Home / التشويق / الإثارة / أسرار جيراني الأعزاء / الفصل الرابع : ذكريات مؤلمة

Share

الفصل الرابع : ذكريات مؤلمة

last update publish date: 2026-06-17 23:17:34

الفصل الرابع : ذكريات مؤلمة 

هتفت مديحة وهي تشير بيدها:

صابر ماذا يا ممدوح! هؤلاء جيراننا الجدد، العرسان الذين استأجروا الشقة الصغيرة في الطابق السابع.

ما إن نطقت مديحة بعبارة "الشقة الصغيرة"، حتى انتفض زوجها أمين موجهاً كلامه إليها بعصبية مكتومة:

الشقة الصغيرة.. الشقة الصغيرة! هل تعتقدين أن أحداً في هذا العالم لا يعيش في شقة كبيرة غيركِ؟ ما هذا الكلام يا مديحة! ادخل يا ممدوح أنت وسامية، لماذا تقفان عند الباب كأنكما تطالباننا بدين؟

أجابت مديحة بحنق خفيف:

يوه! وهل قلت شيئاً معيباً؟ أنا فقط أصف الشقة لتوضيح مكانها!

ضحك عماد رغماً عنه من هذه المناوشات الزوجية الطريفة، وقال بلهجة متصالحة وواثقة:

لا بأس يا أستاذ أمين، دعها تتحدث براحتها.. نحن لا نغضب من هذه الأمور أبداً. لقد اتخذنا قراراً منذ البداية ألا نسمح لآراء الناس أو طريقة تفكيرهم بالوقوف في طريق أحلامنا. والصغير يا سيدي مصيره أن يكبر بالعمل والرضا.

نظر أمين إلى عماد بنظرة تقدير كبيرة، وقال بنبرة ملأها الحنين:

كلامك ذهب يا بني.. أنا شخصياً عندما تزوجت مديحة، بدأنا حياتنا في شقة صغيرة من غرفتين وصالة في بيت والدي، وبأثاث بسيط ومتواضع جداً.

التفتت علياء، التي كانت تجلس بهدوء ووقار بجانب زوجها، وقالت بابتسامة رقيقة:

هذا أمر جميل جداً يا عمي.

اندهشت مديحة وتدخلت متسائلة:

وما الجميل في هذا يا ابنتي؟ ألم تكن أياماً صعبة تفيض بالضيق؟

أجابت علياء بنبرة ناضجة سبقت عمرها بكثير:

الجميل أنكما بدأتما من الصفر، وصعدتما السلم معاً خطوة بخطوة حتى حققتما ما أنتما فيه اليوم من دفء واستقرار مادي واجتماعي. قيمة الأشياء تكمن في الرحلة التي نخوضها لنصل إليها، لا في البدايات السهلة.

أردف عماد مؤكداً على كلام زوجته بفخر:

ليس المهم كيف وبأين نبدأ.. المهم أين وكيف سنصل معاً.

هز سالم رأسه إعجاباً وقال:

جميل جداً هذا التوافق والانسجام في طريقة التفكير بينكما.. يبدو أنكما تملكان عقلاً واحداً في جسدين.

ابتسم عماد ونظر إلى علياء بحب ظاهر:

طبعاً يا سيدي.. هذا التوافق هو ما قربنا منذ البداية وجعلني أتمسك بها. كنا زملاء في الجامعة، ونشأت بيننا قصة حب لم تستطع سنوات التخرج والافتراق المؤقت أن تمحوها من قلوبنا.

سألت منال، التي كانت تراقب علياء باهتمام، بنبرة فضولية لطيفة:

ولكن.. بدا واضحاً أن والدتك لم تكن مسرورة كثيراً الليلة يا علياء؟

لم تتهرب علياء من السؤال، بل أجابت بهدوء وثقة تامة:

المهم أنني أنا مسرورة ومقتنعة تماماً.. أنا التي سأتزوج وأبني هذه الأسرة، وهذه حياتي وليست حياة أي شخص آخر.

ضحك عماد وعلق بصوت مسموع:

سأقول لكِ سراً.. منذ تخرجنا، تقدمت لخطبتها ثلاث مرات متتالية، وفي كل مرة كانت والدتها ترفضني بسبب ظروفي المادية البسيطة.

