Masukتي جيه لا أريد لقاء أي شخص لا أريد الخروج لا أريد شيء سوى أن أجلس صامتًا على أريكتي. كانت العتمةُ تغمر أرجاء الشقة إلا من خيوط ضوء باهتة باردة من ليل المدينة، تتسللُ بجهد من بين شقوق الستائر الإلكترونية المغلقة. مرّ ما يقرب من شهر كامل منذ عودتي من البطولة، شهرٌ لم يكن سوى حركة آلية ومكررة بين جدران هذه الشقة ومكان عملي، حتى تمارين السباحة التي لم أكن أستغني عنها، بتُّ أخوضها بمفردي في ساعات متأخرة من الليل، متجنبًا لقاء كابتن مونتي. كان الكابتن يدرك حجم الانفجار القابع أسفل ما أَمُرُّ به، فآثر أن يتركني لمساحتي الخاصة قبل أن تبدأ معسكرات التدريب القاسية الممهدة للأولمبياد، لكن هذا الصمت لم يكن يعالجني، بل كان يزيد حدة الانفجار في نفسي. كل يوم استلقى على الأريكة في منتصف غرفة المعيشة، لحيتي منبتة بفوضوى، وعيناي تتطلعان بجمود واستسلام إلى الشاشة المنطفئة أمامي. لم أكن أفهم تمامًا ماهية هذا الثقل الخانق الذي يربض على صدري، ولا سبب هذه الرغبة المتفاقمة في التلاشي، كل ما كنتُ أعلمه وأوقن به أنني لا أملك أى طاقة للحديث مع أي مخلوق، ولا أحتمل رؤية وجه أي بشر. فجأة قطع هذا الصم
جود أخبرت أمي في المساء على الهاتف لأنني كنت أعلم أنها سوف تتأخر مع ماكس، وهذا سيجعل العاصفة أقل في الصباح، ولا أضطر لخوضها مرتين. كنت رتبت كل شيء مساءً، وفي التاسعة صباحًا ارتديت ثيابي، وأخذت حقيبتي لمواجهة العاصفة. كنتُ أجر حقيبة سفري المتوسطة عبر الرواق الصغير نحو الباب الخارجي، كانت أمي تستند على حافة رخامة المطبخ المفتوح، تتطلع إلى الحقيبة بملامح متشنجة، وقلقٍ سرعان ما تحول إلى عصبيّة مكتومة: -أنا أرى أن هذا القرار غير صائب بالمرة. البداية، لا مفر! لم تفلح جدتي في تهدئتها، ولم يفلح ماكس، كانا يجلسان كقوات تدخل سريع في حال احتاجت إليها. أنزلتُ الحقيبة على الأرض، ونظرتُ إلى أمي باستغراب، وحاولت في البداية بالمنطق: -أليست أنتِ يا ماما التي كنتِ تعترضين من الأساس على تركي لسياتل والبقاء هنا، ألم تقولي إن مستقبلي ودراستي وعملي هناك، ولا ينبغي أن أهدم كل شيء لأجل أزمة عابرة لا تستحق؟ ضاقت عينا أمي، وهتفت بنبرة منفعلة: -لا تلعبي معي هذه اللعبة. استندت على ذراع الحقيبة المعدني، بينما أضافت: -وأجل قلت ذلك، لكنكِ أثبتِ لي أنني كنتُ مخطئة، لقد وجدتِ هنا عملكِ م
جود سوف أجن أجل؛ أنا سأصبح مجنونة إذا بقيت هنا، إذا عاد اليوم نفسه مرة أخرى، إذا اضطررت للجلوس في سيارتي لساعات لأنني لا يمكنني العودة حتى لا تفزع أمي ظننًا أنني عدت لحالة الانهيار، وليس لأنني فقط لا أجد ما يمكن عمله هنا، لأنني لا أملك أي أصدقاء، الجميع يرحل بعد المدرسة العليا أو يتزوج ويصبح منخرط في حياته لحد لا يتذكر معه أى شيء، ولا يوجد مكان يمكنه أن يكون مسليًا كل ليلة، حتى الحانة هنا