Share

13

last update publish date: 2026-06-13 17:24:03

هدير المحركات كان مكتومًا، كأن الطائرة صُممت خصيصًا لاحترام الصمت.

جلست إيزابيلا إلى جانب النافذة، تسند رأسها بخفة إلى الزجاج البارد، وتُراقب الغيوم الكثيفة التي تمتد أسفلها كبحر ساكن. الشمس تتسلل من بين طبقات السحب، ترسم خطوطًا ذهبية باهتة على وجهها الشاحب. لم تكن نائمة، لكنها لم تكن مستيقظة تمامًا.

كانت تُفكر.

في الليلة السابقة.

وفي كلماته.

وفي القبلة التي لم تُشبه شيئًا مما اختبرته من قبل.

الطائرة تشق طريقها بثبات فوق سُحب رمادية، والضوء الناعم من النوافذ ينعكس على المقاعد الجلدية اللامعة. في هذا الصباح الصامت، بدت الأجواء وكأنها تتهيّأ لشيء لا يُقال.

إيزابيلا جلست إلى جانب النافذة، ترتدي معطفًا رماديًا من الكشمير، وشالًا من الحرير الأزرق، يلتفّ حول عنقها بحنوّ... كأنها تحاول أن تُدفئ نفسها مما سيأتي، لا مما مضى.

ميخائيل كان يجلس مقابلها، يقرأ بصمت، لكن يده لم تفارق فنجان القهوة الأسود الذي تبخّرت منه رائحة داكنة، كقلبه.

مرت لحظة طويلة دون أن يتحدث أحد.

ثم قالت إيزابيلا، بصوتٍ خافت لكنها حازمة:

"لن تكون العودة سهلة."

رفع عينيه نحوها ببطء، تأمّل وجهها للحظة، قبل أن يرد:

"لم تكن يومًا كذلك."

أجابت بنصف ابتسامة، لا تصل إلى عينيها:

"داريا لن تفرح لرؤيتي."

قال، وهو يضع الفنجان جانبًا:

"داريا لا تفرح لأي شيء لا يشبهها."

ثم مال قليلًا للأمام، نبرته أصبحت أكثر عمقًا:

"لكنكِ لا تحتاجين لفرحها... ولا رضاها."

نظرت إليه بصمت، تأملت ملامحه الهادئة، الكتومة، عيناه الثابتتان لا تفرطان بشيء، لكنها شعرت بشيء في نبرته... وكأنه يعدها، بطريقة لا تشبه الوعود المعتادة.

قالت، وهي تتقاطع معه بنظرة طويلة:

"بيتكم بارد يا ميخائيل... ليس مناخًا فقط، بل أرواح."

أجابها، بعد تردد قصير:

"وهل تظنين أنني لم أشعر بذلك؟"

ثم أضاف، بنبرة أقرب للمرارة:

"ولذلك اخترتكِ."

تجمدت كلماتها في حلقها، لكنها لم تعلق.

أدار ميخائيل رأسه نحو النافذة، نظر إلى اللاشيء، ثم قال: "عندما ندخل بوابات القصر، سينسون أني رجل، ويتذكرون فقط أنني زعيم."

تنفّست إيزابيلا ببطء، ثم همست:

"وأنا؟ ما الذي سأتذكره؟"

رد دون أن ينظر إليها:

"أنكِ لستِ ضيفة... بل زوجة الزعيم."

سادت لحظة من الصمت المتوتر، قبل أن يسمعا صوت جيني، وهي تقترب بخطوات محسوبة:

"سيدي، سيدتي... سنبدأ الهبوط خلال عشرين دقيقة."

أومأ ميخائيل برأسه.

أما إيزابيلا، فقد غمضت عينيها للحظة، كأنها تستجمع شيئًا في داخلها، استعدادًا لمسرح تعرف كواليسه جيدًا.

وحين فتحت عينيها من جديد، نظرت إلى ميخائيل وقالت بهدوء، لكن بثقل دفين:

"لا أريد حماية... أريد وضوحًا."

فأجاب، بعينين تخلّتا عن الجمود للحظة:

"ستحصلين عليه... ولكن في روسيا، حتى الوضوح له ثمن."

ثم ارتدت الطائرة إلى صمتها من جديد، لكن تلك الجملة الأخيرة لم تغادر ذهن إيزابيلا.

"حتى الوضوح... له ثمن."

رفعت نظرها إلى السحب المتناثرة تحتهم، وشعرت بأنها لم تكن تطير نحو روسيا فقط... بل نحو شيء أخطر من ذلك.

لامست عجلات الطائرة الأرض ببطء، ومع ذلك اهتزّ جسدها للحظة.

لم يكن الأمر بسبب الهبوط ذاته... بل بسبب البلاد التي هبطت إليها.

روسيا.

كانت عينا إيزابيلا تراقبان مدرج المطار المكسو بالثلج الخفيف، والضباب الذي يبتلع أطراف الرؤية.

كأن هذه البلاد لا تُظهر لك كل شيء... إلا إن دفعت الثمن.

لم تتكلم.

لم يعلّق ميخائيل.

نهضت أولًا، سحبت شالها حول كتفيها، ثم التفتت إلى حقيبتها اليدوية الصغيرة.

كان ميخائيل يقف خلفها، صامتًا كعادته، لكنه حين مدّ يده ليأخذ الحقيبة عنها، لم تعارض. فقط نظرت إليه للحظة... ثم أومأت برأسها بخفة، كما لو كانت شكرًا صامتًا.

فتحت بوابة الطائرة الخاصة، وانسكب عليهم هواء الشتاء الروسي، باردًا، قاسيًا، يُصفّع الذاكرة والجلد معًا.

خطت إيزابيلا إلى أولى درجات السلم، وتوقفت لحظة قبل أن تنزل.

المدرج كان شبه خالٍ، باستثناء عدد من الحرس التابعين للبراتفا، مصطفّين بزيّ داكن موحّد، لا يتحرك منهم أحد.

وفي طرف المدرج، وقفت ثلاث سيارات سوداء بمحركات تعمل بصمت، وأضواؤها الأمامية تخترق الضباب كعيون متحفزة.

كان المشهد مألوفًا لها الآن، لكنه لا يزال يُربكها.

نزل ميخائيل بعدها، خطواته ثابتة، لا تتعجّل، ولا تتراجع.

كان بجوارها دون أن يلمسها، لكن وجوده بدا كظلّ كثيف لا يمكن تجاهله.

أحد الحرس فتح الباب الخلفي للسيارة الأولى، فانحنت إيزابيلا برأسها ودخلت، تبعها ميخائيل بهدوء.

داخل السيارة، كان الجو دافئًا، لكن الصمت كان أبرد من الثلج في الخارج.

لم تتحرك السيارة بعد.

كان الحرس لا يزالون في مواقعهم، في انتظار الإشارة.

قالت إيزابيلا، وهي تنظر إلى النافذة المغبّشة:

" أشعر كأن الأرض هنا ترفضني أولًا... ثم تقبل بي مكرهة."

أجابها بصوت منخفض، كأنه يحكي لنفسه:

"أرضٌ خُلقت من الثبات. لا تحتضن من أول مرة."

رفعت عينيها إليه، تأمّلته لوهلة، ثم قالت بهدوء:

"هل احتضنتك أنتَ يومًا؟"

لم يجب.

لكنه نظر إليها... وتلك كانت الإجابة.

فتح قائد الحرس اللاسلكي وقال بعبارة روسية حادة: "الطريق نظيف، لننطلق."

بدأت السيارات بالتحرك، واحدة تلو الأخرى، تسير كأنها موكب ملكي صامت، في شوارع موسكو المغطاة برماد الثلج.

كانت عينا إيزابيلا تتابع الخارج، البنايات الرمادية، اللافتات بالروسية، المارة الذين يسيرون بسرعة كأنهم يهربون من شيء لا يُرى.

كل شيء بدا لها مألوفًا وغريبًا في آنٍ.

كل شيء... عدا ذلك الشعور العالق في صدرها.

السماء كانت رمادية كالعزلة، تتدلّى منها خيوط ضوء باهتة لا تدفئ.

السيارات السوداء انعطفت بهدوء إلى طريق جانبي مكسوّ بطبقة رقيقة من الثلج. الأشجار العالية مصطفّة على الجانبين، أغصانها عارية، كأنها تشهد بصمت على كل العائدين… والعابرين.

ظهرت أسوار القصر شيئًا فشيئًا... عالية، باردة، يكسوها حجر رمادي داكن يشبه وجوه من يسكنونه.

بوابة الحديد الضخمة انفتحت ببطء آلي، تئنّ كما لو كانت تُعلن وصول زائرٍ لا تُحبّه تمامًا.

داخل السيارة، سحب ميخائيل يده إلى جيبه، أخرج زوجًا من القفازات الجلدية، وارتداها بهدوء.

نظرت إليه إيزابيلا للحظة، ثم عادت ببصرها إلى الخارج.

هذا المكان… عالم آخر.

