LOGINالفصل الثالث: صعود بلا مصعد
كان مدخل العمارة يغلي كمرجل من الانفعالات المكبوتة. وتحت الإضاءة الصفراء الخافتة للمصباح المعلق فوق الباب، كانت الوجوه تعبر بوضوح عن معارك صامتة لا تحتاج إلى كثير من الذكاء لفك رموزها. وقفت أم العروس، السيدة التي بدا عليها التعب والامتعاض الشديدين، وهي تعدل من وضع شالها الحريري، وعيناها تدوران في أرجاء المدخل المتواضع بقلة حيلة. كان الضيق ينهش صدرها؛ فلم تكن هذه الزيجة منذ البداية تروق لها، وكانت ترى في ابنتها علياء، بجمالها وعقلها الراجح، مشروعاً لزيجة أكثر ثراءً واستقراراً، لا أن ينتهي بها المطاف في شقة مستأجرة صغيرة في نهاية العالم، وفي طابق سابع تعطل مصعده ليلة عرسها. أما أم العريس "عماد"، فقد كانت تراقب حماته بنظرات صقرية مستعدة للهجوم والدفاع عن كرامة ابنها في أي لحظة. ولم يطل صمتها كثيراً، فحين تنهدت أم العروس بمرارة للمرة الثانية، التفتت إليها أم عماد وقالت بنبرة حادة ممزوجة بالتهكم: وهل كان ابني يشم على ظهر يده ليعلم أن المصعد سيعطل في هذه الليلة بالذات يا أم علياء؟ هذا قضاء وقدر، والأمور لا تُقاس هكذا في ليلة العمر. لوت أم العروس فمها بضيق، وأجابت وهي تشيح بوجهها: وبنتي ما ذنبها في قضاء وقدرك هذا؟ ألم يكن كافياً أنه اختار لها شقة في آخر الطوابق وفي آخر الدنيا؟ والآن عليها أن تصعد بفستانها الأبيض سبعة طوابق كاملة على سلم مظلم! في هذه اللحظة، تدخلت هدى، جارة الطابق الثامن، محاولة كسر حدة الجدل بابتسامتها البشوشة وصوتها الرخيم: يا خالتي، وحدي الله.. أنا التي أسكن في الطابق الثامن، أي فوق ابنتكِ بطابق كامل، ولم أشعر يوماً أنني في آخر الدنيا. العمارة هنا مبروكة وأهلها يحبون بعضهم البعض، وهذا هو الأهم. التفتت أم عماد نحو هدى بامتنان، وقالت بنبرة انتصار: أرأيتِ؟ لقد ظهر الآن أنكِ تظلمينه، فهناك من يسكن فوقهم بدور كامل والحمد لله يعيشون في رضا وأمان. هتفت مديحة من فورها، وهي تصفق كفيها ببعضهما لإعادة الأمور إلى نصابها الودي: طب والله كثر خيركم جميعاً! ما رأيكم أن ننهي هذه الوقفة المحرجة في المدخل؟ تفضلوا جميعاً إلى شقتي في الطابق الثاني.. نستريح، ونشرب شيئاً بارداً، ونهدئ من روعنا حتى يحل هذا الأمر. بينما كان هذا الجدال العائلي يدور، أتى من بوابة العمارة الخارجية سالم وأمين. كانا قد تقابلا على الباب الخارجي، وحين دخلا ووجدا هذا التجمهر الحافل والأصوات المرتفعة، تبادلا نظرات الدهشة. تقدم أمين، زوج مديحة، بخطواته الوقورة متسائلاً: ما الأمر يا مديحة؟ خير إن شاء الله.. ما الذي يوقفكم هكذا في المدخل؟ أجابت مديحة بلهفتها المعتادة: أهلاً يا أخي، جئت في وقتك.. هؤلاء هم العرسان الجدد، جيراننا الذين استأجروا الشقة الصغيرة في الطابق السابع. المصعد تعطل والعروسان عالقان هنا. ارتسمت علامات الترحيب على وجه أمين الفضفاض، وتقدم ليصافح عماد بحرارة: أهلاً وسهلاً شرفتمونا ونورتم العمارة يا بني! بادله عماد المصافحة بامتنان واضح، وقال بنبرة يملؤها الإحراج: الشرف لنا يا أستاذ.. لكن هل لي أن أسألك؟ هل هناك أي فرصة لإصلاح هذا المصعد الليلة؟ التفت سالم، زوج هدى، منزعجاً وهو يوجه حديثه لزوجته: هل تعطل المصعد مجدداً يا هدى؟ لقد نزلنا عليه منذ ساعات فقط! أجابت هدى وهي تهز رأسها بأسف: نعم يا أخي، تعطل.. وأنا ومنال هبطنا على السلم منذ قليل. قال أمين وهو يخرج هاتفه المحمول من جيب جلبابه: أليس معك رقم هاتف الشركة يا سالم؟ أولئك الذين يرسلون عامل الصيانة فوراً؟ هز سالم رأسه بقلة حيلة وقال: الشركة زمانهم قد أغلقوا مكاتبهم الآن.. الساعة تجاوزت التاسعة، ومن الصعب أن يجيبنا أحد في هذا الوقت. وفي تلك اللحظة بالذات، رنّ صوت ارتطام عكاز خشبي على درجات السلم الهابطة. كان الصوت رتيباً، ثقيلاً، ويحمل نبرة جافة يعرفها جميع سكان العمارة. تراجع الجميع قليلاً ليفسحوا طريقاً لصابر. هبط صابر درجات السلم ببطء، مستنداً بثقله على عكازه، وعيناه الذابلتان ترقبان التجمع بنظرات خالية من الترحيب. ملامحه التي قست مع الزمن بدت أكثر انقباضاً تحت الضوء الخافت. نظر إلى فستان الزفاف الأبيض، وإلى بذلة العريس السوداء، ثم التفت إلى أمين وسالم وقال بنبرته المريرة المعتادة: وهل يجرؤ أحد على الزواج في هذه الأيام دون أن يعطل المصعد؟ يبدو أن النحس يبدأ من العتبة الأولى! انقبضت ملامح عماد وعلياء من هذه الكلمات الجافة التي نزلت عليهما كدلو من الماء البارد في ليلة زفافهما. لكن سالم سارع بضرب كتف صابر بخفة وقال معاتباً بصوت منخفض: اهدأ يا صابر يا أخي وروق دمك.. الناس غرباء وجدد في بنايتنا، ولا نريد فضائح أو قسوة في أول لقاء.. اعمل معروفاً! شخر صابر بنبرة خافتة، وقال وهو يتابع هبوطه نحو باب الشارع مستنداً على عكازه: وهل قلت شيئاً معيباً يا سالم أفندي؟ أنا فقط أقول إن الخير يظهر دائماً على قدوم الواردين! سأخرج للمقهى، فالأجواء هنا أصبحت خانقة ومزدحمة أكثر مما ينبغي. شعر عماد بالدم يغلي في عروقه من أسلوب صابر الفظ، وخطا خطوة للأمام قائلاً بعصبية مكتومة: ماذا تقصد بكلامك هذا يا سيد؟ هل نحن من جلبنا النحس لعمارتكم؟ شعر أمين بتوتر الموقف، فتدخل فوراً واضعاً يده على كتف عماد، محاولاً امتصاص غضبه: حصل خير يا جماعة.. لا تؤاخذونا، الأستاذ صابر يمر بظروف صحية صعبة وأعصابه متوترة دائماً. تفضلوا معنا للاستراحة في شقتنا بالطابق الثاني حتى نجد حلاً لهذا المصعد. سأحاول أنا وسالم الاتصال بمهندس الصيانة على رقمه الخاص، لعلنا نقنعه بالمجيء الليلة. تنحنح عماد محاولاً استعادة هدوئه وقال: نحن شاكرون جداً لذوقك يا أستاذ.. لكننا لا نريد إزعاجكم. هتفت مديحة مقاطعة بحسم وإصرار: لا والله يا عريس! لن تذهبوا إلى أي مكان.. ستأتي أنت وعروستك وكل المعازيم الأفاضل لترتاحوا عندنا. نحن أولاد بلد ونفهم في الأصول، وشقتنا واسعة والحمد لله وتتسع لألف حبيب! نظرت أم العروس إلى ابنتها، ثم إلى السلم الطويل المظلم، وقالت بنبرة يملؤها الضيق والتعالي الخفيف: أنا فعلاً سأغادر الآن وأعود لبيتي قبل أن يرتفع ضغطي أكثر من هذا.. لن أحتمل صعود سبعة طوابق، ولا أريد الجلوس في شقق الغرباء. سأطمئن عليكِ بالهاتف يا علياء. أجابت أم العريس بعزة نفس مماثلة: وأنا أيضاً سأغادر معكِ يا أم علياء.. فالأجواء هنا أصبحت لا تطاق، ونترك العرسان ليرتاحوا مع جيرانهم الأفاضل. ومع انسحاب الأمهات، بدأ بقية المعازيم الذين رافقوا العروسين يستشعرون الحرج، فانسحبوا واحداً تلو الآخر بهدوء وسكينة. وجد عماد وعلياء نفسيهما وحيدين تماماً وسط جيران العمارة. وتحت وطأة التعب الشديد والحرج من صعود السلم، اضطرا للموافقة على دعوة مديحة، وصعدا برفقة أمين والنساء إلى الطابق الثاني للاستراحة بشكل مؤقت. انفتحت شقة مديحة وأمين على صالة استقبال واسعة ومؤثثة بأثاث دافئ ومزدحم. ورغم أن الزيارة كانت طارئة، إلا أن "فضول" جيران العمارة كان يسبق ترحيبهم. كان الجميع يريد معرفة قصة هذين العروسين اللذين وصلا في وقت مبكر جداً من النهار، دون معازيم كثر، ودون مظاهر الفرح الصاخب المعتاد. تركت مديحة باب الشقة مفتوحاً على مصراعيه ليسمح للهواء اللطيف بالدخول إلى الصالة التي امتلأت فجأة بالزوار. وقامت والدة أمين برفقة والدة مديحة بتقديم المشروبات الغازية الباردة للجميع بترحيب حار، بينما أطلقت والدة أمين زغرودة دافئة هزت أرجاء المكان احتفاءً بالعروسين. وفي وسط هذه الهيصة، دخلت سامية وزوجها ممدوح ليكتمل نصاب سكان العمارة. وقفت سامية عند الباب وهي تنظر بذهول إلى الفستان الأبيض والجمع الغفير، متسائلة بصوت مسموع: خير يا جماعة؟ من الذي يتزوج في عمارتنا دون أن نعلم؟ ضحك ممدوح زوجها وقال متهكماً: هل قرر الأستاذ صابر أن يعيد التجربة ويتزوج مجدداً بالسر أم ماذا؟ هتفت مديحة وهي تشير بيدها: صابر ماذا يا ممدوح! هؤلاء جيراننا الجدد، العرسان الذين استأجروا الشقة الصغيرة في الطابق السابع. ما إن نطقت مديحة بعبارة "الشقة الصغيرة"، حتى انتفض زوجها أمين موجهاً كلامه إليها بعصبية مكتومة: الشقة الصغيرة.. الشقة الصغيرة! هل تعتقدين أن أحداً في هذا العالم لا يعيش في شقة كبيرة غيركِ؟ ما هذا الكلام يا مديحة! ادخل يا ممدوح أنت وسامية، لماذا تقفان عند الباب كأنكما تطالباننا بدين؟ أجابت مديحة بحنق خفيف: يوه! وهل قلت شيئاً معيباً؟ أنا فقط أصف الشقة لتوضيح مكانها! ضحك عماد رغماً عنه من هذه المناوشات الزوجية الطريفة، وقال بلهجة متصالحة وواثقة: لا بأس يا أستاذ أمين، دعها تتحدث براحتها.. نحن لا نغضب من هذه الأمور أبداً. لقد اتخذنا قراراً منذ البداية ألا نسمح لآراء الناس أو طريقة تفكيرهم بالوقوف في طريق أحلامنا. والصغير يا سيدي مصيره أن يكبر بالعمل والرضا. نظر أمين إلى عماد بنظرة تقدير كبيرة، وقال بنبرة ملأها الحنين: كلامك ذهب يا بني.. أنا شخصياً عندما تزوجت مديحة، بدأنا حياتنا في شقة صغيرة من غرفتين وصالة في بيت والدي، وبأثاث بسيط ومتواضع جداً. التفتت علياء، التي كانت تجلس بهدوء ووقار بجانب زوجها، وقالت بابتسامة رقيقة: هذا أمر جميل جداً يا عمي. اندهشت مديحة وتدخلت متسائلة: وما الجميل في هذا يا ابنتي؟ ألم تكن أياماً صعبة تفيض بالضيق؟ أجابت علياء بنبرة ناضجة سبقت عمرها بكثير: الجميل أنكما بدأتما من الصفر، وصعدتما السلم معاً خطوة بخطوة حتى حققتما ما أنتما فيه اليوم من دفء واستقرار مادي واجتماعي. قيمة الأشياء تكمن في الرحلة التي نخوضها لنصل إليها، لا في البدايات السهلة.الفصل الثالث عشر: بيت خاوٍ ورجال لا يفهمونعاد أمين من عمله يتوكأ على تعبه المعتاد، ودخل الشقة ليرى والدته ومديحة تعدّان طعام الغداء معاً. التفت بصرُه حول المكان يبحث عن وجه اعتاد وجوده، فلم يجد والده زوجته كما درجت العادة. تساءل باستغراب:— أين أمكِ يا مديحة؟ هل هي متعبة؟ردت أمّه بنبرة حادة اقتضبت بها الشكوك:— ذهبت إلى ابنها عبد الفتاح لتقيم عنده.قطم أمين حاجبيه وقال متعجباً:— ماذا؟ ولِمَ ذلك وهي التي كانت تقاطعه؟— أحست المرأة من كلامك البارحة أنك متضايق من وجودهما، ففضلَت الرحيل.اتسعت عينا أمين واستنكر:— ما هذا الذي تقولينه يا أمي؟ هل بدر مني أمس ما يدل على ذلك؟— العبارات تُفهم من سياقها يا بني، واللبيب بالإشارة يفهم!— هل قلتُ أنا ذلك صراحة؟— معنى كلامك أننا نتدخل في حياتك ونضيّق عليك!أخذ أمين نفساً عميقاً وقال بقلة صبر:— لم أقل ذلك أبداً!ردت والده بصرامة وهي تلوح ببدنها:— على أية حال، هي قالت إن بيتها وحشها وتريد أن تقضي أياماً مع ابنها.. وأنا أيضاً سأذهب لأقيم مع أخيك "نعمان" يومين كي أتركك على راحتك مع زوجتك.اندفع أمين نحوها وقال بارتباك:— ما هذا الكلام
الفصل الثاني عشر: هواجس الجواركانت مديحة تجلس في الشرفة، مستندة بذراعيها إلى السور الحديدي، تتأمل المارة في الشارع دون حافز حقيقي للتدقيق في وجوههم. كلمات أمين القاسية ونظراته الجافة في الليلة الماضية لا تزال تطن في أذنيها كطنين النحل، تذكّرها بفراغ حياتها وزوال بريقها في عينيه. وفي محاولة يائسة للهروب من هذا الجحيم الصامت الذي يلف شقتها، أخذت أفكارها تطوف بأرجاء البناية، لتتوقف عند الطابق الخامس.. عند شقة جارتها سامية.