اتسعت عينا سالم ضاحكاً:

يااااه! ثلاث مرات؟ يبدو أن بالك طويل جداً ونفسك طويل يا عماد!

أجاب عماد بجدية تامة ونبرة رجولية حاسمة:

المسألة ليست طول بال يا أخي.. بل مسألة أن المرء لا يمكن أن يفرط في الإنسانة الوحيدة التي أحبها ورأى فيها شريكة عمره الحقيقية بمجرد عقبات مادية.

هنا، همس ممدوح لزوجته سامية بنبرة خافتة تحمل الكثير من العبرة:

أرأيتِ؟ هذا هو الحب الحقيقي والوفاء الذي يبني البيوت.. ليت البعض يتعلم منهما!

ساد صمت دافئ في الصالة، بينما كانت الأفكار تدور في عقول سكان العمارة حول هذا الثنائي الشاب الذي تحدى الظروف الاجتماعية ليصنع عشه الصغير في الطابق السابع..صعوداً على سلم الحياة الشاق، بلا مصعد يسهل اص لطيب

بينما تضج كل طوابق العمارة بالحياة كان صابر بالطابق الرابع يتذكر ما مر به 

لم تكن شقة الطابق الرابع في تلك العمارة مجرد مسكن عادي بالنسبة لصابر؛ بل كانت رمزاً لانتصاره المادي وبداية عهد جديد من الرخاء. فبعد وفاة والده، وجد صابر نفسه فجأة يمتلك إرثاً ضخماً يتألف من محل تجاري عريق ومبلغ مالي كبير في البنك، وهو ما دفعه بكل تفاخر لشراء تلك الشقة الواسعة ذات الغرف الأربع وصالة الاستقبال الفارهة. كان يتلذذ بالنظر إلى مساحتها التي تعادل شقتين من الشقق المجاورة، وكأنه يثبت لنفسه وللعالم أنه أصبح رجلاً ذو شأن لا يُشق له غبار.

وفي المقابل، كانت زوجته "حنان" واحة الهدوء والسكينة في حياته الصاخبة. كانت اسماً على مسمى، تملك قلباً يتسع لكونٍ كامل من التسامح، وعقلاً راجحاً جعلها تتحمل تقلبات صابر ونرجسيته لعشر سنوات كاملة. طالما تذكرت حنان بداياتهما المتواضعة، وكيف كانت تقتصد في العيش بابتسامة راضية، داعية الله أن يفتح لزوجها أبواب الرزق. لكن المفارقة المأساوية كانت أن أبواب الرزق حين انفتحت، أغلق صابر في وجهها أبواب الرحمة.

المال الذي كان ينبغي أن يكون أماناً لأطفاله الثلاثة، تحول في يد صابر إلى وقود للتمرد والطيش. بدأ صابر يشعر بأن شقته وعائلته قيود تحد من حريته المكتشفة حديثاً. وفي غمرة شعوره بالقوة الوهمية، انزلق إلى طريق مظلم؛ فرافق رفاق السوء، وأنفق أمواله ببذخ في السهرات المشبوهة، وأصبح يغيب عن بيته بالأيام دون رادع أو وازع من ضمير.

كلما حاولت حنان أن تستوقفه، أو تذكره بمسؤولياته تجاه أطفالهما (ولد وبنتين)، كان يواجهها بعاصفة من العنف اللفظي والجسدي. تحول ذلك الزوج الذي كانت حنان تعد الساعات شوقاً لعواده، إلى كابوس يثقل صدرها. أصبحت تشعر بانقباض حاد في قلبها كلما سمعت صوت المفتاح وهو يدور في قفل الباب، معلناً عن عودته برائحة الخمر وصحبة الخيانة. ومع تكرار الوعيد والتهديد، تحولت مشاعر الحب الدافئة في قلب حنان إلى رماد، وحل محلها خوف حقيقي على نفسية أطفالها الصغار الذين كانوا يرتعدون في غرفهم كلما تعالت صرخات والدهم.

