Home / التشويق / الإثارة / أسرار جيراني الأعزاء / الفصل الثاني : رسائل القدر

Share

الفصل الثاني : رسائل القدر

last update publish date: 2026-06-17 23:15:06

الفصل الثاني: رسائل القدر 

تنهد صالح بعمق، وخطا خطوة إلى الأمام ليكون حائلاً بجسده بين صابر وبين عائلته السابقة بالداخل. تلاقت عيناه بعيني صابر بقوة وثبات، وقال بنبرة هادئة ورصينة كحكم القضاء:

لم تعد زوجتك يا صابر.. لقد طلقتها ثلاثاً بملء إرادتك وعقلك، وانقضت عدتها شرعاً منذ أيام. حنان الآن زوجتي على سنة الله ورسوله.

شعر صابر برأسه يدور كإعصار عنيف. تراجع خطوة أخرى في الممر المشترك للعمارة، مستنداً بيده على الحائط البارد كي لا يخونه جسده المنهار. صرخ بصوت مخنوق بالدموع والحرقة:

زوجتك؟ تزوجت زوجتي يا صالح؟ صديق عمري.. أخي الذي لم تنجبه أمي! تآمرت عليّ في غيابي وسرقت بيتي وأولادي؟ هل هذه هي الأمانة؟ هل هذا هو الوفاء الذي طالما حدثتني عنه؟

أغمضت حنان عينيها بقوة بالداخل، وضمت طفلها الصغير إلى صدرها وهي تحاول إبعاده عن المشهد، بينما تقدم صالح خطوة إضافية نحو باب الشقة، وقال بصوت حازم وجاد:

أنا لم أتآمر عليك يا صابر، ولم أسرق شيئاً لم تلقه أنت بنفسك في سلة المهملات. كم مرة جلست معك على المقاهي وفي هذه الشقة أرجوك أن تتقي الله في زوجتك وأولادك؟ كم مرة تركتهم بلا طعام ولا مال لتنفقه على نزواتك وسهراتك؟ لقد حذرتك بأن النعمة إذا زالت لا تعود، ولكنك كنت تظن أن حنان جدار صامت يمكنك هدمه وبناؤه متى تشاء.

تسللت كلمات صالح كخناجر مسمومة إلى قلب صابر. تذكر سهراتهم، وتذكر نصائح صالح التي كان يسخر منها ويصفها بأنها "مواعظ عجائز". تذكر كيف كان يتباهى بأنه يستطيع تطليق حنان وإعادتها بكلمة واحدة، وكيف سخر من دار الإفتاء حين أخبروه بالطلقة الثالثة البائنة بينونة كبرى.

ولكنها كانت تبكي وتريد العودة! - صرخ صابر بضعف ممتزج بالقهر - لقد ذهبت لأهلها وأحضرت الهدايا.. كانوا سيقنعونها! لولا تدخلّك أنت لكانت عادت إليّ!

في هذه اللحظة، لم تطق حنان صبراً، فتقدمت بخطوات ثابتة نحو الباب، ووقفت بجانب زوجها الجديد صالح. نظرت إلى صابر بنظرة خالية تماماً من الحب أو العتاب، كانت نظرة باردة كالثلج، وقالت بنبرة حاسمة:

لا تكذب على نفسك يا صابر. أنت تعلم جيداً أنني أفضل الموت على العودة إليك. لقد أخبرتك في بيت أبي أنك زرعت الشوك وحصدت الجفاف. صالح لم يجبرني على شيء، بل أنقذني وأنقذ أطفالك من الضياع بعدما تركتنا بلا مأوى ولا كرامة. هو الرجل الذي صانني وصان أطفالك في الوقت الذي كنت تبحث فيه عن متعتك الخاصة. ولولاه، لكان أطفالك الآن مشتتين في البيوت.

نظر صابر إلى وجهها، فما وجد فيه ذرة واحدة من حنان الماضي. وجد امرأة غريبة وقاسية، امرأة صنع قسوتها هو بيده طوال عشر سنوات من الإهانات والإهمال. نظر إلى طفله الأصغر الذي كان ينظر إليه برعب وكأنه يرى وحشاً كاسراً، بينما كان الصغير يمسك بيد صالح بأمان تام.

