Masuk
الفصل الأول
الشاهدة الأخيرة في الليلة التي رأيتُ فيها أول جريمة قتل، لم أكن أعلم أن الرجل الذي سيرفع سلاحه نحوي… سيكون الرجل نفسه الذي سيحمل قلبي يومًا. كانت الساعة تقترب من منتصف الليل، والمدينة غارقة في مطرٍ كثيف جعل الشوارع تبدو كأنها خالية من الحياة. كنت أكره العودة متأخرة. ليس خوفًا من الليل، وإنما لأنني كنت أؤمن أن لكل مدينة وجهًا لا تُظهره إلا بعد أن ينام الجميع. وفي تلك الليلة، رأيت ذلك الوجه. كنت أسير تحت مظلتي، أضم معطفي إلى جسدي وأسرع الخطى. لم يكن في الشارع سوى صوت المطر ووقع خطواتي المتعجلة. ثم سمعت صوتًا. ارتطام باب سيارة. توقفت. لم أعرف لماذا توقفت. ربما كان الفضول، وربما كان ذلك الإحساس الغريب الذي يسبق وقوع شيء لا يمكن التراجع عنه. التفتُّ نحو الزقاق الضيق الممتد بين مبنيين قديمين. كانت هناك سيارة سوداء متوقفة بلا أضواء. ثم ظهر رجلان. كانا يرتديان معاطف سوداء طويلة، ويتحركان بطريقة جعلت قلبي ينقبض. تراجعت خطوة. ثم سمعت صوت رجل ثالث: — أين المال؟ لم أستطع رؤية وجهه. جاء الرد متقطعًا: — أقسم لك… لا أملك شيئًا. ساد صمت قصير. ثم دوّى صوت الرصاصة. تجمّد كل شيء داخلي. سقط الرجل على الأرض. توقفت أنفاسي. لم أصرخ. لم أتحرك. كنت فقط أحدّق. وفي اللحظة التي بدأت فيها قدماي تستوعبان ما حدث، ارتفع رأس أحد الرجال فجأة. التقت عيناه بعيني. رآني. شعرت بالدم ينسحب من وجهي. استدرت وبدأت أركض. لم أسمع شيئًا سوى صوت المطر وقلبي. ركضت بلا اتجاه، والمظلة سقطت من يدي دون أن أشعر. خلفي، سمعت صرخة: — أوقفوها! كانوا يطاردونني. لم أكن أعرف إلى أين أهرب. دخلت شارعًا جانبيًا، ثم آخر، حتى وجدت نفسي أمام بوابة حديدية ضخمة. لم يكن هناك وقت للتفكير. دفعت البوابة ودخلت. أغلقتها خلفي. ثم استندت إليها وأنا أتنفس بصعوبة. ظننت أنني نجوت. لكنني لم أكن أعلم أنني دخلت المكان الذي كان يجب أن أخشاه أكثر من أي مكان آخر. رفعت رأسي. كان أمامي قصر هائل، تحيط به حديقة مظلمة، وتنتشر عند مدخله سيارات سوداء. تراجعت خطوة. ثم أضاءت المصابيح دفعة واحدة. خرج رجال من كل مكان. تجمدت في مكاني. اقترب أحدهم مني، ووضع يده على سلاحه. — من أنتِ؟ لم أجب. كنت عاجزة عن الكلام. تقدم رجل آخر وقال بحدة: — كيف دخلتِ إلى هنا؟ ابتلعت ريقي. — أنا… لم أقصد… قاطعني: — من أرسلك؟ هززت رأسي بسرعة. — لم يرسلني أحد. رفع الرجل سلاحه. وفي اللحظة نفسها، جاء صوت من خلفهم. هادئ. بارد. لكنه كان كافيًا ليجعل الجميع يتراجعون. — اخفض سلاحك. انخفض السلاح فورًا. ثم انفتح الباب الكبير للقصر. وظهر هو. لم أره من قبل. لكنني عرفت، بطريقة لم أفهمها، أن الرجل الذي يقف أمامي ليس رجلًا عاديًا. كان طويلًا، يرتدي معطفًا أسود، وشعره مبتل قليلًا من المطر. لم تكن ملامحه غاضبة، ولم يحتج إلى رفع صوته. كانت عيناه وحدهما كافيتين لإسكات المكان. تقدم نحونا ببطء. توقفت أمامه عاجزة عن الحركة. نظر إليّ طويلًا. ثم قال: — ماذا رأيتِ؟ شعرت بأن السؤال لم يكن سؤالًا. كان حكمًا. قلت بصوت مرتجف: — لا شيء. رفع حاجبه. — لا شيء؟ هززت رأسي. — نعم. اقترب خطوة. — إذن لماذا ترتجفين؟ لم أعرف ماذا أقول. نظر إلى ملابسي المبتلة، ثم إلى يدي المرتجفتين. ثم رفع عينيه إلى وجهي. — اخرجي. التفتُّ نحو البوابة. لكن صوته أوقفني: — ليس أنتِ. عاد الرجال إلى الوقوف باستقامة. وأشار إليّ. — أريد أن أعرف اسمها. تقدم أحدهم نحوي. قلت بسرعة: — لا تقترب مني. توقف. ولأول مرة، ظهر شيء يشبه الابتسامة على وجه الرجل الواقف أمامي. لكنها لم تكن ابتسامة طيبة. قال: — شجاعة. ثم التفت إلى رجاله: — خذوها إلى الداخل. اتسعت عيناي. — ماذا؟ صرخت: — لا! أريد أن أذهب إلى منزلي! لم يجب. اقترب أحد الرجال. تراجعت. — لا تلمسني! توقف الرجل. أما هو، فظل يحدق بي. ثم قال: — لو كنتِ ستذهبين إلى منزلك، لما دخلتِ قصرًا محاطًا بالرجال المسلحين. سكتُّ. كانت كلماته صحيحة. لكني لم أكن أعرف أين أنا. قلت: — أين أنا؟ أجابني دون تردد: — في المكان الذي لا ينبغي لكِ أن تعرفي بوجوده. شعرت بالخوف أكثر. ثم سألته: — ومن أنت؟ ساد الصمت. نظر الرجال إلى بعضهم. أما هو، فلم تتغير ملامحه. قال: — اسمي لا يهمك. ثم استدار. لكن قبل أن يبتعد، توقف وقال: — وأنتِ… أصبحتِ تهمينني. التفتُّ إليه. — لماذا؟ لم يجب. تابع طريقه نحو القصر. وبقيت أنا واقفة تحت المطر، لا أفهم شيئًا. كنت أظن أن أسوأ ما حدث لي في تلك الليلة هو أنني رأيت جريمة قتل. لكنني كنت مخطئة. أسوأ ما حدث… أن الرجل الذي رأيته تلك الليلة كان زعيم أكبر إمبراطورية إجرامية في المدينة. وأنني، دون أن أعرف، أصبحت الشاهدة الوحيدة التي لا يستطيع قتلها. ليس لأنها مهمة. بل لأن موتها… قد يكشف سرًا دُفن منذ عشرين عامًا. سرًا يتعلق بعائلتها. وبالرجل الذي وقف أمامها قبل قليل. --- في الغرفة التي وضعوني فيها، بقيت مستيقظة حتى الفجر. لم أنم. كلما أغمضت عيني رأيت الرجل الذي سقط في الزقاق. وسمعت الرصاصة. ثم رأيت عينيه. لم يكن فيهما غضب. كان فيهما شيء آخر. شيء لم أستطع تفسيره. خوف؟ حذر؟ أم معرفة؟ جلست على طرف السرير، وضممت ركبتي إلى صدري. كنت أريد أن أبكي. لكن الدموع لم تنزل. ربما لأن الخوف كان أكبر من البكاء. طرق أحدهم الباب. انتفضت. دخلت امرأة في منتصف العمر تحمل صينية طعام. وضعتها أمامي. ثم قالت: — كلي. نظرت إليها. — أين أنا؟ لم تجب. — أريد أن أعود إلى منزلي. نظرت إليّ بحزن. — لن تعودي الآن. شعرت بقلبي يهبط. — لماذا؟ خفضت صوتها: — لأنك رأيتِ ما لا ينبغي لأحد أن يراه. قلت: — ومن كان الرجل الذي قتل ذلك الشخص؟ تغير وجهها. — لا تسألي. — ولماذا؟ نظرت إلى الباب قبل أن تقول: — لأن بعض الأسئلة قد تكون أخطر من الإجابات. ثم خرجت. بقيت وحدي. نظرت إلى الطعام. لم أستطع تناوله. كنت أريد أن أفهم. لماذا لم يقتلني؟ لماذا أحضرني إلى هنا؟ ومن يكون؟ وبينما كنت غارقة في أسئلتي، فُتح الباب مرة أخرى. هذه المرة دخل هو. وقف عند الباب. لم يقل شيئًا. نظرت إليه بحذر. قال: — كيف حالك؟ ضحكت بسخرية رغم خوفي. — كيف أكون؟ اقترب. — خائفة. — نعم. جلس على المقعد المقابل لي. — جيد. عبست. — جيد؟ — الخوف يجعلك أكثر حذرًا. قلت: — أريد العودة. — لا. — ليس من حقك أن تمنعني. نظر إليّ بثبات. — أنتِ لا تعرفين ما الذي رأيته. قلت: — رأيت رجلًا يُقتل. — بل رأيتِ شيئًا أخطر من ذلك. صمتُّ. أخرج هاتفه ووضعه على الطاولة. ثم قال: — اسمك؟ أجبته. وللحظة واحدة فقط، تغيّر وجهه. تغير سريعًا حتى ظننت أنني تخيلت الأمر. لكنه أخفى ذلك فورًا. سأل: — اسم والدك؟ شعرت بالاستغراب. — لماذا؟ — أجيبي. قلت الاسم. هذه المرة لم يستطع إخفاء دهشته. نهض فجأة. حدقت فيه. — ما الأمر؟ لم يجب. استدار نحو النافذة. ظل صامتًا عدة ثوانٍ. ثم قال: — لا يمكن. سألته: — ماذا؟ التفت إليّ. كانت عيناه مختلفتين. لأول مرة رأيت فيهما شيئًا يشبه الصدمة. قال: — والدك كان يعرف أبي. توقفت أنفاسي. — ماذا؟ اقترب مني ببطء. — وأعتقد أن الوقت قد حان لتعرفي الحقيقة. — أي حقيقة؟ نظر إليّ طويلًا. ثم قال: — أن دخولك إلى هذا المكان لم يكن مصادفة. شعرت بقشعريرة تسري في جسدي. — ماذا تقصد؟ اقترب أكثر. ثم قال الجملة التي غيّرت حياتي إلى الأبد: — والدك لم يختفِ كما أخبروكِ. اتسعت عيناي. — ماذا؟ — كان واحدًا منا. تراجعت خطوة. — هذا مستحيل. — بل الحقيقة. هززت رأسي. — أنت تكذب. قال بهدوء: — أتمنى ذلك. ثم اتجه إلى الباب. قبل أن يخرج، التفت إليّ وقال: — نامي الآن. صرخت: — انتظر! توقف. — من أنت؟ صمت لحظة. ثم قال: — الرجل الذي كان والدك يهرب منه قبل عشرين عامًا. وأغلق الباب. بقيت أحدق فيه. لم أفهم. لكنني أدركت شيئًا واحدًا. أن الليلة التي ظننت أنها بداية كابوس… لم تكن إلا بداية الحكاية. وأن الرجل الذي كنت أكرهه منذ اللحظة الأولى… كان يعرف عن حياتي أكثر مما أعرف أنا. ولم أكن أعلم بعد… أن أخطر سر في تلك الإمبراطورية لم يكن متعلقًا بوالدي وحده. بل بي أنا.الفصل السادس والأخير حين اختارني قلبه مرّت ثلاثة أشهر منذ الليلة التي انتهت فيها الحرب. ثلاثة أشهر فقط، لكنها بدت لي كأنها حياة كاملة. تغيّر كل شيء. القصر الذي كان يومًا ممتلئًا بالحراس والرجال والأسلحة أصبح أكثر هدوءًا. لم تعد السيارات السوداء تصطف أمام بوابته، ولم تعد أصوات الأوامر تتردد في أرجائه. أما آسر… فلم يعد الرجل نفسه. ترك عالم المافيا نهائيًا. باع ما يستطيع بيعه، وأغلق الحسابات القديمة، وقطع علاقته بكل من بقي في ذلك العالم. كان يقول دائمًا: — لا أريد أن أورث أبناءنا يومًا حياةً تشبه حياتي. كنت أبتسم عندما يقولها. أبناءنا. كانت الكلمة وحدها تجعل قلبي يرتبك. لم نكن متزوجين بعد. ومع ذلك، كان يتحدث عن المستقبل وكأنه أمر حُسم منذ زمن. --- في أحد الصباحات، كنت أجلس في الحديقة مع أمي. كانت الشمس هادئة، والهواء يحمل رائحة الياسمين. قالت أمي: — هل أنت سعيدة؟ نظرت إليها. — نعم. ابتسمت. — حقًا؟ — حقًا. صمتت قليلًا. ثم قالت: — وآسر؟ ابتسمت رغما عني. — ماذا عنه؟ ضحكت. — لم أرَك تبتسمين بهذه الطريقة إلا عندما يكون اسمه في الحديث. خفضت عيني. — إنه مختلف.
