جميع فصول : الفصل -الفصل 130

224 فصول

121- ساحة الحرب الصامتة

في صباح اليوم التالي، لم يكن القصر هادئاً كما اعتاد أن يكون. كان الهواء في الرواق مشحوناً بتوترٍ لا تراه العين لكن يحس به كل من في القصر. مِيلَا، التي أمضت ليلتها تعيد التفكير في كل كلمة وكل نظرة، قررت ألا تكون الضحية هذه المرة. ارتدت فستاناً بسيطاً، لكنها تعمدت أن تضع عطرها الذي تعلم أنه يثير اضطرابه، ليس تحدياً، بل بحثاً عن حقيقة مشاعره. في قاعة الطعام، كان إيڤان قد وصل قبلها. كان يجلس في رأس الطاولة، يحدق في فنجان قهوته بجمود، لكن كتفيه كانا متصلبين بشكلٍ يوحي بأنه في حالة تأهبٍ قصوى. عندما دخلت مِيلَا، توقفت حركته تماماً. لم يرفع نظره نحوها، لكن قبضته على الملعقة شددت بقوة حتى برزت عروق يده. جلس إيڤان في مكانه، وكان يشعر بوجودها، بحرارتها، وبـالرائحة التي تسبقها. كانت حربه الداخلية تشتعل؛ عقله يصرخ فيه بأن يطردها من القاعة، أن يحمي نفسه من هذا الانجذاب الذي بدأ يلتهم منطقه، لكن قلبه—ذلك العضو الذي حاول لسنوات أن يجعله من صخر—كان يصرخ بطلبٍ مختلف تماماً. ساد صمتٌ مطبقٌ في القاعة. حين بدأت مِيلَا بتناول إفطارها، لاحظ إيڤان أن يديها لم تكن ترتجفان هذه المرة. كانت قوية، وهذا القوة
last updateآخر تحديث : 2026-07-17
اقرأ المزيد

122- تحت ضوء القمر الشاحب

كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل، والهدوء يلف أرجاء القصر كغطاءٍ ثقيل. كان إيڤان لا يزال في مكتبه، يحدق في أوراقٍ لا يقرأ حروفها، فقد كان عقله في مكانٍ آخر تماماً.. كان في الجناح البعيد، يتخيل مِيلَا وحدها، يرى دموعها التي لم تمسحها، ويسمع صدى صمتها الذي كان يمزقه أكثر من أي صراخ. لم يعد يحتمل هذا الجفاء، فنهض واتجه إلى الرواق، وخطواته تقوده بلا إرادة نحو الجناح. وعندما اقترب، رأى باب الشرفة مفتوحاً جزئياً. توقف مكانه، فلاحظها واقفةً هناك، على الشرفة، تسند بيديها الرقيقتين على السياج الحديدي. كانت ترتدي قميصاً خفيفاً لا يقوي على صدّ برودة ليلِ الشتاء، وشعرها يتطاير بفعل الرياح الهادئة. كانت تبدو منكسرةً، شاحبة، وكأن التعب قد استنزف كل ذرةٍ في جسدها. تراكمت على عيني إيڤان غيومٌ من الندم؛ لقد كان هو السبب في هذا الذبول. اقترب منها بخطواتٍ لم يسمعها أحد، وتوقف خلفها بمسافةٍ قصيرة. رأى كيف ترتجف، ليس فقط من البرد، بل من ثقلِ حزنها. تنهد بعمق، تنهيدة خرجت كأنها نزاعٌ أخير مع كبريائه، ثم قال بصوتٍ خافت، أجشّ من أثر التعب: — "ألم يخبركِ أحدٌ أن الوقوف في هذا البرد سيقتلك؟" تجمدت مِيلَا
last updateآخر تحديث : 2026-07-17
اقرأ المزيد

123- حقيقةٌ مرة

تسللت خيوط الفجر عبر الستائر، لتكشف عن ملامحهما الغارقة في هدوءٍ لم يعتاده القصر. كان إيڤان لا يزال مستلقياً على ظهره، ومِيلَا فوقه، ساقاها تشدان على خصره ويداها تطوقان عنقه، في وضعيةٍ لا تترك مجالاً للشك في قربهما. استيقظ إيڤان أولاً. ظل صامتاً، يراقب ملامحها وهي نائمة، يراقب كيف يرتجف رمشها مع كل زفرة، وكأنها لا تزال خائفة حتى في منامها. بعد لحظات، بدأت مِيلَا تفتح عينيها ببطء، لتجد إيڤان يحدق بها. تسمر الاثنان في مكانهما. لم تكن هناك كلمات، بل صمتٌ مشحون بنظراتٍ كانت تحاول تفسير ما حدث. كانت مِيلَا تتأمل وجهه، باحثةً عن أي أثرٍ للرجل الذي كان يضمها بجنون قبل ساعات، لكن عينيه كانتا غامضتين، تحيطان بها كبحرٍ لا قرار له. تحرك إيڤان ببطءٍ شديد، مقرباً وجهه من وجهها. كانت حركته مدروسة، مشحونةً بتوترٍ خفي. اقترب أكثر وأكثر، حتى أصبحت أنفاسه تداعب بشرتها، ومِيلَا في تلك اللحظة، توقف قلبها عن النبض، بانتظار تلك اللحظة التي ستمحو كل المسافات بينهما. كانت عيناها معلقتين بشفتيه، في انتظار اعترافٍ حسيّ بكل ما كتمه. لكن، وبحركةٍ تسببت في سكونٍ جليدي داخل مِيلَا، انحرف إيڤان في اللحظة الأخير
last updateآخر تحديث : 2026-07-17
اقرأ المزيد