شعر صابر أن أنفاسه تضيق، وأن الجدران المحيطة به في الطابق الرابع تكاد تطبق على صدره وتخنقه. تراجع بضع خطوات نحو السلم الخلفي، وعيناه لا تزالان معلقتين بصديقه وزوجته السابقة. قال بنبرة مكسورة متحشرجة:

لقد ذبحتني يا صالح.. ذبحتني بسكين باردة تلمة.. أنت وهي.. تآمرتما عليّ.

رد صالح بأسى حقيقي ظهر في نبرته لأول مرة:

أنت من ذبحت نفسك يا صاحبي يوم أن استهنت بنعمة الله. أولادك في حفظ وأمان، وبابي مفتوح لك لتراهم في أي وقت تشاء.. لكن حنان أصبحت محرمة عليك إلى يوم الدين.

لم يحتمل صابر سماع كلمة أخرى. التفت بجسده المرتجف وهبط الدرج مسرعاً، يتخبط في حوائط السلم كالمخمور الذي فقد وعيه تماماً. كانت الدموع تعمي عينيه، وصرخات القهر تتردد في صدره كدوي الرعد. كيف تحول صالح، المستشار الصادق، إلى زوج لامرأته؟ وكيف تحولت حنان، المطيعة الهادئة، إلى هذا الجبل من الجليد؟

خرج من مدخل العمارة إلى الشارع العام دون أن ينظر حوله، ودون أن يلتفت لإشارات المرور أو أصوات الأبواق المحذرة. كان عقله قد توقف تماماً عن العمل، ولم يكن يرى أمامه سوى صورة ابنه وهو ينادي صديقه "بابا صالح".

وفي جزء من الثانية، انطلقت دراجة بخارية بسرعة جنونية من المنعطف. تعالت صرخات المارة، ودوى صوت مكابح عنيفة ترتطم بالإسفلت.. لكن الأوان كان قد فات. ارتطم جسد صابر بالهيكل المعدني بقوة قذفته أمتاراً في الهواء، ليسقط على الأرض جثة هامدة ظاهرياً، غارقة في دمائها، وسط تجمهر صاخب من المارة الذين هرعوا لطلب الإسعاف.

بينما كان صابر يصارع الموت في غرفة العناية المركزة بالمستشفى العام بين الحياة والفناء، مرت شهور طوال ثقيلة. تحركت الأيام ببطء شديد على جيرانه في العمارة الذين علموا بالحادثة الأليمة وفصلها الدرامي الصادم. ورغم قسوة صابر السابقة معهم وطيشه، إلا أن شهامة "أولاد البلد" غلبت عليهم؛ فكان الجيران يتناوبون على زيارته والاطمئنان عليه، بينما تولت نساء العمارة تنظيف شقته المغلقة وتجهيزها لعودته.

بعد مرور عامين كاملين من العلاج المضني والعمليات الجراحية المعقدة في ساقه وجسده، عاد صابر أخيراً إلى شقته بالطابق الرابع. لم يعد صابر القوي المتغطرس؛ بل أصبح رجلاً مكسوراً، يتكأ على عكاز خشبي، يعرج بخطوات ثقيلة تترك أثراً مسموعاً في ردهات العمارة.

استقرت أحواله المادية نسبياً بعدما استعاد السيطرة على محله التجاري بمساعدة إخوته، لكن شقته الواسعة أصبحت أشبه بمقبرة صامتة لولا زيارات الجيران المتباعدة للاطمئنان عليه. ورغم كل ما مر به من انكسار وحادث قارب الموت، إلا أن كبرياءه منعه من الاعتراف بالخطأ؛ فكان يردد دائماً في جلسته الصامتة أن العيب ليس فيه، بل في "منظومة الزواج" بأكملها التي تمنح النساء القدرة على الغدر والنسيان. وقرر بداخله ألا يخوض هذه التجربة مجدداً، مفضلاً العودة إلى علاقاته العابرة السابقة كلما تملك منه الضيق والملل والوحدة.

