FAZER LOGINلم يكن سليم بحاجة إلى سماع الحكم مرتين ليتأكد من النتيجة التي كان يتوقعها، وإن لم يكن يرغب في حدوثها.جلس في قاعة المحكمة بين عدد من الحاضرين، بملامح هادئة لا تكشف عمّا يدور في داخله. وعلى الجانب الآخر، جلست سلمى إلى جوار محاميها، تحاول إخفاء توترها خلف ملامح واثقة، بينما كانت تنتظر أن ينطق القاضي بالحكم النهائي.ساد الصمت القاعة حين بدأ القاضي يتلو قراره، ثم جاءت الكلمات التي انتظرتها سلمى بفارغ الصبر.«حكمت المحكمة ببراءة المتهمة سلمى مالك، لعدم كفاية الأدلة الموجّهة إليها، وعدم توافر ما يكفي لإثبات التهمة المنسوبة إليها.»للحظة، بقيت سلمى ساكنة، كأنها احتاجت إلى بضع ثوانٍ لتستوعب ما سمعت. ثم ارتخت ملامحها تدريجيًا، وانفرجت شفتاها عن ابتسامة حاولت كتمانها، لكنها لم تستطع.لقد بُرِّئت.لم تكن الأدلة المقدمة ضدها كافية لإدانتها، ولم يتمكن الادعاء من إثبات التهمة بما يقتضيه القانون. وهكذا، خرجت من القضية حرة، على الأقل في نظر المحكمة.أما سليم، فلم يتغير شيء في ملامحه.لم يبدُ غاضبًا، ولم تظهر عليه علامات الخيبة التي ربما توقعتها سلمى منه. اكتفى بالبقاء في مكانه، يستمع إلى استكمال الإ
انتهى العشاء بعد وقت قصير، وبدأ آسر يستعد للمغادرة. وقف عن مقعده وقال بابتسامة: — شكرًا لكما على العشاء، لقد سعدت كثيرًا بلقائك يا صبا. ابتسمت صبا. — وأنا أيضًا. أخذ آسر سترته، ثم نظر إلى سليم. — سأذهب إلى الفندق الآن، لدي بعض الأمور التي أريد ترتيبها قبل الغد. أومأ سليم. — حسنًا. توجه سليم معه إلى الباب. قال آسر: — أراك غدًا في الشركة. — بالتأكيد. ثم صافحه آسر وأضاف: — وسأخبرك غدًا بما أنجزته في الفرع. — لا تتردد في الاتصال بي إذا احتجت شيئًا. ابتسم آسر. — أعرف. غادر آسر، وأغلق سليم الباب خلفه. عاد الهدوء إلى المنزل من جديد. وقفت صبا في مكانها للحظات، تشعر بغرابة لم تستطع تفسيرها. كانت قد قررت أن تبتعد عن هذا المنزل، وأن تمنح سليم المساحة التي يحتاجها ليجد مكانًا آخر، لكنها الآن تقف فيه من جديد وكأنها لم تغادره أصلًا. التفتت إليه. كان سليم ينظر إليها. لم يقل شيئًا في البداية. ثم قال بهدوء: — لقد تأخر الوقت. أومأت صبا. — نعم. تردد للحظة، ثم سألها: — هل ستبقين الليلة؟ لم تكن صبا قد قررت ذلك. نظرت حولها، ثم عادت بعينيها إليه. كان بإمكانها أن تقول إنها ست
