All Chapters of نور: رماد الحكاية: Chapter 61 - Chapter 70

88 Chapters

الواحد والستون

قضى شهاب ليلته في مكتبه المنزلي، يفتش بين الخزائن القديمة والأوراق التي تركها والده الراحل. كانت ياسمين تجلس بجانبه، تقدم له الدعم وتسانده في قراءة الوثائق الكثيرة. وأخيراً، عثر شهاب على صندوق خشبي مغلق، فتحه بجهد ليد أوراقاً وتصميمات قديمة لمشروع ضخم في لندن يعود لتاريخ طفولتهما. ​سحبت ياسمين إحدى الوثائق وقرأت الاسم المكتوب في الأسفل، فشخصت أبصارها بدهشة وقالت: "شهاب! انظر إلى هذا الاسم... هذا والد الرجل الذي حاول منافستك وإحراق مكتبك! كان شريكاً لوالدك في لندن قبل سنوات طويلة." ​اكتشف شهاب أن والده استبعد ذلك الشريك قديماً بعد كشف اختلاسات مالية كبيرة قام بها، مما أدى إلى إفلاس ذلك الرجل وسجنه في بريطانيا. وكانت عائلة ذلك الشريك تظن أن والد شهاب هو من دمر حياتهم، فقرر الابن الانتقام من شهاب بعد عودته من لندن. ​نظر شهاب إلى ياسمين وقال بنبرة ملؤها الإصرار: "الآن فهمت الصورة كاملة! حريق المكتب لم يكن صدفة، بل كان محاولة لمحو دليل شرعي يثبت أن عائلتي هي من تعرضت للخيانة قديماً. هم يحاولون ابتزازي ليجبروني على التنازل عن مستحقاتنا القانونية." ​مسكت ياسمين يده وقالت بثبات لم
last updateLast Updated : 2026-08-26
Read more

الثاني والستون

جلست شهد على أريكة مخملية في صالة الفيلا المتسعة، تطوق جسدها بذراعيها كمن يحاول التمسك بآخر ما تبقى له من قوة، بينما كانت والدة مالك تجلس بالقرب منها، ترمقها بنظرات تجمع بين العطف الشديد والتوجس. لم تكن الصمت في الغرفة هادئًا، بل كان مشحونًا بتوتر يثقل الأنفاس، حيث انعكست أضواء الثريا الكريستالية على وجه شهد الباهت، مبرزة الدموع المحتبسة في عينيها. تنفست السيدة المسنة ببطء ثم اقتربت قليلاً، وضعت يدها الدافئة على يد شهد الارتجافية، وقالت بصوت حنون يسعى لرأب الصدوع: "يا ابنتي، لا تخافي، مالك ليس قاسيًا كما يظهر، لكنه يحمل بداخل كبرياءً واندفاعًا يجعلانه يتصرف بطريقة قد تؤذيك وتؤذيه قبل أي أحد آخر." لم تستطع شهد حبس دموعها أكثر من ذلك، فانسابت على وجنتيها حارة، واسترسلت في الشهيق وهي تصارع نبرتها الخافتة: "لكنه لم يفهم يا خالتي، لم يمنحني حتى فرصة لأشرح له كيف جرى الأمر، اعتبر تصرفي استهانة به وبمكانته، واقتادني إلى هنا وكأنني جانية تساق إلى محاكمتها." ​في تلك اللحظة، انفتح الباب الخشبائي الثقيل بصوت وثيق، وخطى مالك إلى الداخل بثبات، تتطاير من عينيه شرار الغضب المخلوط بكبرياء جريح. كان
last updateLast Updated : 2026-08-26
Read more