مرت سنتان إضافيتان على استقراره الجديد. وفي أحد أيام الثلاثاء الهادئة، وقبيل غروب الشمس بقليل، شق سكون العمارة فجأة صوت زغاريد حادة، وغناء شعبي متداخل، وهرج ومرج غير معتاد ينبعث من مدخل البناية بالأسفل.

خرجت مديحة، جارتهم بالدور الثاني والمعروفة بفضولها الشديد، إلى شرفتها لتستقصي الأمر. لمحت عينا المدخل مزدحماً بالبشر، فهبطت فوراً على الدرج لتتأكد مما ظنته. وما إن وصلت إلى الطابق الأرضي حتى وجدت عروسين يرتديان ملابس الزفاف، ويحيط بهما جمع من النساء والرجال يهللون ويزغردون بابتهاج حافل.

هتفت مديحة بفضول وترحيب دافئ:

أهلاً وسهلاً يا مرحب!

رد العريس وهو يحاول التقاط أنفاسه وسط الزحام بابتسامة متعبة:

أهلاً بحضرتك يا فندم.. نحن جيرانكم الجدد في الطابق السابع.

بادرت مديحة بضرب كفيها ببعضهما فرحاً:

أهلاً أهلاً! يا ألف نهار أبيض.. يا ألف نهار مبروك! أنتم العرسان الجدد الذين استأجرتم الشقة الصغيرة في الطابق السابع؟

أجابت العروس بخجل وتعب واضح تحت طرحتها البيضاء:

نعم.. نحن هم.

التفتت مديحة للعريس قائلة بابتسامة واسعة:

والله عريسك كالقمر يا ابنتي، وأنت قمران! تفضلوا عندنا في الدور الثاني لنقوم بالواجب معكم ريثما تستريحون.

أجاب العريس بامتنان وهو يشير إلى باب المصعد المغلق:

أشكرك جداً على ذوقك يا أمي.. نحن فقط ننتظر تشغيل المصعد، يبدو أنه لا يستجيب للطلب ولا يعمل.

انقبض وجه مديحة وهتفت بأسف:

يا للمصيبة! هل تعطل هذا المصعد اللعين مجدداً؟

بدت العروس منزعجة للغاية وهي تلتفت لزوجها قائلة:

هل يعطل كثيراً هنا؟

ضحكت مديحة ضحكة خفيفة محاولة لطمأنتها:

لا لا، لا تقلقي.. ليس كثيراً، إنها مجرد مصادفات عابرة.

في هذه الأثناء، هبطت هدى ومعها منال من على الدرج، وحين وصلتا إلى مدخل العمارة وشاهدتا التجمع، هتفت هدى بفضولها المعتاد وهي تنظر لمديحة:

ما كل هذه الزغاريد والبهجة يا مديحة؟ خير إن شاء الله؟

أجابت مديحة بسرعة:

العرسان الجدد، جيراننا الذين استأجروا الشقة الصغيرة في الطابق السابع!

هتفت هدى بترحاب:

أهلاً وسهلاً بكم.. شرفتم العمارة كلها!

في تلك اللحظة، تدخلت سيدة تبدو من ملامحها الحادة والمتوترة أنها والدة العروس، وقالت بضيق لم تستطع إخفاءه:

سلمكِ الله يا حبيبتي.. أرى أنكم تهبطون على أقدامكم، هل هذا يعني أن المصعد معطل تماماً ولن يصلحه أحد الليلة؟

أجابت منال محاولة تلطيف الأجواء:

لا تقلقي يا خالة، سنجمع المال من بعضنا البعض ونحضر فني الصيانة غداً في الصباح الباكر حتماً.

هتفت أم العروس بحدة وغضب مكتوم:

في الصباح؟ وهل سنصعد سبعة طوابق كاملة على أقدامنا في ليلة الزفاف؟

تدخل العريس الشاب محاولاً تهدئة حماته وقال بأدب:

لا داعي لصعودكم يا حماتي.. اذهبوا أنتم وارتاحوا، وسنصعد أنا وعلياء على مهلنا خطوة بخطوة، وغداً صباحاً يكون المصعد قد تم إصلاحه حتماً.

