LOGINعاد سليم وصبا إلى المنزل في صمت شبه كامل.
كان الطريق بينهما هادئاً، لا يقطعه سوى صوت السيارة. ما إن وصلا حتى دخل سليم مباشرة إلى الغرفة. التقط ملابسه واتجه إلى الحمام دون أن ينطق بكلمة. وقفت صبا للحظات تراقب الباب المغلق ثم توجهت إلى غرفة المعيشة. فتحت حاسوبها المحمول وجلست تراجع بعض الملفات المتبقية من عملها. كانت تحاول التركيز رغم الإرهاق الذي يثقل عينيها. خرج سليم من الحمام بعد قليل. ألقى نظرة سريعة نحوها ثم توجه إلى السرير. لم يسألها حتى إن كانت ستنام قريباً. تمدد على السرير وأطفأ الضوء بجانبه. بقيت صبا تعمل تحت ضوء المصباح الصغير. شعرت بأن المسافة بينهما أصبحت أكبر من أي وقت مضى. أنهت عملها بعد ساعة تقريباً. أغلقت الحاسوب وتوجهت إلى السرير. نامت سريعاً من شدة التعب. في صباح اليوم التالي، استيقظت صبا باكراً كعادتها. لكنها لم تتجه إلى المطبخ هذه المرة. وقفت للحظات تفكر، ثم ارتدت ملابسها بهدوء. خرجت من المنزل دون أن تحضر الإفطار لسليم. شعرت بشيء من الحزن، لكنها تذكرت قرارها. قادت سيارتها متجهة إلى العمل. وصلت إلى الشركة ودخلت مكتبها مباشرة. لم تمضِ دقائق حتى وصلها اتصال من السكرتيرة. أخبرتها أن المدير يريد رؤيتها فوراً. توجهت صبا إلى مكتب عمر بخطوات هادئة. طرقت الباب ودخلت بعد أن سمح لها. ابتسم لها قائلاً: "تفضلي يا صبا، لدي خبر مهم." جلست أمامه تنتظر حديثه. قال بحماس واضح: "لدينا مشروع ضخم قبل انتقالك للفرع الرئيسي." نظرت إليه باهتمام. أكمل قائلاً: "مشروع مشترك مع أكبر شركة سيارات في البلاد." سألته بفضول: "أي شركة؟" أجاب مبتسماً: "شركة فريد للسيارات." اتسعت عينا صبا بدهشة مفاجئة. شعرت أن الأرض اهتزت تحت قدميها. كان ذلك اسم عائلة سليم. لاحظ عمر صمتها فسألها: "هل هناك مشكلة؟" ترددت للحظة قبل أن تقول: "لا... فقط تفاجأت بحجم المشروع." قال بحماس: "هذا المشروع سيغير مستقبل الطاقة في قطاع السيارات." أضاف: "أثق أنك الأنسب لقيادته." خفضت نظرها تفكر بعمق. كانت تدرك أن العمل قد يجبرها على التعامل مع شركة سليم. لكنها حاولت التفكير بعقلانية. قالت بهدوء: "هل سأضطر للعمل داخل مقرهم؟" أجاب: "بعض الاجتماعات فقط، لكن التنسيق الرئيسي سيكون هنا." أضاف: "الرئيس التنفيذي عادة لا يحضر الاجتماعات الفنية." شعرت صبا بشيء من الراحة. فكرت أن احتمال مقابلة سليم ضعيف. تذكرت حلمها القديم بالعمل على سيارات تعمل بالطاقة المتجددة. شعرت بالحماس يتسلل إلى قلبها. رفعت رأسها وقالت بثقة: "أنا موافقة على استلام المشروع." ابتسم عمر بفخر واضح. قال: "كنت أعلم أنك لن ترفضي فرصة كهذه." بدأ يشرح لها تفاصيل المشروع والخطط الأولية. كانت تستمع باهتمام وتسجل الملاحظات. بعد انتهاء الاجتماع، صافحته وغادرت المكتب. توجهت مباشرة إلى فريقها. جمعتهم وبدأت تشرح لهم المشروع الجديد. امتلأت الغرفة بالحماس والطاقة. شعر الفريق بثقة كبيرة بقدراتها القيادية. في نفس اليوم، تلقت صبا رسالة من الإدارة تخبرها بموعد لقاء مع ممثل مهم في