124- لعبة الصمت

لم تكن القهوة التي وضعتها مِيلَا على الطاولة سوى ذريعةٍ للدخول إلى مكتبه، لعلّ ذلك الصمت الذي تركه خلفه في الصباح ينجلي. دخلت مِيلَا، كانت حركاتها هادئة، لكن أعصابها كانت مشدودةً كوترٍ على وشك الانقطاع.كان إيڤان جالساً خلف مكتبه الضخم، غارقاً في أوراقه، تماماً كأن الليلة الماضية لم تحدث قط. دخلت دون أن يرفع رأسه، ودون أن تتفوه بكلمة، وضعت الفنجان على طرف المكتب. توقفت لثوانٍ، منتظرةً منه حركةً، نظرةً، أو حتى أي إشارةٍ تدل على أنه يشعر بوجودها. لكنه استمر في القراءة، وكأنها جزءٌ من أثاث الغرفة.استفزّها هدوؤه حدّ الجنون. لم يعد الأمر يتعلق بالقبلة أو بما حدث، بل أصبح يتعلق بـ"حقيقته" التي يرفض مواجهتها.— "هل ستستمر في هذا طوال اليوم؟" قطعت مِيلَا الصمت أخيراً، وكان صوتها يحمل نبرة تحدٍ خفية.توقف إيڤان عن القراءة. رفع رأسه ببطء، ونظر إليها. كانت عيناه صافيتين، هادئتين لدرجةٍ تخيف، خالية من أي توتر. لم يغضب، لم يزمجر، بل اكتفى بوضع قلمه جانباً، وأسند ظهره إلى الكرسي، ينظر إليها بهدوءٍ جعلها تشعر أنها مكشوفة أمامه.— "أعتقد أنني كنت واضحاً هذا الصباح، مِيلَا،" قال بهدوءٍ مستفز. "العمل
last updateآخر تحديث : 2026-07-17
اقرأ المزيد

125- أوامر القصر

مرت الساعات بعد مواجهتهما في المكتب، وبقي التوتر سيد الموقف، كأنّ الهواء في القصر قد أصبح ثقيلاً ومحملًا باحتمالاتٍ لا يجرؤ أحدهما على النطق بها. كان إيڤان قد انسحب إلى مكتبه، وبقيت مِيلَا في جناحها، تُعيد شريط اللحظات في رأسها؛ نظراته، لمسته، والاعتراف الصامت الذي كاد يخرج من عينيه قبل أن يدفنه خلف قناعه. فجأة، طُرق باب جناحها. لم تنتظر مِيلَا إجابة، فدخلت خادمةٌ شابة، كانت ملامحها توحي بالجدية التامة. لم تنظر الخادمة في عيني مِيلَا، بل انحنت باحترامٍ مصطنع ووضعت صندوقاً مخملياً كبيراً على السرير، ثم بدأت بفتح ستائر الغرفة لتسمح لضوء الشمس بالدخول. — "سيدتي،" قالت الخادمة بصوتٍ مستوٍ ومحايد. "السيد إيڤان يطلب منكِ الاستعداد. هناك حفلةٌ رسمية هامة الليلة، وقد أوصى بأن تكوني في أبهى مظهرك." فتحت الخادمة الصندوق، ليظهر بداخله فستانٌ من الحرير الأسود، بتصميمٍ جريء وبسيط في آنٍ واحد، يغلفه سحرٌ غامض. لم يكن فستاناً عادياً، بل كان فستاناً يصرخ بالقوة والأنوثة؛ فستانٌ اختاره إيڤان بعناية ليكون بمثابة "رسالة" لكل من سيراها بجانبه. — "الحفلة؟" سألت مِيلَا، وهي تنظر إلى الفستان بتردد. "هل
last updateآخر تحديث : 2026-07-17
اقرأ المزيد