هتفت أم العروس بمرارة ونبرة لائمة:

هل تصعد علياء سبعة طوابق على السلم ليلة دخلتها يا عماد؟ أهذا هو الإعزاز والراحة التي وعدتنا بها؟

تدخلت مديحة بسرعة لتشتيت الخلاف الزوجي والعائلي الناشئ، وقالت بابتسامة حانية:

عاشت الأسماء.. اسمكِ علياء واسمه عماد، بارك الله لكما. لا تقلقي عليهما يا أم علياء، العمارة هنا كلها أهل. يصعدان طابقين ويرتاحان عندي في الطابق الثاني قليلاً، ثم يصعدان طابقاً ويرتاحان عند منال في الثالث.. نحن هنا عائلة واحدة ولا ضير في ذلك أبداً.

هنا ساد الصمت لبرهة وسط الجمع، بينما كانت العيون تترقب السلم والمصعد المعطل، ووجوه الجميع تحمل تساؤلات وصراعات صغيرة بدأت تطفو على السطح في هذه الليلة غير العادية من ليالي العمارة.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • أسرار جيراني الأعزاء    الفصل الرابع : ذكريات مؤلمة

    الفصل الرابع : ذكريات مؤلمة هتفت مديحة وهي تشير بيدها:صابر ماذا يا ممدوح! هؤلاء جيراننا الجدد، العرسان الذين استأجروا الشقة الصغيرة في الطابق السابع.ما إن نطقت مديحة بعبارة "الشقة الصغيرة"، حتى انتفض زوجها أمين موجهاً كلامه إليها بعصبية مكتومة:الشقة الصغيرة.. الشقة الصغيرة! هل تعتقدين أن أحداً في هذا العالم لا يعيش في شقة كبيرة غيركِ؟ ما هذا الكلام يا مديحة! ادخل يا ممدوح أنت وسامية، لماذا تقفان عند الباب كأنكما تطالباننا بدين؟أجابت مديحة بحنق خفيف:يوه! وهل قلت شيئاً معيباً؟ أنا فقط أصف الشقة لتوضيح مكانها!ضحك عماد رغماً عنه من هذه المناوشات الزوجية الطريفة، وقال بلهجة متصالحة وواثقة:لا بأس يا أستاذ أمين، دعها تتحدث براحتها.. نحن لا نغضب من هذه الأمور أبداً. لقد اتخذنا قراراً منذ البداية ألا نسمح لآراء الناس أو طريقة تفكيرهم بالوقوف في طريق أحلامنا. والصغير يا سيدي مصيره أن يكبر بالعمل والرضا.نظر أمين إلى عماد بنظرة تقدير كبيرة، وقال بنبرة ملأها الحنين:كلامك ذهب يا بني.. أنا شخصياً عندما تزوجت مديحة، بدأنا حياتنا في شقة صغيرة من غرفتين وصالة في بيت والدي، وبأثاث بسيط ومتواضع

  • أسرار جيراني الأعزاء    الفصل الثالث : مشاجرة المصعد العطلان

    الفصل الثالث: صعود بلا مصعدكان مدخل العمارة يغلي كمرجل من الانفعالات المكبوتة. وتحت الإضاءة الصفراء الخافتة للمصباح المعلق فوق الباب، كانت الوجوه تعبر بوضوح عن معارك صامتة لا تحتاج إلى كثير من الذكاء لفك رموزها.وقفت أم العروس، السيدة التي بدا عليها التعب والامتعاض الشديدين، وهي تعدل من وضع شالها الحريري، وعيناها تدوران في أرجاء المدخل المتواضع بقلة حيلة. كان الضيق ينهش صدرها؛ فلم تكن هذه الزيجة منذ البداية تروق لها، وكانت ترى في ابنتها علياء، بجمالها وعقلها الراجح، مشروعاً لزيجة أكثر ثراءً واستقراراً، لا أن ينتهي بها المطاف في شقة مستأجرة صغيرة في نهاية العالم، وفي طابق سابع تعطل مصعده ليلة عرسها.أما أم العريس "عماد"، فقد كانت تراقب حماته بنظرات صقرية مستعدة للهجوم والدفاع عن كرامة ابنها في أي لحظة. ولم يطل صمتها كثيراً، فحين تنهدت أم العروس بمرارة للمرة الثانية، التفتت إليها أم عماد وقالت بنبرة حادة ممزوجة بالتهكم:وهل كان ابني يشم على ظهر يده ليعلم أن المصعد سيعطل في هذه الليلة بالذات يا أم علياء؟ هذا قضاء وقدر، والأمور لا تُقاس هكذا في ليلة العمر.لوت أم العروس فمها بضيق، وأجابت

