เข้าสู่ระบบالفصل الرابع : ذكريات مؤلمة
هتفت مديحة وهي تشير بيدها:
صابر ماذا يا ممدوح! هؤلاء جيراننا الجدد، العرسان الذين استأجروا الشقة الصغيرة في الطابق السابع. ما إن نطقت مديحة بعبارة "الشقة الصغيرة"، حتى انتفض زوجها أمين موجهاً كلامه إليها بعصبية مكتومة: الشقة الصغيرة.. الشقة الصغيرة! هل تعتقدين أن أحداً في هذا العالم لا يعيش في شقة كبيرة غيركِ؟ ما هذا الكلام يا مديحة! ادخل يا ممدوح أنت وسامية، لماذا تقفان عند الباب كأنكما تطالباننا بدين؟ أجابت مديحة بحنق خفيف: يوه! وهل قلت شيئاً معيباً؟ أنا فقط أصف الشقة لتوضيح مكانها! ضحك عماد رغماً عنه من هذه المناوشات الزوجية الطريفة، وقال بلهجة متصالحة وواثقة: لا بأس يا أستاذ أمين، دعها تتحدث براحتها.. نحن لا نغضب من هذه الأمور أبداً. لقد اتخذنا قراراً منذ البداية ألا نسمح لآراء الناس أو طريقة تفكيرهم بالوقوف في طريق أحلامنا. والصغير يا سيدي مصيره أن يكبر بالعمل والرضا. نظر أمين إلى عماد بنظرة تقدير كبيرة، وقال بنبرة ملأها الحنين: كلامك ذهب يا بني.. أنا شخصياً عندما تزوجت مديحة، بدأنا حياتنا في شقة صغيرة من غرفتين وصالة في بيت والدي، وبأثاث بسيط ومتواضع جداً. التفتت علياء، التي كانت تجلس بهدوء ووقار بجانب زوجها، وقالت بابتسامة رقيقة: هذا أمر جميل جداً يا عمي. اندهشت مديحة وتدخلت متسائلة: وما الجميل في هذا يا ابنتي؟ ألم تكن أياماً صعبة تفيض بالضيق؟ أجابت علياء بنبرة ناضجة سبقت عمرها بكثير: الجميل أنكما بدأتما من الصفر، وصعدتما السلم معاً خطوة بخطوة حتى حققتما ما أنتما فيه اليوم من دفء واستقرار مادي واجتماعي. قيمة الأشياء تكمن في الرحلة التي نخوضها لنصل إليها، لا في البدايات السهلة. أردف عماد مؤكداً على كلام زوجته بفخر: ليس المهم كيف وبأين نبدأ.. المهم أين وكيف سنصل معاً. هز سالم رأسه إعجاباً وقال: جميل جداً هذا التوافق والانسجام في طريقة التفكير بينكما.. يبدو أنكما تملكان عقلاً واحداً في جسدين. ابتسم عماد ونظر إلى علياء بحب ظاهر: طبعاً يا سيدي.. هذا التوافق هو ما قربنا منذ البداية وجعلني أتمسك بها. كنا زملاء في الجامعة، ونشأت بيننا قصة حب لم تستطع سنوات التخرج والافتراق المؤقت أن تمحوها من قلوبنا. سألت منال، التي كانت تراقب علياء باهتمام، بنبرة فضولية لطيفة: ولكن.. بدا واضحاً أن والدتك لم تكن مسرورة كثيراً الليلة يا علياء؟ لم تتهرب علياء من السؤال، بل أجابت بهدوء وثقة تامة: المهم أنني أنا مسرورة ومقتنعة تماماً.. أنا التي سأتزوج وأبني هذه الأسرة، وهذه حياتي وليست حياة أي شخص آخر. ضحك عماد وعلق بصوت مسموع: سأقول لكِ سراً.. منذ تخرجنا، تقدمت لخطبتها ثلاث مرات متتالية، وفي كل مرة كانت والدتها ترفضني بسبب ظروفي المادية البسيطة. اتسعت عينا سالم ضاحكاً: يااااه! ثلاث مرات؟ يبدو أن بالك طويل جداً ونفسك طويل يا عماد! أجاب عماد بجدية تامة ونبرة رجولية حاسمة: المسألة ليست طول بال يا أخي.. بل مسألة أن المرء لا يمكن أن يفرط في الإنسانة الوحيدة التي أحبها ورأى فيها شريكة عمره الحقيقية بمجرد عقبات مادية. هنا، همس ممدوح لزوجته سامية بنبرة خافتة تحمل الكثير من العبرة: أرأيتِ؟ هذا هو الحب الحقيقي والوفاء الذي يبني البيوت.. ليت البعض يتعلم منهما! ساد صمت دافئ في الصالة، بينما كانت الأفكار تدور في عقول سكان العمارة حول هذا الثنائي الشاب الذي تحدى الظروف الاجتماعية ليصنع عشه الصغير في الطابق السابع..صعوداً على سلم الحياة الشاق، بلا مصعد يسهل اص لطيببينما تضج كل طوابق العمارة بالحياة كان صابر بالطابق الرابع يتذكر ما مر به
لم تكن شقة الطابق الرابع في تلك العمارة مجرد مسكن عادي بالنسبة لصابر؛ بل كانت رمزاً لانتصاره المادي وبداية عهد جديد من الرخاء. فبعد وفاة والده، وجد صابر نفسه فجأة يمتلك إرثاً ضخماً يتألف من محل تجاري عريق ومبلغ مالي كبير في البنك، وهو ما دفعه بكل تفاخر لشراء تلك الشقة الواسعة ذات الغرف الأربع وصالة الاستقبال الفارهة. كان يتلذذ بالنظر إلى مساحتها التي تعادل شقتين من الشقق المجاورة، وكأنه يثبت لنفسه وللعالم أنه أصبح رجلاً ذو شأن لا يُشق له غبار.
وفي المقابل، كانت زوجته "حنان" واحة الهدوء والسكينة في حياته الصاخبة. كانت اسماً على مسمى، تملك قلباً يتسع لكونٍ كامل من التسامح، وعقلاً راجحاً جعلها تتحمل تقلبات صابر ونرجسيته لعشر سنوات كاملة. طالما تذكرت حنان بداياتهما المتواضعة، وكيف كانت تقتصد في العيش بابتسامة راضية، داعية الله أن يفتح لزوجها أبواب الرزق. لكن المفارقة المأساوية كانت أن أبواب الرزق حين انفتحت، أغلق صابر في وجهها أبواب الرحمة.
المال الذي كان ينبغي أن يكون أماناً لأطفاله الثلاثة، تحول في يد صابر إلى وقود للتمرد والطيش. بدأ صابر يشعر بأن شقته وعائلته قيود تحد من حريته المكتشفة حديثاً. وفي غمرة شعوره بالقوة الوهمية، انزلق إلى طريق مظلم؛ فرافق رفاق السوء، وأنفق أمواله ببذخ في السهرات المشبوهة، وأصبح يغيب عن بيته بالأيام دون رادع أو وازع من ضمير.
كلما حاولت حنان أن تستوقفه، أو تذكره بمسؤولياته تجاه أطفالهما (ولد وبنتين)، كان يواجهها بعاصفة من العنف اللفظي والجسدي. تحول ذلك الزوج الذي كانت حنان تعد الساعات شوقاً لعواده، إلى كابوس يثقل صدرها. أصبحت تشعر بانقباض حاد في قلبها كلما سمعت صوت المفتاح وهو يدور في قفل الباب، معلناً عن عودته برائحة الخمر وصحبة الخيانة. ومع تكرار الوعيد والتهديد، تحولت مشاعر الحب الدافئة في قلب حنان إلى رماد، وحل محلها خوف حقيقي على نفسية أطفالها الصغار الذين كانوا يرتعدون في غرفهم كلما تعالت صرخات والدهم.