لم يكن هناك في حياة صابر سوى شخص واحد يثق به ويطلعه على أدق تفاصيل حياته؛ صديق عمره المقرب "صالح". كان صالح رجلاً يعيش مأساة من نوع آخر؛ فقد مر بخمس سنوات من زواج فاشل انتهى بالطلاق بعد أن أثبتت الفحوصات الطبية أنه يعاني من عقم لا يرجى شفاؤه. ورغم جرحه العميق وحرمانه من الأبوة، كان صالح يملك قلباً نبيلاً وعقلاً متزناً، وطالما جلس مع صابر على المقاهي يرجوه ويتوسل إليه أن يصون النعمة التي يحرم منها ملايين الرجال.

لكن صابر كان يرى في نصائح صالح مجرد فلسفة لا قيمة لها. وفي ليلة عاصفة من ليالي شجارهم المعتادة، بلغت حماقة صابر ذروتها؛ فصرخ في وجه حنان ملقياً عليها يمين الطلاق الثالثة بملء إرادته وعقله، ثم ترك البيت مغادراً وهو يظن كالعادة أن الأمور ستمر بسلام كما مرت في المرتين السابقتين.

ذهب صابر إلى مقهاه المعتاد ليجد صالح بانتظاره. وحين جلس وحكى له بنبرة مستهترة ما حدث، تجمدت ملامح صالح وحل عليها أسى عميق، وقال بصوت خفيض يملؤه الذهول:

* يا ما قلت لك حافظ على نعمة ربنا التي أعطاك إياها يا صابر.. البيوت لا تُبنى بالطيش.

* هل جئت إليك لتقطمني وتلقي عليّ المواعظ؟ - أجاب صابر بعصبية وهو يشيح بوجهه.

* لا، بل سأعطيك وساماً على خيبتك الثقيلة! هل تدرك ماذا فعلت؟ لقد طلقتها ثلاثاً يا صابر.. لقد هدمت بيتك الذي يضم ثلاثة أطفال كالملائكة، وضيعت امرأة صالحة تحملت من بلاويك ما لا تطيقه الجبال!

* أهو الذي حدث قد حدث.. أخبرني الآن ماذا أفعل لأعيدها؟

   نظر إليه صالح بنظرة ملؤها الشفقة والمرارة وقال:

* لا يوجد حل يا أخي.. لقد أصبحت محرمة عليك، ولا تحل لك مجدداً حتى تنكح زوجاً غيرك زواجاً شرعياً.

   انتفض صابر في مقعده هاتفاً بذهول وسخرية:

* ماذا؟ تتزوج رجلاً آخر؟ هل تعتقد أننا في فيلم سينمائي؟ هل تقصد فكرة "المحلل"؟

   هز صالح رأسه مستنكراً وقال بحسم:

* اذهب إلى دار الإفتاء غداً وسل الشيوخ الأفاضل إن كنت لا تصدقني.. ولا تفرسني بحماقتك، فالله يكون في عون زوجتك وأطفالك على ما ابتلوا به. سأذهب لأرتاح، وأرجو أن تفيق من غيبوبتك هذه قبل فوات الأوان.

قضى صابر ليلته وحيداً في مقعد المقهى، وحين عاد في الصباح الباكر إلى بيته، وجد الصدمة الأولى بانتظاره؛ كانت الشقة الواسعة خاوية تماماً من الأصوات والحركة. لقد حزمت حنان أمتعتها وأمتعة الأطفال وغادرت إلى بيت أهلها البسيط.

لم يجد صابر مفراً من العمل بنصيحة صديقه، فتوجه برأس مثقل إلى دار الإفتاء. جلس أمام شيخ وقور، وحكى له تفاصيل ما حدث بكل أمانة، وظن أن الشيخ سيجد له مخرجاً أو ثغرة شرعية كالمعتاد. لكن الشيخ نظر إليه بأسف شديد وقال بصوت حاسم:

* يا بني، لقد طلقتها ثلاثاً وأنت في كامل وعيك وعقلك، والطلاق البائن بينونة كبرى لا رجعة فيه إلا إذا تزوجت رجلاً آخر زواجاً شرعياً بنية الاستقرار والأبدية. أما ما تذكره عن "المحلل" والاتفاق على الطلاق، فهو زواج باطل شرعاً ولعن الله فاعله، وهو زنا مغلف لا يرضاه دين ولا مروءة.

