LOGINمرّت أكثر من ساعتين منذ دخولها غرفة العمليات، ولم ينطق أحد بكلمة طوال ذلك الوقت.
حتى داريا، التي كانت دائمًا الأسرع إلى الحديث، بقيت حبيسة مقعدها، لا تتحرك، لا ترفع وجهها، ولا تُجيب على نظرات صوفيا التي لم تعد تدري أين تضع قلقها. ميخائيل، بعيد عن الجميع، جلس ساكنًا. جسده أماميًا، راحته على ذقنه، لكنه لم يرَ شيئًا. كأنه ينتظر خروج الطبيب لا ليستمع… بل ليقرر إن كانت الحياة ستمنحه فرصة ثانية، أم ستسلبه إياها… قبل أن يعرف ما تعني تمامًا. ثم فُتح الباب. خرج الطبيب، في معطفه الأبيض المُلطخ ببقع معقّمات وماء، وجهه مرهق… لكن هادئ، كمن يُجيد التحدث عند حافة الموت. نهض ميخائيل فورًا، وتقدمت ناديا خلفه، أما داريا فظلت في مكانها، تجمدت. قال الطبيب، بصوت هادئ لكنه مُحمّل بثقل: "الإصابة كانت على مستوى مؤخرة الرأس. الارتطام أحدث نزيفًا دماغيًا متوسّطًا في الفص القذالي الأيسر… وهو قريب من المنطقة المسؤولة عن المعالجة البصرية والتخزين الحسي المرتبط بالذاكرة." سكت الطبيب لثوانٍ، ثم أردف بنبرة جادة: "تمكّنا من وقف النزيف جراحيًا، لكن لا يمكننا تقييم مدى الضرر حتى تستيقظ. الورم الطفيف الذي أحدثه النزيف قد يؤثر على الإبصار، أو الإدراك الجزئي، ربما بشكل مؤقت… وربما لا." هنا شهقت صوفيا، وضعت يدها على فمها. بينما شدّت ناديا على يدها الأخرى دون كلمة. أما ميخائيل… فلم يتكلم. عينا الطبيب تحركت إليه بتقدير، ثم قال: "الأيام القادمة حرجة. سنُبقيها تحت مراقبة شديدة في وحدة العناية. إذا استجابت سريعًا، فهذا يعني أن الجهاز العصبي لا يزال متماسكًا." سأل ميخائيل بصوت خافت: "هل يمكن أن… تفقد بصرها؟" الطبيب لم يُجب على الفور. ثم قال بهدوء: "الاحتمال وارد… لكنه ليس مؤكدًا. علينا أن ننتظر استيقاظها." ثم أومأ، وانسحب من أمامهم، تاركًا خلفه صمتًا لا تشوبه إلا النبضات المتوترة في قلب كل من سمعه. لم يتحرك ميخائيل. ظل واقفًا مكانه، يحدّق إلى باب العناية المركزة المغلق، كأن بصره يريد اختراقه، يرى وجهها، يسمع صوتها، يتأكد أنها ما زالت هنا. ثم استدار ببطء، خرج من ردهة الانتظار، وتوجه إلى ركن هادئ خالٍ من البشر، سحب هاتفه بيدين مرتجفتين بالكاد يُلاحظ اضطرابهما، بحث عن الاسم الذي لم يظن يومًا أنه سيطلبه في مثل هذا الظرف. أليخاندرو روستوف. ضغط زر الاتصال، وضع الهاتف على أذنه، وفي قلبه شيء يشبه الاعتراف بالعجز. رن الهاتف مرتين فقط… ثم جاءه الصوت الجادّ، العميق، المألوف: "ميخائيل؟" لم يُجِب فورًا. ثم قال، بصوت بدا مكسورًا رغم صلابته: "أليخاندرو… إيزابيلا… سقطت. من أعلى الدرج… في القصر." سكت الطرف الآخر للحظة، وكأن العالم كله توقّف. ثم سمع ميخائيل صوته، مشبعًا بالصدمة: "سقطت؟ ماذا تعني؟ هل هي بخير؟" أجاب ميخائيل بصوت منخفض، كأنه يجبر نفسه على النطق: "في غرفة العمليات… الآن خرجوا. أوقِفوا النزيف. لكن… الإصابة في رأسها." لحظة صمت جديدة. ثم أتى الصوت الآخر، هذه المرة غاضبًا… منكسرًا: "أنا قادم. سأكون هناك خلال الساعات القادمة." أغلق ميخائيل المكالمة، وأخفض الهاتف ببطء، ثم رفع رأسه نحو السقف الأبيض للمشفى… وبعينين زجاجيتين، لا تُظهران ما فيهما، قال في سره: "لا تسحب الضوء من عينيها… ليس الآن." عاد ميخائيل إلى الردهة بنفس الخطى الثابتة التي غادر بها، لكن من يراقبه عن قرب كان ليلاحظ أن عينيه تحوّلتا من التوتر إلى التجمّد… لم يعد هناك ذعر، بل ما هو أخطر من الذعر: الصمت التحليلي. لم ينظر إلى صوفيا ولا إلى ناديا، ولم يعطِ داريا أكثر من نظرة جانبية خاطفة. كانت لا تزال جالسة، كتفاها منحنيان إلى الأمام، يدها معقودة في حجرها، ورأسها منخفض كأنها تمارس صلاة صامتة في عالم من الرماد. لكنه لم يقل شيئًا. لم يتحدث إلى أحد. فقط أخرج هاتفه، وتوجه نحو أحد الأركان، ثم اتصل: "ديمتري… أحتاجك الآن." كان ديمتري قد غادر معه في الصباح لكنه بقي في الطابق الإداري بعد أن تلقّى مكالمة أمنية عن تحرك أليكسي. أجاب فوريًا: "أنا أسمعك." نبرة ميخائيل كانت أكثر هدوءًا مما يجب، لكن خلفها أمرٌ واضح… ومألوف. "أريد كل تسجيلات كاميرات القصر. منذ الساعة العاشرة صباحًا وحتى اللحظة التي خرجت فيها سيارة الإسعاف." سكت ديمتري للحظة، كأنه يحاول فهم السبب، لكن أخيرًا قال: "أي زاوية تحديدًا؟" أجاب ميخائيل بصوت منخفض، لكنه كالسيف: "السلالم الكبرى، والممر الجانبي المؤدي إلى جناح داريا." لحظة صمت على الخط، ثم ردّ ديمتري بهدوء: "سأراجعها فورًا… وأرسلها إلى جهازك الخاص. هل… حدث ما يدعو للقلق؟" أجاب ميخائيل دون تردد: "إيزابيلا لا تسقط وحدها. هي لا تفعل ذلك. وأنا… لم أعد أؤمن بشيء اسمه صدفة." أنهى المكالمة،ثم عاد إلى مقعده، جلس، وسحب جهازه المحمول الذي لا يفارقه في الطوارئ. لم ينظر إلى أحد. فتح الشاشة، وقلبه ينبض كما لم ينبض من قبل. ليس لأن إيزابيلا