابت دون أن تحرّك رأسها:

"عائلة أمي. يظهرون فقط في المناسبات، ثم يختفون."

ساد صمت قصير بينهما، فقط أنفاسهما الخافتة تصطدم بجدران الغرفة الواسعة.

ثم التفتت إليه ببطء، ونظرت إلى عينيه مباشرة:

"هل ضايقك وجود إلياس؟"

حدّق بها للحظات، قبل أن يقول بنبرة خالية من الغضب لكنها لا تخلو من التحذير:

"ضايقني قربه... لا وجوده."

رفعت حاجبها برقة:

"لكنه ابن عمتي."

اقترب خطوة أخرى، حتى صارت بينهما مسافة لا تُذكر، وقال بنبرة منخفضة:

"حتى الأقارب... يمكن أن تُكسر رقابهم إن تجاوزوا حدودهم."

ابتلعت إيزابيلا ردّها، واكتفت بالنظر إليه. لم تكن خائفة، لكنها كانت تقرأ صدقه جيدًا.

بعد لحظة، تنفست بهدوء، ثم قالت:

"هل سنبقى هنا الليلة؟"

هز رأسه مرة واحدة:

"أجل. سنغادر صباحًا."

نظرت حولها بصمت، ثم سارت نحوه، وقبضت على طرف سترته بيدها دون وعي، كأنها تبحث عن توازن ما في عالم لم يعد كما تعرفه.

قالت أخيرًا وهي تنظر للأرض:

"أنا متعبة."

رفع يده، ولمس خدها بخفة:

"إذن، لنرتح."

في هدوء المساء، وبين أصداء ضحكات انطفأت وأقدام غادرت، صعد ميخائيل وإيزابيلا سلالم القصر العتيق دون كلمة. خطواتهما كانت موزونة، كأنها رقصة صامتة بين جسدين تعلّما أن يسيرا معًا رغم الجليد الكامن بينهما.

عند باب الغرفة، فتح ميخائيل الباب أولًا، ووقف جانبًا، يُفسح لها المجال للدخول. مرّت من أمامه بهدوء، وعيناها لا تلتقيان بعينيه، لكنها شعرت بحرارة نظراته تحترق على عنقها العاري.

أغلِق الباب خلفهما بخفة، وساد صمت ثقيل.

بدأت إيزابيلا بفك الأقراط، ثم العقد، وكل تفصيلة كانت تُسقطها على الطاولة قرب المرآة بعناية زائدة. ظهرها له، لكن ملامحها انعكست على زجاج المرآة، واضحة، منهكة، وبعيدة.

أما هو، فقد خلع سترته الثقيلة، ووضعها على الكرسي القريب. وقف للحظة يراقبها، ثم قال بصوت خافت:

"لقد وضع يده على ظهرك... إلياس."

توقفت يداها عن الحركة، ثم نظرت له عبر المرآة، وقالت ببرود:

"لم أطلب منه ذلك."

اقترب منها خطوة، ووقف خلفها مباشرة، كأن الهواء اختفى بين جسديهما، وعيناه بقيتا مركّزتين على عينيها المنعكستين.

"هو لا يضع يده بلا إذن، سنيجكا."

نطقت اسمه هذه المرة بهدوء، دون أن تلتفت:

"هل تشك بي؟"

اقترب أكثر، حتى أصبح أنفاسه على عنقها:

"لا... أنا لا أشك بكِ. لكنني لا أثق بهم."

استدارت ببطء، تواجهه هذه المرة، وقالت بهدوء فيه شيء من الصرامة:

"لن أسمح لأحد أن يتجاوز حدوده، لا إلياس، ولا غيره. لكن لا تحاسبني على أفعالهم."

نظر إليها طويلًا، ثم رفع يده، وأزاح خصلة من شعرها خلف أذنها بإيماءة خفيفة، وصوته بدا أكثر هدوءًا:

"أعلم أنكِ لست مثلهم."

