جميع فصول : الفصل -الفصل 159

159 فصول

151

ومع ذلك، لم تسمح لصوتها بأن يتغير.«سأفعل. لكن لا تقلق عليّ، يا عمران. أريد أن أتعلم، وسأتعامل مع الجميع بجدية.»«هذا ما أريده منك. وسأنتظر اتصالك عندما تصلين.»«حسنًا. اعتنِ بنفسك.»أنهت المكالمة، وبقيت تنظر إلى الهاتف لحظات قبل أن تضعه في حقيبتها.كان عمران يمنحها مساحة لم تعرفها من قبل، مساحة جعلتها أحيانًا تشعر بالذنب لأنها لا تزال تخفي عنه حقائق أساسية من ماضيها. لم تكن تنكر أن قربه بدأ يتجاوز حدود الخطة التي وضعتها لنفسها، وأن اهتمامه الصادق أصبح يترك أثرًا لا تستطيع تجاهله بسهولة.لكن ذلك لم يغير حقيقة واحدة: جاسر لا يزال جزءًا من الماضي الذي لم تحصل على حقها في إغلاقه.وحين تصل إلى الشركة، لن تتصرف كأنها تخشى أن يراها.***كانت ردهة شركة المرشدي للاستثمارات مزدحمة بالحركة حين توقفت السيارة أمام المدخل الزجاجي الواسع.ترجلت فيروز بعد أن شكرت السائق، وأغلقت الباب خلفها، ثم رفعت عينيها نحو المبنى الشاهق الذي انعكست عليه أشعة الشمس. واجهة زجاجية تمتد على عدة طوابق، وأعمدة حجرية بلون رمادي فاتح تحيط بالمدخل، فيما كانت السيارات الفاخرة تتوقف تباعًا أمام البوابة، وينزل منها رجال ونسا
last updateآخر تحديث : 2026-10-27
اقرأ المزيد

152

جلست أمام مكتبها الجديد، وهو مكتب مرتب في مساحة مشتركة تطل على جانب من المدينة. كان فوقه حاسوب حديث، وحامل للأوراق، ودفتر ملاحظات، وإلى جوارهما كوب فارغ تركه الموظف السابق قبل انتقاله إلى قسم آخر. وضعت حقيبتها في الدرج، ثم سحبت الكرسي وجلست.بدأت منال في شرح نظام العمل، وكيفية تسجيل المراسلات، وأين تحفظ العقود، ومن يجب الرجوع إليه عند ظهور نقص في البيانات. أصغت فيروز باهتمام، ودوّنت الملاحظات بخط واضح، ثم سألت عن بعض الإجراءات التي لم تفهمها بالكامل.لم تحاول التظاهر بأنها تعرف كل شيء.كانت تدرك أن الثقة لا تعني ادعاء الخبرة، وأن أفضل طريقة لتجنب الخطأ هي أن تسأل قبل أن تتصرف.بعد نحو نصف ساعة، تركتها منال لتبدأ أولى مهامها، ففتحت الملف الأول وراحت تطالع صفحاته بعناية. كانت المهمة بسيطة في ظاهرها، لكنها احتاجت إلى التركيز؛ إذ كان عليها مطابقة بيانات عدد من العقود مع السجلات الإلكترونية والتأكد من اكتمال المرفقات.اندمجت في العمل حتى نسيت الوقت، ولم تنتبه إلى الهدوء الذي طرأ على المساحة المحيطة بها إلا عندما سمعت صوتًا نسائيًا خافتًا يأتي من المكتب المجاور.«هل عرفتِ من تكون؟»أجابت ام
last updateآخر تحديث : 2026-10-27
اقرأ المزيد