ربما فقدت البصر، وليس لأنه يخشى أن يفقدها… بل لأنه يشعر أن الطعن هذه المرة جاء من داخل الجدران التي أقسم أن يحميها. كان الوقت يمر ببطء، ودم في شرايينه يغلي، لكن وجهه كان ساكنًا. ساكنًا كما يكون الجزار… قبل أن يُسقط السكين. *. *. *. *. *. كان الحمام في الطابق الأرضي المجاور لردهة الانتظار، واسعًا، بارده، وجدرانه البيضاء تعكس النور الاصطناعي القاسي، كأن الضوء فيه لا يسمح بأي زيف، كل شيء مكشوف… حتى الدمعة. دفعت داريا الباب خلفها بقوة يدٍ مرتجفة، ثم أدارته بالمفتاح. صوت القفل… كان أشبه برغبتها في عزل نفسها عن كل من عرفها. خطت ببطء إلى الداخل، وكأن قدميها ثقيتان بحمولة لم تعد تحتملها. وقفت أمام المغسلة الرخامية، وضعت يديها على الحواف، وحدقت في وجهها. لكنها لم ترَ نفسها. ما رأته في المرآة… هو فتاة بعينين واسعتين، محمرتين، كأنهما طفلتان شاهدتا جريمة… ولم تستطيعا الهرب. شعرها الأشقر بدا مبعثرًا، وجلد وجهها باهتًا، ويدها اليمنى ترتعش كما لم تفعل يومًا. فتحت الماء بقوة. دفعت يديها تحته، ثم رفعت قبضتيها المبللتين وصفعت بهما وجهها بالماء مرة، مرتين، ثلاث. لكن شيئًا لم يبرد. الحرارة بداخلها كانت تزداد. لهيب نادر… لا يشبه الغضب، بل يشبه الاشمئزاز من الذات. تمتمت بكلمات لا صوت لها. "أنا لم أقصد…أنا فقط… أردت أن تُفهم… أن تتوقف… أن تصمت." سحبت المنشفة، جففت وجهها بقوة وكأنها تمحو، لكن وجهها بقي هناك، والعينان بقيتا تنظران إليها. عادت إلى المرآة. نظرت أعمق. تخيلت إيزابيلا، جسدها على الأرض، الدماء تحت رأسها، صوفيا تصرخ، وناديا تلهث، وميخائيل… يسأل بعينين لم ترَهما من قبل. عندها ارتعشت شفتاها. ثم انفجرت الدموع. لم تصرخ. لكن جسدها اهتزّ بعنف. انهارت على الأرض، ركبتيها التصقتا بالبلاط، وضغطت كفيها على فمها لتكتم شهقة خرجت دون إرادتها. قالت في داخلها: "ماذا فعلت؟ ماذا فعلتُ، بحق السماء…؟" داريا لم تكن قاتلة. لكنها ارتكبت شيئًا… قد يجعلها كذلك. ولأول مرة منذ سنوات، لم تفكر في ميخائيل. ولا في كراهيتها لإيزابيلا. ولا في الانتقام. فقط فكرت في جملة واحدة: "ماذا إن لم تستيقظ؟" في ذلك الحمام، كانت النية قد انتهت، وبدأ الحساب. ولا ماء العالم… سيغسل ما علق بيدها. *. *. *. *. *. انخفضت درجة الحرارة خارج المستشفى إلى ما دون الصفر، والهواء الجليدي اندفع إلى بهو الطابق الأرضي حين فُتح الباب الزجاجي الرئيسي. دخل رجلان… أولهما كان أليخاندرو روستوف، بمعطفه الصوفي الطويل، رمادي اللون، وشعره المائل للبياض وقد سُرّح بعناية لا تخفي سنواته الستين، ولكنها تُعلنها بثقة نادرة. بجانبه، خطا فرانسيسكو، الابن الأوسط، يرتدي معطفًا داكنًا، عينيه أهدأ من المعتاد، لكن الخطوط المحفورة في وجهه قالت إن رحلتهم لم تكن سهلة… لا في السماء، ولا في القلوب. لم يرفعا صوتهما. لم يتحدثا حتى وصلا إلى موظف الاستقبال. "السيدة إيزابيلا روستوف،" قال أليخاندرو، بصوته العميق، الذي يشبه صدى غرفة خالية. "نحن عائلتها." ثم أبرز وثيقة الهوية، وكأن اسمه وحده لا يكفي، رغم أنه يفترض أن يكون كذلك. بعد دقيقة من الإرشاد، قادهم المرافق عبر الممرات المعقمة، الصمت يلفّ المكان، والإضاءة البيضاء على الجدران تجعل خطواتهم تبدو ثقيلة أكثر مما هي عليه. في الدور المخصص للعناية الفائقة، كان ميخائيل يقف في الزاوية المقابلة، ينظر عبر الزجاج الذي يفصل غرفة إيزابيلا عن الخارج، جسدها لا يزال موصولًا بأجهزة دقيقة، ونبضها يظهر على الشاشة بنقاط خضراء تومض بصبر… لكنها لم تفتح عينيها بعد. حين سمع وقع الخطوات، استدار. رآه. أليخاندرو. واقفا بكامل قامته، وبكامل جباله الصامتة التي جلبها معه من مدريد إلى موسكو. لم يتكلم أحد منهما لوهلة. تبادل الرجلان نظرة طويلة، ثقلها لا يُقاس بالزمن، بل بما يحمله كلٌ منهما للمرأة خلف الزجاج. ثم اقترب أليخاندرو خطوة. تأمل وجهها، يده اليمنى ترتجف قليلًا عند أطراف الأصابع. كأنه يحاول مدّها إلى الزجاج… لكنه تراجع. سأل بصوت منخفض، يشبه تهشّم الزجاج تحت قدم حافية: "هل ما زالت تتنفس؟" أومأ ميخائيل برأسه. همس: "لكنها لم تستيقظ." سكت أليخاندرو، ثم قال بنبرة محايدة: "قلت لي… إنها سقطت." لم يرد ميخائيل. لكن فرانسيسكو، الواقف خلف والده، ضيّق عينيه، وقال بهدوء مائل للشك: "سقطت… وحدها؟" ميخائيل أدار وجهه ببطء، عيناه لم تبرحا الزجاج: "هذا ما قالوه." ثم سحب نفسه من الجدار، وتوجه إليهما. وقف قبالتهما، وبصوت منخفض لكنه واضح: "لكنني طلبت مراجعة كل تسجيلات القصر. ديمتري يعكف عليها الآن." نظر إليه أليخاندرو مطولًا، ثم هز رأسه بخفة، وقال: "جيد." ثم استدار، وجلس على الكرسي المجاور. أما فرانسيسكو، فوقف بجوار ميخائيل، وقال بنبرة أقرب إلى الاعتراف: "راؤول بقي في إسبانيا. أبي أراد أن يأتي بنفسه… ليس فقط ليطمئن، بل لأنه يعرف… أن ابنته لا تسقط. ولا