رفّت أهدابها، وشعرت بكلماته تنفذ إلى مكان في قلبها حاولت تجاهله طويلًا.

"هل تقول ذلك لأنك رأيتني أضعه عند حدّه؟"

صمتت، بينما قلبها ينبض في صدرها بقوة غير معتادة.

قال أخيرًا، وهو يلمس ذقنها بخفة ليرفع وجهها إليه:

"سنيجكا... أحتاج أن أعرفكِ كما أنتِ، لا كما تظهري."

همست وهي تنظر إلى عينيه:

"وهل أنت مستعد لما قد تعرفه؟"

ابتسم، لكن ابتسامته لم تصل إلى عينيه:

"أنا لا أهرب من الحقائق، إيزابيلا. أنا أواجهها."

وساد الصمت مرة أخرى، لكنه لم يكن صمت البرود هذه المرة، بل صمتًا محمّلًا بالتوقعات.

اقترب منها أكثر، حتى لم تعد تفصل بينهما سوى أنفاس خافتة. عينا ميخائيل ظلّتا معلّقتين بعينيها، كأنما يبحث فيهما عن شيء ضائع، شيء لم يكن يعرف أنه يفتقده.

مدّت يدها ببطء، لتمسك طرف قميصه عند صدره، لم تسحبه، لم تقاوم، فقط أبقته هناك، كأنها تبحث عن ثبات في هذه اللحظة المعلّقة بين الشك واليأس والاحتمال.

همس، صوته أجشّ، لكنه حذر، وكأن قلبه يقف على أطراف أصابعه:

"أنا لا أجيد هذه الأمور، إيزابيلا... لكنكِ تجعلينها أقلّ وحشية."

نظرت إليه، وشيء ما في عينيها تهدّم، شيء صغير لكنه حقيقي، كأن جزءًا من الجدار بينهما بدأ بالتصدّع.

قالت بهدوء:

"وأنت... لا تُشبه ما قالوه عنك."

اقترب أكثر، حتى أصبح بين شفتيهما شبر بالكاد، لم يلمسها، لكنه كان هناك، حاضرًا، غامرًا، كأن كل شيء فيه ينتظر أن تأذن له بالدخول.

"وما الذي قالوه؟" سأل.

أجابت، والدفء بدأ يتسلّل إلى صوتها:

"أنك بلا قلب... أنك لا تعرف سوى القسوة..."

انحنى قليلاً، وهمس بجانب شفتيها:

"أخشى أنني لم أكن بحاجة لقلب... حتى التقيتكِ."

شهقت أنفاسها في صدرها، وارتجفت أصابعها على قميصه. لم تستجب بالكلمات، لكنها لم تتراجع.

رفع يده، وبكفّه العريض أمسك جانب وجهها، إبهامه يمر على وجنتها برفق غير متوقّع، لمسة تتناقض تمامًا مع لقبه كـ"جزار البراتفا".

تمتمت بصوت بالكاد يُسمع:

"لا أعرف من تكون حقًا، ميخائيل..."

أجاب، وهو يقترب أخيرًا، يطبع قبلة ناعمة، قصيرة، على زاوية شفتيها، وكأنه يخبرها بأنه لن يفرض نفسه، لكنه هنا... معها، ولأجلها.

"لكنني أعرف من أريد أن أكون... حين أكون معكِ."

استقر صمت دافئ بينهما. لا صراع، لا دم، لا عائلات. فقط رجل وامرأة، يحاولان فهم ما لا يُقال.

تبادل نظراتهما لم يكن مجرد لحظة عابرة... كان وعدًا خفيًا، رغبة مؤجلة، وارتباكًا ناعمًا تخلل الهواء بينهما.

اقتربت أكثر، ولم تمنعه هذه المرة. أنفاسه دافئة على بشرتها، وعيناه لم تفلتا وجهها لحظة، وكأنها باتت الشيء الوحيد الثابت في عالمه المضطرب.