لم يكن هناك في حياة صابر سوى شخص واحد يثق به ويطلعه على أدق تفاصيل حياته؛ صديق عمره المقرب "صالح". كان صالح رجلاً يعيش مأساة من نوع آخر؛ فقد مر بخمس سنوات من زواج فاشل انتهى بالطلاق بعد أن أثبتت الفحوصات الطبية أنه يعاني من عقم لا يرجى شفاؤه. ورغم جرحه العميق وحرمانه من الأبوة، كان صالح يملك قلباً نبيلاً وعقلاً متزناً، وطالما جلس مع صابر على المقاهي يرجوه ويتوسل إليه أن يصون النعمة التي يحرم منها ملايين الرجال.
لكن صابر كان يرى في نصائح صالح مجرد فلسفة لا قيمة لها. وفي ليلة عاصفة من ليالي شجارهم المعتادة، بلغت حماقة صابر ذروتها؛ فصرخ في وجه حنان ملقياً عليها يمين الطلاق الثالثة بملء إرادته وعقله، ثم ترك البيت مغادراً وهو يظن كالعادة أن الأمور ستمر بسلام كما مرت في المرتين السابقتين.
ذهب صابر إلى مقهاه المعتاد ليجد صالح بانتظاره. وحين جلس وحكى له بنبرة مستهترة ما حدث، تجمدت ملامح صالح وحل عليها أسى عميق، وقال بصوت خفيض يملؤه الذهول:
* يا ما قلت لك حافظ على نعمة ربنا التي أعطاك إياها يا صابر.. البيوت لا تُبنى بالطيش.
* هل جئت إليك لتقطمني وتلقي عليّ المواعظ؟ - أجاب صابر بعصبية وهو يشيح بوجهه.
* لا، بل سأعطيك وساماً على خيبتك الثقيلة! هل تدرك ماذا فعلت؟ لقد طلقتها ثلاثاً يا صابر.. لقد هدمت بيتك الذي يضم ثلاثة أطفال كالملائكة، وضيعت امرأة صالحة تحملت من بلاويك ما لا تطيقه الجبال!
* أهو الذي حدث قد حدث.. أخبرني الآن ماذا أفعل لأعيدها؟
نظر إليه صالح بنظرة ملؤها الشفقة والمرارة وقال:
* لا يوجد حل يا أخي.. لقد أصبحت محرمة عليك، ولا تحل لك مجدداً حتى تنكح زوجاً غيرك زواجاً شرعياً.
انتفض صابر في مقعده هاتفاً بذهول وسخرية:
* ماذا؟ تتزوج رجلاً آخر؟ هل تعتقد أننا في فيلم سينمائي؟ هل تقصد فكرة "المحلل"؟
هز صالح رأسه مستنكراً وقال بحسم:
* اذهب إلى دار الإفتاء غداً وسل الشيوخ الأفاضل إن كنت لا تصدقني.. ولا تفرسني بحماقتك، فالله يكون في عون زوجتك وأطفالك على ما ابتلوا به. سأذهب لأرتاح، وأرجو أن تفيق من غيبوبتك هذه قبل فوات الأوان.
قضى صابر ليلته وحيداً في مقعد المقهى، وحين عاد في الصباح الباكر إلى بيته، وجد الصدمة الأولى بانتظاره؛ كانت الشقة الواسعة خاوية تماماً من الأصوات والحركة. لقد حزمت حنان أمتعتها وأمتعة الأطفال وغادرت إلى بيت أهلها البسيط.
لم يجد صابر مفراً من العمل بنصيحة صديقه، فتوجه برأس مثقل إلى دار الإفتاء. جلس أمام شيخ وقور، وحكى له تفاصيل ما حدث بكل أمانة، وظن أن الشيخ سيجد له مخرجاً أو ثغرة شرعية كالمعتاد. لكن الشيخ نظر إليه بأسف شديد وقال بصوت حاسم:
* يا بني، لقد طلقتها ثلاثاً وأنت في كامل وعيك وعقلك، والطلاق البائن بينونة كبرى لا رجعة فيه إلا إذا تزوجت رجلاً آخر زواجاً شرعياً بنية الاستقرار والأبدية. أما ما تذكره عن "المحلل" والاتفاق على الطلاق، فهو زواج باطل شرعاً ولعن الله فاعله، وهو زنا مغلف لا يرضاه دين ولا مروءة.
