Se connecterخفض جون عينيه إلى دفتره وكتب: الفتيات الأربع كنّ معًا، الشاهدة لا تستطيع تحديد الفتاة التي وُجّه إليها الحديث ثم وضع خطًا تحت الجملة. عاد إليها: — لماذا لم تأتي إلى الشرطة قبل الآن؟ خفضت المرأة عينيها إلى حقيبتها: "لم أعتقد أن ما رأيته مهم." ومتى تغير رأيك؟. — عندما رأيت أسماء الفتيات في الصحف مرة أخرى. رفعت رأسها.— كنت أقول لنفسي إنني ربما رأيت شيئًا لا علاقة له بالجريمة. صمتت لحظة.— لكنك تذكرتِ الرجل؟." نعم."ما الذي جعلك تتذكرينه؟ أجابت بعد تردد قصير:— غضبه. ثبت جون نظره عليها. أكملت:— لم أنسَ الطريقة التي تغير بها وجهه عندما رفضته الفتاة. دوّن جون الملاحظة ثم سأل:« هل رأيته من قبل؟ « لا أظن." هل تعرفين اسمه؟.«لا.» — هل تستطيعين تذكر أي شيء آخر؟ سيارة؟ مكان ذهب إليه؟ شخص كان معه؟ أغلقت المرأة عينيها لحظات، وكأنها تبحث داخل ذاكرتها عن صورة لم تعد واضحة. ثم هزت رأسها: لا، لا أتذكر. لم يضغط عليها أكثر. كان يعرف أن الذاكرة بعد مرور شهرين ليست تسجيلًا محفوظًا يمكن تشغيله متى شاء، وأن الشاهدة نفسها لم تدرك أهمية ما رأته إلا بعد وقوع الجريمة. وجّه لها كلمة شكرٍ هادئة ق
مرّ شهران على الجريمة، شهران منذ احترق متجر «I Can’t Believe It’s Yogurt!»، وتحول المكان الذي كان يحمل ضحكات أربع فتيات وأحلامهن الصغيرة إلى مسرح جريمة بقيت صوره عالقة في ذاكرة المحققين. خلال تلك الفترة، لم تتوقف الاحتجاجات، كانت عائلات الفتيات تطالب بالحقيقة، والصحف تكرر الأسئلة نفسها، والناس يريدون اسمًا، اسمًا واحدًا على الأقل، أما جون، فكان يعود كل صباح إلى الملف ذاته. الوجوه الأربعة ذاتها التقارير ذاتها، والأسئلة التي لم تجد جوابًا وفي صباح ذلك اليوم، كان جالسًا خلف مكتبه، يقلب إحدى صور مسرح الجريمة، حين فُتح الباب بسرعة دخل أحد أفراد الشرطة، وكانت أنفاسه متسارعة قليلًا. — جون، لدينا شاهدة. رفع جون رأسه فورًا.— شاهدة؟ — نعم. اقترب الشرطي من المكتب: — امرأة تقول إنها رأت رجلًا يتحدث مع الفتيات قبل الحادثة توقفت يد جون فوق الصورة بعد شهرين من الصمت، ظهر شخص يقول إنه رأى شيئًا وضع القلم جانبًا ونهض.— أين هي؟ — في غرفة الاستجواب الثانية. لم يسأل جون سؤالًا آخر أخذ دفتره الأسود واتجه إلى الغرفة كانت المرأة تنتظره هناك بدت في منتصف الخمسينات من عمرها، بشعر بدأ الرمادي
مرّت الأسابيع التالية ببطء ثقيل، في الأيام الأولى، كان جون يؤمن بأن القضية تحتاج إلى الوقت فقط، كل جريمة تترك وراءها شيئًا، شاهدًا، تفصيلًا صغيرًا خطأً ارتكبه القاتل أثرًا لم ينتبه إليه. وكان جون يعرف أن مهمته هي العثور على ذلك الشيء قبل أن يختفي تحت طبقات النسيان لكن الأيام مرّت، ثم أسبوعًا آخر ثم آخر وكلما عاد جون إلى ملف الفتيات الأربع، وجد نفسه أمام الجدران نفسها. لا اسم، لا اعتراف، لا شاهد يستطيع أن يقول إنه رأى شيئًا حاسمًا، ولا شخص واحد استطاع أن يمنحه الطريق الذي يبحث عنه استدعى أقارب الفتيات، تحدث إلى أصدقائهن راجع المدرسة. تحدث مع الجيران وسأل أصحاب المحال القريبة، عاد إلى كل شخص كان يعرف إليانا أو ماريان أو لورا أو كلوي، كان يطرح الأسئلة نفسها بصيغ مختلفة، ويعود إلى التفاصيل الصغيرة التي ربما بدت غير مهمة في المرة الأولى، متى رأيتِها آخر مرة؟ من كان قريبًا منها؟، هل تحدثت عن شخص يزعجها؟، هل كانت تخشى أحدًا؟ هل تغير سلوكها في الأيام الأخيرة؟، هل كان هناك شخص يتردد على المحل باستمرار؟، لكن الإجابات كانت تتكرر بطريقة جعلت القضية أكثر غموضًا. لم تكن لديهن أعداء معروفون.
