INICIAR SESIÓNلم تعرف ليان كيف وصلت إلى بنايتها. كل ما كانت تعرفه أنها ركضت طوال الطريق تقريبًا، تتلفت خلفها كل بضع ثوانٍ، وتتأكد أن الرجال لم يتبعوها وحين وصلت أخيرًا إلى مدخل العمارة، صعدت الدرج بسرعة حتى بلغت شقتها في الطابق الثالث، ثم أغلقت الباب خلفها وأسنَدت ظهرها إليه وهي تلتقط أنفاسها.
بقيت لثوانٍ تحدق في الفراغ، محاولة استيعاب ما حدث قبل ساعات فقط، كانت المهمة بالنسبة إليها مجرد سرقة هاتف ومحفظة مقابل مبلغ جيد لم يكن عليها سوى الاقتراب من رجل لا تعرفه، أخذ ما طُلب منها، ثم العودة إلى حياتها وكأن شيئًا لم يكن لكنها الآن كانت تقف داخل شقتها وهي تحمل هاتفًا جعل أشخاصًا مجهولين يلاحقونها، ورسائل لا تفهم معناها، وتحذيرات لا تعرف إن كان عليها تصديقها. أخرجت الهاتف من حقيبتها وجلست على طرف الأريكة حدقت في الشاشة طويلًا، ثم مررت إصبعها فوقها دون أن تفتح أي شيء. كانت الرسالة الأخيرة لا تزال أمامها: "لا تحاولي معرفة الكثير." "وكأنني أملك رفاهية عدم المعرفة الآن." وضعت الهاتف بجانبها، ثم اتجهت إلى المطبخ لتشرب بعض الماء. لم تكد ترفع الكوب إلى فمها حتى سمعت صوتًا خافتًا في الخارج. طرق. ظنت في البداية أنها تتخيل الصوت، لكن الطرق تكرر، هذه المرة أوضح وأقوى. وضعت الكوب على الطاولة ببطء. طرق آخر. اتجهت نحو الباب بحذر، وكل خطوة كانت تجعل قلبها يخفق أسرع. توقفت أمامه ونظرت إلى العين السحرية، إلا أنها لم ترَ سوى رجل يقف في الممر وظهره إليها. عاد الطرق مرة أخرى. "ليان، نعرف أنك في الداخل." تجمدت في مكانها. ابتعدت عن الباب فورًا، كيف عرفوا اسمها؟ وكيف عرفوا أنها عادت إلى شقتها؟ جاء الطرق من جديد. "افتحي الباب، ولن نضطر إلى الدخول بأنفسنا." اهتز الهاتف في يدها. لا تجيبي! اخرجي من النافذة. نظرت إلى النافذة، ثم إلى باب الشقة كانت شقتها في الطابق الثالث. "هل أنت مجنون؟" تمتمت وهي تحدق في الرسالة. وصلت رسالة أخرى. الممر الخلفي. هناك سلم للطوارئ. لم يكن أمامها وقت للتفكير. أخذت حقيبتها والهاتف، ثم اتجهت نحو النافذة فتحتها بحذر ونظرت إلى الأسفل. كان سلم الطوارئ مثبتًا على جانب المبنى، لكنه بدا قديمًا بما يكفي ليجعلها تعيد النظر في حياتها كلها. "رائع. يوم واحد فقط كان يمكن أن يمر بشكل طبيعي." جاءها صوت من خلف الباب: "سنكسر الباب." ابتلعت ريقها، ثم تسلقت إلى الخارج. في اللحظة التي وضعت فيها قدمها على السلم، دوى صوت ارتطام قوي من داخل الشقة. بدأت تهبط بسرعة، بينما كان الرجال يحاولون الوصول إليها من النافذة. وصلت إلى الشارع بعد دقائق، واختبأت خلف سيارة متوقفة. كانت تلهث، وشعرها مبعثر. الرقم المجهول يتصل مجددا. أجابت بغضب: "من أنت؟" "أنتِ بخير؟" "لا تسألني إن كنت بخير! رجال اقتحموا شقتي بسبب هاتف سرقته من رجل لا أعرفه!" صمت للحظة، ثم قال: "هل ما زال الهاتف معك؟" "نعم." "جيد." ضحكت بسخرية. "جيد؟ هذا كل ما لديك؟" "اسمعيني جيدًا، ليان لو عرف آدم أن الهاتف معك، لن تكون المشكلة في الشرطة." تجمدت. "ماذا تقصد؟" "آدم ليس الشخص الذي تظنينه." وقبل أن تجيبه، سمعت صوت سيارة تتوقف بالقرب منها. نظرت إلى الشارع، فرأت رجلًا يترجل من سيارة سوداء. عرفته فورًا. آدم. كان يقف وسط الطريق وينظر حوله، وكأنه يبحث عن شخص بعينه. ثم أخرج هاتفًا واتصل. اهتز الهاتف الموجود في يد ليان. نظرت إلى الشاشة. آدم يتصل. خفضت ليان جسدها قليلًا، لكن عينيها بقيتا معلقتين به. كان آدم يرتدي قميصًا أسود بأكمام مطوية إلى ساعديه، وفوقه معطف داكن جعل قامته تبدو أكثر حضورًا بدا هادئًا على نحو مستفز. انقطع الاتصال، ثم عاود الهاتف الرنين. نظرت ليان إلى الشاشة، وبعد تردد قصير أجابت. "أين أنتِ؟" توقفت أنفاسها للحظة عندما سمعت صوته. "كيف عرفت رقمي؟" "هذا هاتفي." "اه صحيح" قال آدم بنبرة أكثر جدية: "أعرف أنكِ سرقتِه." رفعت ليان حاجبها رغم أنه لا يستطيع رؤيتها. "حقًا؟ كنت أظن أنك لم تلاحظ." "لاحظت بعد أن خرجتِ." "إذن لماذا لم تلحق بي؟" "كنت أحاول أن أفهم لماذا سرقتِ هاتفي بدلًا من أشياء أسهل." ابتسمت دون أن تشعر. "ربما لأن هاتفك أعجبني." "وأنا ظننت أنكِ أعجبتِ بي." اختفت ابتسامتها فورًا فقد لمحته يلتفت فجأة نحو السيارة التي تختبئ خلفها. تراجعت بسرعة، وفي تلك اللحظة اصطدمت يدها بمرآة السيارة فأصدرت صوتًا خفيفًا. رفع آدم رأسه. أغلقت الاتصال فورًا ثم ركضت لم تفكر في الاتجاه، فقط ركضت بأقصى سرعتها. اندفع شعرها الأسود الطويل خلفها مع كل خطوة، يتطاير حول كتفيها قبل أن يستقر على ظهرها. سمعت صوت آدم يناديها من خلفها، وصل صوته أقرب. انعطفت إلى شارع جانبي، ثم قفزت فوق حاجز قصير يفصل الرصيف عن موقف السيارات، وواصلت الركض. كان آدم خلفها مباشرة، لكنه توقف للحظة عندما اختفت بين السيارات. "هذه الفتاة..." قال وهو يلتقط أنفاسه، ثم ابتسم رغمًا عنه. في الجهة الأخرى، كانت ليان قد اختبأت داخل مدخل أحد المباني وضعت يدها على فمها حتى لا يصدر عنها صوت، وظلت تراقب الشارع من خلال الباب الزجاجي. مر آدم أمام المبنى دون أن يراها. انتظرت حتى ابتعد، ثم أخرجت الهاتف. كانت هناك رسالة جديدة. كان يجب ألا تقتربي منه. ومن قال إنني أقترب منه؟ هو الذي يطاردني. ظهر إشعار آخر: "اسأليه عن يوسف." شعرت بشخص خلفها التفتت ببطء. قال بابتسامة مخيفة:"يمكنكِ أن تسأليني الآن."حين فتحت ليليان عينيها، احتاجت إلى عدة ثوانٍ حتى تدرك أنها ليست في الفندق. كان رأسها ثقيلًا، وذاكرتها تعود إليها ببطء؛ شاشة السينما، أصوات الناس من حولها، يوسف وهو يبتعد عنها بعد أن تلقى اتصالًا، ثم ذلك الرجل الذي اقترب منها. بعد ذلك، لا شيء. جلست وهي تنظر إلى الغرفة الهادئة من حولها، ثم وقفت واتجهت إلى الباب. حاولت فتحه مرة، ثم أدركت من ثبات المقبض أنه مقفل من الخارج.بعد دقائق، دار المفتاح في القفل.دخل رجل تعرفه.لم يكن وجهه غريبًا عنها، بل كان أحد الأشخاص الذين تعاملت معهم منذ البداية، الشخص الذي أعطاها التعليمات المتعلقة بآدم والهاتف. هذه المرة لم يكن صوته يأتيها عبر مكالمة مجهولة، ولم يكن خلف شاشة يخفي ملامحه. كان أمامها مباشرة، بملابس أنيقة ونظرة باردة، وكأن ما حدث لم يكن أكثر من تغيير لمكان الاجتماع.حدقت ليليان فيه بغضب.جلس الرجل أمامها بهدوء."يبدو أنك تذكرتِنا. ""من الصعب أن أنسى أشخاصًا كلفوني بمهمة دمرت حياتي."تجاهل ما قالته : " هل تعرفين سبب وجودك هنا الآن؟""لأنني لم استطع إتمام المهمة " "لم نختطفك لأنك فشلتِ في مهمتك.""إذن لماذا أنا هنا؟""كنا نريد الهاتف. لكنكِ