استرجعت مديحة تفاصيل زيارتها الأخيرة لسامية قبل يومين فقط؛ تلك الزيارة التي صعدت فيها لتلتقط أنفاسها بعيداً عن جدران بيتها الخانقة.في ذلك اليوم، عادت سامية من عملها في المصرف منهكة تماماً. أرهقها ازدحام الطريق بعد يوم طويل من التعامل مع المراجعين، وما إن فتحت باب شقتها بمفتاحها حتى ألقت بجسدها المجهد على أول كرسي واجهها في الصالة. أغمضت عينيها لترتاح قليلاً قبل أن تستجمع قواها للنهوض، لكن صوت جرس الباب قاطع استرخاءها.قامت متثاقلة، تحرّك قدميها بصعوبة حتى وصلت إلى الباب وفتحته، لتفاجأ بمديحة تقف أمامها. قالت سامية بنبرة يمتزج فيها التعب بالترحاب:— خير يا مديحة؟
الفصل الحادي عشر : الصدمة جلس أمين على السرير واستند إلى الجدار قائلاً: — هل تستطيعين إخباري من يغسل ثيابي؟ من يعد طعامي؟ من يتابع طلبات بيتي؟ وناهيكِ عن هذا كله، من يربي أبناءكِ الخمسة؟ أنتِ لا تعرفين عن أبنائكِ شيئاً يا هانم، وجعلتِ أمي وأمكِ بمثابة الخادمات عندكِ! شخصت أبصارها صدمة وقالت وهي تضع يدها على صدرها: — أخص عليك يا أمين! هل جعلتُ أمي وأم أمين خادمات عندي؟ والله العظيم لم أطلب منهما يوماً أن تفعلا شيئاً، هما من يملان من الجلوس ويقولان إن المنزل تسلية لهما! رد أمين بنبرة حاسمة: — وأنتِ يا مديحة؟ ألم تملي من هذا الاسترخاء والاتكال؟ قالت بدفاع عن نفسها: — كنتُ أظن أن هذا يُسعدك! كنتُ أظن أن تفريغي من أعباء البيت سيجعلني متفرغة لك ورائقة البال بدلاً من أن ترجع فتجدني ثائرة الصراخ خلف الأطفال! هما بنفسيهما يفعلان ذلك كي أكون متفرغة لدلعك ورعايتك. سألها أمين بتهكم مؤلم: — وأين هذا الدلع؟ أنتِ لا المناولينني حتى كوب ماء! صدمتها الكلمة فقالت: — وهل هذه فكرتك عن الدلع يا أمين؟ أن أكون الخادمة التي أحضرتها لك أمك؟ هل هذه قيمتي عندك؟ رد بمواجهة جافة: — بل أن تقعدي
الفصل العاشر: المواجهة الصامتةعاد أمين من عمله كعادته منهك القوى، يثقل كاهله الإعياء والنعاس. ولدى دخوله، استقبلته الروائح الشهية الزكية الفائحة من المطبخ؛ حيث كانت والدته وحماته تضعان اللمسات الأخيرة على مائدة الطعام وتنسقان الأواني على السفرة. وفي المقابل، كانت مديحة تجلس مسترخية أمام شاشة التلفاز، تتابع أحد برامجها المفضلة.مر أمين بهدوء متوجهاً إلى غرفة النوم ليتخفف من ثياب العمل حتى يفرغ الجميع من إعداد المائدة. ما كاد يفتح خزانته حتى ولجت مديحة خلفه وأغلقت الباب بهدوء، ثم قالت بنبرة تحمل رجاءً خفياً:— اخلع ثيابك كي أخرج لك زياً مريحاً من الخزانة.تأملها أمين بنظرة يمتزج فيها الجفاء بالإرهاق، وقال:— ولِمَ لم تُخرجي ثيابي قبل أن أصل؟ أم أن الهانم لم تكن فارغة؟ابتسمت مديحة محاولة امتصاص جفافه وقالت بمداعبة:— أتخجل من الخلع أمامي يا أمين؟ أم أنك تشعر بالبرد رغم أن الجو حار؟رد أمين بضيق مكتوم وهو يزيح بصره عنها:— لستُ خجلاً يا عزيزتي، لكن هذا ليس وقت المزاح.. أنا جائع للغاية.ضُحكت مديحة بنبرة مضطربة وقالت:— وما الذي يدور في ذهنك إذن؟ أنت تبحث عن حجة للغضب فقط!أجابها