أحد يلمسها ويبقى." لم يرد ميخائيل، لكن نظرته أصبحت أكثر جمودًا. شيء ما تغير منذ لحظة دخولهما. لم يعد وحده الذي يشعر بذلك… بل جاء الآن رجلٌ آخر، إن لم تقم العدالة… سيفرضها بطريقته. لم يكن في الردهة إلا صوت الأجهزة الخافتة، ونبض الشاشة الخضراء يظهر على الجدار من غرفة المراقبة المتصلة، وملامح ميخائيل المشدودة، كأنها تماثيل حجرية. جلس فرانسيسكو صامتًا، وأليخاندرو لم يتحرك منذ أكثر من نصف ساعة، عينيه مثبتتان على ظل ابنته خلف الزجاج. كان الوقت متجمّدًا… إلى أن دخل ديمتري. خطواته كانت سريعة لكن محسوبة، يرتدي معطفه الاسود القصير، وفي يده حقيبة حاسبه الشخصي، تسبق وجهه نظرة لا تشبه عادته، نظرة ثقيلة… كأن ما رآه ليس تسجيلاً، بل خيانة. اقترب من ميخائيل مباشرة، ثم جلس بجانبه، وفتح الحاسوب. وقبل أن يلمس المفاتيح، همس له، صوته بالكاد يُسمع: "لن تكون سعيدًا برؤية هذا." رفع ميخائيل رأسه إليه، نظرة واحدة فقط، ثم هزّ رأسه كمن يقول: "أعرضه." لم يُعلّق أحد. فرانسيسكو نظر بصمت، وأليخاندرو رفع عينيه للمرة الأولى منذ ساعة، لكنه لم يتكلم. فتح ديمتري الملف. على الشاشة… ظهر السلم الكبير في جناح القصر. الزاوية العلوية تظهر الممر الجانبي المؤدي إلى الجناحين المنفصلين: جناح داريا… وجناح إيزابيلا. بدأ التسجيل. الصورة واضحة. الضوء الطبيعي من النوافذ العالية كان كافيًا لتُظهر كل شيء. ظهرت إيزابيلا أولًا. تسير بخطى هادئة، وجهها متجه للأمام، ملامحها مشدودة لكنها ثابتة، ثم تقف عند زاوية الممر. بعد ثوانٍ قليلة… تظهر داريا. تتقدم نحوها. اللقطة كانت صامتة، لكن الجسدين يتحدثان. وقفا أمام بعضهما. انحناءة بسيطة من داريا، ثم حركة يد، ثم خطوة. وجه إيزابيلا لم يتغيّر… لكن كتفي داريا ارتفعا فجأة. ثم… دفعة. واضحة. حادة. من الجسد لا اليد فقط. إيزابيلا تراجعت. قدمها تنزلق. السقوط يبدأ. الجسد يتقلب، يضرب بالحافة، ينزلق أكثر، ثم يسقط بالكامل على السلالم. تتدحرج. ثم تستقر عند القاع. ولا حركة بعدها. في الأعلى، داريا تجمدت. وقفت تنظر لأسفل… لم تقترب. لم تصرخ. لم تركض. الصورة توقفت عند هذه اللحظة. الصمت صار خانقًا. لم يتكلم أحد. ميخائيل بقي ينظر إلى الشاشة… ثم أغلق عينيه ببطء، كأن كل شيء داخله قد انفجر دون صوت. ديمتري همس: "رأيت ما يكفي، أليس كذلك؟" لم يجب ميخائيل. لكن جسده… كان كالصخر، كأن السلاح في داخله قد شُحِن. ساد صمتٌ ثقيل بعد أن أُغلقت شاشة الحاسوب، صمتٌ لم يكن عجزًا عن الكلام… بل كبتًا لغضبٍ خُزن في الأعماق سنوات، وغذّته هذه اللحظة بلقطة واحدة: لقطة تُظهر كيف سقطت الابنة، ليس بفعل القدر… بل بدفعة من يدٍ تنتمي للعائلة. ميخائيل كان أول من تحرك، أغلق الجهاز بنفس الهدوء الذي كان يغلق به خزنة أسرار، ثم وقف، وكتفيه مسترخيان ظاهريًا، لكن شيئًا في عينيه تحطم. التفت ببطء، وأراد أن يتحدث، لكن أليخاندرو وقف أولًا. كانت الوقفة مختلفة عن وقفته الأولى حين دخل، الآن، في عينيه جمرٌ متّقد، وحين نطق، كان صوته خاليًا من كل مداراة، لا يشبه الرجل السياسي ولا رب العائلة، بل أبًا يُسحق قلبه… فيختار أن يضغط بدقة على موضع الجرح: "حين وافقت على هذا الزواج، وحين أرسلت ابنتي إلى هذا المكان، لم يكن ذلك لأنني وثقت في المكان، بل لأنني وثقت بك." اقترب خطوة من ميخائيل، نظر إليه نظرة عميقة، كأن كل سنوات الاحترام بينهما تتلاشى ببطء تحت ثقل الجملة التالية: "لقد طلبت منك حمايتها، ميخائيل. أن تبقيها بعيدة عن هذا العالم القذر الذي نحيا فيه. لكنها الآن بين الحياة والموت… تحت سقفك، وسط عائلتك." كان صوته لا يرتفع، لكنه مشدود كوتر كمان يُوشك أن ينقطع. "هل تعرف ما يعنيه ذلك؟ أن يأتي الخطر من حيث يُفترض أن تكون الأمان؟" فرانسيسكو كان قد اقترب، لكن ملامحه لم تتدخل، كأنه يعرف أن هذا الغضب ليس وقته الدفاع، بل وقته الصدق. أما ميخائيل… فبقي واقفًا، لا يتحرك، عيناه لم ترمشا، وجهه كالصخر، لكن أنفاسه كانت بطيئة… عميقة… كأن شيئًا بداخله يتكسّر، حجرًا حجرًا. قال أخيرًا، بصوت بدا وكأنه يُستخرج من صدره انتزاعًا: "ما حدث… لن يمر. وسأحاسب عليه كما أفعل مع أعدائي." لكن أليخاندرو لم يكتفِ. اقترب خطوة إضافية، وجهه أمام وجه ميخائيل تمامًا، وقال بصوت منخفض، لكنه مغموس بمرارة لا تُمحى: "حاسب مَن تشاء… لكنك لن تُصلح ما كُسر في عيني." صمت، ثم أدار وجهه، ومضى بعيدًا، وفي خطوته الأخيرة، كان كمن يرحل عن فكرة ما، لا عن رجل فقط. أما ميخائيل… فبقي واقفًا مكانه. عيناه معلقتان على الفراغ. لكن قلبه كان يتقلّب في داخله بعنف. ليس فقط لأنه خسر جزءًا من ثقة رجل ظل يحترمه… بل لأن الجرح الحقيقي لم يكن في عتاب أليخاندرو… بل في معرفة أنه، رغم كل حراسه، وكل سلطته، وكل جبروته… لم يستطع إنقاذها. وسقط وعده في نفسه كما سقطت إيزابيلا على السلالم: قاسيًا… وعاريًا… ومليئًا