حين توقفت السيارة، لم يتحرك أحد لثوانٍ. فقط هدير المحرك وكتمة الانتظار.

ثم فُتح الباب.

خرج ميخائيل أولًا، وقف مستقيمًا، لا يبتسم، لا يتحدث، فقط ينظر.

ثم مدت إيزابيلا قدمها إلى الأرض الروسية من جديد. كانت تعرف هذا الإحساس… وكأن التربة تقيس ثقلك قبل أن تسمح لك بالمشي عليها.

على الدرج الرخامي المكسو ببقع ذائبة من الثلج، وقفت زوجة عم ميخائيل.

ترتدي معطفًا بلون العاج، وشعرها مرفوع بعناية.

مظهرها أنيق، لكنها لا تبتسم… لا كما تفعل الأمهات، بل كما تفعل الملكات حين يستقبلن من لا يُحببنهم.

إلى جوارها، وقفت داريا، بجسدها النحيل، وملامحها المشدودة كوتر.

عيناها علقتا على إيزابيلا، لا ترحّبان، ولا تتجاهلان.

فقط تدرسان.

تقدّمت إيزابيلا بخطوات محسوبة. مع كل خطوة، تسمع صوت كعبها يرتطم بالحجر... كأنه إعلان وجود.

وصلت إلى أسفل الدرج، فابتسمت ابتسامة هادئة، نصفها مجاملة… ونصفها درع.

قالت زوجة العم، بصوت روسيّ بطيء:

"عدتِ."

أجابت إيزابيلا بالروسية، بلكنتها الأجنبية التي لم تحاول إخفاءها:

"كما وعدت."

داريا رفعت حاجبًا بخفة، لكن لم تنطق.

تقدّم ميخائيل من الخلف، وقال بلهجة آمرة ناعمة:

"أين الخدم؟ إيزابيلا متعبة."

لوهلة، ترددت زوجة العم، ثم أشارت بيدها لجانب الباب، حيث وقفت خادمة شابة، تتلعثم حين رأت نظرة ميخائيل.

قالت السيدة صوفيا بنبرة حيادية:

"أُعدّ جناحكما كما طلبت."

ثم استدارت، وصعدت الدرج دون كلمة أخرى.

لحقت بها داريا، لكن قبل أن تختفي، التفتت نحو إيزابيلا…

وقالت بابتسامة بالكاد تُرى:

"أتمنى أن تكون رحلتكِ ممتعة، زوجة ميخائيل."

ثم صعدت، تاركة وراءها رائحة عطر باهت، ونبرة لا تخلو من السخرية.

إيزابيلا لم ترد. فقط ثبتت عينيها للحظة على أعلى الدرج، ثم استدارت نحو ميخائيل.

همست:

"البوابة رحّبت بي أكثر منها."

قال بهدوء، دون أن ينظر إليها:

"البوابات لا تكذب."

ثم مد يده لها، لا ليقودها، بل كأنما يعلن للعالم أنها ليست وحدها.

أخذت يده بعد لحظة صمت، وصعدا الدرج معًا.

كان الداخل دافئًا… لكن الأرواح، كما توقّعت، لا تزال باردة.

الصمت كان يتسلل معهما عبر الرواق الطويل، المضاء بمصابيح نحاسية ناعمة.

أقدامهما تترك أثرًا خافتًا على السجاد الفاخر، وصوت أنفاسهما المتباعدة يكشف عن توترٍ لا يُقال.

إيزابيلا تعرف الطريق جيدًا.

جناحها كان دومًا في الممر الشرقي، منفصلًا عن جناح ميخائيل في الجهة المقابلة.

لكنها لاحظت شيئًا غريبًا حين انعطف الموكب الصغير... ولم يتجه الخادم نحو الممر المعتاد.

رفعت بصرها إلى ميخائيل، الذي كان يسير بهدوء إلى جانبها، ثم سألت بارتباك خفيف:

"إلى أين؟ هذا ليس طريقي."

أجاب، دون أن يلتفت:

"بل هو."

توقفت. لم تتحرك.

فالتفت هو، نظر إليها بعينيه الثابتتين وقال ببساطة:

"طلبت أن تُنقل جميع أغراضك إلى جناحي."

ارتفع حاجباها بدهشة لم تُخفها، لكنها لم تتكلم.

فأضاف، بنبرة أخفض:

"هذا المنزل فيه أبواب كثيرة... لكن من الآن فصاعدًا، سيكون لنا بابٌ واحد."

لم تعرف بماذا ترد.

شيء في صدرها انقبض، ليس خوفًا... بل رهبة من الخطوة، من الرمزية، من المعنى الذي لم يُنطق.

أدركت أنها لم تعد ضيفة… بل امرأة اختير لها مكانٌ في حياته، بجانبه، لا على هامشه.

تابع السير بهدوء، فمشَت خلفه، وكل خطوة كانت أثقل من سابقتها.

وحين وصل الباب المألوف لجناحه، فتحه بنفسه، ثم تنحّى جانبًا، يدعوها للدخول.

دخلت.

ورأت أول شيء... حقيبتها الجلدية الصغيرة على المقعد قرب المدفأة.

وملابسها مُرتبة في الخزانة التي كانت بالأمس خالية.

وعطرها على المنضدة.

وفرشاتها على الحوض.

كل شيء فيها… هنا.

استدارت نحوه ببطء، وقالت بصوت خافت:

"ألم يكن من المفترض أن تخبرني قبل أن تضعني في هذا الجناح؟"

اقترب منها، وخفف نبرته، كمن يخبرها بسر:

"أنا لم أضعكِ هنا... أنا فقط أغلقت بابين، لأترك بابًا واحدًا مفتوحًا."

تأملته طويلاً، قبل أن تهمس:

"وهل أستطيع أن أخرج منه إن أردت؟"

نظر إليها، ابتسامته بالكاد تُرى:

"طالما أنا واقف على الجهة الأخرى… لن أُغلقه أبداً."

وساد الصمت.

لكن هذه المرة، لم يكن صمتًا قاسيًا... بل صمتًا فيه احتمالات.

الضوء في الجناح كان خافتًا، أصفر مائلًا للدفء، يتسلل من الأباجورات الموزعة بعناية على الطاولات الجانبية.

صوت طقطقة الحطب في المدفأة كان يُضفي على الجو هالة من الراحة… لكنها راحة مريبة.

خلعت إيزابيلا معطفها ببطء، وعلّقته بنفسها على المشجب الخشبي قرب الباب.

لم تقل شيئًا. لم تجلس. فقط وقفت هناك، وسط المكان، كأنها تحاول أن تفهم حدودها الجديدة.

تقدّم ميخائيل، فكّ أزرار قميصه العلويين، دون استعجال.

مرّ بجانبها، ولم يلمسها، لكنه وقف قريبًا بما يكفي لتشعر بحرارة جسده، التي لا تشبه دفء المدفأة... بل دفءًا صامتًا لا يُقال.

قال بهدوء:

"الحمام جاهز، إذا أردتِ أن ترتاحي قليلاً."

أومأت برأسها، دون كلمة.

وحين دخلت، وجدت المناشف مطوية بعناية، وروائح زهرية خفيفة تعبق في الهواء.

كل شيء تم ترتيبه كأنها تسكن هنا منذ زمن.

ومع ذلك... شعرت وكأنها ضيفة في مستقبل لا تدري إن كانت تريده.

استغرقت وقتًا أطول من المعتاد.

غسلت وجهها بماء دافئ، مرّرت يدها على بشرتها كما لو كانت تتحسس ملامحها من جديد.

حين خرجت، وجدت ميخائيل واقفًا أمام النافذة، بيده كوب زجاجي فيه شيء من العسل والليمون.

كان يحدّق في الخارج… في ظلمة موسكو الثقيلة.

قال دون أن يلتفت:

"الثلج سيسقط هذه الليلة."

اقتربت ببطء، لكن بقيت على مسافة، وسألته:

"هل يُزعجك الشتاء؟"

أجاب بعد تفكير قصير:

"لا... لكنه يُجبرك على البقاء في الداخل."

قالها، ثم استدار ينظر إليها، صوته أكثر نعومة: "وهذا ليس أمرًا سيئًا... حين يكون من بالداخل يستحق."

لم تجبه.

لكنها لم تهرب من نظرته.

كان يراها. يقرأ ارتباكها، حذرها، وكل تلك الأسئلة التي لم تنطقها.

ولأول مرة، لم يُحاول أن يُفسد اللحظة ببروده المعتاد... بل تركها تعيش كما هي، متوترة، مربكة، صامتة.

اقترب، وضع الكوب على الطاولة، ثم قال:

"إذا أردتِ... يمكنني أن أنام في الغرفة المجاورة."

رفعت نظرها إليه، بعينين مليئتين بشيء لا اسم له.

سألته:

"وهل ستفعل ذلك لأنك تحترمني؟ أم لأنك تخاف أن تقترب؟"

ابتسم بخفة، تلك الابتسامة التي لا تنحني على وجهه إلا نادرًا، وأجاب:

"ربما... لأني لا أريد أن أُفسد هذا السلام الصغير الذي بناه صمتنا."