الثالث والستون

نزلت شهد الدرج الرخامي بخطوات متريثة، تحاول أن تطرد عن رأسها التردد الذي ينتابها كلما اقتربت من مواجهته. كانت والدة مالك تجلس في الصالة الفسيحة، تتصفح إحدى المجلات، وما إن رأت شهد حتى أشرق وجهها بابتسامة دافئة، وقامت لتستقبلها بأذرع مفتوحة. احتضنتها السيدة العجوز بحنان أمومي صادق وقالت: "صباح الخير يا بنيتي، أتمنى أن تكوني قد نلتِ قسطًا من الراحة، مالك ينتظركِ في حديقة الفيلا الخلفية، وصدقيني يا شهد، لم أره في حياتي مهزومًا ومشتتًا كما رأيته البارحة، إن هذا الرجل يحبكِ لدرجة أنه يخشى نفسه عليكِ." ابتسمت شهد ابتسامة باهتة وشكرتها على حسن استقبالها، ثم خطت نحو الباب المؤدي إلى الحديقة، تستعد لخوض جولة جديدة من التحاور والتقارب الذي يبدو أنه لن يكون سهلًا. ​كانت الحديقة متسعة والأشجار العالية تحيط بها من كل جانب، مما يضفي عليها طابعًا من الخصوصية والهدوء. كان مالك يقف بجوار طاولة إفطار أُعدت بعناية تحت مظلة خشبية، يرتدي قميصًا أبيض خفيفًا وقد شمر عن ساعديه، يبدو عليه التعب ولكن نظراته أشرقت فور رؤيتها تقبل نحوه. تقدم نحوها بخطوات واثقة، وسحب لها الكرسي لتدلس، ثم جلس قبالتها وهو يتأملها
last updateLast Updated : 2026-08-26
Read more

الرابع والستون

انقضت الأيام هادئة لبرهة قصيرة، لكن الهدوء في حياة مالك وشهد لم يكن سوى السكون الذي يسبق العاصفة. كانت شهد تتنقل بين متابعة دراستها الجامعية وإدارتها للمركز الخيري، تشعر بامتنان عارم لمالك الذي فتح لها أبواب الأمان، لكن ظلًا قديمًا كان يتربص بالمشهد دون علمها؛ صديقتها المقربة نور، والفهد الذي يراقب التحركات من بعيد: فهد النازني. ​كان فهد النازني رجلًا لا يعرف الحلول الوسط، يمتلك نفوذًا واسعًا وعينًا لا تنام عن كل ما يخص نور. كان حبه لنور محاطًا بالهوس والغضب، ويرى في انشغال نور بشهد، وفي وجود شهد في فيلا مالك، تهديدًا لسيطره المطلقة عليها. بالنسبة لفهد، كانت شهد هي الباب الذي تفر منه نور من قبضته، وكان يعلم أن ضرب شهد هو الوسيلة الوحيدة لإجبار نور على الخضوع، واستفزاز مالك في الوقت ذاته. ​في أحد الأيام، تلقت شهد اتصالًا هاتفيًا مفاجئًا من نور، كان صوتها يرتجف وشهقاتها تتصاعد عبر الهاتف: "شهد... أنقذيني، فهد علم بكل شيء، إنه يحتجزني في الملحق القديم على أطراف المدينة، أرجوكِ لا تخبري مالك، لو علم مالك سينتهي الأمر بكارثة وتراق الدماء!" ​شعرت شهد برعدة تسرى في جسدها. كتمت أنفاسها وهي
last updateLast Updated : 2026-08-26
Read more

الخامس والستون

عادت الحياة لتجري في مجراها الهادئ داخل الفيلا، ولكن هذا الهدوء كان يحمل في طياته تحولات عميقة في نفوس الجميع. شهد، التي كانت في الماضي تنظر إلى نفسها كفتاة يتيمة لا سند لها في هذا العالم المترامية أطرافه، أضحت اليوم تتكئ على يقين راسخ بأن مالك ليس مجرد زوج أو حبيب، بل هو القلعة التي تتهاوى عند أسوارها كل المخاوف. أما مالك، فقد أدرك بعد ليلة الملحق المهجور أن القوة الحقيقية لا تكمن في فرض السيطرة أو ممارسة السلطة، بل في القدرة على بذل الروح لحماية من يحب، وفي منح الأمان المطلق لقلب ذاق مرارة الفقد والوحدة منذ نعومة أظافره. ​في صباح أحد الأيام المشرقة، كانت شهد تجلس في مكتبها الخاص بالمركز الخيري، تتصفح أوراق الفتيات الجدد اللاتي التحقن بالبرامج التعليمية. كانت ابتسامتها الدافئة تسبق كلماتها وهي تتحدث مع إحدى الموظفات، تعطي توجيهاتها برفق واهتمام بالغ، كأنها ترى في كل فتاة يتيمة تقصد المركز صورتها القديمة، وتريد أن تمنحهن العكاز الذي لم تجده هي إلا بعد عناء طويل. انفتح باب المكتب ببطء، ليطل منه مالك بطلعته المهيبة، يرتدي بدلة داكنة يتماوج معها وقار هادئ. ابتسمت شهد فور رؤيته، وقامت من
last updateLast Updated : 2026-08-26
Read more