انتهى الاجتماع الأخير بعد الظهر، وخرجت ليليان من القاعة وهي تحمل ملفاتها إلى صدرها، لكن عقلها لم يكن مع الاجتماع الذي انتهى للتو.منذ أن أخبرتها زميلتها عن ريان، والسؤال نفسه يدور في رأسها بلا جواب.لماذا طُرد ريان؟كانت تعرف أن الإدارة قد تتخذ قرارات تتعلق بالموظفين من دون أن يعرف الجميع تفاصيلها، لكن ما أثار استغرابها أن القرار جاء من الإدارة العليا تحديدًا. هل كان المدير التنفيذي يتدخل بنفسه في مثل هذه الأمور؟ أم أن الأمر يتعلق بشيء أكبر من مجرد مخالفة وظيفية؟لم تكن ليليان تعرف ريان بما يكفي لتقول إنه لا يمكن أن يكون قد أخطأ، لكنها قضت معه وقتًا طويلًا في الشركة، ولم تلاحظ عليه خلال الفترة الأخيرة أي شيء يجعلها تتوقع قرارًا كهذا.وعندما عادت إلى غرفتها، وضعت الملفات على المكتب وجلست للحظات أمام هاتفها.كان اسم ريان ظاهرًا في قائمة المحادثات.فتحت المحادثة، وبقي إصبعها فوق زر الاتصال.كانت على وشك أن تتصل به وتسأله عما حدث، حين سمعت طرقًا خفيفًا على الباب.رفعت رأسها باستغراب، ثم أغلقت هاتفها وتوجهت لفتحه.كانت إحدى موظفات الفندق تقف في الخارج، تحمل صندوقًا متوسط الحجم مغلفًا بعناي
استيقظت ليليان قبل موعدها بقليل، وظلت للحظات تحدق في سقف الغرفة وهي تتذكر حديث الأمس. لم تكن الجملة التي قالها يوسف صريحة بما يكفي لتسمح لها بفهمها، لكنها بقيت عالقة في رأسها على الرغم من محاولتها تجاهلها. قلبت وسادتها بضيق، ثم نهضت أخيرًا وهي تقرر ألا تمنح تلك الجملة أهمية أكبر من اللازم.حين نزلت إلى بهو الفندق، كان يوسف ينتظرها قرب المدخل. لم يكن يرتدي بدلته الرسمية هذه المرة، بل معطفًا أنيقًا فوق ملابس بسيطة.قال عندما رآها: "صباح الخير. " "صباح الخير، سيدي."توقفت يده فوق الشاشة لحظة، ثم نظر إليها وقال: "سيدي؟"جلست وهي ترتب حقيبتها بجانبها "أنت المدير التنفيذي، أليس كذلك؟"ظهرت ابتسامة خفيفة على وجهه "كنت أعتقد أنني تجاوزت هذه المرحلة منذ الأمس.""أعتقد أن من الأفضل ألا نخلط بين رحلة العمل والعمل نفسه.""كما تشائين."ألقى نظرة سريعة على الساعة "لدينا بعض الوقت قبل الموعد.""كنت أظن أننا سنذهب مباشرة إلى الاجتماع.""سنذهب لاحقًا."نظرت إليه باستغراب "إلى أين إذن؟""إلى مكان يستحق أن تريه وأنتِ هنا."لم يزد على ذلك.وبعد نحو نصف ساعة، كانت ليليان تقف أمام متحف اللوفر، تنظر إلى