جلس الثلاثة بعدها حول طاولة الطعام. كان الجو في البداية هادئًا، قبل أن يبدأ آسر الحديث. — كيف تسير الأمور في الشركة يا صبا؟ أجابته: — بشكل جيد. العمل كثير، خصوصًا في الفترة الأخيرة، لكن الأمور تسير كما يجب. — سمعت أنك تعملين في أحد المشاريع المهمة. نظرت إلى سليم للحظة، ثم عادت بنظرها إلى آسر. — يبدو أن الأخبار تصل إليكم بسرعة. ضحك آسر. — عندما يكون الأمر متعلقًا بالعائلة، تصل الأخبار أسرع مما تتوقعين. ابتسمت صبا. أما سليم فكان يستمع إليهما بهدوء. بعد لحظات، لاحظ آسر أن صبا مدت يدها نحو أحد الأطباق، فسبقها سليم إليه ووضعه أمامها. قال ببساطة: — خذي هذا. نظرت إليه صبا. — شكرًا. لم يعلق سليم. لكن آسر لاحظ الأمر. لم تكن الحركة كبيرة، إلا أن سليم لم يكن الشخص الذي يتذكر عادةً التفاصيل الصغيرة المتعلقة بالآخرين. استمر الحديث. سأل آسر صبا عن عملها، وعن المنارة، وعن المدة التي قضتها في المدينة، وكانت تجيبه بهدوء. وفي أثناء ذلك، كان سليم يتدخل بين حين وآخر بطريقة طبيعية. مرة يبعد عنها طبقًا ساخنًا قبل أن تلمسه، ومرة يملأ كأسها بالماء عندما يجده فارغ
— وأرسلَه أيضًا ليراقبنا. اتسعت عينا صبا قليلًا. — يراقبنا؟ — نعم. أعتقد أن رائد يريد أن يعرف ما يحدث بيننا، ولهذا أرسل آسر إلى هنا. تنهدت صبا. — والدك لا يتوقف عن التدخل. — أعرف. ثم تابع سليم: — آسر لم يكن موجودًا في زفافنا لأنه كان يدرس في ذلك الوقت، وهو يريد أن يتعرف إليك. صمتت صبا للحظة. قال سليم: — لذلك سيأتي معي إلى المنزل الليلة، وسنتعشى معًا. واضاف — صبا أريدك أن تأتي. ساد الصمت للحظات. ثم قال سليم بوضوح: — آسر ابن عمي، ومن الطبيعي أن تتعرفي إليه. كما أنني لا أريد أن يكون لقاؤكما الأول في الشركة أو في مناسبة أخرى. لم تجبه مباشرة. كان سليم ينتظر ردها، ثم قال: — تعالي إلى المنزل يا صبا. بقت صبا متردد لم تعرف لماذا شعرت أن دعوته لم تكن مجرد عشاء عائلي. ربما لأنه يعرف أنها لا تزال تقيم عند ندى، وربما لأنه وجد سببًا مناسبًا ليطلب منها العودة إلى المنزل. ومع ذلك، لم تجد سببًا حقيقيًا للرفض. قالت أخيرًا: — حسنًا، سأأتي. ساد صمت قصير في الطرف الآخر. ظهر شيء من الارتياح على ملامح سليم، رغم أن صوته بقي هادئًا. — جيد. سأراك في الم
كان سليم يجلس خلف مكتبه يتابع بعض الملفات حين طُرق الباب طرقًا خفيفًا. رفع عينيه عن الأوراق وقال: — ادخل. انفتح الباب، ودخل رجل لم يره سليم منذ فترة طويلة. كان يحمل حقيبة صغيرة بيده، وملامحه تحمل شيئًا من الهدوء والثقة التي لطالما عرفها فيه. توقفت عينا سليم عليه للحظة، ثم قال: — آسر؟ ابتسم آسر وهو يقترب منه. — يبدو أنك لم تتوقع رؤيتي. نهض سليم من مكانه وصافحه. — لم أتوقع أن تأتي إلى هنا. وضع آسر حقيبته جانبًا، ثم جلس أمام المكتب. — وصلت مند ايام جلس سليم من جديد، وقال: — وصلت إلى المنارة من أجل العمل؟ أومأ آسر. — نعم. عمي رائد هو من أرسلني. ساد صمت قصير، ولم يحتج سليم إلى المزيد من التوضيح حتى يفهم الأمر. رائد لم يكن ليرسل آسر إلى المنارة مصادفة. قال سليم بهدوء: — إلى أي فرع؟ — الفرع الثاني في المدينة. أخبرني أنني سأتولى إدارته من الآن فصاعدًا. ظل سليم صامتًا لحظة، ثم أطلق زفيرًا خفيفًا. — كان بإمكانه أن يخبرني بنفسه. ابتسم آسر ابتسامة صغيرة. — أنت تعرف عمي رائد. أحيانًا لا يخبرك بما يفكر فيه، بل يكتفي بأن يفعله. نظر إليه سليم دون تعلي