مملة! أوه يا ألهي؛ سوف أجن، سأترك عمل التأهيل الجسدي للاعبين، وأعمل نادلة في مطعم صغير أنتظر مطرب الروك العائد نحو بلدته لأنه فقد الإلهام، ويجده بعد أن يراني، وسوف يسقط في حبي، سوف يطلبني للزواج فوق المسرح حين عودته لأنه علم في هذه اللحظة إنه يريدني أنا فقط، وسنتزوج وننجنب طفلًا نركض وراءه لأنه سرق الجيتار، ولا أعرف ماذا سيحدث بعد لأن الروايات لا تتابع بعد ذلك. وضعت وجهي في الوسادة، أصرخ: -أنا في طريقي للجنون. كانت الغرفةُ تبدو أضيقَ مما هي عليه، والجدرانُ الأربعة تحيط بي كأنها تُطبقُ على أنفاسي تدريجيًا. الأيام بطيئة، ثقيلة، ومكررة إلى حد سخيف، ولم تكن المأساة في الفراغ وحده، بل ف
جود عدت إلى كينويك مع راي، وأكملتُ أسبوعين إضافيين في العمل المكثف لأنهي برنامجه العلاجي والتأهيلي، أنه لم يعد بحاجتي كمدربة تأهيلية بل بات يتطلب فقط التدريب مع مدربه، مع الالتزام بتعليمات التأهيل، وأخبرته أنني متواجدة في أي وقت ويمكنه التواصل معي. كنتُ أيضًا قد أنهيتُ امتحاناتي الجامعية عبر الإنترنت، أت نصفها، واستضافتني جامعة أمي لانهي النصف الآخر. قررتُ بعد ثلاثة أشهر مجهد من العمل والامتحانات أن آخذ قسطًا من الراحة والاستجمام لمدة أسبوعين متواصلين قبل التفكير في الخطوة التالية. كنتُ أذهب كل يوم إلى الشاطئ لأسبح في البحر قليلًا، كان هذا هو الشيء الوحيد الذي لم يستطع أن يختفي بعد كل ما حدث بيننا، لم أعد أخاف الماء، لكنني أصبحت أخاف البشر. تنهدت واسترخيت أكثر، كنتُ أستلقي في غرفة الاستقبال وأتابع مشهدًا من مسلسل تلفزيوني، أشعر بالكسل والملل وعدم الرغبة في الخروج، لكن إن بقيت ستقلق أمي، ستظن أنني أسقط مرة أخرى. كانت تحوم حولي منذُ عودتها، وجلست بالقرب مني، تلاعبت بالكوب الذي تحمله ثم نظرت للشاشة ثم لي، وبعد ذلك سألتني بنبرة تحاول جاهدة أن تبدو عادية: -لم تحكي لنا بالضبط ماذا
جود كان الحديثُ مع ليام لطيفًا ومريحًا، كنت كما لو أني أتمشى بخطوات متمهلة فوق شاطئ رملي ساحلي لطيف. كان احساس غريب، كأنني توقفت عن الركض لأكتشف أن للسير الهادي أيضًا متعة. لكن في الحقيقة لم أكن أشعر بأي شيء أكثر من هذا الارتياح البسيط في التحدث لشخص لطيف، ورغم أنه أصرّ بتهذيب شديد على دعوتي إلى العشاء وجعل تلك الدعوة مفتوحة وممتدة حتى يوم غد، وهو اليوم الأخير، إلا أنني لم أكن أريد الذهاب. انتشلتني ناتالي من شرودي باستفهامها المتعجل بحماس: -وماذا قلتِ له؟ أجبتُها وأنا أتأمل الواجهات الزجاجية للمحلات التجارية التي ينعكس عليها صورتي: -لم أقل له شيئًا، تحدثنا قليلًا ودعاني للعشاء، لكنني أخبرتُه أنني مرهقة وأن اليوم كان طويلًا ومجهدًا، وأعتقد أنني سوف أصعد إلى غرفتي لأنام، والحقيقة أنه كان لطيفًا للغاية ولم يصرّ، وقال لي إنه سيرسل لي رسالة عبر إنستجرام وأعطاني رقم هاتفه، ولم يطلب حتى رقم هاتفي. صرخت بحماس جعلني أقلب عيني: -ولماذا لم تخرجي معه؟! لماذا تتمشين الآن في أنحاء البلدة وحدكِ دون رفقة؟ لماذا لستِ معه في هذه اللحظة؟! ابتسمت بتعجب ساخرة: -ألستِ ترين أنه ما زال مبكرًا جد