الشركة. كان اللقاء في مطعم فاخر لمناقشة تفاصيل التعاون. وصلت صبا إلى المطعم قبل الموعد بقليل. جلست تنتظر الشخص الذي ستقابله. كانت تتوقع أن يكون رجلاً كبيراً في السن وذو خبرة طويلة. بينما كانت تنتظر، اقترب منها شاب وسيم يحمل ملفاً بيده. سألها بابتسامة: "عذراً، هل هذا المقعد شاغر؟" نظرت إليه وقالت ببرود خفيف: "أنا أنتظر شخصاً مهماً للعمل." ابتسم وقال ممازحاً: "وأنا أيضاً أنتظر شخصاً مهماً، لكنه تأخر." ظنت صبا أنه مجرد موظف عادي. قالت له: "عادة الشخصيات المهمة لا تتأخر." ضحك الشاب وقال: "أحياناً العمل يجعلهم يتأخرون رغماً عنهم." ردت بنبرة جادة: "أتمنى أن يكون الشخص الذي سأقابله محترفاً فعلاً." قال بثقة: "وأتمنى أن تكون قائدة المشروع ذات خبرة طويلة." نظرت إليه باستغراب وقالت: "بالطبع ستكون كذلك." ابتسم بخفة وقال: "يبدو أننا نحمل توقعات عالية." قبل أن يستمر الحديث، جاء أحد المساعدين واتجه نحوهما. قال باحترام: "أستاذ كرم، الغرفة الخاصة جاهزة." اتسعت عينا صبا بدهشة. نظر الشاب إليها بابتسامة خفيفة. قال المساعد موجهاً كلامه لصبا: "أستاذة صبا، هذا الأستاذ كرم جابر." تجمدت للحظة وهي تحاول استيعاب الموقف. كان كرم يشغل منصباً مهماً جداً في الشركة رغم عمره الصغير. قال كرم مبتسماً: "ويبدو أنك قائدة المشروع." شعرت صبا بالحرج من حديثها السابق. قالت بسرعة: "لم أكن أعلم أنك..." قاطعها ضاحكاً: "وأنا لم أتوقع أن تكوني بهذه الخبرة وأنتِ بهذا العمر." تبادلا نظرات مليئة بالدهشة والارتباك. شعر كلاهما بطرافة الموقف. دعاها للدخول إلى الغرفة الخاصة في المطعم. جلست صبا تحاول استعادة هدوئها المهني. بدأ المساعد بتعريفهما رسمياً وتوضيح تفاصيل التعاون. استمع كرم لشرحها باهتمام واضح. لاحظت صبا أنه ذكي وسريع الفهم. أما هو، فكان منبهراً بثقتها وطريقة عرضها. بدأ الحديث بينهما يأخذ طابعاً مهنياً جاداً. شعرت صبا أن هذا المشروع قد يحمل تحديات غير متوقعة. لكنها لم تستطع إنكار شعورها بالحماس للعمل مع فريق قوي. بينما كانت تنظر إلى الملفات أمامها، أدركت أن حياتها المهنية والشخصية بدأت تدخل مرحلة جديدة تماماً.الفصل الثالث والتسعونبعد انتهاء حديثها مع نسرين...بقيت صبا واقفة في الحديقة الصغيرة أمام المطعم.كان الهواء البارد يمر بهدوء، يحرّك خصلات شعرها قليلاً، بينما كانت هي ثابتة في مكانها، تنظر أمامها دون أن ترى شيئًا.كلمات نسرين لم تغادر عقلها."أعطيه فرصة..."لم تكن هذه أول مرة يحاول أحد إقناعها بأن تتمسك بسليم.لكن الأمر كان مختلفًا هذه المرة.لأن نسرين لم تكن تحاول الدفاع عنه فقط.كانت تتحدث كأم...امرأة رأت ابنها يخطئ، ورأت صبا تتألم، ومع ذلك ما زالت تتمنى أن يصلح ما انكسر.تنهدت صبا ببطء."لماذا لا أستطيع أن أكرهه كما يجب؟"قالتها لنفسها بصوت خافت.كانت المشكلة أنها لم تعد تنتظر منه شيئًا.وهذا أكثر ما كان يؤلمها.في الماضي كانت تنتظر كلمة منه...اهتمامًا بسيطًا...نظرة مختلفة.لكن الآن، بعد كل تلك السنوات، تعلمت أن لا تطلب شيئًا من شخص لا يريد أن يعطيه.أغمضت عينيها للحظة، ثم عادت إلى الداخل.كان سليم جالسًا في مكانه، هادئًا كعادته.يمسك كوب القهوة وينظر أمامه، وكأنه كان غارقًا في أفكاره.جلست صبا مقابله دون كلام.مرّت لحظات من الصمت.حتى قال سليم فجأة:"تحدثتِ مع أمي."رفعت صبا ع