لم تكن ليليان قد اعتادت السفر من أجل العمل، ولذلك شعرت منذ لحظة جلوسها في الطائرة بأنها مطالبة بأن تبدو أكثر هدوءًا مما كانت عليه في الحقيقة. وضعت حاسوبها المحمول على الطاولة الصغيرة أمامها، فتحت الملف الذي ستحتاج إليه في الاجتماع الأول، وبدأت تراجع الملاحظات التي كتبتها في الليلة السابقة كانت تحاول التركيز، لكن وجود يوسف في المقعد القريب منها جعل الأمر أصعب قليلًا. لم يكن يتحدث، ولم يكن يفعل شيئًا يلفت انتباهها، ومع ذلك كانت تشعر بوجوده بوضوح.رفعت عينيها عن الشاشة للحظة، ثم عادت إلى الملف.بعد دقائق، اكتشفت أنها تقرأ الفقرة نفسها للمرة الثالثة.جاء صوته هادئًا من جوارها: "إذا استمريتِ في النظر إلى الصفحة بهذه الطريقة، فأظن أنها ستعترف لكِ في النهاية."التفتت إليه بسرعة، وبدا على وجهها شيء من الإحراج. كان يوسف يقرأ بعض الأوراق أمامه، وكأنه لم يقل شيئًا.قالت وهي تغلق الملف: "كنت أراجع الملاحظات.""أعرف."نظرت إليه باستغراب "كيف عرفت؟"رفع عينيه إليها، وكانت في نظرته لمحة ابتسامة صغيرة "لأنكِ منذ عشر دقائق تقلبين الصفحة نفسها."نظرت ليليان إلى الشاشة، ثم إليه، ولم تجد ما تقوله. ضحك
لم تكن ليليان قد اعتادت بعد على فكرة أن مكتبها الجديد يمكن أن يقودها إلى أماكن لم تخطط لها. قبل شهر واحد فقط كانت تحاول أن تجد طريقة تدفع بها أيامها إلى الأمام دون أن يلاحظ أحد اضطراب حياتها، والآن أصبحت تحمل ملفًا رسميًا في يدها وتستعد للسفر في مهمة عمل مع أهم رجل في الشركة.دخلت مكتب نائبة المدير في صباح اليوم التالي، فوجدتها تقلب بعض الأوراق أمامها.قالت من دون أن ترفع رأسها: "أغلقي الباب يا ليليان."أغلقته وجلست أمام المكتب.دفعت إليها ملفًا أزرق "هذه تفاصيل الرحلة المغادرة بعد يومين، والإقامة أربعة أيام مبدئيًا قد نحتاج إلى يوم إضافي إذا تأخر الاجتماع الأخير."فتحت ليليان الملف وبدأت تقرأ. كان جدول المواعيد ممتلئًا، وبعض الاجتماعات متقاربة إلى درجة جعلتها تعيد النظر في الساعات أكثر من مرة."هذه المواعيد كلها مؤكدة؟""معظمها.""ومعظمها تعني أن هناك احتمالًا لتغييرها؟"ابتسمت نائبة المدير. "تعلمتِ بسرعة." أشارت إلى إحدى الصفحات "هذا الاجتماع أضيف صباح اليوم المدير التنفيذي يريد حضوره أيضًا، لذلك عليك أن تضعي في حسابك أن الجدول قد يتغير في أي لحظة."رفعت ليليان عينيها عن الملف. "
لم تكن ليليان تتوقع أن يكون أول صباح لها في الشركة بهذه القسوة.وقفت أمام مكتب نائبة المدير تحمل مجموعة من الملفات التي كُلّفت بترتيبها، بينما كان صوت الأوراق يتقلب بعصبية خلف المكتب. رفعت ليليان عينيها عن الملف عندما قالت نائبة المدير دون أن تنظر إليها:"هذا الملف كان يجب أن يكون على مكتبي قبل نصف ساعة."نظرت ليليان إلى الساعة المعلقة على الجدار ثم إلى الأوراق بين يديها. كانت قد وصلت قبل الموعد بعشر دقائق، لكن الملف نفسه لم يصلها إلا قبل دقائق قليلة من الموظف المسؤول عنه.قالت بهدوء: "وصلني منذ سبع دقائق فقط، وكنت أراجع الأرقام قبل أن أضعه أمامك هناك صفحتان لم تتطابق أرقامهُما مع الجدول المرفق."رفعت نائبة المدير رأسها أخيرًا، ونظرت إليها نظرة طويلة."وهل طلبت منك مراجعة الأرقام؟""لا.""إذن لماذا لم تنفذي المطلوب فقط؟"أغلقت ليليان الملف بهدوء وقالت: "لأنني إذا وضعته على مكتبك كما وصلني، فسأكون قد أنجزت المهمة في وقتها، لكن الخطأ سيبقى في الملف وإذا اكتشفتِه لاحقًا، فلن يكون السؤال لماذا أخطأ الموظف الذي أعدّه، بل لماذا مرّ من خلال مكتبك."ساد الصمت للحظة.كانت نائبة المدير امرأة