بالدم. المشفى كان صامتًا بشكل مخيف، الضوء الأبيض في الممرات المعقمة ينسكب على الأرضيات النظيفة بلا رحمة، والساعات تسير ببطء متعمد، كما لو أن الزمن نفسه يخشى ما سيحدث. في الزاوية اليسرى من الطابق الثالث، كانت داريا جالسة على المقعد الجانبي، بعيدة عن الغرفة التي ترقد فيها إيزابيلا، بعيدة عن العيون التي لم تعد تثق بها، وبعيدة عن نفسها… التي لم تعد تعرفها. كانت ملامحها ذابلة، شفتيها يابستان من طول الصمت، ورموشها لم ترفّ منذ دقائق، تحدق في الأرض بعينين ساهمتين، كأنها تحاول إعادة شريط ما حدث دون أن ترى النهاية. ثم… سُمِع صوت الباب. بخطوتان فقط، ثم صوت الحذاء الجلدي الثقيل يضرب الأرضية الحجرية برتابة. لم تكن بحاجة أن ترفع عينيها لتعرف. ميخائيل. لكنها رفعت. ورأت شيئًا لم تره من قبل. كان قادمًا كالسحاب الأسود. وجهه خالٍ من أي انفعال مرئي، لكن العينين… لم تعودا تُشبهان عيني شقيقها الذي كان يضمّها حين تبكي، ولا الجزار الذي يقتل أعداءه دون أن يرمش. لا… هذا الوجه الآن، كان وجه رجل خُذل من الداخل، ورجولته لم تُصفَع من عدو… بل من قسمٍ أقسمه ولم يحفظه. داريا وقفت قبل أن يصل. وقفت بسرعة، لكن خطواتها خانتها، كادت تتعثر، ثم تماسكت. نظرت إليه، لكن الكلمات لم تأتِ. رأت فيه الغضب، لكن أيضًا… رأت شيئًا أخطر: الخذلان. اقترب منها بخطى ثابتة، كل خطوة تُحدث صوتًا في قلبها قبل الأرض. ثم وقف على بعد متر واحد فقط، رمقها بنظرة كادت تُسقطها دون أن يلمسها. قال بصوت منخفض… لكن حاد: "رأيتُ التسجيل." مجرد الجملة… جعلت قلبها يسقط في صدرها كحجر. حاولت النطق، لكن لا صوت خرج. جسدها كله ارتجف، كأن دمها نفسه لم يعد يعرف أين يذهب. لكن ميخائيل لم يكن ينتظر أعذارًا. تقدم خطوة، فأصبحت المسافة بينهما لا تكفي لتخبّئ أي ذنب. همس، بصوت لا يشبه الهمس إلا في خفوته… لا في قسوته: "لقد أقسمت لعمي… أن أحميكِ. أقسمتُ له يوم دفنناه، أن لا يمسكِ سوء ما دمت حيًا." ثم رفع نظره إلى السقف لثانية، كأنه يستدعي وجه بوريس في مخيلته، قبل أن يعود بعينيه إلى داريا، ويتمتم بجملة واحدة، كأنها دعاء حزين: "اغفر لي يا بوريس… ابنتك هي التي طعنتني." داريا بكت. انفجرت الدموع من عينيها كمن تذكّر أنها بشر، مدّت يدها نحوه، ترجوه أن يستمع، أن يرحم، لكن ميخائيل لم يتحرك. قالت، بصوت مرتجف: "لم أقصد… كنتُ… غاضبة… مجنونة… هي قالت أشياء… جعلتني… فقدت نفسي." لكن كل كلمة، كل حرف، كان يسقط عند قدميه كحجارة بلا وزن. هو لم يكن هناك ليسمع. كان هناك ليحكم. قال بهدوء، لكنه لم يعد يخاطبها كأخ: "لو ماتت… لن يكون فيكِ ما يُصلَح. ولو عاشت… لن تعودي كما كنتِ." ثم صمت. رفع نظره، نظر في عينيها مباشرة، وقال: "اختاري داريا… إما أن تعترفي بكل شيء، وتتركيني أقرر مصيرك… أو… استعدي للحرب." داريا ارتجفت، الدموع لم تتوقف، لكنها لم تُنكر. لأول مرة في حياتها، أمام ميخائيل، لم تُجيد التلاعب، ولا اللف والدوران، فقط بكت، وقالت بصوت مكسور: "أنا آسفة…" لكن كلمة "آسفة" لم تكن علاجًا. كانت متأخرة جدًا… في حضرة رجل فقد شيئًا لا يُعوض: ثقته. *. *. *. *. *. عاد ميخائيل إلى ممر العناية المركزة بخطى بطيئة، لا تُشبه خطوات الرجل الذي صعد السلالم في قصره، ولا الذي كان يوجه أوامره في لحظة حرب. هذه المرة… كان رجلًا تجرّده الخسارات من ملامحه. كل شيء فيه بدا ساكنًا، ما عدا عينيه. كانت نظراته مشدودة إلى بابٍ واحد، مغلق، بلا نافذة، تعلوه لافتة صغيرة كتب عليها: "وحدة العناية – رقم ٤." وعند الباب، كان الطبيب في انتظاره، يرتدي سترته البيضاء، ووجهه منهك من الليل الطويل. توقف ميخائيل أمامه، وصوته خرج كأن فيه ألف سؤال، لكنه اختصرها في جملة واحدة: "كيف حالها؟" أومأ الطبيب برأسه بخفة، ثم أجاب بنبرة احترافية لا تخلو من الإنسانية: "حالتها مستقرة الآن. استجبنا للنزيف، وأوقفناه في الوقت المناسب. الضغط الحيوي جيد، التنفس منتظم. لكن…" توقّف للحظة، كأنه يختار كلماته بدقة، ثم تابع: "كما قلت سابقًا، الإصابة في منطقة حساسة. قريبة من القشرة البصرية… والمراكز المسؤولة عن التخزين القصير للذاكرة. لن نعرف الضرر الكامل، حتى تستيقظ." ظلّ ميخائيل واقفًا، لا يتكلم، فقط تنفس ببطء، كأنه يضبط نفسه ليبقى واقفًا. همس بعدها: "أيمكنني… رؤيتها؟" نظر الطبيب إليه لثوانٍ، ثم قال بلطف: "نعم. لا مانع. لكن لا تلمس الأجهزة، وابقَ هادئًا… فهي ما تزال في مرحلة هشة." فتح له الباب ببطء. وصوت الباب… كان كأنما يفتح عالماً هشًّا، كأن فيه قلبه… معلقًا بأنفاس لا تُسمع. دخل ميخائيل. الغرفة كانت باردة، تنبض بضوء أبيض هادئ لا يؤذي العين، تتوزع بها الأجهزة حول السرير المنخفض في الوسط، وكل صوت فيها له إيقاع — طنين مراقبة القلب، صفير التنفس، وهدوء خيّم كأنه انتظار أخير. وكانت هناك. إيزابيلا. ترقد فوق السرير، شعرها مبعثر بلطف فوق