126- خلف الأقنعة

كانت القاعة تعجّ بالنخبة، ضوء الثريات الكريستالية ينعكس على البدلات الرسمية والفساتين الفاخرة. دخل إيڤان إلى الحفل كأنه يملك المكان، ومِيلَا تسير بجانبه. لم يُعرّفها لأحد كزوجة، ولم يصفها بأي صفةٍ رسمية؛ ببساطة، كانت مِيلَا التي يعرفها الجميع في قصر "إيڤان" منذ سنوات، مِيلَا التي ترافقه كظله، كفتاةٍ تنتمي لبيئته الخاصة دون مسميات. كان إيڤان في قمة هدوئه؛ يتحدث مع رجال الأعمال حول الصفقات والمشاريع، يبتسم ببرود، ويتبادل أطراف الحديث مع سيدات المجتمع اللواتي كنّ يحاولن لفت انتباهه. كانت مِيلَا تقف بجانبه كما أمره، لكنها كانت تشعر بالملل ينهش صبرها. كان يراقبها بين الحين والآخر بنظراتٍ حادة وسريعة، يتأكد من وجودها، ثم يعود لنقاشاته، وكأنها قطعة من ممتلكاته يضعها في زاويةٍ آمنة. بعد وقتٍ ليس بالقصير، شعرت مِيلَا بالاختناق. استغلت انشغال إيڤان بحديثٍ طويل مع أحد كبار المستثمرين، وانسلت بهدوءٍ بعيداً عنه، متجهةً نحو طاولة المشروبات في زاويةٍ هادئة. بينما كانت تلتقط كأساً، جالت عيناها في أرجاء القاعة. فجأة، توقف أنفاسها. في الجانب الآخر، خلف عمودٍ رخامي، لمحَت طيف امرأةٍ بملامحٍ مألوفة..
last updateآخر تحديث : 2026-07-17
اقرأ المزيد

127- اللحظة المحرمة

كان إيڤان يحملها بين ذراعيه بقوة، خطواته سريعة كأنها طلقات رصاص وهو يخترق ممرات القصر المظلمة. كان أنفاسه متسارعة، وملامحه جامدة كقناع من حجر، بينما كانت مِيلَا بين يديه تعيش حالةً من الهذيان الغريب. بمجرد أن استوعبت مِيلَا—في غيبوبتها التي فرضها السم—أن من يحملها هو إيڤان، تغيّر كل شيء. تلاشى الخوف الذي كان يملأ عينيها قبل لحظات، وحلت محله نظرةٌ غامضة، مشبعة برغبةٍ خارجة عن السيطرة. بدأت تتحرك بين ذراعيه، لا لتهرب، بل لتلتصق به أكثر. وضعت رأسها على كتفه، ثم بدأت تداعب عنقه بأطراف أصابعها، بينما كان هو يصارع ليبقى متزناً. — "إيڤان.." همست بصوتٍ مخملي، أنفاسها الساخنة تضرب بشرة عنقه مباشرة. توقف إيڤان عن المشي لثانية واحدة، شدّ على عضلات ذراعيه وكأنه يقاوم إعصاراً. وجهه الذي كان يتحجر من الغضب قبل قليل، بدأ يظهر عليه أثر الصراع العنيف. — "اثبتي يا مِيلَا.." قال بصوتٍ أجش، مليء بالتحذير الذي لم يعد يحمل ثقله المعتاد. لم تكترث. مالت بجسدها أكثر، وبدأت تحاول تقبيل ذقنه وعنقه بجرأةٍ صدمته. كانت يداها تعبثان بياقة قميصه، وتنزلقان لتلامسا صدره، بينما كانت نظراتها المعلقة بوجهه مليئة بـ
last updateآخر تحديث : 2026-07-17
اقرأ المزيد

128- سقوط الحصون

كانت مِيلَا تواصل محاولاتها العشوائية والمليئة بالرغبة لتقبيله، تارةً تداعب فكه، وتارةً تغمر وجهها في عنقه، بينما كان إيڤان يحاول صدّها بيديه اللتين بدأتا ترتجفان. كان عقله يصرخ: *"ابتعد! هذا ليس الوقت، وهذا ليس المكان!"*، لكن قلبه وجسده كانا ينجرفان نحو هوة لا قاع لها. وصل إيڤان إلى ذروة التناقض؛ غضبه من الفخ الذي نُصب لها، وقلقه عليها، ممزوجاً بالرغبة الجامحة التي أثارتها فيه براءتها المفقودة مؤقتاً. تحولت حركاته من الدفاع إلى صراعٍ مع النفس، حتى فقد تماماً ما تبقى من أعصابه. بلمحة بصر، أمسك بوجهها بين كفيه، لم تكن قبضة إيذاء، بل كانت قبضة تملكٍ ويأس. نظر إلى عينيها المخمورتين ببريقٍ مظلم، ثم انحنى وبسرعةٍ خاطفة غطى شفتيها بقبلةٍ كانت بعيدة كل البعد عن البرود الذي عرفه طوال حياته. لم تكن قبلة عادية؛ كانت انفجاراً لكل ما كبته طوال الأسابيع الماضية. كانت قبلةً مليئة بالاعتراف، بالخوف، وبشوقٍ لم يجرؤ على تسميته. تجاوبت مِيلَا مع القبلة بعفويةٍ زادت من جنون إيڤان. كانت يداها لا تزالان تطوقان عنقه، تسحبانه إليه أكثر، بينما كان هو يغرق في تفاصيلها، وكأن هذه القبلة هي الطريقة الوحيدة ل
last updateآخر تحديث : 2026-07-17
اقرأ المزيد