الفصل الثاني والتسعون بقيت صبا تنظر إلى صورة الزفاف لثوانٍ طويلة. الصورة أعادتها إلى زمنٍ ظنت أنها تجاوزته. زمن كانت فيه تؤمن أن كل شيء سيصبح أفضل. أن الزواج سيقربها من سليم. أن الأيام ستجعله يراها. لكن شيئًا من ذلك لم يحدث. أغلقت نسرين الصورة أخيرًا بعدما لاحظت الصمت الذي خيم على الطاولة. وقالت بابتسامة خفيفة: "مرت سنوات بسرعة." لم تجب صبا. واكتفت بخفض نظرها نحو كوب القهوة أمامها. أما سليم— فكان يراقبها بصمت. يعرف تمامًا ما الذي تتذكره. ويعرف أن تلك الذكريات ليست سعيدة كما تتخيل والدته. بعد دقائق— رن هاتف نسرين. اعتذرت منهما ونهضت للرد على المكالمة في الخارج. بقي سليم وصبا وحدهما. لكن هذه المرة لم يكن هناك ما يُقال. ولا ما يمكن إصلاحه بكلمات قليلة. نهضت صبا بعد لحظات. "سأذهب إلى الحمام." أومأ سليم بهدوء. وغادرت. كانت نسرين تقف قرب الممر المؤدي إلى الحديقة عندما خرجت صبا. وما إن رأتها حتى أنهت المكالمة. ابتسمت لها. لكن صبا لم تبتسم هذه المرة. لاحظت نسرين ذلك فورًا. وقالت بهدوء: "ما الأمر يا ابنتي؟" تنهدت صبا ببطء. ثم قالت بصراحة: "لماذا تفعلين هذا؟"
الفصل الحادي والتسعونبقي رامي واقفًا مكانه لثوانٍ بعد أن ابتعد سليم عن صبا.كانت ابتسامتها التي ظهرت قبل قليل لا تزال عالقة في ذهنه.منذ أن عرفها...رأى صبا تبتسم.وتضحك أحيانًا.لكن ما رآه الآن كان مختلفًا.طبيعيًا أكثر.وعفويًا أكثر.وكأنها نسيت للحظة كل الحواجز التي تضعها حول نفسها.أما صبا—فما إن أدركت أنها ضحكت أمام سليم بتلك الطريقة حتى شعرت بالضيق من نفسها.أمسكت حقيبتها بسرعة.وقالت:"يجب أن أعود للشركة."أومأ سليم بهدوء."سنلتقي في الاجتماع غدًا."ولأسباب لم تفهمها...لم يعجبها أنه أصبح يقول تلك الجملة كثيرًا.سنلتقي.وكأنه أصبح جزءًا ثابتًا من يومها من جديد.في المساء—كانت صبا تجلس مع ندى في الشقة.تراجع بعض المخططات بينما كانت ندى تشاهد مسلسلها المفضل.وفجأة—خفضت ندى صوت التلفاز.ثم استدارت نحوها."أريد أن أسألك شيئًا."رفعت صبا رأسها."اسألي."ضيقت ندى عينيها."هل أنا أتخيل... أم أن سليم تغير؟"تجمدت يد صبا فوق الورقة.ثم عادت للكتابة وكأن السؤال لم يؤثر فيها."لا أعرف."شهقت ندى."هذا ليس جوابًا."تنهدت صبا."أنا مشغولة."اقتربت ندى وجلست بجانبها."إذًا سأعتبر هذا هرو