الفصل الخامس حين انتصر الحب لم أنم تلك الليلة. كانت جملة الرجل المجهول تدور في رأسي، بينما ظل آسر واقفًا أمام النافذة، والهاتف بين يديه. «إذا أردت أن تعرف من قتل والدك… فاسأل الرجل الذي تناديه عمّي.» لم أرَ آسر بهذه الحالة من قبل. كان هادئًا عادةً. باردًا. حتى في أكثر اللحظات خطورة، كان يملك قدرة غريبة على إخفاء مشاعره. لكن تلك الليلة… رأيت شيئًا في عينيه. الخيانة. والصدمة. والألم. اقتربت منه. — آسر. لم يجب. — من عمك؟ ظل صامتًا. ثم قال: — الرجل الذي ربّاني بعد وفاة أبي. — هل تثق به؟ أغلق عينيه للحظة. — كنت أثق به أكثر من نفسي. — والآن؟ فتح عينيه. — لا أعرف. اقتربت منه. — يجب أن تعرف. نظر إليّ. — لماذا؟ — لأنني تعبت من أن أكون آخر من يعرف الحقيقة. ظل ينظر إليّ طويلًا. ثم قال: — اسمه حازم الداغر. توقفت. — هل هو من عائلتك؟ — أخو أبي. ثم أضاف: — عمي. جلست. — وهل تعتقد أنه قتل والدك؟ — لا أريد أن أصدق ذلك. — لكن التسجيل… — قد يكون فخًا. قلت: — وربما يكون الحقيقة. صمت. ثم قال: — سنعرف. --- في صباح اليوم التالي، غادر آسر القصر دون أن يخبر أ
الفصل الرابع الخطيئة الأخيرة لم أستطع رفع عيني عن آسر. كانت كلماته الأخيرة لا تزال تتردد في رأسي: «أنتِ الوريثة الوحيدة لذلك المفتاح.» لم أفهم. لم أرد أن أفهم. كنت أريد فقط أن أعود إلى حياتي القديمة، إلى غرفتي الصغيرة، إلى الأيام التي كانت أكبر مشكلاتي فيها امتحانًا تأخرت في الاستعداد له، أو كوب قهوة باردًا نسيته على مكتبي. أما الآن… فأنا أقف داخل قصر رجل يُحكم مدينة كاملة من خلف الأبواب المغلقة، وأكتشف أن والدي كان جزءًا من إمبراطورية إجرامية، وأن أمي التي ظننتها ميتة قد تكون على قيد الحياة. والأسوأ من ذلك كله… أن الرجل الذي أمامي كان يعرف كل شيء تقريبًا. قلت: — منذ متى وأنت تعرفني؟ لم يجب فورًا. نظر إلى الرسالة التي ما زلت أمسك بها. ثم قال: — منذ كنتِ طفلة. شعرت بالصدمة. — ماذا؟ — رأيتك مرة واحدة. — أين؟ — في بيت والدك. — وكم كان عمري؟ — سبع سنوات. حاولت أن أتذكر. بيت قديم. حديقة واسعة. رجل طويل يقف بعيدًا. وصوت أبي يقول لي: «لا تقتربي منه.» وضعت يدي على رأسي. تسللت صورة قديمة إلى ذاكرتي. كنت صغيرة. وكان هناك رجل يقف قرب أبي. لم أستطع رؤية وجهه.