ببطء، رفع يدها إلى فمه، يطبع قبلة خفيفة على ظهر كفها، ثم همس بصوت أجشّ، بالكاد يُسمع:

"لو كنتِ لي... فقط لي، لما سمحت لأحد بأن يرى هذا الجمال غيري."

شعرت بحرارة كلماته تلتف حولها. شيء ما في صدرها انكمش، وشيء آخر تمدد، كأن جزءًا منها ينكسر عن عمد لتفسح له مساحة.

اقترب منها أكثر، يده ما زالت تمسك يدها، بينما الأخرى استقرت على خصرها برفق، يسحبها نحوه دون عنف، بل برغبة صامتة، مُعلّقة، مكبوتة منذ زمن.

همست، شفتيها بالكاد تتحرك:

"وأنا... لم أكن أظن أنني سأرغب يومًا بأن أكون لأحد."

"أنا لستُ أحدًا." قالها وهو يلمس جبهته بجبهتها، صوته منخفض، غائر، وكأنه يقطع وعدًا دون أن ينطقه.

"أنا زوجكِ."

لم تجبه، فقط أغلقت عينيها ببطء، تترك نفسها للحظة تتجاوز كل المنطق. لحظة ليس فيها اتفاقات عائلية، ولا دماء، ولا كراهية قديمة... فقط رجل وامرأة يلمسان حافة شيء يشبه الأمان.

اقترب شفتيه من شفتيها، يتردد للحظة، يمنحها الخيار، لكنها لم تتراجع.

حين التقت شفاههما، لم تكن قبلة ناعمة فحسب، بل صدى لحرب طويلة انتهت أخيرًا في داخليهما.

قبلة دافئة، متأنية، ممتدة... كأن الزمن قد توقّف للحظة، ليمنحهما هذا الانفجار الخافت من الحميمية والدفء.

حين افترقا ببطء، لم يبتعد. بقي قربها، أنفه يلامس أنفها، يده تمسح بلطف خصلات شعرها خلف أذنها، وصوته ينطق بثقة خافتة:

"نامي، سنيجكا... هذه الليلة، لا أحد سيؤذيكِ... ما دمتِ بين ذراعيّ."

Lanjutkan membaca buku ini secara gratis
Pindai kode untuk mengunduh Aplikasi

Bab terbaru

  • تحت جناح الجزار    18

    في صباح اليوم التالي، كان الضوء الشتوي يتسلل إلى أروقة المشفى من خلف النوافذ الزجاجية الكبيرة، لكنه لم يصل إلى الغرفة رقم (٤).هناك… النور لم يعد يعني شيئًا.داخل الغرفة، كانت إيزابيلا ممددة بهدوء تحت البطانية البيضاء.وجهها شاحب، وأنفاسها بطيئة لكن منتظمة.الأجهزة من حولها لا تزال تومض وتنبض، لكنها لم تكن مستيقظة تمامًا… ولا نائمة تمامًا.كانت تُبقي عينيها مغمضتين أغلب الوقت، لكن بين الحين والآخر، تفتح جفنيها المرتبكين… ولا ترى شيئًا.في كل مرة تستيقظ، تبدأ التنهيدة، ثم يتبعها ارتباك، ثم نبض متسارع، ثم همسة حائرة:"لماذا… لماذا لا أرى؟"وحين يبدأ نبضها في الارتفاع، ويتغير تنفسها، يتدخل الطبيب أو الممرضة… يُحقن في وريدها القليل من المهدئ،فتغرق مجددًا في سُبات مرّ، ليس فيه أحلام… فقط صمت يشبه الفقد.ميخائيل لم يُغادر. بقي على كرسيه ذاته، ثابتًا كأنه جزء من الحائط. لم يكن يتكلم، لكنه كان يُراقب كل شيء.كل مرة تفتح عينيها، يقف على قدميه، يتقدم خطوة، لكنها لا تراه.تُدير وجهها ناحية صوته حين يناديها… لكن عينيها تبقيان ساكنتين في السواد.في أحد المساءات، همست بصوت منهك:"هل سأبقى… هكذا؟"