153

«عمران طلب تعيينها؟»«نعم يا فندم.»ساد صمت قصير، لم يجرؤ سامح على مقاطعته. كان يعرف أن جاسر لا يحب أن يُفاجأ بقرارات تتعلق بالشركة، وخصوصًا حين يكون اسم أحد أفراد العائلة متورطًا فيها.أعاد جاسر النظر إلى الاسم، ثم ألقى الورقة فوق المكتب.«ألم يجد أخي مكانًا آخر يضع فيه زوجته؟ الجامعة التي يعمل بها لم تعد كافية، أم أن عليه أن يحضرها إلى هنا أيضًا؟»لم يرد سامح، واكتفى بالوقوف أمام المكتب منتظرًا التعليمات.التقط جاسر هاتفه واتصل بمكتب الموارد البشرية، طالبًا حضور منال إليه فورًا. ثم أغلق المكالمة، ونهض من مقعده، وسار نحو الباب.«ألغِ الاجتماع الذي كان مقررًا بعد نصف ساعة.»«هل هناك مشكلة في العقد؟»التفت إليه جاسر بنظرة باردة.«إذا أردت أن تحتفظ بعملك يا سامح، فلا تطرح أسئلة لا تخصك.»انحنى سامح برأسه قليلًا.«حاضر يا فندم.»خرج جاسر من المكتب، وأغلق الباب خلفه بقوة محسوبة. لم يكن غاضبًا لمجرد أن فيروز حصلت على وظيفة في الشركة؛ بل لأن وجودها هنا يعني أنها أصبحت قادرة على التحرك داخل مساحة كان يظن أنها بعيدة عنها، وأنها لم تعد امرأة يستطيع أن يتجاهلها أو يبعدها عن طريقه بمجرد اتخاذ قر
last updateآخر تحديث : 2026-10-27
اقرأ المزيد

154

فلو كانت موظفة أخرى، لما جاء بنفسه ليقف أمام مكتبها ويسألها بهذه الطريقة.أجابت بعد لحظة:«فكرت في ذلك، ولهذا قبلت وظيفة لا تمنحني سلطة على أحد. لن أطلب من أي شخص أن يعاملني بطريقة مختلفة، ولن أستخدم اسم عائلة المرشدي للحصول على امتياز. وإذا أخطأت، فحاسبني وفقًا للقواعد نفسها التي يخضع لها الآخرون. لكن لا تطلب مني أن أتخلى عن فرصة مشروعة لمجرد أنك لا تحب رؤيتي هنا.»تحركت عضلة في وجنته، بينما ظل ينظر إليها نظرة طويلة، كأنه يبحث عن أثر الخوف الذي اعتاد أن يراه في عينيها.لم يجده.وهذا وحده كان كافيًا ليزيد ضيقه.«يبدو أنك نسيتِ سريعًا حدودك.»تبدلت ملامحها قليلًا، لا خوفًا، بل لأن الجملة أعادت إليها إحساسًا قديمًا كانت تحاول دفنه. ومع ذلك، لم تسمح له بأن يرى أثرها.«بل أظن أنك أنت من لم يتقبل بعد أن الحدود التي كنت تضعها لي لم تعد تعنيني.»ساد صمت ثقيل.منال، التي كانت تقف على بعد خطوات منهما، حاولت التدخل بصوت حذر:«أستاذ جاسر، إذا كانت هناك أي ملاحظات على التعيين، يمكننا مراجعة الملف مع الإدارة. الأستاذة فيروز بدأت عملها منذ قليل، ولم يحدث أي شيء يستدعي—»قاطعها من دون أن يلتفت إليها
last updateآخر تحديث : 2026-10-27
اقرأ المزيد