خرج صابر من دار الإفتاء والدنيا تدور من حوله. ذهب مسرعاً إلى صالح وحكى له ما قاله الشيخ بقلة حيلة، متسائلاً بضعف:

* ماذا أفعل الآن يا صالح؟ هل ضاع بيتي للأبد؟ هل سأعيش وحيداً في تلك الشقة الواسعة؟

   أجابه صالح بنبرة يملؤها الأسف:

* النعمة إذا زالت من وجه المرء لا تعود يا صاحبي.. اذهب إلى بيت أهلها أولاً وحاول الاعتذار، عسى أن تجد لديهم سبيلاً لرؤية أطفالك على الأقل.

اشترى صابر هدايا فاخرة وحلوى كثيرة، وتوجه إلى بيت عائلة حنان. كان يعلم أن أهلها ناس بسطاء وفقراء، وطالما أغدق عليهم بالمال ليكسب رضاهم. وبالفعل، ما إن رأى والد حنان ووالدتها تلك الهدايا وسماعهم لوعود صابر بالإنفاق السخي، 

Continue to read this book for free
Scan code to download App
Comments (1)
goodnovel comment avatar
Tota Tota
رواية ترقى لمستوى الأدب العالمي
VIEW ALL COMMENTS

Latest chapter

  • أسرار جيراني الأعزاء    الفصل الثالث عشر : رحيل الأمهات

    الفصل الثالث عشر: بيت خاوٍ ورجال لا يفهمون​عاد أمين من عمله يتوكأ على تعبه المعتاد، ودخل الشقة ليرى والدته ومديحة تعدّان طعام الغداء معاً. التفت بصرُه حول المكان يبحث عن وجه اعتاد وجوده، فلم يجد والده زوجته كما درجت العادة. تساءل باستغراب:— أين أمكِ يا مديحة؟ هل هي متعبة؟​ردت أمّه بنبرة حادة اقتضبت بها الشكوك:— ذهبت إلى ابنها عبد الفتاح لتقيم عنده.​قطم أمين حاجبيه وقال متعجباً:— ماذا؟ ولِمَ ذلك وهي التي كانت تقاطعه؟​— أحست المرأة من كلامك البارحة أنك متضايق من وجودهما، ففضلَت الرحيل.​اتسعت عينا أمين واستنكر:— ما هذا الذي تقولينه يا أمي؟ هل بدر مني أمس ما يدل على ذلك؟​— العبارات تُفهم من سياقها يا بني، واللبيب بالإشارة يفهم!​— هل قلتُ أنا ذلك صراحة؟​— معنى كلامك أننا نتدخل في حياتك ونضيّق عليك!​أخذ أمين نفساً عميقاً وقال بقلة صبر:— لم أقل ذلك أبداً!​ردت والده بصرامة وهي تلوح ببدنها:— على أية حال، هي قالت إن بيتها وحشها وتريد أن تقضي أياماً مع ابنها.. وأنا أيضاً سأذهب لأقيم مع أخيك "نعمان" يومين كي أتركك على راحتك مع زوجتك.​اندفع أمين نحوها وقال بارتباك:— ما هذا الكلام