الوسادة، وجهها شاحب، لكن ملامحه لم تفقد ملامحها… كما لو أن الحياة انسحبت منها لتجلس بجانبها قليلًا، ثم تعود. في يدها اليمنى، محاليل معلقة، وحول رأسها رباط طبي ناعم، في زاوية الجبهة… ضمادة بيضاء اختلطت بظل دم جفّ. اقترب ميخائيل خطوة، ثم أخرى، ثم وقف إلى جانبها، لا يتكلم. يداه خلف ظهره، ظهره مستقيم كما في وقفة الجند، لكن شيئًا في وجهه بدأ يتصدع ببطء. نظر إلى وجهها. ثم جلس بهدوء على الكرسي بجانب السرير، وأسند ساعديه على ركبتيه، جسده انحنى للأمام، وكأنه يقترب بما يكفي ليهمس… لكن لا يقول شيئًا. لبث هكذا دقائق طويلة. ثم، دون وعي، مدّ يده ببطء شديد… وأخذ أطراف أصابعها التي لا تزال باردة. ضغطة خفيفة… كأنه لا يطلب منها النهوض، بل يقول لها: "أنا هنا. لا ترحلي." جلس… وفي قلبه سؤال واحد لا يعرف كيف يُقال: "ماذا لو فتحت عينيها… ولم ترني؟" لم يتحرك ميخائيل. الكرسي الخشبي البسيط الذي جلس عليه لم يكن مريحًا، لكنه لم يشعر بأي ألم في ظهره، ولا تيبّس في قدميه، لأن الألم الحقيقي كان في صدره، يتكوم عند الضلوع… كثقل معدني لا يُمكن لفظه، ولا تجاهله. كانت يدها بين يده، باردة قليلاً… ناعمة كما يذكرها دومًا حين كانت تمرر أصابعها فوق ساعده في الصباحات الكسولة. لكنه الآن لا يلمس النعومة… هو فقط يمسك الأثر. كان يسأل سؤالاً واحدًا، بصوتٍ لا يسمعه أحد: "أين كنتِ، حين احتجتكِ؟" وكان الرد الصامت: "أين كنتَ، حين كنتُ أسقط؟" طوال حياته، كان يعرف كيف يتعامل مع الفقد. يُغلق الباب، يدفن الاسم، يمضي. لم يكن لديه رفاهية الحزن، ففي عالمه، الدمعة تُعَدّ خيانة. لكنه الآن، في هذه الغرفة الباردة، في هذا الضوء الأبيض القاسي، يعرف للمرة الأولى معنى أن يخاف… لا من العدو، بل من أن لا يعود صوتها. .مرر إبهامه على ظاهر يدها بحركة صغيرة، كأن يده تقول لها: "أنا هنا، ولو لم تري. ولو لم تسمعي. ولو لم تتذكريني." أدار عينيه نحو جهاز تخطيط القلب، يراقب النبض الأخضر المتكرر، كأن كل وميض منه هو الدليل الوحيد أنها ما زالت هنا، تتنفس، تصارع… تحاول العودة. أغمض عينيه للحظة، ورأسه انخفض ببطء إلى يدها، طبع قبلة خفيفة، صامتة، لا تُسمع. قبلة لم تكن عاطفية… كانت تشبه اعترافًا. لم يقلها لها من قبل. لكنها كانت تعرف. والآن… هو يتمسك بها كأنها الشيء الوحيد الذي لا يجب أن يُسرق منه كما سُرق كل شيء. تمتم في نفسه، صوته داخل عقله، لا في الهواء: "لو كنتِ ترينني الآن… لو كنتِ تسمعين… عودي، فقط، ثم اختاري أن تكرهيني… أن ترحلي… أن تصمتي للأبد… لكن لا ترحلي جسدًا، إيزابيلا. لا تفعلي بي ما لم يفعله أحد من قبل." ظل هناك، بقى… بصمت، بقبضة خفيفة على يدها، وبقلبٍ يخشى للمرة الأولى أن تكون قوته غير كافية. في الخارج، استمرت الأجهزة تُصدر نغمتها المتكررة. وفي الداخل… رجلٌ أقسم على ألا يُهزم، أدرك أن الهزيمة لا تأتي من بندقية، بل من عينين مغلقتين… لا يعرف متى تعودان. ظل ميخائيل على حاله، جالسًا بصمته المثقل بجراح لا صوت لها، يده ثابتة على يدها، ونظره لا يزال على خط النبض الأخضر الذي يعكس حياتها بإيقاع ثابت كضربات قلبه نفسه. مرت دقائق لا تُحصى، والصمت في الغرفة لم يكن خواءً، بل انتظارًا، ترقّبًا لشيء لا يُقال، كأن كل شيء في هذا المكان ينتظر إذنًا إلهيًا بحركة صغيرة فقط… حركة تُثبت أن جسدها لم يخذله بعد. ثم… في لحظة لا تُعلن عن نفسها، شعر ميخائيل برجفة خفيفة. أصابعها. ارتجفت كما لو أن تيارًا ضعيفًا قد عاد إليها. فتح عينيه سريعًا. نظر إلى يدها. تلك الرجفة تكررت… ثم بدأ إصبعها الأوسط يتحرك ببطء، كأنها تحاول التشبث بالعالم مجددًا، كأنها تقول له، بلا صوت: "أنا لم أرحل." لم يتكلم. لكن صدره ارتفع بأنفاس سريعة، كأن الأمل نفسه عاد ليتنفس فيه. ثم، بعد ثوانٍ قليلة، بدأت أجفانها ترتعش. بهدوء، ثم بانقباض خفيف، قبل أن تنفرج قليلاً… ببطء شديد، كأن كل رمش يزن ألف جرح. فتحت عينيها. لكنها لم ترَ شيئًا. الضوء الأبيض الذي ملأ الغرفة لم يترك أثرًا في مقلتيها، الظل والضوء تساويا أمامها، والعالم بدا كلوحة فارغة لا ألوان فيها. حركت رأسها قليلاً، ثم همست، بصوت خافت متقطع: "ميخائيل…؟" انحنى فورًا، اقترب منها أكثر، همس عند أذنها: "أنا هنا، سنيجكا… أنا معكِ." لكنها… لم ترد بنبرة الطمأنينة، بل بصوت يتلوى فيه الارتباك والخوف: "لماذا… لماذا لا أرى شيئًا؟" تجمد ميخائيل في مكانه. كلمتها اخترقت صدره كخنجرٍ ناعم… لكن عميق. أراد أن يُطمئنها. أراد أن يقول: "ما زال الوقت مبكرًا." لكنه لم يملك الشجاعة للكذب. هي بدأت تتحرك أكثر، تنفّست بسرعة، ويديها ترتجفان بقوة، وهمست مرة أخرى: "ميخائيل؟ ما الذي يحدث؟ لماذا… لماذا هناك ظلام؟ أين… أين أنا؟!" ثم صرخت، هذه المرة بصوت أقوى: "لماذا لا أرى؟! ميخائيل… لماذا كل شيء مظلم؟!!" نهض الطبيب الذي كان يتابع من الخارج، دخل الغرفة على الفور، ومعه الممرضة، فيما بدأ جسد إيزابيلا يرتعش بانفعال مفاجئ. نظراتها المتخبطة، يداها التي تبحث في الفراغ، وصوتها الذي بدأ يتحول إلى شهقة تتقطع كل بضع كلمات، كان مشهدًا يفطر الصخر. أمسك الطبيب برسغها، نظر إلى الممرضة وقال: "أعطِها المهدئ الآن… قبل أن تدخل في نوبة صدمة عصبية." حاول ميخائيل تهدئتها، أمسك كفيها، همس قرب وجهها، لكنها لم تستجب، كانت تبكي، تبكي بذهول، تتخبط بين الغضب والضياع، بين سؤال واحد لا تريد أن تسمع جوابه: "هل… فقدت بصري؟" ثم بدأت تنكمش، كأنها تنسحب إلى الداخل، إلى مكان لا يصل إليه أحد، قبل أن يُحقَن السائل المهدئ في الوريد. بعد دقائق، بدأت جفناها يثقلان من جديد، وارتخى جسدها بهدوء، عاد الصمت… لكن ليس كالسابق. الصمت هذه المرة لم يكن انتظارًا، بل حدادًا. حدادًا على شيءٍ ربما لم يرحل بالكامل… لكنه أُطفئ. جلس ميخائيل من جديد. لم يقل شيئًا. فقط نظر إليها… وعرف أن ما بدأ قبل أيام بينهما، قد لا يكون كما كان. الآن، عليه أن يُحبها في الظلام. أغلق الطبيب الباب بلطف، ثم التفت إلى ميخائيل الذي لا يزال واقفًا كتمثال صامت قرب السرير. همس له بنبرة مهنية، لكنها متعاطفة: "دعها ترتاح الآن. المهدئ سيبقيها نائمة لساعات. وسنراقب مؤشرات الاستقرار العصبي عن قرب. أما أنتم… فلا جدوى من القلق الصامت هنا." هزّ ميخائيل رأسه ببطء، عيناه لا تزالان على وجهها، كأن قلبه لم يُقنعه بعد بالخروج. ثم استدار، وسار خارجًا بخطوات وئيدة، صوت حذائه يرنّ في الممر الفارغ، كأن كل ضربة على البلاط تعكس صوت قراره الصامت: "سأبقى. وإن اختفى الضوء من عينيها، سأكون أنا النور." عند باب الغرفة، كان أليخاندرو قد نهض من كرسيه، يتكئ بكفه على العكاز الذي لم يكن يستعمله إلا في السفر الطويل. وجهه متجهم، لكن القلق فيه واضح… لا يخفيه. فرانسيسكو وقف إلى جانبه، مشدود الكتفين، ينظر إلى الباب وكأنه يترقب نطقًا إلهيًا. حين خرج ميخائيل، توقفت الأنفاس لوهلة. لكنه لم يرفع رأسه مباشرة. وقف أمامهما لثوانٍ طويلة، ثم أخيرًا، نطق، وصوته بدا مرهقًا، متحشرجًا، لكن واضحًا: "استفاقت." شهق أليخاندرو، نظرة ارتياح خاطفة مرّت على وجهه، لكنها تحطّمت حين تابع ميخائيل ببطء: "لكنها… لا ترى." سادت لحظة صمت عنيفة. ثم ارتدّ أليخاندرو إلى الخلف قليلاً، كأن أحدهم سحب الأرض من تحته. همس: "ماذا تعني…؟" أجاب ميخائيل وهو ينظر إلى اللاشيء: "الارتطام أصاب الفص القذالي… الجزء المسؤول عن البصر. الطبيب قال إن الضرر قد يكون مؤقتًا… لكن لا أحد يستطيع التأكيد الآن." مدّ أليخاندرو يده إلى الجدار القريب، استند عليه، عيناه ترمشان ببطء، وكأن روحه تحتاج إلى دقيقة لتستوعب حجم الألم. أما فرانسيسكو، فقد شدّ قبضته، لكن صوته بقي هادئًا: "وهل أخبرتموها؟" قال ميخائيل بصوت لا يشبه أي من نبراته السابقة: "هي التي أخبرتنا. قالت: لماذا كل شيء مظلم؟ وسألتني… إن كانت فقدت بصرها." وخلف هذا المشهد، خلفهم جميعًا، وعند زاوية الممر… كانت داريا تقف. لم تكن تجرؤ على الاقتراب، لكن لم تستطع الرحيل. رأت ميخائيل يخرج، رأت وجهه المتحجر، وظهر أليخاندرو وهو يترنح، وسمعت كلمات متقطعة: "لا ترى… فقدت البصر…" كأن شيئًا انكسر داخلها أكثر من ذي قبل، كأنها، للمرة الأولى، فهمت بالضبط ما فعلته. تراجعت خطوة إلى الخلف، عيناها بدأت تدمع، لكن هذه المرة، لم تكن دموع شعور بالذنب فقط، بل دموع خوف من العقاب… ومن ميخائيل، الذي لم تعد تعرفه بعد الآن. أرادت الهروب. لكن قدميها التصقتا بالأرض. كأنها تنتظر… أن يُصدر القضاء حكمه، من عيني ميخائيل، لا من فم أحد. لكن ميخائيل… لم ينظر إليها. لم يعطِها حتى شرف التوبيخ. هو الآن لا يرى أحدًا… سوى امرأة ترقد في سرير أبيض، وقد أُطفئ الضوء من عينيها، ربما… إلى الأبد. وقف الجميع صامتين أمام غرفة العناية المركزة، الأب الذي ينهار بصمت، والشقيق الذي يحبس غضبه بين أنفاس ثقيلة، والطبيب الذي دوّن ملاحظته الأخيرة وانسحب. وفي طرف الممر… عند الجدار الرخامي الذي لم يشهد دمًا من قبل، وقفت داريا، ذراعاها متشابكتان أمام صدرها، شفتيها ترتعشان، وعيناها لا تعرفان إن كانتا يجب أن تبكيا… أم تواجها. لكنها لم تتحرك. كأن الخوف جمّدها. كأنها تعرف… أن القدر قد تحرّك، وأن العقاب آتٍ لا محالة. من حيث يقف، التفت ميخائيل، ببطء، كأن جسده يستجمع قسوته كما يستجمع محاربٌ قديم سلاحه. رآها. ولم يتردد. تحرّك. بخطوة واحدة، ثم أخرى… وكل خطوة فيه، كانت حُكمًا. داريا بدأت تتراجع، لكن ظهرها ارتطم بالحائط، الجدار البارد في ظهرها والجحيم القادم في عينيه. مدّ يده… وأمسك بعنقها. لم تكن مسكة عنف فقط، بل خيانة يُقتصّ منها. همست بصوت مختنق: "ميشا… لا… أرجوك…" لكن صوته جاء كالرصاص، هادئًا، حادًا، خالٍ من الرحمة: "لقد سلبتِ منها النور." ثم، دفع رأسها إلى الجدار، صفعة واحدة… ارتدّ جسدها من الألم، ثم