الفصل الثالث سرّ الدم لم أستطع النوم. منذ أن خرج آسر من الغرفة، بقيت كلماته عالقة في رأسي: «الرجل الذي رأيتِه… هو الرجل الذي قتل والدك.» كان من المفترض أن أشعر بالخوف. لكن شيئًا آخر كان يطغى على خوفي. الأسئلة. أسئلة كثيرة، لا أجد لها جوابًا. إذا كان والدي قد قُتل، فلماذا أخبروني أنه اختفى؟ وإذا كانت أمي على قيد الحياة، فأين هي؟ ولماذا كان الرجل صاحب خاتم الذئب يبحث عني؟ ثم هناك آسر… لماذا كان يحاول حمايتي؟ ولماذا شعرت، رغم كل شيء، أنني أستطيع الوثوق به؟ كنت أكره هذه الفكرة. آسر الداغر رجل لا أعرف عنه شيئًا. رجل يعيش بين السلاح والدم والصفقات السرية. رجل يخشاه الجميع. ومع ذلك… حين أخبرني أنني أصبحت هدفًا، شعرت بالأمان إلى جواره. وهذا تحديدًا ما أخافني. --- مع أول ضوء للفجر، سمعت طرقًا خفيفًا على الباب. رفعت رأسي. — من؟ جاءني صوت آسر: — أنا. ترددت لحظة. ثم فتحت الباب. كان يقف أمامي بملابس سوداء، وفي يده ملف. نظر إلى وجهي. — لم تنامي. لم تكن سؤالًا. قلت: — وأنت؟ — ليس مهمًا. تنحيت جانبًا. دخل وأغلق الباب. وضع الملف على الطاولة. ثم قال: — علينا أن
الفصل الثاني حين لم يعد الهروب ممكنًا لم أنم تلك الليلة. كيف يمكن للإنسان أن يغمض عينيه بعد أن يكتشف أن الحياة التي عاشها طوال عمره قد تكون مبنية على كذبة؟ كنت مستلقية على السرير، أحدق في السقف، وأعيد كلمات آسر في رأسي للمرة التي فقدت فيها القدرة على عدّها. «والدك لم يختفِ كما أخبروكِ.» كلما تذكرت الجملة شعرت بأن شيئًا باردًا يمر في عروقي. والدي. الرجل الذي قيل لي إنه رحل منذ سنوات. الرجل الذي لم تكن لدي منه سوى صور قليلة وذكريات باهتة. كيف يمكن أن يكون مرتبطًا بهذا العالم؟ كيف يمكن أن يكون واحدًا منهم؟ والمشكلة الأكبر… لماذا كان آسر الداغر يعرفه؟ جلست على السرير. كان الصمت يملأ الغرفة، وخلف النافذة بدأ الفجر يلوّن السماء بلون رمادي شاحب. نهضت واتجهت إلى النافذة. فتحت الستارة. كان القصر هادئًا. لكن الهدوء هنا لم يكن يشبه هدوء المنازل. كان هدوءًا يشبه الهدوء الذي يسبق العاصفة. رأيت رجلين يقفان عند البوابة، وثالثًا يمشي في الحديقة، ورجلًا آخر يتحدث عبر الهاتف بالقرب من السيارات. حراسة في كل مكان. وضعت يدي على الزجاج. كنت سجينة. لم يقل آسر ذلك صراحةً، لكن كل شيء
الفصل الأول الشاهدة الأخيرة في الليلة التي رأيتُ فيها أول جريمة قتل، لم أكن أعلم أن الرجل الذي سيرفع سلاحه نحوي… سيكون الرجل نفسه الذي سيحمل قلبي يومًا. كانت الساعة تقترب من منتصف الليل، والمدينة غارقة في مطرٍ كثيف جعل الشوارع تبدو كأنها خالية من الحياة. كنت أكره العودة متأخرة. ليس خوفًا من الليل، وإنما لأنني كنت أؤمن أن لكل مدينة وجهًا لا تُظهره إلا بعد أن ينام الجميع. وفي تلك الليلة، رأيت ذلك الوجه. كنت أسير تحت مظلتي، أضم معطفي إلى جسدي وأسرع الخطى. لم يكن في الشارع سوى صوت المطر ووقع خطواتي المتعجلة. ثم سمعت صوتًا. ارتطام باب سيارة. توقفت. لم أعرف لماذا توقفت. ربما كان الفضول، وربما كان ذلك الإحساس الغريب الذي يسبق وقوع شيء لا يمكن التراجع عنه. التفتُّ نحو الزقاق الضيق الممتد بين مبنيين قديمين. كانت هناك سيارة سوداء متوقفة بلا أضواء. ثم ظهر رجلان. كانا يرتديان معاطف سوداء طويلة، ويتحركان بطريقة جعلت قلبي ينقبض. تراجعت خطوة. ثم سمعت صوت رجل ثالث: — أين المال؟ لم أستطع رؤية وجهه. جاء الرد متقطعًا: — أقسم لك… لا أملك شيئًا. ساد صمت قصير. ثم دوّى صوت الرصاصة.