  • أسرار جيراني الأعزاء    الفصل الثاني عشر : هواجس

    الفصل الثاني عشر: هواجس الجوار​كانت مديحة تجلس في الشرفة، مستندة بذراعيها إلى السور الحديدي، تتأمل المارة في الشارع دون حافز حقيقي للتدقيق في وجوههم. كلمات أمين القاسية ونظراته الجافة في الليلة الماضية لا تزال تطن في أذنيها كطنين النحل، تذكّرها بفراغ حياتها وزوال بريقها في عينيه. وفي محاولة يائسة للهروب من هذا الجحيم الصامت الذي يلف شقتها، أخذت أفكارها تطوف بأرجاء البناية، لتتوقف عند الطابق الخامس.. عند شقة جارتها سامية.​استرجعت مديحة تفاصيل زيارتها الأخيرة لسامية قبل يومين فقط؛ تلك الزيارة التي صعدت فيها لتلتقط أنفاسها بعيداً عن جدران بيتها الخانقة.​في ذلك اليوم، عادت سامية من عملها في المصرف منهكة تماماً. أرهقها ازدحام الطريق بعد يوم طويل من التعامل مع المراجعين، وما إن فتحت باب شقتها بمفتاحها حتى ألقت بجسدها المجهد على أول كرسي واجهها في الصالة. أغمضت عينيها لترتاح قليلاً قبل أن تستجمع قواها للنهوض، لكن صوت جرس الباب قاطع استرخاءها.​قامت متثاقلة، تحرّك قدميها بصعوبة حتى وصلت إلى الباب وفتحته، لتفاجأ بمديحة تقف أمامها. قالت سامية بنبرة يمتزج فيها التعب بالترحاب:— خير يا مديحة؟

  • أسرار جيراني الأعزاء    الفصل الحادي عشر : الصدمة

    الفصل الحادي عشر : الصدمة جلس أمين على السرير واستند إلى الجدار قائلاً: — هل تستطيعين إخباري من يغسل ثيابي؟ من يعد طعامي؟ من يتابع طلبات بيتي؟ وناهيكِ عن هذا كله، من يربي أبناءكِ الخمسة؟ أنتِ لا تعرفين عن أبنائكِ شيئاً يا هانم، وجعلتِ أمي وأمكِ بمثابة الخادمات عندكِ! شخصت أبصارها صدمة وقالت وهي تضع يدها على صدرها: — أخص عليك يا أمين! هل جعلتُ أمي وأم أمين خادمات عندي؟ والله العظيم لم أطلب منهما يوماً أن تفعلا شيئاً، هما من يملان من الجلوس ويقولان إن المنزل تسلية لهما! رد أمين بنبرة حاسمة: — وأنتِ يا مديحة؟ ألم تملي من هذا الاسترخاء والاتكال؟ قالت بدفاع عن نفسها: — كنتُ أظن أن هذا يُسعدك! كنتُ أظن أن تفريغي من أعباء البيت سيجعلني متفرغة لك ورائقة البال بدلاً من أن ترجع فتجدني ثائرة الصراخ خلف الأطفال! هما بنفسيهما يفعلان ذلك كي أكون متفرغة لدلعك ورعايتك. سألها أمين بتهكم مؤلم: — وأين هذا الدلع؟ أنتِ لا المناولينني حتى كوب ماء! صدمتها الكلمة فقالت: — وهل هذه فكرتك عن الدلع يا أمين؟ أن أكون الخادمة التي أحضرتها لك أمك؟ هل هذه قيمتي عندك؟ ​رد بمواجهة جافة: — بل أن تقعدي

  • أسرار جيراني الأعزاء    الفصل العاشر ,: المواجهة

    الفصل العاشر: المواجهة الصامتة​عاد أمين من عمله كعادته منهك القوى، يثقل كاهله الإعياء والنعاس. ولدى دخوله، استقبلته الروائح الشهية الزكية الفائحة من المطبخ؛ حيث كانت والدته وحماته تضعان اللمسات الأخيرة على مائدة الطعام وتنسقان الأواني على السفرة. وفي المقابل، كانت مديحة تجلس مسترخية أمام شاشة التلفاز، تتابع أحد برامجها المفضلة.​مر أمين بهدوء متوجهاً إلى غرفة النوم ليتخفف من ثياب العمل حتى يفرغ الجميع من إعداد المائدة. ما كاد يفتح خزانته حتى ولجت مديحة خلفه وأغلقت الباب بهدوء، ثم قالت بنبرة تحمل رجاءً خفياً:— اخلع ثيابك كي أخرج لك زياً مريحاً من الخزانة.​تأملها أمين بنظرة يمتزج فيها الجفاء بالإرهاق، وقال:— ولِمَ لم تُخرجي ثيابي قبل أن أصل؟ أم أن الهانم لم تكن فارغة؟​ابتسمت مديحة محاولة امتصاص جفافه وقالت بمداعبة:— أتخجل من الخلع أمامي يا أمين؟ أم أنك تشعر بالبرد رغم أن الجو حار؟​رد أمين بضيق مكتوم وهو يزيح بصره عنها:— لستُ خجلاً يا عزيزتي، لكن هذا ليس وقت المزاح.. أنا جائع للغاية.​ضُحكت مديحة بنبرة مضطربة وقالت:— وما الذي يدور في ذهنك إذن؟ أنت تبحث عن حجة للغضب فقط!​أجابها