نظرت إليه مطولًا… ثم مشت بهدوء نحو السرير، وأزاحت الغطاء.

قالت، دون أن تلتفت:

"ابقَ… على الأقل الليلة."

توقّف لثانية، كأنه يتحقق من صدق الكلمات، ثم اقترب.

جلس على الطرف الآخر من السرير، بصمت كامل.

لا لمسة. لا كلمة إضافية.

فقط وجودان… في مساحة واحدة، يجمعهما صمت خفيف، وبابٌ مغلق على العالم كله.

جلس على طرف السرير، يخلع ساعته بهدوء، وكأن الأمر معتاد...

كأن هذه ليست أول ليلة، بل ليلة جديدة في سلسلة طويلة لا تشبه ما قبلها.

إيزابيلا لم تتوتر.

لكنها شعرت بشيء مختلف…

ليس في حضوره، بل في الطريقة التي لم يقترب بها.

كان قربه هذه المرة أكثر وعيًا... وأكثر صمتًا.

قالت بصوت منخفض وهي تستلقي على جانبها، تنظر إلى ظهره:

"هل فكرت يومًا أن قربنا لا يعني اقترابنا؟"

رد، دون أن يلتفت:

"بل فكرت... ولهذا أتعلم كيف أقترب دون أن أُجبرك."

سادت لحظة من السكون.

ثم تمتمت وهي تغلق عينيها:

"ليلة هادئة، ميخائيل."

رد بعد ثانية، بنبرة دافئة نادرة: "تصبحين على وطن... سنيجكا."

وفي ظلمة الغرفة، وبين ظلال النار المتراقصة على الجدران… ناما.

ليس كغرباء.

ولا كعشاق.

بل كـ شريكين عالقين بين احتمالين: أن يفلت أحدهما الآخر... أو أن يتمسكا في اللحظة الأخيرة.

ـ الضوء الرمادي تسلّل من خلف الستائر الثقيلة.

لم يكن ساطعًا، بل خافتًا... يشبه صباح موسكو في الشتاء: بارد، لكن حاضر.

كان ميخائيل قد استيقظ منذ لحظات، لكنه لم يتحرك.

استلقى على ظهره، وترك نظره معلّقًا بالسقف العالي الذي تشقّه زخرفة روسية قديمة، يحفظها عن ظهر قلب.

إيزابيلا كانت نائمة إلى جواره.

أنفاسها هادئة، منتظمة، ووجهها مسترخٍ كمن يعيش لحظة سلام مسروقة.

لم يلمسها.

لم يحاول أن يوقظها أو يقترب.

كان يراقبها فقط... بهدوءٍ لا أحد يراه إلا الجدران.

في عقله، لم تكن هناك جملة واحدة متماسكة.

فقط صور:

– لمسة يدها حين أمسكت بطرف قميصه.

– صوتها حين قالت "ابقَ الليلة".

– نظرتها في المرآة عندما سألته: "هل تشك بي؟"

كانت الصور تدور… لكنها لا تستقر.

ثم همس لنفسه، دون صوت:

"لا يمكن أن تكون مثلهم."

هو لم يكن يعرف الحب.

لم يعش حنانًا.

ما يعرفه هو الولاء، السيطرة، الحدود، والانهيارات المدروسة.

لكنه الآن… يُجبر على إعادة تعريف الأشياء.

لأن امرأة اسمها إيزابيلا لا تخافه... ولا تسعى لكسر قبضته، بل لتفكيكها بهدوء.

رفع جسده بهدوء، جلس على طرف السرير، ثم نظر مرة أخرى إلى الخلف.

كانت لا تزال نائمة.

وشيء فيه لم يُرد أن يغادر السرير.

لكن الهاتف على الطاولة الجانبية بدأ بالاهتزاز.

أمسكه.

كلمة واحدة ظهرت على الشاشة:

"ديمتري."

فتح الخط دون أن يتكلم.

جاءه الصوت الجاف المعتاد من الطرف الآخر:

"المشكلة في سانت بطرسبرغ تفاقمت. هناك حركة مريبة عند الميناء الغربي."

صمت ميخائيل لثوانٍ، قبل أن يقول:

"راقبهم، لا تهاجم."

رد ديمتري بقلق:

"لكنهم يتحرّكون تحت اسم عائلة تروفيموف، وقد..."

قاطع ميخائيل بصوت خافت لكن قاطع:

"قلت راقب. لا نفتح جبهة جديدة ونحن على أبواب تغيّر داخلي."

سكت ديمتري، ثم قال:

"هل هناك أمر آخر؟"

نظر ميخائيل إلى المرأة النائمة بجانبه، ثم همس:

"نعم....لا تدع أحدًا يقترب من الجناح الغربي."

أغلق الخط، ووضع الهاتف جانبًا.

ثم وقف، وتقدّم إلى النافذة، أزاح الستارة قليلًا، فرأى موسكو تحت الثلج.

البياض... في كل مكان.

لكنه لا يهدّئه.

تنفّس ببطء، كأنّه يدرّب نفسه على التحمّل.

على الحذر.

على أن لا يُفكّر كثيرًا في تلك التي تنام خلفه الآن، وقد بدأت تُغير ملامح المكان… وملامح نفسه.

بعد أن أغلق الهاتف، بقي واقفًا عند النافذة لوقتٍ لا يُقاس.

الخارج صامت، مثل قلبه.

وموسكو، من علٍ، بدت كلوحة مغطاة بالثلج... لا حياة فيها، فقط حركة بطيئة تكاد لا تُرى.

أدار وجهه إلى الخلف، نحو السرير.

نفس النفس… نفس الهدوء.

لكن في عينيه… عبور مختلف.

دخل الحمام، أدار الماء الساخن، وقف تحت الدش ساكنًا، لا يتحرك.

الماء ينهمر عليه كأنّه يغسل شيئًا لا يظهر على الجلد.

ثم رفع وجهه نحو الماء، وأغمض عينيه.

في لحظة خاطفة، مرّت الوجوه…

وجوه من وثق بهم وخانوه.

وجوه من أحبوه وماتوا.

وجه والدته…

ثم وجه إيزابيلا، بملامحها حين نظرت إليه الليلة الماضية، بعد القبلة، دون حاجة للتفسير.

فتح عينيه فجأة.

هذا ليس وقت الضعف.

ولا وقت التذكّر.

ارتدى ملابس داكنة، بسيطة، لكنها أنيقة.

ساعة معدنية سوداء في معصمه.

خاتم عائلي في يده اليمنى.

وقف أمام المرآة.

لم يكن يصلّح مظهره، بل ينظر إلى وجهه كما لو كان يقيّمه.

كأنّه يسأل:

"هل هذا هو وجه الرجل الذي تظن إيزابيلا أنها بدأت تراه؟"

لكن الجواب لم يأتِ.

خرج من الجناح بهدوء. لم يُصدر صوتًا.

الحرس المنتشرون على امتداد الممر انحنوا برؤوسهم خفيفًا عند رؤيته، لكنه لم يرد.

مرّ بجانب داريا، التي كانت تتحدث إلى خادمتها على الدرج.

قالت دون أن تلتفت، بصوت حاد:

"استيقظت مبكرًا، ابن العم."

أجاب دون أن ينظر:

"البقاء في السرير... رفاهية لا أعرفها."

تابع سيره، لكنها رمقته بنظرة طويلة.

ثم همست لنفسها:

"لكن يبدو أن زوجتكِ تُحاول أن تُعلّمك."

في الطابق السفلي، دخل إلى غرفة جانبية ليست ضمن الجناح الرسمي، صغيرة، ولكنها محصّنة.

خلف لوحة فنية سحب بابًا سريًا، دخل إلى مكتب عازل للصوت، لا يعرفه إلا ثلاثة رجال في هذا القصر.

جلس خلف المكتب الخشبي، وأخرج ملفًا من درج جانبي.

صور. تقارير. أسماء.

عائلة تروفيموف بدأت تتحرّك.

أحدهم التقى بموظف قديم كان يعمل لصالح البراتفا.

أشار بالقلم على أحد الأسماء، ثم كتب بخط أنيق:

"راقب الاتصال. لا تُلمس العائلة بعد."

ثم أغلق الملف، واستند إلى الكرسي.

فتح درج مكتبه، أخرج منه ملفًا ثقيلًا، وأخذ يقلّب صفحاته بعناية.

كل سطر، كل اسم، كل توقيع... لا مكان فيه للصدف.

ثم استند للخلف، أغلق عينيه للحظة.

صوتها عاد إليه، ليس من ورقة… بل من الذاكرة.

حين همست له قبل أن تنام:

"ابقَ… على الأقل الليلة."

لم تكن جملة.

كانت نافذة.

فتح عينيه من جديد، نظر إلى الجدار المقابل، وقال في نفسه:

"لن أترككِ تتوهين هنا، يا سنيجكا… لا في هذا البيت، ولا في هذه الحرب."

ثم نهض.