الفصل التاسع: خبايا البيت المزدحمتجلس مديحة في شقتها الواسعة بالطابق الثاني، الشقة التي تضج بالحياة والصخب، لكنها تخفي في طياتها فراغًا روحياً يعتصر قلب صاحبتها. يتألف هذا البيت من أربع حجرات وصالة استقبال واسعة ومطبخ فسيح يتسع لجميع أفراد العائلة، إلا أن مديحة كانت تشعر وكأنها ضيفة في حياتها الخاصة.لم تكن "مديحة رويتر" مجرد لقب أطلقه سكان العمارة عليها اعتباطًا؛ بل كان متنفَسها الوحيد للهروب من واقعها. قضت معظم أوقاتها في الشرفة، تتلقف أخبار الجيران في البناية وفي العمائر المجاورة، وتستقبل الملاك والزوار بابتسامة تفيض بالخدمات وتتبادل معهم أرقام الهواتف، لتصبح شبكة الأخبار الأولى في الحي، تنقل التفاصيل إلى جاراتها لتعوض ذلك الفراغ الزمني والعاطفي القاتل.ترجع جذور هذه الشقة المزدحمة إلى ذكريات قديمة؛ إذ كانت والدة مديحة ووالدة زوجها أمين جارتين وصديقتين مقربتين في حي "شبرا". تربى أمين في بيت أم مديحة، وشهد ولادة مديحة وهو طفل في السابعة من عمره. يومها، قررت أم أمين أن تكون هذه المولودة الصغيرة زوجة مستقبليّة لولدها، ثقة منها بأخلاق والدتها وطيب أصلها. وكبرت مديحة أمام عينيه، فلم
الفصل الثامن: صينية العشاءنجح المهندس الذي استدعاه "سالم" في إصلاح عطل المصعد أخيرًا، لتتنفس العمارة الصعداء. ودّع العروسان الجديدان —عماد وعلياء— شقة "مديحة" وزوجها "أمين"، مكررين شكرهما الجزيل على حسن الضيافة وحفاوة الاستقبال. صعد الزوجان عبر المصعد إلى شقتهما الصغيرة في الطابق السابع؛ عش الزوجية الذي شهد تحضيرات شاقة خلال الأيام الماضية. انفض التجمع الإجباري، وعاد باقي الجيران إلى شققهم، لتبقى مديحة مع زوجها وعائلتها الصغيرة.جلس أمين المنهك من عمله ومن التجمع الطارئ، برفقة مديحة والأولاد ووالدته ووالدة زوجته حول مائدة الطعام. كانت مديحة تتأمل الفراغ لبرهة قبل أن تتحدث بنبرة يدفعها العجب:— أتعلمون؟ أظن أن والدة العروس غادرت الغاضبة بسبب عطل المصعد، ونسيت أن تترك لابنتها صينية العشاء!علقت أم أمين بنبرة تفيض بالشفقة:— يا إلهي! ماذا ستأكل هي وعريسها في ليلة مثل هذه؟ابتسمت مديحة وهي تنظر إلى المائدة وقالت:— يا للصدفة السعيدة! لحسن الحظ أننا أعددنا الدجاج والحمام المحشو بالفرِيك اليوم.ضحك أمين بنبرة تحمل شائبة سخرية وتساءل:— وإلامَ تهدفين بهذه الملاحظة يا مديحة؟ردت مديحة