  • تحت جناح الجزار    17

    مرّت أكثر من ساعتين منذ دخولها غرفة العمليات، ولم ينطق أحد بكلمة طوال ذلك الوقت.حتى داريا، التي كانت دائمًا الأسرع إلى الحديث، بقيت حبيسة مقعدها، لا تتحرك، لا ترفع وجهها، ولا تُجيب على نظرات صوفيا التي لم تعد تدري أين تضع قلقها.ميخائيل، بعيد عن الجميع، جلس ساكنًا.جسده أماميًا، راحته على ذقنه، لكنه لم يرَ شيئًا.كأنه ينتظر خروج الطبيب لا ليستمع… بل ليقرر إن كانت الحياة ستمنحه فرصة ثانية، أم ستسلبه إياها… قبل أن يعرف ما تعني تمامًا.ثم فُتح الباب.خرج الطبيب، في معطفه الأبيض المُلطخ ببقع معقّمات وماء، وجهه مرهق… لكن هادئ، كمن يُجيد التحدث عند حافة الموت.نهض ميخائيل فورًا، وتقدمت ناديا خلفه، أما داريا فظلت في مكانها، تجمدت.قال الطبيب، بصوت هادئ لكنه مُحمّل بثقل:"الإصابة كانت على مستوى مؤخرة الرأس. الارتطام أحدث نزيفًا دماغيًا متوسّطًا في الفص القذالي الأيسر… وهو قريب من المنطقة المسؤولة عن المعالجة البصرية والتخزين الحسي المرتبط بالذاكرة."سكت الطبيب لثوانٍ، ثم أردف بنبرة جادة:"تمكّنا من وقف النزيف جراحيًا، لكن لا يمكننا تقييم مدى الضرر حتى تستيقظ. الورم الطفيف الذي أحدثه النزيف ق

  • تحت جناح الجزار    16

    كان ضوء الفجر الرمادي يتسلل عبر الستائر الثقيلة، ينتشر بخجل فوق الجدران الحجرية، ويغمر أطراف السرير الضخم بدفء خافت.إيزابيلا استيقظت أولاً.كانت على جانبها، ظهرها إلى صدر ميخائيل، وذراعه ملتفة حول خصرها، ثقيلة… لكنها لا تُقيدها. بل تُطمئن.تنفست ببطء.أغمضت عينيها مجددًا للحظة، ثم فتحتها بهدوء.تحركت قليلاً، ليس لتبتعد، بل لتُعيد جسدها إلى موضع أكثر قربًا منه… كأنها تبحث عن توازن دقيق داخل حضنه.لم تقل شيئًا. ولم توقظه.فقط استمتعت بثقل ذراعه، ورائحة جلده، ونبضه المنتظم خلف ظهرها.ثم، دون أن تخطط، مدّت يدها وغطّت بها يده المستقرة عند بطنها.أصابعها مرّت فوق أصابعه، ببطء، كأنها تُعيد ترتيب شكل العلاقة… كما ينبغي.بعد لحظات، تحرك هو أيضًا.صوته كان أجشًّا، خافتًا، نائمًا:"أنتِ مستيقظة؟"أجابت دون أن تلتفت:"منذ قليل."قالتها بهدوء، لكنها كانت أقرب إلى اعتراف داخلي:"ولم أنوِ الرحيل."سكت.ثم تمتم:"إذن… صباح الخير، سنيجكا."ابتسمت.ابتسامة صغيرة. حقيقية. ثم أغلقت عينيها، وتركته يحتضنها في هدوء.لا شيء يُلحّ.لا موعد مستعجل.لا صراع.فقط… لحظة من الصباح، بين رجل بدأ يتغير، وامرأة بدأت