  • أسرار جيراني الأعزاء    الفصل التاسع : خبايا واسرار

    الفصل التاسع: خبايا البيت المزدحم​تجلس مديحة في شقتها الواسعة بالطابق الثاني، الشقة التي تضج بالحياة والصخب، لكنها تخفي في طياتها فراغًا روحياً يعتصر قلب صاحبتها. يتألف هذا البيت من أربع حجرات وصالة استقبال واسعة ومطبخ فسيح يتسع لجميع أفراد العائلة، إلا أن مديحة كانت تشعر وكأنها ضيفة في حياتها الخاصة.​لم تكن "مديحة رويتر" مجرد لقب أطلقه سكان العمارة عليها اعتباطًا؛ بل كان متنفَسها الوحيد للهروب من واقعها. قضت معظم أوقاتها في الشرفة، تتلقف أخبار الجيران في البناية وفي العمائر المجاورة، وتستقبل الملاك والزوار بابتسامة تفيض بالخدمات وتتبادل معهم أرقام الهواتف، لتصبح شبكة الأخبار الأولى في الحي، تنقل التفاصيل إلى جاراتها لتعوض ذلك الفراغ الزمني والعاطفي القاتل.​ترجع جذور هذه الشقة المزدحمة إلى ذكريات قديمة؛ إذ كانت والدة مديحة ووالدة زوجها أمين جارتين وصديقتين مقربتين في حي "شبرا". تربى أمين في بيت أم مديحة، وشهد ولادة مديحة وهو طفل في السابعة من عمره. يومها، قررت أم أمين أن تكون هذه المولودة الصغيرة زوجة مستقبليّة لولدها، ثقة منها بأخلاق والدتها وطيب أصلها. وكبرت مديحة أمام عينيه، فلم

  • أسرار جيراني الأعزاء    الفصل الثامن : صينية العشاء

    الفصل الثامن: صينية العشاء​نجح المهندس الذي استدعاه "سالم" في إصلاح عطل المصعد أخيرًا، لتتنفس العمارة الصعداء. ودّع العروسان الجديدان —عماد وعلياء— شقة "مديحة" وزوجها "أمين"، مكررين شكرهما الجزيل على حسن الضيافة وحفاوة الاستقبال. صعد الزوجان عبر المصعد إلى شقتهما الصغيرة في الطابق السابع؛ عش الزوجية الذي شهد تحضيرات شاقة خلال الأيام الماضية. انفض التجمع الإجباري، وعاد باقي الجيران إلى شققهم، لتبقى مديحة مع زوجها وعائلتها الصغيرة.​جلس أمين المنهك من عمله ومن التجمع الطارئ، برفقة مديحة والأولاد ووالدته ووالدة زوجته حول مائدة الطعام. كانت مديحة تتأمل الفراغ لبرهة قبل أن تتحدث بنبرة يدفعها العجب:— أتعلمون؟ أظن أن والدة العروس غادرت الغاضبة بسبب عطل المصعد، ونسيت أن تترك لابنتها صينية العشاء!​علقت أم أمين بنبرة تفيض بالشفقة:— يا إلهي! ماذا ستأكل هي وعريسها في ليلة مثل هذه؟​ابتسمت مديحة وهي تنظر إلى المائدة وقالت:— يا للصدفة السعيدة! لحسن الحظ أننا أعددنا الدجاج والحمام المحشو بالفرِيك اليوم.​ضحك أمين بنبرة تحمل شائبة سخرية وتساءل:— وإلامَ تهدفين بهذه الملاحظة يا مديحة؟​ردت مديحة

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status