155

لم يكن حازم من الرجال الذين يعتادون التفكير طويلًا قبل اتخاذ قراراتهم، لكنه وجد نفسه، منذ غادر النادي في الليلة السابقة، يعود بذاكرته إلى المرأة التي اصطدم بها عند مدخل المقهى.لم يكن اللقاء طويلًا، ولم يتجاوز بضع دقائق من الاعتذار والتعارف العابر، ومع ذلك ظلت صورتها عالقة في ذهنه على نحو أثار استغرابه. لم تكن المسألة متعلقة بجمالها وحده، على الرغم من أنه لم يستطع إنكار أنها امرأة جميلة؛ بل كان في ملامحها شيء مختلف، مزيج من الأنوثة الهادئة والحزن الذي تحاول صاحبته إخفاءه خلف تصرفات متزنة.كانت ندى قد اعتذرت له بابتسامة مهذبة، ثم انشغلت بهاتفها وغادرت بعد أن تبادلا بضع كلمات. لم تحاول إطالة الحديث، ولم تمنحه ذلك النوع من الاهتمام الذي قد يفسره رجل مغرور على أنه إعجاب. بل بدت وكأنها كانت موجودة في المكان بجسدها فقط، بينما بقي جزء من تفكيرها في مكان آخر لا يستطيع الوصول إليه.وهذا تحديدًا ما جعله يتذكرها.في صباح اليوم التالي، كان حازم يجلس في مكتبه الصغير الملحق باستوديو الأزياء الذي يعمل فيه، يراجع مجموعة من الصور التي التقطها فريقه خلال جلسة تصوير قبل أيام. كانت الطاولة أمامه مغطاة بم
last updateآخر تحديث : 2026-10-27
اقرأ المزيد

156

ظل يحاول إقناع الموظف لبعض الوقت، ثم طلب مقابلة مسؤول الإدارة. وبعد انتظار طويل ومحادثة أخرى لم تخلُ من الاعتراضات، تمكن أخيرًا من إيصال طلبه إلى إحدى الموظفات المسؤولات عن التواصل مع الأعضاء. لم تمنحه الرقم مباشرة، بل قالت إنها ستتولى تمرير طلبه وفقًا لإجراءات النادي، وإنها لن تشارك بيانات ندى الخاصة إلا إذا وافقت هي على ذلك.في نهاية الأمر، وبعد اتصالات ومراجعات لم يكن يتوقعها، حصل حازم على وسيلة للتواصل معها بعد موافقتها على تلقي الاتصال.لم يكن معتادًا أن يبذل كل ذلك الجهد من أجل رقم هاتف، ولهذا أثار الأمر ضيقه من نفسه بقدر ما أثار فضوله.ضغط زر الاتصال قبل أن يمنح نفسه فرصة أخرى للتراجع.رن الهاتف مرة، ثم مرتين، ثم ثلاثًا.وفي المرة الرابعة، جاءه صوت ندى هادئًا، لكنه حذر قليلًا.«مرحبًا؟»اعتدل حازم في جلسته، ومسح بيده على ذقنه قبل أن يجيب:«صباح الخير. هل أتحدث إلى الأستاذة ندى؟»«نعم، أنا ندى. من المتحدث؟»«أنا حازم. التقينا بالأمس في النادي، عند مدخل المقهى. اصطدمنا ببعضنا، ثم أعدت إليك هاتفك.»ساد صمت قصير على الطرف الآخر، قبل أن يتغير صوتها قليلًا وكأنها تذكرت الموقف.«آه، ن
last updateآخر تحديث : 2026-10-27
اقرأ المزيد

157

«وأريد أن أوضح لك أمرًا آخر. لن أطلب منك ارتداء شيء لا يناسبك، ولن أفرض عليك أي نوع من الملابس أو التصوير. إذا قررتِ الحضور، فستعرفين طبيعة المجموعة، وما المطلوب منك بالتحديد، ويمكنك رفض أي شيء لا ترتاحين إليه. أفضّل أن يكون الاتفاق واضحًا منذ البداية، بدلًا من أن تشعري بأنك مضطرة إلى قبول شيء لمجرد أنك وافقت على التجربة.»كانت كلماته أكثر مهنية مما توقعت، وهذا خفف شيئًا من تحفظها. لم تكن مستعدة لأن توافق على عرض مجهول التفاصيل، لكنها لم تشعر أيضًا بأنه يحاول استغلال دهشتها أو الضغط عليها.قالت بعد تفكير:«أقدّر أنك أوضحت لي ذلك، لكنني لا أستطيع أن أعطيك إجابة الآن. أنا لم أفكر في الأمر من قبل، وأحتاج إلى بعض الوقت لأقرر إن كان مناسبًا لي.»«بالطبع. لم أتصل بك لأحصل على موافقة فورية. خذي وقتك، وإذا رغبتِ في معرفة التفاصيل، يمكنني أن أرسل إليك نبذة عن المشروع، وطبيعة الملابس، ومكان التصوير، والجدول المقترح. وبعدها يمكنك أن تقرري إن كنت تريدين مقابلة فريق العمل.»ترددت ندى قليلًا قبل أن تسأله:«وهل ستكون جلسة التصوير في استوديو خاص؟»«نعم، في الاستوديو الذي نعمل فيه، بحضور فريق التصوير
last updateآخر تحديث : 2026-10-27
اقرأ المزيد