  • تحت جناح الجزار    15

    صباح اليوم التالي كان رماديًا كالمعتاد، لكن القصر بدا أكثر هدوءًا من أي وقت مضى.كأن الجميع يمشي على أطراف أصابعه، بينما الفراغ الذي تركه بوريس لم يُملأ بعد.في جناحها، كانت داريا قد استيقظت مبكرًا.ارتدت فستانًا بسيطًا بلون كحلي داكن، وشعرها مُسرّح بدقة غير معتادة،عيناها مرآة راكدة لا تظهر ما خلفها.جلست أمام مرآتها.وضعت القليل من العطر… الذي كانت ترتديه دومًا في طفولتها حين تريد لميخائيل أن "ينتبه" أنها كبرت.أخذت نفسًا عميقًا.ثم خرجت من جناحها. خطواتها على الرخام كانت محسوبة.هدوء في ملامحها. نعومة في الحركة.لكن في الداخل… سُمّ بارد يُعيد ترتيب الأوردة.لم تنزل إلى الطابق السفلي. بل… صعدت.الطابق العلوي حيث جناح ميخائيل.طوال السنوات الماضية، لم تجرؤ أن تطرقه في هذا التوقيت.لكن الآن، هو "بيتهم"، جناح "الزوجين" الجديد.إيزابيلا نائمة فيه. في سريره. اقتربت من بابه.لم تطرقه.وقفت فقط أمامه… تأملت المقبض.ثم ابتسمت لنفسها، ابتسامة شبحية… كأنها ترى ما سيأتي، لا ما يحدث.ثم استدارت. ولم تطرق الباب.بل اتجهت إلى غرفة جانبية، حيث تجلس ناديا، خالة ميخائيل، تحتسي قهوتها بصمت.داريا دخل

  • تحت جناح الجزار    14

    السماء فوق المقبرة كانت رمادية، بلا شمس، بلا زرقة،كأنها هي الأخرى دخلت في حدادٍ صامت.هواء الصباح بارد، يحمل في طياته رائحة تراب رطب وذكرياتٍ مثقلة بالألم.الثلج لم يسقط، لكن الأرض كانت ما تزال تئنّ تحت وطأة الأمس.في وسط المقبرة، حيث الاصطفاف المعتاد، وقف عدد من رجال العائلة، الحرس، والكهنة الأرثوذكس.نعش بوريس مالكوف وُضع على منصّة خشبية بسيطة، تُهيّأ للنزول.الصلوات تُتلى. الوجوه منحنية. العائلة في الصف الأول.داريا كانت شبه منهارة.فستانها الأسود لم ينجح في تغليف انكسارها.ركبتاها بالكاد تحملانها، ودموعها لم تتوقف منذ دخلت البوابة الحديدية.كانت تهمس لنفسها:"أبي… أبي… لماذا؟"صوتها بالكاد يُسمع، لكنها كانت تُكررها، كأنها تناديه من حفرةٍ لم يخرج منها.صوفيا، زوجته، كانت واقفة بجانبها، تمسك بيدها، تحاول أن تتمالك نفسها، لكن الذقن المرتعش، والنظرة الزجاجية في عينيها… كانت تقول كل شيء.كل شيء تحطم.وفي الخلف… خلف الجموع، خلف البكاء، خلف الكلمات الدينية .... كانت تقف إيزابيلا.صامتة.مستقيمة.تلف حول جسدها معطفًا داكنًا، وشالًا رماديًا.وشعرها مربوط بنعومة عند مؤخرة العنق.لم تكن قري