خرج صابر من دار الإفتاء والدنيا تدور من حوله. ذهب مسرعاً إلى صالح وحكى له ما قاله الشيخ بقلة حيلة، متسائلاً بضعف:
* ماذا أفعل الآن يا صالح؟ هل ضاع بيتي للأبد؟ هل سأعيش وحيداً في تلك الشقة الواسعة؟
أجابه صالح بنبرة يملؤها الأسف:
* النعمة إذا زالت من وجه المرء لا تعود يا صاحبي.. اذهب إلى بيت أهلها أولاً وحاول الاعتذار، عسى أن تجد لديهم سبيلاً لرؤية أطفالك على الأقل.
اشترى صابر هدايا فاخرة وحلوى كثيرة، وتوجه إلى بيت عائلة حنان. كان يعلم أن أهلها ناس بسطاء وفقراء، وطالما أغدق عليهم بالمال ليكسب رضاهم. وبالفعل، ما إن رأى والد حنان ووالدتها تلك الهدايا وسماعهم لوعود صابر بالإنفاق السخي،
الفصل الرابع : ذكريات مؤلمة هتفت مديحة وهي تشير بيدها:صابر ماذا يا ممدوح! هؤلاء جيراننا الجدد، العرسان الذين استأجروا الشقة الصغيرة في الطابق السابع.ما إن نطقت مديحة بعبارة "الشقة الصغيرة"، حتى انتفض زوجها أمين موجهاً كلامه إليها بعصبية مكتومة:الشقة الصغيرة.. الشقة الصغيرة! هل تعتقدين أن أحداً في هذا العالم لا يعيش في شقة كبيرة غيركِ؟ ما هذا الكلام يا مديحة! ادخل يا ممدوح أنت وسامية، لماذا تقفان عند الباب كأنكما تطالباننا بدين؟أجابت مديحة بحنق خفيف:يوه! وهل قلت شيئاً معيباً؟ أنا فقط أصف الشقة لتوضيح مكانها!ضحك عماد رغماً عنه من هذه المناوشات الزوجية الطريفة، وقال بلهجة متصالحة وواثقة:لا بأس يا أستاذ أمين، دعها تتحدث براحتها.. نحن لا نغضب من هذه الأمور أبداً. لقد اتخذنا قراراً منذ البداية ألا نسمح لآراء الناس أو طريقة تفكيرهم بالوقوف في طريق أحلامنا. والصغير يا سيدي مصيره أن يكبر بالعمل والرضا.نظر أمين إلى عماد بنظرة تقدير كبيرة، وقال بنبرة ملأها الحنين:كلامك ذهب يا بني.. أنا شخصياً عندما تزوجت مديحة، بدأنا حياتنا في شقة صغيرة من غرفتين وصالة في بيت والدي، وبأثاث بسيط ومتواضع
الفصل الثالث: صعود بلا مصعدكان مدخل العمارة يغلي كمرجل من الانفعالات المكبوتة. وتحت الإضاءة الصفراء الخافتة للمصباح المعلق فوق الباب، كانت الوجوه تعبر بوضوح عن معارك صامتة لا تحتاج إلى كثير من الذكاء لفك رموزها.وقفت أم العروس، السيدة التي بدا عليها التعب والامتعاض الشديدين، وهي تعدل من وضع شالها الحريري، وعيناها تدوران في أرجاء المدخل المتواضع بقلة حيلة. كان الضيق ينهش صدرها؛ فلم تكن هذه الزيجة منذ البداية تروق لها، وكانت ترى في ابنتها علياء، بجمالها وعقلها الراجح، مشروعاً لزيجة أكثر ثراءً واستقراراً، لا أن ينتهي بها المطاف في شقة مستأجرة صغيرة في نهاية العالم، وفي طابق سابع تعطل مصعده ليلة عرسها.أما أم العريس "عماد"، فقد كانت تراقب حماته بنظرات صقرية مستعدة للهجوم والدفاع عن كرامة ابنها في أي لحظة. ولم يطل صمتها كثيراً، فحين تنهدت أم العروس بمرارة للمرة الثانية، التفتت إليها أم عماد وقالت بنبرة حادة ممزوجة بالتهكم:وهل كان ابني يشم على ظهر يده ليعلم أن المصعد سيعطل في هذه الليلة بالذات يا أم علياء؟ هذا قضاء وقدر، والأمور لا تُقاس هكذا في ليلة العمر.لوت أم العروس فمها بضيق، وأجابت