وعاد إلى السطح من جديد… إلى القصر، إلى الأدوار التي يعرفها، إلى دور الزعيم.

لكن هناك شيء ما تغيّر.

شيء لن يعترف به لأحد… إلا إذا أجبره قلبها.

                  ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

موسكو - الميناء الغربي

الساعة 5:42 مسائًا

الضباب كان كثيفًا كفاية ليُخفي الوجوه، لكن ليس كفاية ليمنع الصفقات.

في أحد الأرصفة القديمة، توقفت سيارة فان سوداء بلا لوحات، نزل منها رجلان بملابس مدنية، وجوههم جامدة، ونظراتهم تُفكك كل شيء حولهم.

وقفا صامتين، ينتظران... دون إشارة، دون حديث.

من الجهة الأخرى، تقدمت سيارة صغيرة بلون رمادي باهت.

نزل منها شاب طويل، بشعر أشقر غامق وسترة جلدية سوداء، لا يحمل شيئًا ظاهرًا... إلا الثقة المفرطة.

اسمه: أليكسي تروفيموف.

الابن الثاني لعائلة تروفيموف… والوجه الجديد الذي بدأ يُقلق البراتفا.

تقدّم من الرجلين، وقال بالروسية، بنبرة تشبه الإهانة المغلفة باللباقة:

"خمسة صناديق فقط؟ توقعت أكثر منكم."

ردّ أحد الرجال ببرود:

"المرة الأولى دائمًا صغيرة... نختبر الأرض."

ابتسم أليكسي، ثم أخرج من جيبه ورقة صغيرة، كتب عليها شيئًا، ثم سلّمها لهم:

"المرة القادمة… لا تختبئوا خلف الظلال. نحن لا نخشى الضوء."

وقبل أن يغادر، أضاف بابتسامة خفيفة:

"أخبِروا الجزار... أن موسكو لم تعد له وحده."

ثم صعد إلى سيارته، وانطلقت في صمت، تاركة وراءها هواءً مشبعًا بشيء أكثر من الرطوبة.

في الزاوية البعيدة من الرصيف، جلس رجل فوق دراجة نارية، يرتدي خوذة سوداء تخفي ملامحه.

كان يُراقب كل شيء.

لم يتحرك. لم يتنفس حتى… كأنّه تمثال.

لكن عينه كانت على أليكسي، منذ اللحظة التي نزل فيها من السيارة.

وحين اختفى… حرّك أصابعه ببطء، وضغط زر إرسال صغير على جهاز داخل قفازه الجلدي.

رسالة واحدة فقط:

"الذئب خرج من الغابة."

على بُعد أحياء كثيرة، في مكتب صغير مظلم، كان ديمتري يقرأ تلك الرسالة وهو يضع قهوته جانبًا.

نظرة واحدة كانت كافية ليتصل برقم واحد فقط…

ميخائيل مالكوف.

لكن قبل أن يضغط زر الاتصال، تمتم بصوت خافت:

"اللعبة بدأت… أبكر مما أردنا."

*.       *.        *.         *.         *.         *.       *.  

الساعة تقترب من السابعة مساءً، ودفء المدفأة بدأ يخبو.

في الجناح الواسع، جلست إيزابيلا على الأريكة القريبة من النافذة، ساقاها مضمومتان، ويداها تحت بطانية خفيفة… كأنها تتشبث بالصمت، لا بالراحة.

كانت ترتدي روبًا قطنيًا بلون العاج، وشعرها نصف مرفوع، يتدلّى على كتفيها بهدوء مرتبك.

ميخائيل كان قد غادر قبل ساعة تقريبًا.

غادر بصمت. بلا كلمة. بلا حتى نظرة تُخبرها إلى أين.

لكنها شعرت.

شعرت أن الأمر ليس اجتماعًا عاديًا.

وليس شأناً تقليديًا.

الصمت الذي تركه خلفه كان أكثر ضجيجًا من خطواته.

فتحت عينيها على آخر ما تذكره:

– صوت حركة خلف الباب.

– همسٌ خافت بينه وبين ديمتري في الرواق.

– ثم خطوات ثقيلة تُغادر... وتُغلق وراءها ألف احتمال.

رفعت كوب الشاي الموضوع على الطاولة، شربت رشفة.

بارد.... نسيته.

نظرت حولها... كل شيء منظم، مرتب، وكأن لا شيء تغيّر.

لكن في أعماقها، شيء تحرّك.

قامت من مكانها، مشت ببطء إلى النافذة، أبعدت الستائر قليلًا.

الحديقة الخارجية مكسوّة بالثلج، لا أثر لخطى جديدة، لا صوت لسيارات، لا أحد يمر.

كل شيء ساكن بشكل مريب.

عادت وجلست على طرف السرير، استندت بيديها إلى المرتبة، تميل بجذعها قليلًا إلى الأمام.

أغمضت عينيها، وحاولت أن تُمسك بذلك الإحساس العابر… ذلك القلق الذي لا يُسمّى.

همست لنفسها:

"لماذا لم يقل إلى أين؟"

ثم نظرت إلى الباب المغلق.

لم يكن مقفلًا.

لكنها لم تُفكر بالخروج.

كأنها تخاف أن ترى شيئًا... لا تستطيع تحمّله.

فجأة، سُمع طرق خافت على الباب.

استقامت.

الخادمة دخلت، بهدوء معتاد، تحمل صينية صغيرة وعليها كوب قهوة جديد، وصحيفة.

وضعت الصينية بصمت، ثم قالت:

"سيدتي… السيد ميخائيل غادر باكرًا. طلب فقط أن لا تُزعجي."

إيزابيلا نظرت إليها بعينين متسعتين، تمتمت:

"هل قال إلى أين؟"

هزّت الخادمة رأسها، وقد لاحظت في عيني إيزابيلا ما لم تُفصح عنه الكلمات.

قالت، بنبرة خافتة:

"لكن وجهه… لم يكن مرتاحًا."

غادرت الخادمة، وبقيت إيزابيلا وحدها.

مرة أخرى.

لكن هذه المرة، الوحدة لم تكن سكونًا… بل نذيرًا.

المكان لا يزال هادئًا... أكثر مما ينبغي.

إيزابيلا كانت جالسة على طرف السرير، تحاول أن تملأ الوقت بأشياء صغيرة لا تمنحها راحة:

رشفة من القهوة، محاولة لقراءة الجريدة، تأمّل الستارة وهي تتحرك مع الهواء الخفيف.

لكن عقلها لا يستقر.

الهدوء هنا ليس طبيعيًا… بل ثقيل، مشدود، كأنه حبكة على وشك الانفجار.

مرت دقيقة… ثم أخرى.

ثم سقط شيء خفيف في الخارج.

ربما مزهرية؟

ربما باب نُسي مفتوحًا وارتطم بالحائط؟

نهضت. مشت إلى النافذة. لم ترَ شيئًا.

لكن صدرها بدأ يضيق.

عادت إلى الطاولة.

أمسكت كوب القهوة… وفي اللحظة التالية، حدث الصوت.

هدير.

قوي، فجائي، وكأنه جاء من أسفل الأرض لا من خارج القصر.

كأن سيارة ضخمة اخترقت البوابة... أو انفجرت في المدخل.

اتسعت عيناها. تجمّدت يدها على الكوب.

ثم جاء الصوت الثاني.

صراخ.

صرخة رجل… واحدة فقط. ثم تبعتها صرخات أخرى.

ثم ركض. ثم شيء ارتطم بالحائط. إيزابيلا وقفت.

ببطء، كأن قدميها لا تطاوعانها. مشَت نحو الباب، لكنها لم تفتحه. ثم… انفجر الزجاج.

صوتٌ مفاجئ، وحاد، وشرس. شبّاك الجناح تحطّم من الخارج. الهواء البارد اندفع بعنف، وزجاج النافذة تفتت إلى شظايا انطلقت في كل الاتجاهات.

صرخت إيزابيلا.

جسدها ارتدّ تلقائيًا للخلف، وبدون تفكير، ارتمت أرضًا بجانب السرير، كأن جسدها يعرف أن النجاة تكمن في الأرض.

وجهها التصق بالسجاد، ويدها تغطي رأسها.

قلبها يخفق كطبول حرب… لا تدري ماذا يحدث، ولا من العدو، ولا إن كانت ما تزال على قيد الحياة.

ثم… جاء الصوت الثالث.

طلقات.

رصاص.

واحد، اثنان، ثلاثة… ثم أكثر.

سريعة، متتابعة، قريبة… مرعبة.

انفجارات قصيرة. صوت خشب يُكسر. حركة أقدام تركض فوق أرضية الرواق.

ثم صرخة امرأة… بعيدة، لكنها مألوفة.

كأن العالم انكسر

كان الزجاج لا يزال يتساقط…

صوت الشظايا الصغيرة وهي ترتطم بالأرض، بالخشب، بالحائط، بجلدها.

صرخت أخرى ترددت من بعيد، حادة، مملوءة بالفزع… ثم تبعتها رصاصة.

