أحسّ بأن التشويق في الروايات العربية يختلف طعمًا وإيقاعًا عن نظيره الغربي، وهذا جزء من سحرها.
أحيانًا أقرّ بأني أميل للروايات التي تبني توترها على تفاصيل حياتية مألوفة: نزاع داخل أسرة، سر قديم في حيٍّ معروف، أو قرار صغير يقود إلى سلسلة من العواقب. هذه الروايات تحافظ على عنصر المفاجأة لأن القارئ يشعر بقرب الحدث منه، واللغة المحلية تضيف طبقة من الواقعية تجعل كل مشهد أقرب إلى القلب.
لكن لا أستطيع تجاهل بعض العثرات: يوجد من يعتمد على حبكات مستهلكة أو نهايات متوقعة، وهذا يضعف الشعور بالتشويق. بالمقابل، من ينحت في النفس البشرية ويقدّم دافعًا داخليًا مقنعًا للشخصيات يستطيع أن يبقي القارئ على حافة الصفحات حتى النهاية. أنهي قراءتي غالبًا وأنا أفكر في التفاصيل الصغيرة التي صنع منها الكاتب هذا التوتر، وهذا بالنسبة لي دليل نجاح الرواية في الحفاظ على التشويق.
أمس فتحت كتاباً قديمًا ووجدت نفسي مشدودًا لحبكة لم تنفرج سريعًا: أنصح بشدة بقراءة 'اللص والكلاب' لنجيب محفوظ، لأنها تعمل كمخطط نفسي معقد أكثر من كونها جريمة تقليدية. السرد يضرب بين الداخل والخارج ويتلاعب بتوقعات القارئ، والشخصيات تحمل دوافع متضاربة تجعل كل منعطف له وزن أخلاقي.
أما إذا كنت تميل إلى الروايات التي تخلط السياسة بالتحقيق الشخصي فـ'موسم الهجرة إلى الشمال' للطّيب صالح يقدم شبكة من الأسرار والصراعات الهوية التي تتكشف تدريجيًا عبر راوٍ لا تثق بكل كلماته. التوتر هنا ينبع من الفجوات التي تُترك بين السطور.
للروايات التي تجمع قصصًا متشابكة وسردًا شعبويًا مع نقد مجتمعي أنصح بـ'عمارة يعقوبيان' لعلاء الأسواني؛ الحبكات هنا تتقاطع، المؤامرات الصغيرة تتراكم، وتجد نفسك ترى وجه المدينة من زوايا متعددة، ما يخلق إحساسًا بتعقيد واسع ومتعدد الطبقات.