اقترب منها خطوة صغيرة، ثم أبعد الخصلة عن وجهها. تجمدت صبا في مكانها. لكن يده لم تبتعد فورًا. توقفت أصابعه للحظة بالقرب من وجنتها، وكأنه هو نفسه أدرك فجأة مدى قربه منها. رفعت صبا عينيها ببطء. التقت عيناهما. لم يقل أي منهما شيئًا. كان الصمت بينهما مختلفًا هذه المرة. صبا شعرت بتسارع نبضها، وحاولت أن تتجاهل ذلك. أما سليم، فظل ينظر إليها للحظات، قبل أن يسحب يده ببطء. كانت عيناه لا تزالان معلقتين بها. قال بصوت منخفض: "اهتمي بنفسك." ابتلعت صبا ارتباكها، ثم أومأت دون أن ترفع عينيها. "سأفعل." استدارت لتعود إلى الداخل. خطت خطوة واحدة، ثم أخرى. لكنها توقفت للحظة عندما سمعت سليم يناديها بصوت هادئ: "صبا." التفتت إليه. نظر إليها للحظة، ثم قال: "ولا تنسي الفيتامينات." نظرت إلى الكيس في يدها، ثم ابتسمت بخجل خفيف. "لن أنساها." بقي سليم ينظر إليها حتى استدارت من جديد. لاحظ احمرار وجهها وارتباكها، فظهرت على شفتيه ابتسامة صغيرة لم تستطع صبا رؤيتها. ثم استدار وغادر. وقفت صبا أمام الباب للحظات قبل أن تفتحه. وحين أصبحت وحدها، رفعت يدها دون أن تشعر، ولمس
عاد سليم وصبا إلى المنزل في صمت شبه كامل.كان الطريق بينهما هادئاً، لا يقطعه سوى صوت السيارة.ما إن وصلا حتى دخل سليم مباشرة إلى الغرفة.التقط ملابسه واتجه إلى الحمام دون أن ينطق بكلمة.وقفت صبا للحظات تراقب الباب المغلق ثم توجهت إلى غرفة المعيشة.فتحت حاسوبها المحمول وجلست تراجع بعض الملفات المتبق
جلست صبا في مكتبها تحاول التركيز على الملفات أمامها، لكن عقلها كان مزدحماً بالأفكار.كانت تقرأ الأرقام والتقارير دون أن تستوعبها فعلياً.فجأة، قطع رنين هاتفها الصمت داخل المكتب.نظرت إلى الشاشة لتجد اسم نسرين يظهر أمامها.شعرت بتردد قبل أن ترد، لكنها أجابت في النهاية.قالت نسرين بصوت دافئ: "صبا حبي
في صباح اليوم التالي، استيقظت صبا على ضوء الشمس المتسلل إلى غرفتها.شعرت بثقل في رأسها وإرهاق يسيطر على جسدها.أدركت أنها استيقظت متأخرة على غير عادتها تماماً.اعتادت أن تستيقظ باكراً لتحضير الإفطار قبل أن يستيقظ سليم.حاولت تذكر متى نامت في الليلة الماضية، لكنها لم تستطع.يبدو أنها غفت بعد ساعات ط
الفصل الأوللم أكن أتخيل أن يوم زفافي سيكون بداية قصة لم أفهم فصولها بعد.اسمي صبا، أبلغ من العمر سبعة وعشرين عاماً، فتاة عادية الملامح لكنني أؤمن أن لكل إنسان شيئاً يميّزه.أعمل خبيرة في مجال الطاقة المتجددة، وكان عملي دائماً ملجأي الذي أجد فيه نفسي الحقيقية.عندما رأيت سليم لأول مرة شعرت أن قلبي