ثم اثنتان.

ثم صوت باب يُخلع.

إيزابيلا ظلت مُنحنية بجانب السرير، خدها مضغوط على الأرض، شعرها منسدل بفوضى فوق وجهها.

جسدها يرتجف.

لكنها لا تبكي. لا تصرخ مجددًا.

فقط تحبس أنفاسها… وتُحاول أن تُفكّر.

لكن الألم قطع عليها صمت عقلها.

شيء ساخن… يتسلل من معصمها.

نظرت بخفة نحو يدها اليمنى، وإذا بخطٍ أحمرٍ رفيع يتشكل على بشرتها البيضاء.

شق صغير من الزجاج كان قد اخترق معصمها عند سقوطها.

الدم خرج بهدوء… أولاً نقطة. ثم اثنتين.

ثم بدأ يقطر على السجادة.

تنفست ببطء، حاولت أن تشد طرف روبها وتلفّه حول جرحها، لكن يدها لم تكن ثابتة.

كانت تسمع كل شيء…

الركض في الممرات. صوت السلاح يتغير من بعيد إلى قريب.

رجال يصرخون بأوامر روسية حادة. وصرخة واحدة كانت أقرب مما ينبغي.

ثم فجأة، طلق ناري واحد، أقرب من أي صوت سابق.

كأن أحدهم أطلقه خلف الجدار مباشرة.

إيزابيلا أغمضت عينيها. حاولت أن تصمت حتى تنسى أنها تتنفس.

وبعدها… بدأ كل شيء يتلاشى.

أولاً، سكتت الخطوات.

ثم تلاشت الأصوات.

ثم انقطعت الطلقات، فجأة، كأن أحدهم أغلق المشهد بسكين.

الصمت.

ذلك الصمت الثقيل… عاد.

لكن هذه المرة لم يكن راحة.

كان كأنّ العالم توقف عن الحركة… ليأخذ شهيقًا كبيرًا قبل أن ينفجر مجددًا.

إيزابيلا رفعت رأسها قليلاً.

عينها على الباب.

لا حركة.

لا ظل.

لكن معصمها لا يزال ينزف.

همست بصوت مرتجف، بالكاد تسمعه هي:

"ما الذي يحدث…؟"

ثم سمعت شيئًا آخر…

وقع قدم واحدة. هادئة. ثقيلة.

تقترب.

كان كل شيء ساكنًا...

لكن السكون هذه المرة لم يكن نعمة، بل سُم ثقيل في الهواء.

إيزابيلا لا تزال بجانب السرير، يدها ملفوفة بطرف ردائها الأبيض، وقد بدأ اللون يتبدل إلى وردي داكن حيث يتشبّع القماش بالدم.

يدها ترتجف... لكن عينيها بقيتا مفتوحتين.

تركت الأرض، وقامت ببطء.

قدماها عاريتان، تتحسسان الأرضية المبقعة بشظايا الزجاج.

خطوة… ثم أخرى، تتجنب الشظايا بعناية.

صوت تنفّسها هو كل ما تسمعه الآن.

وقفت عند منتصف الغرفة، ونظرت حولها.

كل شيء مكسور.

الستائر تمزقت، الزجاج تناثر حتى فوق الأرائك، والهواء البارد بدأ يتسلل بقوة من النافذة المحطمة.

شدّت طرف القماش حول معصمها أكثر، ضغطت عليه بأسنانها للحظة حتى كتمت الألم، ثم زفرت بصوت خافت.

تقدّمت.

خطواتها كانت موزونة، هادئة… لا لإخفاء نفسها، بل للسيطرة على الارتجاف الذي بدأ يصعد من قدميها إلى صدرها.

وقفت أمام باب الغرفة.

مدّت يدها المرتجفة إلى المقبض، وأوقفها الخوف لثانية.

فكّرت…

بوريس، صوفيا، داريا… كلهم في الأسفل.

ناديا، خالته، أيضًا هناك.

فجأة، شعرت أن هذا الصمت ليس سوى خدعة…

وربما لا أحد بقي هناك أصلًا.

لكنها لم تكن من النوع الذي ينتظر.

فتحت الباب…

ببطء، وبصوتٍ خافت يكاد لا يُسمع.

الرواق أمامها كان طويلًا… ساكنًا… ومضطربًا في صمته.

الضوء المرتجف من الشمعدانات الجدارية ألقى ظلالًا غير مريحة.

رائحة خافتة من البارود تسللت إلى أنفها، واختلطت برائحة الزهور القديمة في المكان.

تقدّمت.

كان كل شيء فيها يقول لها: "ارجعي."

لكن عقلها، ودمها، ومعصمها النابض… كانوا يقولون:

"ارفعي رأسكِ… واذهبي."

وصلت إلى زاوية الرواق، ومن هناك يبدأ السلم الحلزوني… المؤدي إلى الطابق السفلي، حيث كل شيء إما انتهى… أو بدأ للتو.

وضعت يدها على الدرابزين البارد… ونظرت إلى الأسفل.

رأت… بقعة دم. عند نهاية الدرج.

ساكنة. جديدة. شهقت أنفاسها في صدرها، لكن لم تتراجع.

ضغطت بيدها الأخرى على القماش حول جرحها، وأخذت أول خطوة.

صوت خطوات قدميها كان خافتًا… لكنه بالنسبة لها، أعلى من أي رصاصة.

البهو الذي لم يعد كما كان

صوت قدميها فوق الدرج كان يتردد، رغم خفّته، في الفراغ الكبير المغمور بالصمت.

كل خطوة كانت باردة، وكل درجة تهبطها تُقرّبها من شيء لا تريد أن تراه… لكنها تحتاج أن تعرفه.

حين وصلت إلى أسفل الدرج، كانت الرائحة أول ما استقبلها.

رائحة بارود... ممزوجة بالدم... وبشيء آخر.

شيء يشبه النهاية.

لم تستطع أن تتحرك فورًا.

وقفت في ظل العمود الحجري الضخم، عيناها تتفحصان البهو الواسع ببطء… كما لو كانت ترى مكانًا جديدًا تمامًا.

في وسط البهو، فوق بلاطه الرخامي المصقول…

جثث.

ثلاثة رجال على الأقل، ممددون بغير ترتيب، وجثثهم لا تزال دافئة، تنزف.

بنادقهم سقطت على الأرض بجانبهم، كأنها استسلمت أيضًا.

من بين الأجساد، كانت هناك واحدة مختلفة.

ملامحها مألوفة.

صوت بكاء انكسر في هواء الصالة.

"بابا… لأ… لااااااا!"

كان صوت داريا.

إيزابيلا رفعت نظرها، فرأتها هناك.

داريا جالسة على الأرض، شعرها مبعثر، وعيناها محمّرتان، وهي تصرخ وتبكي بلا توقف.

بين ذراعيها، جسد بوريس.

قميصه الأبيض ملطّخ بدم داكن، وعيناه نصف مفتوحتين، نظرة جامدة لا ترى.

إلى جوارها، كانت صوفيا، تجلس على ركبتيها، تبكي بحرقة وهي تضع يدها على صدر زوجها، كأنها تحاول أن تُغلق جرحًا لم تعد له فائدة.

صوت نحيبها كان متهدجًا، يتكسّر مع كل كلمة:

"كان يجب أن تبقى بالأعلى… بوريس… لماذا نزلت؟ لماذا؟"

بينما وقفت ناديا على بُعد خطوات، أكثر تماسُكًا من البقية، لكن عيناها تلمعان بدموع مكتومة، ووجهها متيبّس كما لو أنه لا يُسمح له بالانهيار.

أما الحرس…

فقد انتشروا على أطراف البهو، يُحيطون بالمكان، وجوههم مشدودة، أسلحتهم مرفوعة… عيونهم لا تزال تبحث في كل زاوية، كل نافذة، كل ظل.

إيزابيلا… توقفت.

قدماها لم تتحركا بعد تلك الدرجة الأخيرة.

أنفاسها انحبست، وقلبها خفق بشدّة، لكن هذه المرة لم يكن خوفًا على نفسها.

بل كان رعبًا من حجم ما حدث.

هكذا إذًا…

المهاجمون لم يأتوا عبثًا. ولم يُطلقوا النار للتهديد.

لقد جاؤوا ليأخذوا. وأخذوا.

عينها بقيت معلّقة على جثة بوريس، على عينيه الجامدتين، وعلى يد داريا وهي ترتجف فوق صدره.

كان رجلًا قاسيًا… نعم. لكنّه كان منهم.

وكان هذا بيته. ووالآن… صار مجرد جسد.

لم تشعر إلا بقطرات دمها تسقط من تحت ردائها على أرضية الدرج.

جرحها لا يزال مفتوحًا، لكنه لم يعد الأهم.

فالمكان كله الآن… ينزف.

وقفت إيزابيلا في نهاية الدرج.

عيناها معلّقتان بجسد بوريس…

ثم على داريا، التي لم تعد "الفتاة الباردة والمتعجرفة"، بل ابنة تبكي والدها كما لو أنها فقدت كل ما بقي لها من منطق.