تي جيه ماذا أفعل؟ حياتي في فوضى، فوضي داخلية غير مرئية، فوضي لا يراها أي شخص غيري، لا يعاني منها إلا أنا. رأسي ينفجر، ولا أعتقد أن حتى الأدمان يمكنه إنقاذي من هذا الألم. هذا غريب؛ لماذا أشعر هكذا؟ كيف أوقف ذلك؟ وكيف أجعل هذا المشهد الذي ينفجر أمام عيني يتوقف؟ شعرت بالعرق يغمر جسدي، عرق فوق جسد بارد، لا أعاني حمي ولكنني أعاني حمى. رفعت وجهي ببطء نحوها مرة أخرى، لا أستطيع رؤيتها وحدها، لأن جود وليام في نفس الكادر، يستمران في الحديث والضحك الهادئ، غير مدركين للبركان المشتعل الذي يتفجر على بعد خطوات قليلة منهما. ماذا يقول لها؟ كيف يجعلك مسترخية ضاحكة بتلك الطريقة؟! أريد قتل أدلر الآن، وأدرك أن هذه فكرة مجنونة، ولكنني في طريقي للجنون، لا سبيل أخر سوى الجنون. ماذا أفعل؟ لماذا أفعل؟ لا أملك الإجابة.. احتدم شيئا ما في عيني، أطرقت رأسي وركبتُ السيارة دون أن أنبس بحرف آخر، ولكن هناك مطرقتين مغموستين بالنار تطرقات جانب رأسي طوال الطريق للفندق. استندت برأسي على الزجاج البارد، وأنا أراقب أضواء المدينة تتلاشى وتتداخل خلف النافذة. كان عقلي يدور في فراغ قاتل، وكل ما
أخذت نفسًا طويل ثم تابعت كأنها انتظرت طويلًا للتحدث: -حاولت متابعة التدريب، أخبرت مدربتي أنني أتدرب صولو وأنني مستعدة للمنافسة التالية، ودفعت نفسي فوق خوفي وقفزت ولكن لم أستطع التحرك، محاطة بالناس وخائفة من كل واحد منهم، لا لم أستطيع، وعلاج التعرض لم يكن ناجح معي وقتها، لذا ماما كرهت بابا لذلك وت
جود ارتطم جسدي بالماءشعرت أنني أوزن مئات الأطنان، أن في كلا قدمي صخرتين ضخمتين تسحبني نحو العمق، حاولت تحريك يدي ولكنها بدت كتمثال جرنيت من حضارة بائدة غرقت بالكامل، أحاول التشبث بالواقع، ولكن عيني تتسع بفزع ونبضات قلبي تتسارع حينما أجد نفسي في المحيط مرة أخرى! صوت ضحكات أمي، ومحاولات أبي في
جودانقشعت ساعات الليل ببطء شديد، وبدأ وميض الفجر الرمادي يلوح في سماء سياتل، معلنًا بزوغ يوم جديد، تدريب جديد! لم أنم جيدًا، نومي متقطع ومتقلب ومحبط، جلست نصف جلسة على الفراش وودت لو استطعت البقاء في الفراش طوال اليوم، أن لا أضطر لرؤية أحد وارتداء قناع أن كل شيء طبيعي لأنني لا أشعر كذلك، ولكنني
أنا أشعر الملل كل شيء يبدو ممل في أخر ثلاثة أسابيع، أفعل كل ما أنا مضطر لفعله دون رغبة، وأرفض القيام بأي شيء آخر. المحاضرات، الاختبارات، اختيار المؤسسة التي سأتعامل معها في مشروعي الهندسي الذي حصل بالفعل على خمسة عروض من شركات عالمية، أنا موهوب بالكامل في بناء وتصميم الأشياء، هذان الشهران الأخي