ثانية، ثم ثالثة. صوت الارتطام ارتفع في الممر الصامت، كأن الجدار يصرخ بدلًا عنها. ظهرت صوفيا أولًا، ركضت نحوه، أمسكت ذراعه، صرخت: "كفى، ميخائيل! ستقتلها!" ثم ناديا، التي خرجت من زاوية الغرفة الأخرى، هتفت بخوف: "إنها ابنة بوريس! تذكر الوعد!" لكن الوعد مات. وديمتري ظهر من آخر الرواق، هرع، أمسك كتف أخيه، صوته عالٍ للمرة الأولى: "ميخائيل! توقّف! الآن!" لكن ميخائيل لم يكن يسمع. كانت عيناه غارقتين في شيء أعمق من الغضب… شيء يشبه الخذلان الأبدي. داريا كانت تبكي، ترتعش، وجهها ازرقّ، كلماتها تخرج متقطعة: "لم أقصد… أقسم… لم أقصد أن… أفقدها البصر…" هنا فقط، توقف ميخائيل. لكن يده لم تُفلِت عنقها بعد. اقترب وجهه من وجهها، حتى كادت تشعر بأنفاسه تحرق جلدها. وقال، بصوت بارد، يجلدها بالكلمة: "لو ماتت… كنتُ سأدفنكِ حيّة. أما الآن…" أفلتها فجأة. سقطت أرضًا، تتنفس بأنين، تتلوى بين الخوف والدموع. استدار عنها، وبصوت خافت كالريح، أمر ديمتري: "أخرجها من قصري. فورًا." ثم مضى. لم ينظر خلفه. لم يتراجع. في الممر، عاد الصمت. لكن الصمت هذه المرة… كان دمًا غير مسفوك.في صباح اليوم التالي، كان الضوء الشتوي يتسلل إلى أروقة المشفى من خلف النوافذ الزجاجية الكبيرة، لكنه لم يصل إلى الغرفة رقم (٤).هناك… النور لم يعد يعني شيئًا.داخل الغرفة، كانت إيزابيلا ممددة بهدوء تحت البطانية البيضاء.وجهها شاحب، وأنفاسها بطيئة لكن منتظمة.الأجهزة من حولها لا تزال تومض وتنبض، لكنها لم تكن مستيقظة تمامًا… ولا نائمة تمامًا.كانت تُبقي عينيها مغمضتين أغلب الوقت، لكن بين الحين والآخر، تفتح جفنيها المرتبكين… ولا ترى شيئًا.في كل مرة تستيقظ، تبدأ التنهيدة، ثم يتبعها ارتباك، ثم نبض متسارع، ثم همسة حائرة:"لماذا… لماذا لا أرى؟"وحين يبدأ نبضها في الارتفاع، ويتغير تنفسها، يتدخل الطبيب أو الممرضة… يُحقن في وريدها القليل من المهدئ،فتغرق مجددًا في سُبات مرّ، ليس فيه أحلام… فقط صمت يشبه الفقد.ميخائيل لم يُغادر. بقي على كرسيه ذاته، ثابتًا كأنه جزء من الحائط. لم يكن يتكلم، لكنه كان يُراقب كل شيء.كل مرة تفتح عينيها، يقف على قدميه، يتقدم خطوة، لكنها لا تراه.تُدير وجهها ناحية صوته حين يناديها… لكن عينيها تبقيان ساكنتين في السواد.في أحد المساءات، همست بصوت منهك:"هل سأبقى… هكذا؟"
مرّت أكثر من ساعتين منذ دخولها غرفة العمليات، ولم ينطق أحد بكلمة طوال ذلك الوقت.حتى داريا، التي كانت دائمًا الأسرع إلى الحديث، بقيت حبيسة مقعدها، لا تتحرك، لا ترفع وجهها، ولا تُجيب على نظرات صوفيا التي لم تعد تدري أين تضع قلقها.ميخائيل، بعيد عن الجميع، جلس ساكنًا.جسده أماميًا، راحته على ذقنه، لكنه لم يرَ شيئًا.كأنه ينتظر خروج الطبيب لا ليستمع… بل ليقرر إن كانت الحياة ستمنحه فرصة ثانية، أم ستسلبه إياها… قبل أن يعرف ما تعني تمامًا.ثم فُتح الباب.خرج الطبيب، في معطفه الأبيض المُلطخ ببقع معقّمات وماء، وجهه مرهق… لكن هادئ، كمن يُجيد التحدث عند حافة الموت.نهض ميخائيل فورًا، وتقدمت ناديا خلفه، أما داريا فظلت في مكانها، تجمدت.قال الطبيب، بصوت هادئ لكنه مُحمّل بثقل:"الإصابة كانت على مستوى مؤخرة الرأس. الارتطام أحدث نزيفًا دماغيًا متوسّطًا في الفص القذالي الأيسر… وهو قريب من المنطقة المسؤولة عن المعالجة البصرية والتخزين الحسي المرتبط بالذاكرة."سكت الطبيب لثوانٍ، ثم أردف بنبرة جادة:"تمكّنا من وقف النزيف جراحيًا، لكن لا يمكننا تقييم مدى الضرر حتى تستيقظ. الورم الطفيف الذي أحدثه النزيف ق
كان ضوء الفجر الرمادي يتسلل عبر الستائر الثقيلة، ينتشر بخجل فوق الجدران الحجرية، ويغمر أطراف السرير الضخم بدفء خافت.إيزابيلا استيقظت أولاً.كانت على جانبها، ظهرها إلى صدر ميخائيل، وذراعه ملتفة حول خصرها، ثقيلة… لكنها لا تُقيدها. بل تُطمئن.تنفست ببطء.أغمضت عينيها مجددًا للحظة، ثم فتحتها بهدوء.تحركت قليلاً، ليس لتبتعد، بل لتُعيد جسدها إلى موضع أكثر قربًا منه… كأنها تبحث عن توازن دقيق داخل حضنه.لم تقل شيئًا. ولم توقظه.فقط استمتعت بثقل ذراعه، ورائحة جلده، ونبضه المنتظم خلف ظهرها.ثم، دون أن تخطط، مدّت يدها وغطّت بها يده المستقرة عند بطنها.أصابعها مرّت فوق أصابعه، ببطء، كأنها تُعيد ترتيب شكل العلاقة… كما ينبغي.بعد لحظات، تحرك هو أيضًا.صوته كان أجشًّا، خافتًا، نائمًا:"أنتِ مستيقظة؟"أجابت دون أن تلتفت:"منذ قليل."قالتها بهدوء، لكنها كانت أقرب إلى اعتراف داخلي:"ولم أنوِ الرحيل."سكت.ثم تمتم:"إذن… صباح الخير، سنيجكا."ابتسمت.ابتسامة صغيرة. حقيقية. ثم أغلقت عينيها، وتركته يحتضنها في هدوء.لا شيء يُلحّ.لا موعد مستعجل.لا صراع.فقط… لحظة من الصباح، بين رجل بدأ يتغير، وامرأة بدأت