وكانت تقول لأمها أحيانًا:— أريد أن يعرفني الجميع. فتضحك أمها وتجيبها:— إذن عليكِ أن تعملي من أجل حلمك. وكانت كلوي ترفع ذقنها بثقة طفولية وتقول:— سأفعل. تذكرت الأم تلك الكلمات وهي ترى اسم ابنتها الآن على اللافتات، كلوي، الاسم الذي كانت ابنتها تحلم أن يتردد بين الناس، والآن كان يتردد فعلًا. في الشوارع، في الصحف، بين رجال الشرطة، وعلى ألسنة غرباء لم يعرفوها يومًا، لكنها لم تكن هناك لم تكن ترى صورتها، لم تكن تسمع اسمها. لم تكن تعرف أن حلمها تحقق بطريقة قاسية لم يكن أحد يتمنى أن تتحقق بها قالت امرأة واقفة بجانبها بصوت خافت:— ابنتك أصبحت معروفة في كل المدينة. رفعت الأم عينيها إليها، وكانت الدموع قد غمرتهما.— لم أكن أريد هذا. ثم نظرت إلى صورة ابنتها مرة أخرى، وقالت:— لو كنت أعرف أن هذا هو الثمن، لكنت طلبت منها ألا تحلم بالشهرة أبدًا. توقفت، وكأن الكلمات التالية كانت أصعب من أن تخرج ثم همست: — كنت سأقبل أن تبقى فتاة لا يعرفها أحد... مقابل أن تعود إلى البيت كل مساء. انخفض صوت الحشد للحظة حولها، وكأن الجملة وجدت طريقها إلى قلوب كل أم وقفت هناك لم تجب المرأة لم يكن هناك ما يم
لم تمر أيام كثيرة على الجنازة حتى بدأت أوستن تتغير، في البداية، لم يكن المشهد يتجاوز مجموعات صغيرة من النساء يقفن أمام المباني العامة، يحملن صور الفتيات الأربع بين أيديهن. بعضهن كنّ يعرفن العائلات، وبعضهن لم يلتقين بالفتيات في حياتهن قط، لكن الجريمة كانت قد تركت في نفوسهن سؤالًا واحدًا لم يجد طريقه إلى الصمت، ثم بدأ الجيران بالانضمام وبعدهم الأصدقاء وزملاء المدرسة. لم تلبث الشوارع أن تحولت إلى ساحة غضبٍ صامت، في البداية، كانت الحكايات تُهمس خلف الأبواب المغلقة، لكنها ما لبثت أن تحولت مع مرور الأيام إلى طوفانٍ بشري عجزت المدينة عن تجاهله. لم تعد الاحتجاجات مجرد مسيرات، بل أصبحت مرآةً حية لقهرٍ جماعي لا يهدأ. على حوائط الميادين وفوق اللافتات المرتفعة، خطّت الأيدي عبارات لم تكن تطلب المستحيل، بل كانت تطارد ضمير المدينة الغافل: «أربع فتيات... والعدالة ما زالت حبيسة الأدراج.» «لا تُطفئوا الأسماء... اتركوا الحقيقة تنطق.» لم تكن تلك الهتافات مجرد مطالبات عابرة، بل كانت صرخات ثقيلة تطارد المحقق جون في كل خطوة يخطوها، وتذكره بأن الوقت ينفد، وأن المدينة لن ترحم من يترك دماء الص
لم يكن صباح الجنازة يشبه أي صباح آخر في أوستن، منذ الساعات الأولى، بدأت السيارات تتوافد إلى المكان الذي أُقيمت فيه مراسم الوداع، واحدة تلو الأخرى، بينما كانت عائلات الفتيات تستقبل الجيران والأقارب والأصدقاء بوجوه أنهكها البكاء والسهر. لم يكن أحد يعرف ماذا يقول كيف يمكن للكلمات أن تواسي أمًّا فقدت ابنتين في ليلة واحدة؟، وكيف يمكن لأب أن يتقبل أن ابنتيه اللتين خرجتا من المنزل قبل أيام وهما تحملان أحلامًا صغيرة، لن تعودا إليه أبدًا؟ في منزل عائلة إليانا وكلوي، بقيت الأشياء في أماكنها حقيبة إليانا المدرسية قرب غرفتها. دفاترها فوق المكتب، وبالقرب منها بعض الأوراق التي كتبت عليها ملاحظات عن دراستها، وأفكارًا صغيرة تتعلق بمستقبلها. كان كل شيء يبدو كما لو أنها ستعود بعد ساعات، تضع حقيبتها في مكانها، ثم تجلس إلى مكتبها أما غرفة كلوي، فكانت أكثر فوضى، مجلات مفتوحة، قصاصات صور. وأوراق صغيرة كتبت عليها أسماء وأفكارًا تتعلق بالأشياء التي كانت تحلم بها. وقفت والدتهما عند الباب ظلت تنظر إلى الغرفة دون أن تدخل ثم رفعت يدها إلى وجهها لم تستطع البقاء واقفة انحنت وهي تبكي، وقالت بصوت اختنق ق