129- بين الصمتِ والاعتراف

كانت الغرفة غارقةً في هدوءٍ مشوبٍ بالتوتر. لم تكن الشمس قد ارتفعت تماماً بعد، لكن الضوء الكافي كان يكشفُ ملامح إيڤان التي لم تعد قادرةً على إخفاءِ شيء. مِيلَا، التي كانت تجلسُ على حافة السرير، شعرت بضعفٍ في ركبتيها وهي تسترجع كل ما حدث. كان إيڤان يقف أمام النافذة، يده في جيبه، وكتفاه عريضتان كأنهما تحملان ثقل العالم.التفتَ إليها ببطء، وعيناه تلاحقان حركاتها المترددة.— "أنا لا أعرف كيف حدث ذلك.. لا أعرف كيف وصلتُ إلى هنا، أو لماذا تصرفتُ بتلك الطريقة العشوائية،" قالت مِيلَا بصوتٍ خافت، والندم يملأ نبرتها. "أشعر أنني فقدتُ السيطرة تماماً على نفسي."أخذ إيڤان خطوةً واسعة نحوها، ملامحه لم تكن قاسية، بل كانت تحمل نظرةً لم تعهدها فيه؛ نظرة حمايةٍ خالصة.— "لا ذنبَ لكِ في أي من ذلك، مِيلَا،" قال بصوتٍ أجشّ، وملامحه حادة كالنصل. "لقد وُضِع لكِ شيءٌ في كأسك، مِيلَا. كنتِ ضحيةً لخطتهم، ولولا أنني كنتُ معكِ، لربما..." توقف عن الكلام، وكأن فكرة فقدانها أصابت قلبه بوهنٍ لا يحتمله.صمتت مِيلَا للحظة، ثم تجرأت وسألت، وهي تحاول أن تستشفَّ الحقيقة من عينيْه:— "ولكن.. ماذا عن القبلات؟ أنا أتذكر أنك
last updateآخر تحديث : 2026-07-18
اقرأ المزيد

130- الوداع المؤقت

لم تكن مِيلَا مستعدةً لما حدث في اللحظات التالية. تجمدت في مكانها عند أعلى الدرج، بينما كان إيڤان يلتفت إليها بنظرةٍ خاطفة، نظرة لم تستطع تفسيرها—هل كان اعتذاراً؟ أم تحذيراً؟ أم مجرد رغبةٍ في إبعادها عن هذا الجحيم؟ بكل برود، ودون أن ينبس ببنت شفة، مدّ إيڤان يده ليمسك بذراع شارلوت، لا بلمسةِ حنين، بل بقبضةِ رجلٍ يحاول السيطرة على خطرٍ داهم. شارلوت بدورها، أطلقت ضحكةً خافتةً وواثقة، ونظرت إلى مِيلَا بنظرة انتصارٍ صامتة، قبل أن تلتف وتتبعه. — "إيڤان!" نادت مِيلَا بصوتٍ مشروخ، وهي تتقدم خطوةً نحو الدرج. لكن إيڤان لم يلتفت. سار إيڤان بـ شارلوت نحو المخرج الجانبي للقصر، متجاهلاً وجود مِيلَا تماماً. كانت مِيلَا تشعر بأن الأرض تميد تحت قدميها؛ كيف لرجلٍ قبلها منذ ساعات، أن يغادر مع امرأة أخرى بهذه السهولة؟ كيف لشبحٍ من الماضي أن يمتلك هذه القوة لتغيير موازين يومها؟ خرج إيڤان وشارلوت إلى السيارة السوداء التي كانت تنتظر في الخارج. انطلق بهما بعيداً عن أضواء القصر، متوجهاً إلى ذلك المكان الخاص.. ذلك القبو أو المقر السري الذي لا يعرفه غيرهما، المكان الذي شهد أسرار الماضي التي أراد إيڤان دفنها
last updateآخر تحديث : 2026-07-18
اقرأ المزيد
السابق
1
...
1112131415
...
23
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status