  • تحت جناح الجزار    13

    هدير المحركات كان مكتومًا، كأن الطائرة صُممت خصيصًا لاحترام الصمت.جلست إيزابيلا إلى جانب النافذة، تسند رأسها بخفة إلى الزجاج البارد، وتُراقب الغيوم الكثيفة التي تمتد أسفلها كبحر ساكن. الشمس تتسلل من بين طبقات السحب، ترسم خطوطًا ذهبية باهتة على وجهها الشاحب. لم تكن نائمة، لكنها لم تكن مستيقظة تمامًا.كانت تُفكر.في الليلة السابقة.وفي كلماته.وفي القبلة التي لم تُشبه شيئًا مما اختبرته من قبل.الطائرة تشق طريقها بثبات فوق سُحب رمادية، والضوء الناعم من النوافذ ينعكس على المقاعد الجلدية اللامعة. في هذا الصباح الصامت، بدت الأجواء وكأنها تتهيّأ لشيء لا يُقال.إيزابيلا جلست إلى جانب النافذة، ترتدي معطفًا رماديًا من الكشمير، وشالًا من الحرير الأزرق، يلتفّ حول عنقها بحنوّ... كأنها تحاول أن تُدفئ نفسها مما سيأتي، لا مما مضى.ميخائيل كان يجلس مقابلها، يقرأ بصمت، لكن يده لم تفارق فنجان القهوة الأسود الذي تبخّرت منه رائحة داكنة، كقلبه.مرت لحظة طويلة دون أن يتحدث أحد.ثم قالت إيزابيلا، بصوتٍ خافت لكنها حازمة: "لن تكون العودة سهلة."رفع عينيه نحوها ببطء، تأمّل وجهها للحظة، قبل أن يرد:"لم تكن يوم

  • تحت جناح الجزار    11

    ضوء الصباح انسدل برقة عبر ستائر الغرفة الرمادية، خطوط ذهبية تسلّلت إلى الأرجاء الهادئة، تلامس السرير بكسل، وتنساب على وجنتي إيزابيلا التي بدأت تتحرك ببطء.رمشت عيناها مرتين… ثم فتحت إحداهما بتثاقل.شعور غريب غلف جسدها، دفء مألوف، لكن غير معتاد.ثم، ومع تنفسها العميق، أدركت أن شيئًا… أو أحدًا يشاركه

  • تحت جناح الجزار    10

    تناولا طعامهما بهدوء، ومع كل دقيقة تمر، بدا وكأن طبقات الجمود بينهما تتآكل ببطء، كما لو أن صمت الماضي وندوب الأرواح بدأت تفسح المجال لسكينة خجولة.كانت إيزابيلا ترفع عينيها نحوه بين الحين والآخر، تراقب تفاصيل وجهه وهو يأكل بصمت. قسماته كانت أقل قسوة الآن… أقل وحشية. ربما كانت أشعة الشمس تفعل ذلك، أ

  • تحت جناح الجزار    9

    بعد أن رحل ميخائيل بهدوء من الجناح، بقي عبق اللحظة في الهواء، يلامس أنفاسها كما لو أن حضوره لم يغادر بعد. كانت الشمس قد ارتفعت قليلًا، تبعثر خيوطها الذهبية على أرضية الغرفة الهادئة، بينما ظلت إيزابيلا جالسة على طرف الفراش، عيناها تائهتان في نقطة بعيدة على الجدار المقابل، لا تنظر إليه حقًا... بل تعو

  • تحت جناح الجزار    8

    تقدّما بخطى ثابتة داخل القاعة الواسعة. كانت الإضاءة خافتة وأنيقة، تنعكس على الأرضية السوداء اللامعة، وتُضفي على الجو رهبة متعمدة. رائحة السيجار الراقي امتزجت بعطرٍ ثقيل قادم من المقاعد الأمامية، حيث كان يجلس عدد من الرجال ذوي الوجوه الجامدة والعيون المتفحصة.كان الجو داخل القاعة مختلفًا عمّا توقّعت

Bab Lainnya
Jelajahi dan baca novel bagus secara gratis
Akses gratis ke berbagai novel bagus di aplikasi GoodNovel. Unduh buku yang kamu suka dan baca di mana saja & kapan saja.
Baca buku gratis di Aplikasi
Pindai kode untuk membaca di Aplikasi
DMCA.com Protection Status