ثم على صوفيا، التي كانت تمسك بأزرار قميص زوجها، تفتحها وتغلقها دون وعي، كأنها تبحث عن نبضٍ لن يعود.

ثم على ناديا، واقفة مثل تمثال نحته الحزن… لا تهتز، لكن عينيها تحملان ما لا يقوله الحجر.

إيزابيلا أرادت أن تزيح نظراتها.

أرادت أن تنظر إلى أي مكان آخر.

لكنها فعلت… وكانت الغلطة.

حين أزاحت عينيها إلى اليسار…

حين بحثت عن الهواء في غير موضع الألم،

وقعت نظرتها على جسد ملقى بجانب أحد أعمدة الرخام.

صغير، أنثوي، لا يرتدي زيّ الحرس.

بطنها انكمش. قلبها توقف.

خطوة واحدة إلى الأمام .... ثم اثنتين.

كأن شيئًا في داخلها بدأ ينهار… لكنها لم تدرك بعد أي جدار سقط.

ثم… رأتها بوضوح.

شعرها البني المائل للعسل، مبعثر.

سترَتها الداكنة ممزقة عند الكتف.

ووجهها… وجهها الذي تعرفه منذ كانت فتاة صغيرة، مستلقٍ بزاوية غير طبيعية على الرخام البارد.

جيني…

ليست مجرد حارسة.

ليست مجرد رفيقة.

إنها الذاكرة.

العمر.

الأيام التي كانت فيها إيزابيلا إنسانة، لا ابنة مافيا… ولا زوجة زعيم.

اقتربت ببطء. كل ما حولها صار ضبابًا.

حتى صوت صراخ داريا وصوفيا بدأ يبتعد… يتحول إلى صدى.

كأن الحزن اختار أن يكون شخصيًا الآن… لا جماعيًا.

جلست على ركبتيها ببطء، رغم الألم، رغم الدم في معصمها.

لم تبكِ.

لم تتكلم. لكن جسدها كله… كان يرتجف.

مدّت يدها المرتعشة، ولمست خد جيني برفق…

كان بارداً.

قالت بصوت بالكاد خرج من فمها:

"كنتِ خلفي الليلة الماضية… كنتِ هناك حين خفت."

نظرت إلى عينيها المغلقتين، ثم همست:

"كيف لم أركِ حين سقطتِ؟"

وغطّت فمها بيدها الأخرى، كأنها تمنع شيئًا من الانفجار… لكن الانفجار لم يكن من الخارج.

كان من الداخل.

وفي تلك اللحظة، هزّ القصر صوت مختلف.

هدير محرّكٍ كبير. ثم فرملة مفاجئة.

ثم صوت عجلات تتوقف بقوة عند مدخل القصر.

ثم صياح من أحد الحرس:

"سيد مالكوف عاد!"

وارتفعت الأصوات.

وبدأ الحرس يتحرّكون.

وبدأ كل شيء… يعود للحياة بعنف.

لكن إيزابيلا لم تتحرك. ظلت راكعة عند جثة جيني…

وهمست بصوت خافت، لا أحد سمعه سواها:

"ميخائيل… تأخرت."

ركعت إيزابيلا بجوار جسد جيني، كما لو أن الأرض سُحبت من تحت قدميها ولم يبقَ لها مكان سوى الركوع.

الدم حولها، الصراخ خلفها، البرد في عظامها…

لكنها كانت وحدها.

منفصلة عن كل ما يحدث.

لم تسمع صراخ داريا.

لم تلتفت إلى الحرس الذين بدأوا يتحرّكون في البهو.

هي فقط… تنظر إلى وجه جيني.

كأنها تنتظر أن تفتح عينيها فجأة وتضحك،

أن تقوم وتقول:

"هيا، كفى دراما، إيزا. أنتِ دائمًا تبالغين."

لكنها لا تقوم. العيون مغمضة.

الشفاه باهتة. الوجه الذي كان يومًا ضوء مراهقتها… انطفأ.

لم تدرك متى بدأ جسدها يرتجف.

ولا متى خرجت الكلمات من فمها.

همست… بصوت مكسور، لم تكن تعرفه في نفسها:

"أنا السبب."

ثم أعادتها بصوت أهدأ… لكن أكثر ألمًا:

"أنا السبب."

وضعت يدها على صدر جيني،

كأنها تحاول أن تعيد لها نبضًا، دفئًا، أي شيء.

ثم تمتمت كمن يخاطب شبحًا:

"لو لم أصرّ… لو تركتكِ هناك، مع عائلتكِ… كنتِ الآن… تتناولين الفطور مع أمكِ، تضحكين مع أخيكِ… لكنني أخذتكِ إلى هنا. إلى هذا الجليد… إلى موتك."

عينها امتلأت بالدموع.

لكنها لم تبكِ بصوت.

لم تنهار كما تنهار داريا.

كان حزنها أهدأ… لكنه أعمق.

لم تكن تنظر فقط إلى جثة…

بل إلى جزء من حياتها يُدفن الآن دون وداع.

جيني كانت أكثر من صديقة.

كانت شاهدة على طفولتها، على أخطائها الصغيرة، على رسائلها الغبية حين وقعت في الحب لأول مرة…

وكانت الوحيدة التي لم تخف من البراتفا، ولا من مالكوف، ولا من لقب "زوجة الزعيم".

والآن… جيني صامتة.

بعيدة. ميتة.

شهقت إيزابيلا نفسًا مكسورًا، ثم همست كأنها تعترف لروحها:

"لم أحفظكِ، جيني… لم أستحقكِ… ولم أودّعكِ."

ثم خفضت رأسها ببطء… ووضعت جبينها فوق يد صديقتها الممددة.

ولم تعد قادرة على قول شيء آخر.

وفي البهو، تحرّكت الأبواب الثقيلة.

دخل الهواء.

دخلت خطوات.

لكنها… لم تسمعه بعد.

كانت لا تزال عند جيني… في مكانٍ لم يعد فيه للحياة صوت.

تحرّكت بوّابات القصر الحديدية الثقيلة منذ لحظات…

ارتفعت معها عيون الحرس في البهو، التفت بعضهم نحو المدخل، وبعضهم ظل في أماكنه، مشدودًا بالتوتر.

هدير السيارة توقف.

ثم…

فتح الباب الخلفي، ونزل ميخائيل مالكوف.

حذاؤه الأسود وطأ بلاط الرواق الحجري، ترك أثرًا خفيفًا من الثلج المذاب.

وقف للحظة عند العتبة، لم يتقدم.

نظره كان حادًا… لكن لا شيء في وجهه تحرّك.

ديمتري وصل بجانبه، همس له بشيء لم يُسمع.

لكن ميخائيل لم يرد.

عينيه كانت تبحث عن شيء محدد… أو عن شخص.

ثم خطا للأمام.

خطوة.

ثم ثانية.

ثم وقف في منتصف البهو.

رأى الجثث أولًا.

رأى بقعة الدم الممتدة من عند السلم حتى الأعمدة.

رأى داريا منهارة، وصوفيا باكية، وناديا صامتة بجمود.

رأى بندقية سقطت على جانب يد بوريس.

ثم رأى إيزابيلا.

كانت راكعة، ظهرها له، شعرها منسدل على كتفيها، ويدها الدامية لا تزال مغطاة بقماش أبيض مشبع بالأحمر.

رأسها منحنٍ….وجبينها مستند على يد جيني الميتة.

للحظة، لم يتحرك.

كأن المشهد أوقف قلبه… أو شكّه بالواقع.

ثم اقترب. ببطء. بخطوات محسوبة.

كل خط منه إليه كان يخترق عمقًا جديدًا من الفهم…

ومن الغضب. وحين وقف خلفها مباشرة، لم يقل شيئًا.

فقط… رأى. رأى جيني.

ورأى مَن تكون إيزابيلا حين تخسر.

همست إيزابيلا، دون أن تلتفت:

"لقد ماتت."

كأنها كانت تعرف أنه يقف هناك، وكأنها كانت تنتظر أن يسمع… لا أن يجيب.

ثم رفعت رأسها ببطء، وأدارت وجهها إليه.

عيناها كانتا واسعتين، ممتلئتين بما لا تستطيع أن تقوله.

لكن شيئًا في نظرتها قال له أكثر من ألف سؤال:

"أين كنت؟ لماذا تأخرت؟"

لكنه لم يجب. ولم يلمسها.

فقط جلس ببطء على ركبتيه إلى جانبها،

ونظر إلى جيني… ثم إلى إيزابيلا…

وهمس أخيرًا، بصوت خافت، كأنه اعتذار لا يحمل كلمات:

"كان من المفترض أن تبقى بأمان… في جناحك."

الصالة كانت تمتلئ بالحركة:

الحرس يتحرّكون، الوجوه تتشاور، داريا تجهش بالبكاء، وصوفيا ترتجف على صدر زوجها الميت.

لكن داخل دائرة صغيرة…

عند قدمي جيني، كان الزمن متوقفًا.

