All Chapters of تحت جناح الجزار : Chapter 1 - Chapter 5

5 Chapters

1

المقابر كانت هادئة بشكلٍ يثير الريبة، كأن الأرض نفسها تتهيأ لابتلاع المزيد من الأسرار.وقفت إيزابيلا روستوف بجانب شقيقها فرانسيسكو أمام القبر الرخامي الأسود.عليه اسم واحد فقط:أوسكار روستوف1996- 2024ابنٌ أضاع كل شيء.كانت الريح تداعب خصلات شعرها البني الفاتح، فيما عيناها ثابتتان على الحروف المنحوتة، دون دمعة، دون ارتعاش.مرّ عامٌ على وفاته، ومع ذلك، الألم لم يَخمد، لكنّه تغيّر.تحوّل من حزنٍ إلى خيبة. من فقدٍ إلى لعنة.قال فرانسيسكو بصوتٍ خفيضٍ، يكاد يُبتلع مع أنفاس الريح:"أتعلمين؟ لا أحد يزور هذا القبر غيرنا... حتى أبي لا يأتي."ردّت، دون أن تنظر إليه:"لأنه يعرف... أن أوسكار كان الخطأ الذي كلّفنا نصف العائلة."من بين كل نساء إسبانيا، قرر أوسكار أن يقترب من المرأة الوحيدة التي لا يجوز لمس ظلها حتى. زوجة أحد رجال البراتفا الروسية.وفي عالمهم، النساء خطٌ أحمر، مقدسات. من يمسّهن... يُمحى.في الليلة التي قُتل فيها أوسكار، لم تكن رصاصةً واحدة فقط.كانت شرارةً أشعلت حربًا استمرت عامًا كاملاً، خُرست فيها الأرض من دويّ الانفجارات، وامتلأت شوارع المدن بجثث لا هوية لها.الحرب التي خافها ا
last updateLast Updated : 2026-06-04
Read more

2

سادت لحظة صمت طويلة بينهما، لم تُقاطعها خطوات الخدم ولا أصوات الحرس. كأن كل شيء انكمش في الخلفية، ليبقى فقط هذا الثنائي، الغريب والمتشابه في آنٍ معًا، واقفًا وجهًا لوجه.أشار والدها بإيماءة صغيرة، ففتح أحدهم باب الجناح الشرقي، المخصص عادة لكبار الزوار. دون كلمة، التفتت إيزابيلا واتجهت بخطى هادئة نحو الداخل، وعرفت أنه سيتبعها. لم تنتظره. ولم تتعمد تجاهله. كانت تتحرك وكأنها تقود المشهد.دخلت الغرفة ذات الأثاث الكلاسيكي الثقيل، نوافذها الواسعة تطل على باحة القصر، وستائرها المخملية تسكنها رائحة قديمة من عصور السلطة. تقدمت حتى جلست على طرف الأريكة، مستقيمة الظهر، متزنة، كأنها اعتادت هذا النوع من اللقاءات.دقائق قليلة، ودخل هو.أغلق الباب خلفه بنفسه. بلا صوت.تقدم بخطى بطيئة، تأمل الغرفة لحظة، ثم التفت نحوها وجلس على المقعد المقابل. لا يوجد بينهما طاولة، ولا دروع."هل تعرفين لماذا أنا هنا، إيزابيلا؟" سأل، بصوته العميق كالرصاص المُغلف بالقطن.نظرت إليه بهدوء، أجابت:"أعرف تمامًا. ولست متأكدة إن كنتَ تعتبر هذا عقوبة... أم مكافأة."رفع حاجبه قليلاً، كأنها أثارت فضوله. لم يبتسم، لكنه لم يغضب. ق
last updateLast Updated : 2026-06-04
Read more