155

في تلك الليلة، وبعد أن نام كريم، عادت ندى إلى غرفتها وأغلقت الباب خلفها بهدوء. كان البيت قد استعاد سكونه المعتاد، ولم يبقَ سوى ضوء المصباح الصغير بجوار السرير، وصوت أجهزة التكييف البعيد.وضعت هاتفها فوق الطاولة، ثم جلست أمام المرآة تفك رباط شعرها. انسدلت خصلاته حول وجهها، فمررت أصابعها بينها دون اهتمام، قبل أن تتذكر رسالة حازم وتفتحها من جديد.ظلت صور الملابس أمامها، واحدة تلو الأخرى.امرأة ترتدي فستانًا بلون العاج وتقف أمام خلفية بسيطة، وأخرى تسير في شارع واسع مرتدية معطفًا أنيقًا، وثالثة تبتسم للكاميرا ابتسامة واثقة لا يبدو معها أنها تفكر في شيء سوى اللحظة التي تعيشها.تأملت الوجوه طويلًا.ثم أغلقت الصور فجأة.ما الذي تفعله؟منذ أسابيع قليلة، كانت تنتظر أن تطمئن إلى أن كل شيء عاد إلى طبيعته. كانت تحاول أن تأكل بصورة منتظمة، وأن تستيقظ في موعدها، وأن تجلس مع كريم دون أن تسرح في منتصف حديثه. كانت تتدرب على الضحك من جديد، وتستقبل زيارات العائلة، وتجيب عن الأسئلة المعتادة بعبارات مطمئنة حتى لا يضطر أحد إلى القلق عليها.ومع ذلك، لم تكن تشعر بأنها عادت إلى طبيعتها فعلًا.كانت تؤدي حياتها
last updateآخر تحديث : 2026-10-27
اقرأ المزيد

156

وصلت ندى إلى عنوان الاستوديو قبل الموعد بعشر دقائق. توقفت أمام الواجهة الزجاجية، ونظرت إلى اسم الشركة المكتوب بأحرف معدنية فوق الباب، ثم عدلت حقيبتها على كتفها.كانت قد أقنعت نفسها طوال الطريق أن الأمر لا يتجاوز مقابلة عمل، وأنها تستطيع المغادرة في أي لحظة إذا شعرت بعدم الارتياح. ومع ذلك، حين دخلت ورأت الأضواء المعلقة في السقف، والخلفيات البيضاء، والملابس المصطفة على حوامل طويلة، شعرت بأنها دخلت عالمًا لا تعرف عنه شيئًا.استقبلتها سلمى بابتسامة مهنية، ثم قادتها إلى غرفة جانبية حيث كان حازم يتحدث مع رجل يقف أمام مجموعة من الصور.التفت حازم فور رؤيتها.«أهلًا يا أستاذة ندى. سعدت لأنك جئتِ.»صافحته ندى بأدب، ثم تبادلت التحية مع سلمى. قدمها حازم إلى الرجل الآخر، الذي اكتفى بنظرة سريعة إليها قبل أن يعود إلى الصور.«هذا الأستاذ شريف، المسؤول عن التصوير في الحملة.»ابتسم شريف ابتسامة مقتضبة، ثم قال مباشرة:«إذن هذه هي المرشحة الجديدة؟ ملامحها مناسبة فعلًا، لكن علينا أن نرى إن كانت تستطيع التعامل مع الكاميرا. الجمال وحده لا يصنع عارضة أزياء.»لم تنزعج ندى من ملاحظته بقدر ما أزعجتها الطريقة ال
last updateآخر تحديث : 2026-10-27
اقرأ المزيد
السابق
1
...
111213141516
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status