إيزابيلا لم تتحرك.

ظلّت جالسة على ركبتيها، يدها لا تزال على يد جيني، تنظر إليها وكأنها تخاف أن تنساها إن رمشت.

صوتها… صمت.

وجهها… صمت.

وحتى عيناها، لم تعودا تبحثان عن أجوبة.

بل فقط… تأملان خسارةً وقعت.

دمها لم يتوقف بعد.

القطرات كانت تتسرّب من القماش الملفوف حول معصمها، تنزل ببطء، تترك خطوطًا صغيرة على بشرتها،

تتبعها بنظراتٍ لا تبكي… لكنها تُنذر بالانهيار.

لم تُحاول لفّه من جديد. لم تطلب مساعدة.

كأنها تقول لنفسها:

"دعيني أنزف… كما يليق بمن فقدت جزءًا من نفسها."

ميخائيل لا يزال بجوارها، صامتًا، لا يجرؤ على لمسها.

كأنّها الآن شيء مقدّس…

أو شيء هشٌ جدًا، قد ينكسر إن حاول الاقتراب.

الضوء في البهو تغيّر.

أصبح رماديًا باهتًا، ينساب من بين النوافذ العالية،

ينعكس على الدم،

ويكسر نعومة الوجوه الباكية.

لكنها، هي، لم تكن هناك حقًا.

إيزابيلا كانت في مكانٍ آخر…

في ذكرى ما، في لحظة قبل أن تُقتل جيني، في يوم قالت فيه بابتسامة ساخرة:

"أنا لا أموت بسهولة، إيزا… لكن أنتِ، يبدو أنك تعيشين في رواية أكشن، مفهوم؟"

والآن… الرواية تكسّرت.

والأكشن… حقيقي جدًا.

رعشة خفيفة سرت في يدها.

ثم زفرت زفرة طويلة، كأنها لفظت شيئًا عالقًا في صدرها.

ثم أغمضت عينيها ببطء.

لا للنوم. ولا للهرب.

بل لتلتقط نفسها.

لكن حتى نفسها، كان مكسورًا.

ظلّ ميخائيل واقفًا بجوارها…

ساكنًا كأن الزمن توقف، أو كأن جسده تحوّل إلى حجر من شدّة التماسك.

عيناه بقيتا على إيزابيلا، لكن عقله بدأ يتحرّك.

بصوتٍ منخفض، حاد، قال لأحد الحرس:

"نظّفوا المكان. كل شيء."

ثم أضاف، دون أن يرفع صوته:

"جهّزوا مراسم تليق ببوريس… لا أريد مشهدًا فوضويًا. وليعلم الجميع أن البراتفا لا تُشيّع موتاها بخوف."

ثم التفت إلى ديمتري، وقال بصرامة لم يعرفها إلا القلائل:

"جيني تُعاد إلى وطنها. بعلم عائلتها. رسمية. محترمة. بكامل الشرف الذي تستحقه."

ديمتري أومأ برأسه.

لكن وجهه انكمش للحظة، وكأنه فهم أن هذا الأمر لا يُناقش.

ثم عاد نظره إلى إيزابيلا.

كانت لا تزال جالسة على الأرض. يدها ملوّثة بالدم…

وعيناها مُطفأتان، لا شيء فيهما يتحرّك…

وكأنها علِقت في مكان بين اللحظة التي ماتت فيها جيني، واللحظة التي لم تفهم فيها بعد كيف تعيش بعدها.

اقترب منها ببطء.

ركع أمامها، وضع يده بثقلٍ شديد على الأرض، قريبًا من قدمها.

تمتم بصوت منخفض، لم يكن للأوامر هذه المرة:

"إيزابيلا…"

لم تُجبه.

اقترب أكثر.

مدّ ذراعيه… ببطء.

وحين لم تبدِ مقاومة، احتواها بين يديه.

كانت خفيفة.

أخف من ذاكرتها. كأن الألم قد سرق منها وزنها… وحضورها.

رفعها بين ذراعيه.

أحاطها كمن يحمل شيئًا لا يريد للعالم أن يراه مكسورًا.

رأسها سقط على كتفه، عيناها لا تزالان مفتوحتين،

لكنّها لا تراه. ولا ترى أحدًا.

قال للحارس الأقرب، دون أن ينظر إليه:

"نادِ الطبيبة. الآن."

ثم التفت نحو السلم، وصعد… خطوة بعد خطوة، يحملها كأنّه لا يحملها فقط من الأرض…

بل يحاول أن يحمل عنها الألم، والفقد، والدم.

كل عين في القصر نظرت إليه… ولم يجرؤ أحد على أن يقول شيئًا.

وصل إلى جناحهما، فتح الباب بركلة خفيفة، ودخل.

كانت لا تزال بين ذراعيه. الغرفة كانت عبارة عن فوضى. الزجاج متطاير ومهشم في كل مكان تقريباً.

حين عاد بعينيه لها، لا دموع. ولا صوت.

فقط جرح على المعصم، وصمت على الشفاه،

وحِداد… في القلب.

وضعها فوق السرير بهدوء، كما توضع أزهار الجنازات.

ثم جلس بجانبها، يُمسك بيدها، ويُراقبها، كأنّه يخشى أن تنكسر أكثر.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • تحت جناح الجزار    18

    في صباح اليوم التالي، كان الضوء الشتوي يتسلل إلى أروقة المشفى من خلف النوافذ الزجاجية الكبيرة، لكنه لم يصل إلى الغرفة رقم (٤).هناك… النور لم يعد يعني شيئًا.داخل الغرفة، كانت إيزابيلا ممددة بهدوء تحت البطانية البيضاء.وجهها شاحب، وأنفاسها بطيئة لكن منتظمة.الأجهزة من حولها لا تزال تومض وتنبض، لكنها لم تكن مستيقظة تمامًا… ولا نائمة تمامًا.كانت تُبقي عينيها مغمضتين أغلب الوقت، لكن بين الحين والآخر، تفتح جفنيها المرتبكين… ولا ترى شيئًا.في كل مرة تستيقظ، تبدأ التنهيدة، ثم يتبعها ارتباك، ثم نبض متسارع، ثم همسة حائرة:"لماذا… لماذا لا أرى؟"وحين يبدأ نبضها في الارتفاع، ويتغير تنفسها، يتدخل الطبيب أو الممرضة… يُحقن في وريدها القليل من المهدئ،فتغرق مجددًا في سُبات مرّ، ليس فيه أحلام… فقط صمت يشبه الفقد.ميخائيل لم يُغادر. بقي على كرسيه ذاته، ثابتًا كأنه جزء من الحائط. لم يكن يتكلم، لكنه كان يُراقب كل شيء.كل مرة تفتح عينيها، يقف على قدميه، يتقدم خطوة، لكنها لا تراه.تُدير وجهها ناحية صوته حين يناديها… لكن عينيها تبقيان ساكنتين في السواد.في أحد المساءات، همست بصوت منهك:"هل سأبقى… هكذا؟"

  • تحت جناح الجزار    17

    مرّت أكثر من ساعتين منذ دخولها غرفة العمليات، ولم ينطق أحد بكلمة طوال ذلك الوقت.حتى داريا، التي كانت دائمًا الأسرع إلى الحديث، بقيت حبيسة مقعدها، لا تتحرك، لا ترفع وجهها، ولا تُجيب على نظرات صوفيا التي لم تعد تدري أين تضع قلقها.ميخائيل، بعيد عن الجميع، جلس ساكنًا.جسده أماميًا، راحته على ذقنه، لكنه لم يرَ شيئًا.كأنه ينتظر خروج الطبيب لا ليستمع… بل ليقرر إن كانت الحياة ستمنحه فرصة ثانية، أم ستسلبه إياها… قبل أن يعرف ما تعني تمامًا.ثم فُتح الباب.خرج الطبيب، في معطفه الأبيض المُلطخ ببقع معقّمات وماء، وجهه مرهق… لكن هادئ، كمن يُجيد التحدث عند حافة الموت.نهض ميخائيل فورًا، وتقدمت ناديا خلفه، أما داريا فظلت في مكانها، تجمدت.قال الطبيب، بصوت هادئ لكنه مُحمّل بثقل:"الإصابة كانت على مستوى مؤخرة الرأس. الارتطام أحدث نزيفًا دماغيًا متوسّطًا في الفص القذالي الأيسر… وهو قريب من المنطقة المسؤولة عن المعالجة البصرية والتخزين الحسي المرتبط بالذاكرة."سكت الطبيب لثوانٍ، ثم أردف بنبرة جادة:"تمكّنا من وقف النزيف جراحيًا، لكن لا يمكننا تقييم مدى الضرر حتى تستيقظ. الورم الطفيف الذي أحدثه النزيف ق