3

كان اليوم التالي مشرقًا بشكل يبعث على الاستفزاز، وإيزابيلا تقف أمام المتجر البراق والفاخر في إحدى زوايا مدريد، تنظر للافتة المزينة بزهور وردية ودانتيل أبيض وكأنها أمام ساحة إعدام."لن أدخل." قالتها بصرامة، ويدها معقودة فوق صدرها.لكن ماريسا كانت قد عبرت الباب بالفعل دون أن تلتفت.أما أنطونيا، فربتت على كتفها هامسة بخبث:"هيا يا عروس، العالم بحاجة لرؤية وجهك حين ترين ما بداخل هذا المتجر."دخلت إيزابيلا أخيرًا، بخطوات بطيئة وكأنها تمشي إلى قدر لا مفر منه. وما إن دخلت حتى استقبلتها ألوان الباستيل، الدانتيل، والحرير الناعم المتدلي من كل رف، وكأن المكان كله صُمم خصيصًا لاستفزازها.ماريسا أمسكت أول قميص نوم وردي، شفاف، مزين بشريط دانتيل عند الحافة."هذا لطيف، ما رأيك؟"إيزابيلا: "أعتقد أن قطة في مزاج سيء سترتديه، لا أنا."كارمن وضعت يدها على فمها تخفي ضحكتها، بينما أنطونيا انفجرت ضاحكة:"ماريسا، لو أحضرتِ شيئًا أكثر تحفظًا قد تفقدي وعيك."ماريسا، بهدوء لا يشبه فوضى المكان، التفتت نحو إيزابيلا وقالت:"هذه الليلة الأولى، يجب أن تكوني أنثى. لا جندية."إيزابيلا التقطت قميصًا أسودًا بسيطًا دون د
last updateLast Updated : 2026-06-04
Read more

4

فتح الباب ببطء، صوت مفصلاته انساب كهمس ثقيل في القاعة المهيبة، رفعت إيزابيلا رأسها بثبات، كتفاها مستقيمان، ونظرتها متجهة إلى الأمام مباشرة، لا تهتز.ضوء القاعة انعكس على فستانها الحريري، وكأنها تسير داخل ضوءها الخاص.وهناك... في نهاية الممر، وقف.ميخائيل مالكوف.بذلته السوداء تكاد تعانق جسده القوي كما لو أنها مفصلة لهيبته وحده، ذو القامة الطويلة، يقف بثبات يشبه الجبال.نظراته الذهبية الحادة، لم تتركها منذ لحظة دخولها، كأن القاعة لا تحوي سواها، وكأن هذا اليوم كُتب لها وحدها.وشوم عنقه تسللت من تحت ياقة قميصه الأبيض، تروي قصصًا من العنف والسيطرة، تلمح لما هو عليه دون أن تقول شيئًا.الحضور جميعًا وقفوا، لم ينبس أحد بكلمة.كانت هي، فقط هي، محط الأنظار، تمشي بخطوات ثابتة، تتشبث بذراع أبيها، لكن عينيها لم تتركاه… ذلك الرجل الذي ينتظرها في نهاية الدرب.لم يكن هناك موسيقى حين التقت نظراتهما.كان هناك فقط صمت… وصوت قلبها.اقتربت خطواتها شيئًا فشيئًا، وكلما تقدمت، اشتد وقع اللحظة في صدرها.قلبها ينبض بثبات لا تعرف إن كان قوّة أم إنذارًا…وعيناه لا تتحركان عنها، تتبع خطواتها كأنها هدفه الوحيد في
last updateLast Updated : 2026-06-05
Read more

5

كانت أبواب المطار الخاصة قد فُتحت على مصراعيها تحت وقع خطوات ميخائيل الثقيلة، وخلفه إيزابيلا تسير بهدوء، رأسها مرفوع ولكن عينيها تراقبان كل شيء.الهواء الروسي كان قاسيًا، جافًا وباردًا. لفحتها أولى نسماته كصفعة، ومع ذلك لم تهتز. معطفها الثقيل بالكاد تصدى للبرد، لكنها وقفت بثبات.كان في انتظارهم صفٌ من الرجال... رجال البراتفا. جميعهم يرتدون الأسود، معاطف طويلة، وجوه صارمة ونظرات لا ترحم. كل رجل فيهم كان يحمل في ملامحه شيئًا من العنف المكبوت والانضباط العسكري.وحين اقترب ميخائيل، انقسم الصف إلى نصفين في حركة مدروسة، واصطفوا على الجانبين بانضباط جندي. ثم، وبحركة موحدة، انحنوا له انحناءة خفيفة.قال أحدهم بصوت جهوري:— "Добро пожаловать домой, Pakhan."— أهلاً بعودتك إلى المنزل، باخان.إيزابيلا لم تجهل الكلمة. باخان… تعني الزعيم.نقل الرجال أنظارهم نحوها، بفضول وحيطة، وبعض التوتر غير المعلن. كانت هي، "العروس الإسبانية"، "الهدنة المجسدة"، "التهديد المحتمل"، لكنهم جميعًا التزموا الصمت... فقط نظراتهم تحدثت.ثم تقدم رجل بدا أكبرهم سنًا بخطوات محسوبة، اقترب من ميخائيل، وانحنى قليلاً باحترام:—
last updateLast Updated : 2026-06-05
Read more
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status