السادس والستون

مرت عدة أشهر على تلك الأحداث، وبدأت ملامح الاستقرار تتجسد واقعًا ملموسًا في حياة شهد ومالك، إلا أن هدوء البدايات كان يحمل في طياته مخاضًا لعهد جديد. لم تعد شهد ذلك الجناح المكسور الذي يلتجئ إلى الظلال، بل غدت امرأة صلبة تجمع بين رقّة الفؤاد ورصانة الفكر، تدير المركز الخيري باقتدار وتبني لنفسها وللفتيات اليتيمات جسورًا من الأمل والتمكين. وكان مالك يراقب هذا التحول بفخر يمتزج بالدهشة؛ فقد أدرك أن حبها لم يمنحه زوجة مطيعة بالخوف، بل أهداه شريكة حياة تمسك بيده على قدم المساواة، وتشاركه حمل أعباء الأيام.​في أحد الصباحات الخريفية، حيث كانت أوراق الشجر الذهبية تتساقط برفق على دروب الحديقة، كانت شهد تجلس في الصالة الفسيحة تعيد ترتيب بعض أوراق الدراسة ومقترحات توسعة المركز. دخل مالك وعلى وجهه علامات التفكير العميق، يحمل في يده ملفًا ضخمًا يخص إحدى الصفقات المعمارية الكبرى التي كان يسعى للتوسع بها خارج البلاد. جلس بجوارها على الأريكة، وأسند رأسه إلى الخلف مستريحًا لبرهة، فالتفتت إليه شهد بابتسامة دافئة ووضعت يدها على كتفه تسأله بنبرة حنون: "تبدو مرهقًا يا مالك، هل واجهتك عقبة في اجتماع اليوم؟"
last updateLast Updated : 2026-08-26
Read more

السابع والستون

غادر مالك البلاد وظلت أطيافه تسكن زوايا الفيلا، بينما انغمست شهد في تنظيم حياتها اليومية بين أروقة الجامعة ومتابعة شؤون المركز الخيري. كانت الشهور الأولى تمرّ بانتظام شابه الشوق، يتبادلان خلاله المكالمات اليومية والرسائل الدافئة التي تطمئن كل منهما على الآخر. غير أن السكون الذي خلفه رحيل مالك لم يكن سوى ستار خفيف يختبئ خلفه تدبير مظلم؛ ففهد النازني لم يكن ليقبل الخسارة أو ينسى أن كبرياءه سُحق على يد مالك، وأن نفوذه رُوض تحت ضغط تلك العلاقة.​في ليلة ممطرة، وبينما كانت شهد تنهي بعض الملفات في مكتبها بالفيلا، انقطع التيار الكهربائي فجأة وعمّ الظلام المكان. لم تستغرب شهد الأمر في البداية نظراً لشدة العاصفة بالخارج، ولكن سرعان ما تسلل إليها شعور بالريبة عندما لاحظت غياب صوت الحراس المعتاد في الحديقة. قفي بحذر ومشت بخطوات خفيفة نحو الشرفة الزجاجية، لتشاهد أشكالاً تتحرك في الظلام بين الأشجار، يسحبون حراس الفيلا بعد أن تم إفقادهم الوعي بهدوء ومكر شديدين.​شعرت شهد برعدة تسري في أوصالها، وعاد إليها طيف ذلك الخوف القديم، لكن روح الفتاة اليتيمة التي واجهت الحياة مفردها لسنوات تداركت الذعر سريعا
last updateLast Updated : 2026-08-26
Read more