  • تحت جناح الجزار    16

    كان ضوء الفجر الرمادي يتسلل عبر الستائر الثقيلة، ينتشر بخجل فوق الجدران الحجرية، ويغمر أطراف السرير الضخم بدفء خافت.إيزابيلا استيقظت أولاً.كانت على جانبها، ظهرها إلى صدر ميخائيل، وذراعه ملتفة حول خصرها، ثقيلة… لكنها لا تُقيدها. بل تُطمئن.تنفست ببطء.أغمضت عينيها مجددًا للحظة، ثم فتحتها بهدوء.تحركت قليلاً، ليس لتبتعد، بل لتُعيد جسدها إلى موضع أكثر قربًا منه… كأنها تبحث عن توازن دقيق داخل حضنه.لم تقل شيئًا. ولم توقظه.فقط استمتعت بثقل ذراعه، ورائحة جلده، ونبضه المنتظم خلف ظهرها.ثم، دون أن تخطط، مدّت يدها وغطّت بها يده المستقرة عند بطنها.أصابعها مرّت فوق أصابعه، ببطء، كأنها تُعيد ترتيب شكل العلاقة… كما ينبغي.بعد لحظات، تحرك هو أيضًا.صوته كان أجشًّا، خافتًا، نائمًا:"أنتِ مستيقظة؟"أجابت دون أن تلتفت:"منذ قليل."قالتها بهدوء، لكنها كانت أقرب إلى اعتراف داخلي:"ولم أنوِ الرحيل."سكت.ثم تمتم:"إذن… صباح الخير، سنيجكا."ابتسمت.ابتسامة صغيرة. حقيقية. ثم أغلقت عينيها، وتركته يحتضنها في هدوء.لا شيء يُلحّ.لا موعد مستعجل.لا صراع.فقط… لحظة من الصباح، بين رجل بدأ يتغير، وامرأة بدأت

  • تحت جناح الجزار    15

    صباح اليوم التالي كان رماديًا كالمعتاد، لكن القصر بدا أكثر هدوءًا من أي وقت مضى.كأن الجميع يمشي على أطراف أصابعه، بينما الفراغ الذي تركه بوريس لم يُملأ بعد.في جناحها، كانت داريا قد استيقظت مبكرًا.ارتدت فستانًا بسيطًا بلون كحلي داكن، وشعرها مُسرّح بدقة غير معتادة،عيناها مرآة راكدة لا تظهر ما خلفها.جلست أمام مرآتها.وضعت القليل من العطر… الذي كانت ترتديه دومًا في طفولتها حين تريد لميخائيل أن "ينتبه" أنها كبرت.أخذت نفسًا عميقًا.ثم خرجت من جناحها. خطواتها على الرخام كانت محسوبة.هدوء في ملامحها. نعومة في الحركة.لكن في الداخل… سُمّ بارد يُعيد ترتيب الأوردة.لم تنزل إلى الطابق السفلي. بل… صعدت.الطابق العلوي حيث جناح ميخائيل.طوال السنوات الماضية، لم تجرؤ أن تطرقه في هذا التوقيت.لكن الآن، هو "بيتهم"، جناح "الزوجين" الجديد.إيزابيلا نائمة فيه. في سريره. اقتربت من بابه.لم تطرقه.وقفت فقط أمامه… تأملت المقبض.ثم ابتسمت لنفسها، ابتسامة شبحية… كأنها ترى ما سيأتي، لا ما يحدث.ثم استدارت. ولم تطرق الباب.بل اتجهت إلى غرفة جانبية، حيث تجلس ناديا، خالة ميخائيل، تحتسي قهوتها بصمت.داريا دخل

  • تحت جناح الجزار    14

    السماء فوق المقبرة كانت رمادية، بلا شمس، بلا زرقة،كأنها هي الأخرى دخلت في حدادٍ صامت.هواء الصباح بارد، يحمل في طياته رائحة تراب رطب وذكرياتٍ مثقلة بالألم.الثلج لم يسقط، لكن الأرض كانت ما تزال تئنّ تحت وطأة الأمس.في وسط المقبرة، حيث الاصطفاف المعتاد، وقف عدد من رجال العائلة، الحرس، والكهنة الأرثوذكس.نعش بوريس مالكوف وُضع على منصّة خشبية بسيطة، تُهيّأ للنزول.الصلوات تُتلى. الوجوه منحنية. العائلة في الصف الأول.داريا كانت شبه منهارة.فستانها الأسود لم ينجح في تغليف انكسارها.ركبتاها بالكاد تحملانها، ودموعها لم تتوقف منذ دخلت البوابة الحديدية.كانت تهمس لنفسها:"أبي… أبي… لماذا؟"صوتها بالكاد يُسمع، لكنها كانت تُكررها، كأنها تناديه من حفرةٍ لم يخرج منها.صوفيا، زوجته، كانت واقفة بجانبها، تمسك بيدها، تحاول أن تتمالك نفسها، لكن الذقن المرتعش، والنظرة الزجاجية في عينيها… كانت تقول كل شيء.كل شيء تحطم.وفي الخلف… خلف الجموع، خلف البكاء، خلف الكلمات الدينية .... كانت تقف إيزابيلا.صامتة.مستقيمة.تلف حول جسدها معطفًا داكنًا، وشالًا رماديًا.وشعرها مربوط بنعومة عند مؤخرة العنق.لم تكن قري

  • تحت جناح الجزار    13

    هدير المحركات كان مكتومًا، كأن الطائرة صُممت خصيصًا لاحترام الصمت.جلست إيزابيلا إلى جانب النافذة، تسند رأسها بخفة إلى الزجاج البارد، وتُراقب الغيوم الكثيفة التي تمتد أسفلها كبحر ساكن. الشمس تتسلل من بين طبقات السحب، ترسم خطوطًا ذهبية باهتة على وجهها الشاحب. لم تكن نائمة، لكنها لم تكن مستيقظة تمامًا.كانت تُفكر.في الليلة السابقة.وفي كلماته.وفي القبلة التي لم تُشبه شيئًا مما اختبرته من قبل.الطائرة تشق طريقها بثبات فوق سُحب رمادية، والضوء الناعم من النوافذ ينعكس على المقاعد الجلدية اللامعة. في هذا الصباح الصامت، بدت الأجواء وكأنها تتهيّأ لشيء لا يُقال.إيزابيلا جلست إلى جانب النافذة، ترتدي معطفًا رماديًا من الكشمير، وشالًا من الحرير الأزرق، يلتفّ حول عنقها بحنوّ... كأنها تحاول أن تُدفئ نفسها مما سيأتي، لا مما مضى.ميخائيل كان يجلس مقابلها، يقرأ بصمت، لكن يده لم تفارق فنجان القهوة الأسود الذي تبخّرت منه رائحة داكنة، كقلبه.مرت لحظة طويلة دون أن يتحدث أحد.ثم قالت إيزابيلا، بصوتٍ خافت لكنها حازمة: "لن تكون العودة سهلة."رفع عينيه نحوها ببطء، تأمّل وجهها للحظة، قبل أن يرد:"لم تكن يوم

  • تحت جناح الجزار    12

    كان دخوله أشبه بانفجار صامت. خطواته بطيئة، ثقيلة، تنخر الأرض تحتها بثقة قاتلة. من بين الزحام والضجيج، انشق الحشد كأنه يشعر بوجود لا يرحم يقترب، حتى قبل أن يروه. ميخائيل كان واقفًا في الظل للحظات، يراقب. عينيه الزجاجيتين تتوهجان بجمود، لا انفعال يظهر على ملامحه سوى برد قارس يبعث الرهبة في العظام.

  • تحت جناح الجزار    11

    ضوء الصباح انسدل برقة عبر ستائر الغرفة الرمادية، خطوط ذهبية تسلّلت إلى الأرجاء الهادئة، تلامس السرير بكسل، وتنساب على وجنتي إيزابيلا التي بدأت تتحرك ببطء.رمشت عيناها مرتين… ثم فتحت إحداهما بتثاقل.شعور غريب غلف جسدها، دفء مألوف، لكن غير معتاد.ثم، ومع تنفسها العميق، أدركت أن شيئًا… أو أحدًا يشاركه

  • تحت جناح الجزار    10

    تناولا طعامهما بهدوء، ومع كل دقيقة تمر، بدا وكأن طبقات الجمود بينهما تتآكل ببطء، كما لو أن صمت الماضي وندوب الأرواح بدأت تفسح المجال لسكينة خجولة.كانت إيزابيلا ترفع عينيها نحوه بين الحين والآخر، تراقب تفاصيل وجهه وهو يأكل بصمت. قسماته كانت أقل قسوة الآن… أقل وحشية. ربما كانت أشعة الشمس تفعل ذلك، أ

  • تحت جناح الجزار    9

    بعد أن رحل ميخائيل بهدوء من الجناح، بقي عبق اللحظة في الهواء، يلامس أنفاسها كما لو أن حضوره لم يغادر بعد. كانت الشمس قد ارتفعت قليلًا، تبعثر خيوطها الذهبية على أرضية الغرفة الهادئة، بينما ظلت إيزابيلا جالسة على طرف الفراش، عيناها تائهتان في نقطة بعيدة على الجدار المقابل، لا تنظر إليه حقًا... بل تعو

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status