صباح اليوم التالي كان رماديًا كالمعتاد، لكن القصر بدا أكثر هدوءًا من أي وقت مضى.كأن الجميع يمشي على أطراف أصابعه، بينما الفراغ الذي تركه بوريس لم يُملأ بعد.في جناحها، كانت داريا قد استيقظت مبكرًا.ارتدت فستانًا بسيطًا بلون كحلي داكن، وشعرها مُسرّح بدقة غير معتادة،عيناها مرآة راكدة لا تظهر ما خلفها.جلست أمام مرآتها.وضعت القليل من العطر… الذي كانت ترتديه دومًا في طفولتها حين تريد لميخائيل أن "ينتبه" أنها كبرت.أخذت نفسًا عميقًا.ثم خرجت من جناحها. خطواتها على الرخام كانت محسوبة.هدوء في ملامحها. نعومة في الحركة.لكن في الداخل… سُمّ بارد يُعيد ترتيب الأوردة.لم تنزل إلى الطابق السفلي. بل… صعدت.الطابق العلوي حيث جناح ميخائيل.طوال السنوات الماضية، لم تجرؤ أن تطرقه في هذا التوقيت.لكن الآن، هو "بيتهم"، جناح "الزوجين" الجديد.إيزابيلا نائمة فيه. في سريره. اقتربت من بابه.لم تطرقه.وقفت فقط أمامه… تأملت المقبض.ثم ابتسمت لنفسها، ابتسامة شبحية… كأنها ترى ما سيأتي، لا ما يحدث.ثم استدارت. ولم تطرق الباب.بل اتجهت إلى غرفة جانبية، حيث تجلس ناديا، خالة ميخائيل، تحتسي قهوتها بصمت.داريا دخل
السماء فوق المقبرة كانت رمادية، بلا شمس، بلا زرقة،كأنها هي الأخرى دخلت في حدادٍ صامت.هواء الصباح بارد، يحمل في طياته رائحة تراب رطب وذكرياتٍ مثقلة بالألم.الثلج لم يسقط، لكن الأرض كانت ما تزال تئنّ تحت وطأة الأمس.في وسط المقبرة، حيث الاصطفاف المعتاد، وقف عدد من رجال العائلة، الحرس، والكهنة الأرثوذكس.نعش بوريس مالكوف وُضع على منصّة خشبية بسيطة، تُهيّأ للنزول.الصلوات تُتلى. الوجوه منحنية. العائلة في الصف الأول.داريا كانت شبه منهارة.فستانها الأسود لم ينجح في تغليف انكسارها.ركبتاها بالكاد تحملانها، ودموعها لم تتوقف منذ دخلت البوابة الحديدية.كانت تهمس لنفسها:"أبي… أبي… لماذا؟"صوتها بالكاد يُسمع، لكنها كانت تُكررها، كأنها تناديه من حفرةٍ لم يخرج منها.صوفيا، زوجته، كانت واقفة بجانبها، تمسك بيدها، تحاول أن تتمالك نفسها، لكن الذقن المرتعش، والنظرة الزجاجية في عينيها… كانت تقول كل شيء.كل شيء تحطم.وفي الخلف… خلف الجموع، خلف البكاء، خلف الكلمات الدينية .... كانت تقف إيزابيلا.صامتة.مستقيمة.تلف حول جسدها معطفًا داكنًا، وشالًا رماديًا.وشعرها مربوط بنعومة عند مؤخرة العنق.لم تكن قري
هدير المحركات كان مكتومًا، كأن الطائرة صُممت خصيصًا لاحترام الصمت.جلست إيزابيلا إلى جانب النافذة، تسند رأسها بخفة إلى الزجاج البارد، وتُراقب الغيوم الكثيفة التي تمتد أسفلها كبحر ساكن. الشمس تتسلل من بين طبقات السحب، ترسم خطوطًا ذهبية باهتة على وجهها الشاحب. لم تكن نائمة، لكنها لم تكن مستيقظة تمامًا.كانت تُفكر.في الليلة السابقة.وفي كلماته.وفي القبلة التي لم تُشبه شيئًا مما اختبرته من قبل.الطائرة تشق طريقها بثبات فوق سُحب رمادية، والضوء الناعم من النوافذ ينعكس على المقاعد الجلدية اللامعة. في هذا الصباح الصامت، بدت الأجواء وكأنها تتهيّأ لشيء لا يُقال.إيزابيلا جلست إلى جانب النافذة، ترتدي معطفًا رماديًا من الكشمير، وشالًا من الحرير الأزرق، يلتفّ حول عنقها بحنوّ... كأنها تحاول أن تُدفئ نفسها مما سيأتي، لا مما مضى.ميخائيل كان يجلس مقابلها، يقرأ بصمت، لكن يده لم تفارق فنجان القهوة الأسود الذي تبخّرت منه رائحة داكنة، كقلبه.مرت لحظة طويلة دون أن يتحدث أحد.ثم قالت إيزابيلا، بصوتٍ خافت لكنها حازمة: "لن تكون العودة سهلة."رفع عينيه نحوها ببطء، تأمّل وجهها للحظة، قبل أن يرد:"لم تكن يوم
فتح الباب ببطء، صوت مفصلاته انساب كهمس ثقيل في القاعة المهيبة، رفعت إيزابيلا رأسها بثبات، كتفاها مستقيمان، ونظرتها متجهة إلى الأمام مباشرة، لا تهتز.ضوء القاعة انعكس على فستانها الحريري، وكأنها تسير داخل ضوءها الخاص.وهناك... في نهاية الممر، وقف.ميخائيل مالكوف.بذلته السوداء تكاد تعانق جسده القوي
الليل في القصر كان أكثر صمتًا من المعتاد. الثلج بدأ يتساقط بخفة، ناثرًا بياضه على النوافذ الزجاجية الواسعة. لكن جناح ميخائيل لم يكن ساكنًا كعادته… كان أشبه بعش دخان يعج بأفكار سوداء لا تهدأ.جلس على المقعد الجلدي الداكن في مكتبه، وحده، كأس نصف ممتلئ بوسكا بين يديه. لم يشربه. فقط راح يُديره بين أصاب
في الحديقة الخلفية للقصر، كان النسيم البارد يلامس وجنتيها بخفة، وعبق الأرض الروسية يختلط بعبير الزهور المزروعة بعناية على طول الممرات. جلست إيزابيلا على مقعد خشبي مطل على بركة ماء ساكنة، وقد وضعت دفتر رسم على ركبتيها، وأمسكت قلم الفحم بين أصابعها النحيلة.كانت صامتة، تحدق في صفحة بيضاء لم ترسم فيها
كانت أبواب المطار الخاصة قد فُتحت على مصراعيها تحت وقع خطوات ميخائيل الثقيلة، وخلفه إيزابيلا تسير بهدوء، رأسها مرفوع ولكن عينيها تراقبان كل شيء.الهواء الروسي كان قاسيًا، جافًا وباردًا. لفحتها أولى نسماته كصفعة، ومع ذلك لم تهتز. معطفها الثقيل بالكاد تصدى للبرد، لكنها وقفت بثبات.كان في انتظارهم صفٌ