الفصل الثاني: رسائل القدر تنهد صالح بعمق، وخطا خطوة إلى الأمام ليكون حائلاً بجسده بين صابر وبين عائلته السابقة بالداخل. تلاقت عيناه بعيني صابر بقوة وثبات، وقال بنبرة هادئة ورصينة كحكم القضاء:لم تعد زوجتك يا صابر.. لقد طلقتها ثلاثاً بملء إرادتك وعقلك، وانقضت عدتها شرعاً منذ أيام. حنان الآن زوجتي على سنة الله ورسوله.شعر صابر برأسه يدور كإعصار عنيف. تراجع خطوة أخرى في الممر المشترك للعمارة، مستنداً بيده على الحائط البارد كي لا يخونه جسده المنهار. صرخ بصوت مخنوق بالدموع والحرقة:زوجتك؟ تزوجت زوجتي يا صالح؟ صديق عمري.. أخي الذي لم تنجبه أمي! تآمرت عليّ في غيابي وسرقت بيتي وأولادي؟ هل هذه هي الأمانة؟ هل هذا هو الوفاء الذي طالما حدثتني عنه؟أغمضت حنان عينيها بقوة بالداخل، وضمت طفلها الصغير إلى صدرها وهي تحاول إبعاده عن المشهد، بينما تقدم صالح خطوة إضافية نحو باب الشقة، وقال بصوت حازم وجاد:أنا لم أتآمر عليك يا صابر، ولم أسرق شيئاً لم تلقه أنت بنفسك في سلة المهملات. كم مرة جلست معك على المقاهي وفي هذه الشقة أرجوك أن تتقي الله في زوجتك وأولادك؟ كم مرة تركتهم بلا طعام ولا مال لتنفقه على نزوا
الفصل الأول: صابر و العروسان كانت الطرقات التي يضرب بها صابر على باب شقة صديقه المقرب "صالح" تبدو أشبه بضربات مستغيث يلفظ أنفاسه الأخيرة في قاع بئر مظلمة. لم تكن مجرد نقرات على خشب صلب، بل كانت تُرجماناً لارتجاف جسده المنهك وروحه المبعثرة. وقف في ذلك الرواق الهادئ، بملامحه التي غادرها البريق منذ أشهر؛ لحيته الكثيفة المهملة التي غزاها الشيب المبكر، وعيناه الغائرتان اللتان تحيط بهما هالات سوداء شاهدة على ليالٍ طوال من السهر، والندم، والأرق المطبق. كان صابر يمني نفسه بأن هذا الباب هو ملجأه الأخير، وأن خلفه يقف الرجل الوحيد في هذا العالم الذي ما زال مستعداً للاستماع إليه دون إلقاء لوم أو أحكام قاسية. صالح، رفيق العمر والطفولة، الذي طالما رمم ما هدمه صابر برعونته، وطالما كان الجسر الذي يعبر عليه مجدداً نحو عائلته كلما أفسد طيشه حبال الود. تأخر الرد لثوانٍ بدت لصابر كأعوام كاملة. ساد صمت ثقيل في الرواق جعل نبضات قلبه تتسارع خلف ضلوعه كطبول حرب. وأخيراً، دار مقبض الباب ببطء، لتنفتح الفتحة الضيقة وتكشف عن وجه صالح. كان وجهه يفيض بهدوء غريب، هدوء لم يألفه صابر فيه من قبل، لم تكن هناك ا