  • أسرار جيراني الأعزاء    الفصل الثاني : رسائل القدر

    الفصل الثاني: رسائل القدر تنهد صالح بعمق، وخطا خطوة إلى الأمام ليكون حائلاً بجسده بين صابر وبين عائلته السابقة بالداخل. تلاقت عيناه بعيني صابر بقوة وثبات، وقال بنبرة هادئة ورصينة كحكم القضاء:لم تعد زوجتك يا صابر.. لقد طلقتها ثلاثاً بملء إرادتك وعقلك، وانقضت عدتها شرعاً منذ أيام. حنان الآن زوجتي على سنة الله ورسوله.شعر صابر برأسه يدور كإعصار عنيف. تراجع خطوة أخرى في الممر المشترك للعمارة، مستنداً بيده على الحائط البارد كي لا يخونه جسده المنهار. صرخ بصوت مخنوق بالدموع والحرقة:زوجتك؟ تزوجت زوجتي يا صالح؟ صديق عمري.. أخي الذي لم تنجبه أمي! تآمرت عليّ في غيابي وسرقت بيتي وأولادي؟ هل هذه هي الأمانة؟ هل هذا هو الوفاء الذي طالما حدثتني عنه؟أغمضت حنان عينيها بقوة بالداخل، وضمت طفلها الصغير إلى صدرها وهي تحاول إبعاده عن المشهد، بينما تقدم صالح خطوة إضافية نحو باب الشقة، وقال بصوت حازم وجاد:أنا لم أتآمر عليك يا صابر، ولم أسرق شيئاً لم تلقه أنت بنفسك في سلة المهملات. كم مرة جلست معك على المقاهي وفي هذه الشقة أرجوك أن تتقي الله في زوجتك وأولادك؟ كم مرة تركتهم بلا طعام ولا مال لتنفقه على نزوا

  • أسرار جيراني الأعزاء    الفصل الاول : صابر و العروسان

    الفصل الأول: صابر و العروسان كانت الطرقات التي يضرب بها صابر على باب شقة صديقه المقرب "صالح" تبدو أشبه بضربات مستغيث يلفظ أنفاسه الأخيرة في قاع بئر مظلمة. لم تكن مجرد نقرات على خشب صلب، بل كانت تُرجماناً لارتجاف جسده المنهك وروحه المبعثرة. وقف في ذلك الرواق الهادئ، بملامحه التي غادرها البريق منذ أشهر؛ لحيته الكثيفة المهملة التي غزاها الشيب المبكر، وعيناه الغائرتان اللتان تحيط بهما هالات سوداء شاهدة على ليالٍ طوال من السهر، والندم، والأرق المطبق. كان صابر يمني نفسه بأن هذا الباب هو ملجأه الأخير، وأن خلفه يقف الرجل الوحيد في هذا العالم الذي ما زال مستعداً للاستماع إليه دون إلقاء لوم أو أحكام قاسية. صالح، رفيق العمر والطفولة، الذي طالما رمم ما هدمه صابر برعونته، وطالما كان الجسر الذي يعبر عليه مجدداً نحو عائلته كلما أفسد طيشه حبال الود. تأخر الرد لثوانٍ بدت لصابر كأعوام كاملة. ساد صمت ثقيل في الرواق جعل نبضات قلبه تتسارع خلف ضلوعه كطبول حرب. وأخيراً، دار مقبض الباب ببطء، لتنفتح الفتحة الضيقة وتكشف عن وجه صالح. كان وجهه يفيض بهدوء غريب، هدوء لم يألفه صابر فيه من قبل، لم تكن هناك ا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status