الفصل التسعون تجمدت الأجواء داخل غرفة الجلوس لثوانٍ. صبا تنظر إلى سليم. وسليم ينظر إليها. أما نسرين— فكانت تراقبهما بهدوء شديد، وكأنها تنتظر ردّة فعل كل منهما. أول من كسر الصمت كان سليم. "مساء الخير." أجابته صبا بهدوء: "مساء النور." ثم عادت تنظر إلى فنجان القهوة أمامها. وكأن وجوده لا يعنيها. لكن نسرين التي تعرفها جيدًا— لاحظت التوتر الخفي في حركة أصابعها حول الفنجان. اقترب سليم من والدته وقبّل رأسها. "لم تخبريني أن لديك ضيفة." رفعت نسرين حاجبها. "ولو أخبرتك، هل كنت ستأتي؟" نظر إليها سليم لثانية. فابتسمت هي بانتصار صغير. أما صبا— فأدركت فورًا أن نسرين رتبت لهذا اللقاء عمدًا. ولم تعرف إن كان ذلك يزعجها أم لا. بعد قليل— انتقلوا إلى غرفة الطعام. حاولت نسرين أن تجعل الحديث طبيعيًا. سألت عن العمل. وعن المشروع. وعن المنارة. لكن المشكلة كانت أن وجود صبا وسليم على الطاولة نفسها جعل أي حديث يبدو غير طبيعي. قالت نسرين فجأة: "سمعت أن الموقع الجديد للمشروع رائع." أجابت صبا: "نعم، سنزوره غدًا." التفتت نسرين إلى سليم. "أليس كذلك؟" رفع نظره عن طبقه. "نعم." ثم أضا
الفصل التاسع والثمانونبقي سليم واقفًا داخل قاعة الاجتماعات بعد مغادرة صبا.هادئًا من الخارج...لكن أفكاره لم تكن هادئة أبدًا.ترددت كلماتها داخل رأسه مرة أخرى."المنارة منحتني فرصة لأتنفس."وما لم تقله كان أوضح.أنها كانت تختنق قبل ذلك.وأنه كان جزءًا من السبب.أغلق الملف الذي أمامه ببطء.ثم غادر القاعة.في الممر الخارجي—كانت صبا تسير برفقة رامي.يتحدثان عن بعض تفاصيل المشروع.لكن تركيزها لم يكن كاملًا.لاحظ رامي ذلك.فسألها بلطف:"هل حدث شيء؟"التفتت إليه.ثم هزت رأسها."لا."ابتسم بخفة."أصبحت أعرف متى تكذبين."اتسعت عيناها قليلًا.فضحك."لا تقلقي. لن أضغط عليك."شعرت بالامتنان.لأن رامي لم يكن من النوع الذي يطرح عشرات الأسئلة.ولا من النوع الذي يحاول اقتحام حياة الآخرين.كان يمنح الناس مساحة.وهذا ما جعل وجوده مريحًا.في مكان آخر من الشركة—كانت فرح تجلس مع كرم داخل مكتبه.تراجع بعض الملفات.لكنها لاحظت شروده أكثر من مرة.قالت وهي تغلق الملف أمامها:"أنت لست معنا اليوم."رفع نظره إليها."ماذا؟"ابتسمت بخفة."أقصد أن عقلك في مكان آخر."تنهد كرم.ولم يجب.أما فرح—فشعرت أن شكوكها ص
الفصل الثامن والثمانونمرّ بقية المساء ببطء على صبا.بعد الرسالة والصورة التي وصلت إليها، حاولت أن تقنع نفسها بأن الأمر لا يستحق التفكير.لكن الحقيقة—أنها كانت تفكر.ليس في الصورة.ولا في رامي.بل في الجملة المكتوبة أسفلها."يبدو أن زوجكِ لن يُعجبه ما يراه."أغلقت الهاتف بقوة.ثم ألقت به فوق الطاولة.قالت ندى التي كانت تراقبها منذ دقائق:"ما زلتِ تفكرين بالأمر."تنهدت صبا."أحاول ألا أفعل."اقتربت ندى وجلست بجانبها."هل تعتقدين أن سليم وصلته الصورة؟"رفعت صبا رأسها نحوها.ثم ضحكت بسخرية خفيفة."ولماذا يهمني أصلًا؟"رفعت ندى حاجبها.لكنها لم تعلق.لأنها تعرف صديقتها جيدًا.وتعرف أن بعض الأسئلة لا تحتاج إلى إجابة.في الجهة الأخرى من المدينة—كان سليم داخل شقته.يقف أمام النافذة المطلة على البحر.بين يديه هاتفه.والصورة معروضة أمامه منذ عدة دقائق.صبا.ورامي.يجلسان معًا.يبتسمان.يتحدثان براحة واضحة.أغلق الهاتف أخيرًا.لكن الصورة بقيت عالقة في ذهنه.بشكل أزعجه أكثر مما ينبغي.دخلت نسرين إلى غرفة الجلوس في تلك اللحظة.كانت قد جاءت لزيارته بعد انتهاء بعض اجتماعاتها الخاصة بالمشروع.وما







