أحتفظ بمشهد واضح في ذهني عن شباب وطلاب كانوا يجتمعون في مساجد ومقاهٍ صغيرة يطالبون بتقريب الدين من حياة الناس اليومية، وهذا المشهد يقودني مباشرة إلى ولادة حركة التوحيد والإصلاح. الحركة تأسست رسمياً في منتصف التسعينيات، وتحديداً عام 1996، لكنها لم تأتِ من فراغ؛ جذورها أقدم وتتصل بسلسلة من التجارب الدعوية والاجتماعية التي تعود لعقود سابقة من نشاطات طلبة ودعاة ومجموعات اجتماعية انتشرت في المغرب.
ما شد انتباهي منذ قرأت تاريخها أن الحركة حاولت توازن بين العمل الدعوي والعمل الاجتماعي، فبدأت نشاطها بتأسيس مؤسسات تعليمية، تنظيم دورات تدريبية للشباب، وجمعيات خيرية صغيرة تعمل على أرض الواقع. لم تكن مقصرة في استخدام الفضاء العام: مؤتمرات، لقاءات، ودروس علمية لشرح رؤيتها في الإصلاح الاجتماعي والديني.
مع مرور السنوات، تحولت الكثير من روابطها وشبكاتها إلى قنوات تواصل سياسي أشد تنظيماً، خاصة أن بعض النشطاء الذين تربوا داخل الحركة انخرطوا لاحقاً في العمل الحزبي. في النهاية، أرى أن تأسيس الحركة كان رد فعل منظّم على حاجة مجتمعية لإعادة ترتيب العلاقة بين الدين والسياسة والمجتمع، وبدأت نشاطها العملي منذ تأسيسها مباشرة عبر العمل الدعوي والخيري والتربوي، وما زال أثرها واضحاً في المشهد العام حتى اليوم.
أرى أن أولويات حركة التوحيد والإصلاح في برامجها الانتخابية تتبلور حول مشروع مجتمعي يربط بين قيم دينية وطموحات إصلاحية، وهي تشرح ذلك بلغة مفهومة للجمهور. أركز عندما أقرأ برامجهم على نقاط متكررة: محاربة الفساد، تعزيز الحكامة والشفافية، والاهتمام بالعدالة الاجتماعية، خصوصًا في التعليم والصحة. يتكرر أيضًا تأكيدهم على قيمة الأسرة ودورها في المجتمع، بالإضافة إلى دعم المبادرات المحلية وتطوير الخدمات في الجهات البعيدة.
أحب أن أركز هنا على أسلوبهم: لا يقدمون حلولًا ثورية بل يراهنون على التدرج والبناء المؤسسي. لذلك ستجد في برامجهم كثيرًا من الإجراءات التطبيقية مثل إصلاح الإدارة، تشجيع الاقتصاد الاجتماعي والتشاركي، خلق فرص عمل للشباب، ودعم المقاولات الصغيرة والمتوسطة. بالنسبة لي، هذه الملامح تجعلهم أقرب لحركة إصلاحية اجتماعية لها مرجعية دينية، تهدف إلى إدماج القيم مع سياسات عملية قابلة للتنفيذ، وليس مجرد شعارات انتخابية. في النهاية أشعر أن رسالتهم موجهة لمن يريد تغييرات مؤسسية مستدامة مع الحفاظ على الهوية الاجتماعية.
أحب أن أبدأ بهذا المشهد: المسجد المحيطي الذي يتحول مساءً إلى حلقة دراسة وصوت يرتل القرآن وتحصيل العلم. حركة التوحيد والإصلاح تنشط بشكل واضح في المساجد ومراكز التحفيظ وحلقات العلم المحلية، حيث تُنظم دروس قصيرة ودورات ليلًا وورشًا للشباب.
إلى جانب المساجد، تجد نشاطاتهم في المراكز الثقافية والجمعيات المحلية التي تستضيف دورات تثقيفية ومحاضرات دينية واجتماعية، وغالبًا ما تُقام برامج موجهة للنساء والأسر والأطفال. هناك شبكات للعمل الخيري والتطوعي تتعاون مع المجتمع المحلي لتنظيم معسكرات صيفية ودورات تربوية ولقاءات شبابية تبني الوعي الديني والأخلاقي.
كما لا يمكن تجاهل حضورهم في الجامعات والمعاهد من خلال أنشطة طلابية ومجموعات نقاشية، وأحيانًا عبر منصات إلكترونية وإصدارات مطبوعة توفر محتوى تعليمي ودعوي. المزيج بين العمل الحضوري والمحتوى الرقمي هو ما يجعل نشاطهم منتشرًا ومتعدد الأوجه، دائمًا مرتبطًا بالجماعات المحلية وبحاجة مستمرة للتنسيق بين الأندية والجمعيات.
أُحب أن أستعيد صورة واضحة للعلاقة بين حركة 'التوحيد والإصلاح' وحزب 'العدالة والتنمية' لأنّها ليست علاقة بسيطة: هي علاقة حاضنة وحزبية، لكن مع حدود ورقابة داخلية.