الثامن والستون

استقرت الأوضاع في الفيلا بعد حسم الصراع مع عائلة النازني قانونيًا، وتطهير محيط حياة مالك وشهد من أي تهديد خارجي. لكن الحياة لم تتوقف عند حدود تلك المواجهة؛ بل فتحت بابًا لمرحلة جديدة تصادمت فيها الطموحات الشخصية بالخوف الدفين من المجهول، لتضع حبهما المتين تحت اختبار من نوع آخر. ​في صبيحة يوم مشرق، كانت شهد تجلس في الحديقة الخارجية تشرب الشاي مع والدة مالك، حين قدم موظف البريد يسلمها مظروفًا رسميًا مغلقًا يحمل شعار إحدى كبرى المنظمات الدولية المهتمة برعاية الأيتام وحقوق الطفل في أوروبا. فتحت شهد المظروف ببطء، وقرأت الكلمات المطبوعة بعناية؛ لقد تم اختيار مشروعها الخيري كأحد أفضل المشاريع الإنسانية الرائدة، ودُعيت لإلقاء كلمة رئيسية في مؤتمر دولي بمدينة جنيف، مع منحة كاملة لتطوير فروع المركز في عدة دول. ​كانت الفرحة غارمة، لكن غيمة خفيفة من القلق غطت وجه شهد. هي الفتاة التي كانت تنظر إلى نفسها كيتيمة لا يلتفت إليها أحد، تجد نفسها اليوم دعامة لنساء وأطفال على مستوى عالمي. دخل مالك الحديقة، يرتدي قميصه الأبيض الخفيف، وما إن رأى وجهها حتى اقترب برفق وسحب المظروف من يدها ليقرأه. ​التقط ما
last updateLast Updated : 2026-08-26
Read more

التاسع والستون

اتسعت دائرة الأمان حول شهد ومالك، واستقرت حياتهما بعدما تحولت الفيلا إلى دار تجمع بين دفء الحب ورسالة الخير. لكن هدوء القصة لم يكن سوى السكون الذي يسبق عاصفة جديدة جاءت من حيث لم يتوقعا، لتختبر صلابة السند الذي بنياه معًا بعد كل ما مرّ بهما من عناء. ​في صباح يوم شتوي ممطر، كانت شهد تجلس في مكتبها بالمركز الخيري ترتب ملفات الأطفال الجدد، حين طرق الباب بسارعة وتدخلت إحدى الموظفات يكسو وجهها الذعر، وهي تحمل ظرفًا ورقيًا أصفر خاليًا من أي طابع أو اسم. فتحت شهد الظرف بيدين ترتجفان، لتجد داخله أوراقًا رسمية قديمة وصورًا باهتة يعود تاريخها إلى أكثر من عشرين عامًا. كانت الصور تظهر والد مالك الراحل برفقة فتاة صغيرة تحمل نفس ملامح شهد في طفولتها، ومرفق معها تقرير نسبي مبدئي يشير إلى وجود سر مكتوم يربط عائلة مالك بطفولة شهد قبل دخولها دار الأيتام. ​أحست شهد ببرودة تسري في أطرافها، وكأن الأرض تميد تحت قدميها. عادت بها الذاكرة إلى مرارة اليتم وشعور الوحدة الذي عاشته طوال عمرها. هل يعقل أن يكون يتمها نتيجة خطأ أو إبعاد متعمد من قبل عائلة مالك؟ أم أن هناك حقيقة غائبة ظلت مدفونة في طيات الماضي؟
last updateLast Updated : 2026-08-26
Read more

السبعون

استقر الصمت المطبق داخل السيارة السوداء الفارهة التي كانت تطوي الإسفلت طياً في طريق العودة إلى قصر عائلة المازني. لم يكن يقطع ذلك الصمت الخانق سوى صوت محرك السيارة الهادر وصدى أنفاس فهد المتسارعة التي تنبئ بركان من الغضب على وشك الانفجار. كان يمسك بعجلة القيادة بقوة حادة جعلت مفصل أصابعه تبيض، بينما عينان كالجمر المتقد ترمقان الطريق بنظرات ثاقبة. وعلى المقعد المجاور له، كانت نور تجلس متكورة على نفسها، تلف جثتها المتراجفة بشتائه الأسود الثقيل الذي ألقاه عليها بغلظة فور خروجهما من النادي الرياضي، محاولاً حجب تلك الملابس القصيرة والتنورة الجميلة التي أثارت جنونه وجعلت دماءه تغلي في عروقه وهو يرى نظرات الرجال تلاحقها. كانت نور تطبق شفتيها بإحكام، تتجاذبها مشاعر متضاربة بين الخوف من ثورة فهد المنفجرة، وبين الكبرياء الأنيق الذي يرفض الخضوع أو إظهار الضعف أمامه. حين توقفت السيارة فجأة أمام المدخل الرئيسي للقصر الأثري، ترجل فهد بسرعة خاطفة ودور حول السيارة ليفتح بابها، ثم جررها من معصمها برفق خالطه الحزم، صاعداً بها درجات السلم الرخامي العريض وسط ذهول الخدم المنتشرين في الرواق الأوسط. تصاعدت
last updateLast Updated : 2026-08-27
Read more
PREV
1
...
456789
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status