رأيت الحركة تعمل كحاضنة اجتماعية ودعوية — تجمع شبابًا، ينظّم حلقات، يقوم بأعمال خيرية، ويغرس قيمًا وأفكارًا مشتركة. من هذه الحاضنة خرج الكثير من الناشطين والأطر الذين وجدوا في الحزب فضاء تمثيليًا للذهاب إلى المؤسسات والبرلمان.
في الوقت نفسه، حرصت الحركة على البقاء ككيان مدني مستقل قانونيًا؛ هذا يتيح لها مساحة للتنشئة المجتمعية بدون أن تُحمّل بكافة تبعات الخيار السياسي. لذلك كانت هناك تبعية فعلية في القاعدة والقيادات، لكن رسميًا علاقة فصل لحماية الحركة ومصالحها الطويلة الأمد.
بالنهاية أرى أن العلاقة نجاحية في فترات، ومتوترة في أخرى: حين يتحمل الحزب حكمًا ومفاوضات سياسية صارخة، تنكشف التباينات بين داعية يسعى للإصلاح الاجتماعي وسياسي يضطر للتسوية. هذا التوازن ما زال محور نقاشات داخل الحركة نفسها، وأنا أتابعها بشغف وأحيانًا بقلق.
أجد أن الإجابة على هذا السؤال تتطلب بعض الحذر لأن المشهد ليس بسيطًا أو واضحًا للجميع.
بعد وفاة الشيخ عبد السلام ياسين توقفت فكرة وجود زعيم شعبي واحد يُشار إليه بالاسم في كل الإعلام، وحَولت الحركة جزءًا من قرارها إلى هيئات داخلية: مكتبٌ تنفيذي ومجلس شورى يجتمعان داخليًا لتسيير الشؤون وتقديم الخطاب. هذه الهيكلة تُبقي القيادة أقل بروزًا من الناحية الإعلامية مقارنةً بماضي الحركة، وتُفضّل العمل التنظيمي واللقاءات المحلية على الزعامة الفردية.
في الواقع، كثير من المتابعين يخلطون بين وجوهٍ سياسية مرتبطة بتيار الإصلاح الإسلامي وقيادة الحركة نفسها؛ أسماء مثل عبد الإله بنكيران أو سعد الدين العثماني ارتبطت بالتيار السياسي المتقاطع لكن لا تعني بالضرورة أنها تقود حركة التوحيد والإصلاح. خلاصة عملي البسيط في تتبع المشهد: القيادة الحالية تُدار جماعيًا وداخليًا عبر هياكل متفق عليها داخل الحركة، ولا تُعلن عادة وجود مرشد عام واحد يتصدر المشهد العام.
قرأتُ 'كتاب التوحيد' بفضول نقدي ووجدتُ أن أثره ظاهر بقوة في تاريخ الإصلاح الديني في شبه الجزيرة العربية وما بعدها.
الكتاب يركز على توحيد العبادة ويدين ممارسات اعتبرها مؤلفه بدعًا أو شركًا مثل التوسل والزيارة المفرطة لأضرحة الأولياء وبعض مظاهر التصوف. هذا الخطّ العقدي لم يكن مجرد نقاش فقهي؛ بل أصبح أداة تنظيم اجتماعي وسياسي عندما ارتبطت أفكاره بحركة سياسية وعسكرية أدت إلى تحالفات محلية وتأسيس سلطة جديدة. مع دعم الأمراء والسلطة بدأ تطبيق رؤى إصلاحية في التعليم والقضاء والحياة العامة.
من تجربتي، تأثير 'كتاب التوحيد' يمتد إلى حركات لاحقة سعت إلى «تطهير» الممارسة الدينية، كما أدى إلى ردود فعل قوية من مدارس فكرية تقليدية واجهت تلك التغييرات. النظرة التاريخية تخبرني أن الكتاب كان سببًا مهمًا لكنه لم يكن العامل الوحيد؛ إذ لعبت الظروف السياسية والاجتماعية دورًا مكملًا في تحويل فكرة دينية إلى مشروع إصلاحي واسع الانتشار.
أجد أن 'سورة الإخلاص' تختزل التوحيد في أربع جمل بسيطة لكنها ثَقِيلة المعنى، وتقرأها كأنك تقرر رسم حدود العلاقة بين الخلق والخالق. آية 'قل هو الله أحد' تضع الأساس: الله واحد في ذاته وصفاته وأفعاله، لا شريك له في لاهيته ولا في ألوهيته. هذه الجملة وحدها تكفي لنفي أي انقسام في الربوبية أو الألوهية، وهي دعوة صريحة إلى توحيد العبادة.
'الله الصمد' كلمة قصيرة لكن طاقتها تفسيرية؛ في القراءة الروحية أحس بها كإعلان أن الله مستقل بذاته، محتاج إليه الخلق وليس هو محتاجاً. كلمة 'الصمد' تشير إلى أن كل باب الرجاء والرجوع إلى الخالق، وأنه المتكفل بحوائجنا من دون أن يُحتاج له بقصد أو نقص. بعد ذلك تأتي التأكيدات النفيّة في 'لم يلد ولم يولد' لتقطع الطريق على الصور البشرية لله، وتزيل أي فهم يمس طبيعة الإلهية.
وأخيراً 'ولم يكن له كفوا أحد' تُغلق النقاش بمنطق العقيدة: لا يوجد مثيل، ولا مقابل، ولا نظير. أقرأها وأشعر أنها ليست مجرد فقرة عشرية الحروف، بل رسالة قصيرة تُعيد ترتيب القلب نحو الإخلاص. من الناحية العملية، ترى الناس يرددونها في الصلاة والذكر لأن بساطتها تجعلها محفوظة في الصدور، وعمقها يجعلها مركزية في الدعوة إلى التوحيد، والسكينة التي تمنحها فور تلاوتها لا أستطيع أن أنكرها.
التوحيد في عقيدتي أشبه بخريطة أساسية تقود كل فهمي للعالم والحياة؛ هو ليس مجرد كلمة بل بنية فكرية وروحية تفسر علاقتي بالله وبالناس. في أبسط تعريف، التوحيد يعني إثبات وحدانية الله ونفي الشريك عنه في ذاته، وربوبيته، وألوهيته، وأسمائه وصفاته. هذا التعريف يتفرع إلى أقسام واضحة: توحيد الربوبية الذي يؤكد أن الله هو الخالق والمدبر والرازق، وتوحيد الألوهية الذي يخص العبادة وحدها بالله دون سواه، وتوحيد الأسماء والصفات الذي يثبت لله ما أثبته لنفسه من أسماء وصفات دون تبديل أو تحريف.
أحب أن أشرح الأمر بشكل عملي: عندما أقول 'لا إله إلا الله' فأنا أُقرّ بأن لا منفعة ولا ضرر ولا ملك ولا حق في العبادة إلا لله، وأن أي فعل عبادي أو ثقة مطلقة يجب أن تكون موجّهة إليه. ذلك يغير سلوكي اليومي — من الدعاء والنية إلى الاعتماد على الله والابتعاد عن الممارسات التي تشبه الشرك مثل التعلق المبالغ به بمخلوق أو التوسل بغير طريقة شرعية. تاريخيًّا واجه المفكرون تحديات في تفسير أسماء الله وصفاته؛ بعض المدارس صرّحت بالتأويل وبعضها قبل اللفظ كما جاء مع التنزيه عن التشبيه، لكن القاسم المشترك الذي حفظ وحدة العقيدة هو نفي الشريك وتأكيد التفرد الإلهي.
ما يجعل تعريف التوحيد مهمًا بالنسبة لي هو أثره الأخلاقي والاجتماعي. توحيد الألوهية يعيد ترتيب الأولويات ويحث على عدالة المعاملة والابتعاد عن الخرافات والظلم المُسوّغ باسم مقدس. أيضاً، التوحيد ليس فقط قضية اعتقادية نظرية بل هو معيار للإنقاذ والنجاة في المفهوم الإسلامي: قبول التوحيد الصادق يُعتبر أساس الرسالة النبوية كلها. باختصار، تعريف التوحيد يوضح من هو المعبود الحقيقي، كيف تُقام العلاقة معه، وما الذي يُستبعد من العبادة والاعتقاد، وهو بذلك يشكل قلب العقيدة الإسلامية ويؤثر على كل جانب من جوانب الحياة الروحية والأخلاقية.
سؤال رائع يفتح نافذة على فهم النصوص الدينية من زاويتين: الإلهية والإنسانية معاً.
أنا أتعامل مع هذا الموضوع كما لو أنني أشرح لصديق يحب التفاصيل: 'سورة التوحيد' التي يقصدها كثيرون هي نفسها المعروفة رسمياً باسم 'سورة الإخلاص'، وهي من سور القرآن الكريم. من الناحية العقائدية، لا يُقال إن إنساناً كتبها؛ المسلمون يؤمنون أن كلمات هذه السورة هي كلام الله تعالى الذي أوحاه إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم عن طريق الملاك جبريل. هذا يعني أن مصدرها الإلهي، والنبي كان وسيط الوحي الذي تلقاه ونقله للمجتمع.
من الناحية التاريخية البسيطة التي أحب ذكرها، الصحابة حفظوا السور وكُتِبَتْ على رقوق وعظام وجلود ونحو ذلك خلال حياة النبي وبعد وفاته. ثم جاء جمع القرآن وتدوينه في مصحف واحد في عهد الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه عندما اعتمدت نسخة موحدة لتجنب اختلاف القراءات. بهذه الصورة أرى الأمور متكاملة: النص مصدره الله، والإنسان دوره نقل وحفظ وتدوين وتنظيم.
في النهاية، أجد دائماً أن التفكير بهذه الثنائية — وحي إلهي ووساطة بشرية للحفظ والنشر — يمنحني احتراماً أكبر للسورة ويزيد رغبتي في ترديدها بتدبر.