تسجيل الدخولجود خرجتُ من مكتب الكابتن، والكون يدور بي في دوامة سوداء خاوية. لم أعد أسمع الأصوات، ولم أعد أرى الوجوه التي تتطلع إليّ في الممرات. كان كل شيء ينهدم في لحظة واحدة؛ كرامتي، مشاعري، شغفي بالسباحة، ومستقبلي في عالم الرياضة الذي بنيته! ركضتُ نحو الشارع، والهواء البارد يلفح وجهي المبتل بالدموع. سحبتُ هاتفي بآلية عمياء ويدين ترتجفان بفرط الهلع. لم أعد أدرك ماذا أفعل، ولا إلى أين أذهب. كنتُ بحاجة إلى مساعدة في توضيح موقفي، بحاجة إلى مواجهة الشخص الذي تسبب في فتح كل أبواب الجحيم هذه على رأسي ثم اختفى خلف بروده! ضغطتُ على اسمه، وطلبتُ رقم تي جيه. تلقيتُ الرنة الأولى.. الثانية.. الثالثة.. وفي الرنة الرابعة، جاء صوته المنخفض، الحاد، والممتلئ بالغضب المكتوم: انفجرتُ بالبكاء، وصوتي يخرج حاد ومتموج بالانهيار الوشيك: -تي جيه! أرجوك.. أرجوك استمع إليَّ، كل شيء يسير بشكل سيء، وعليك.. -أجل.. ما الذي تريدينه بعد؟ جاءني صوته عبر الخط، جاءني صوته ممتلىء بالقسوة، الازدراء، والسخرية النارية: -هل هناك هذه دراما أخر تودين الانخراط فيها ؟ هل ظننتِ أن هذه اللعبة السخيف ستنفع معي؟
جود -ابتعد عني يا قذر! صرختُ بكل ما أملك من قوة، ورفعتُ يدي لأصفعه على وجهه بكل ما أتيتُ من عزم! ارتد رأس جاك للخلف، المفاجئة ألجمته، وأشعلت عيناه بشرارة شرسة: -يا لكِ من عاهرة منافقة! اندفع نحوي بغضب عارم، وأمسك بكتفيّ بعنف، دافعًا إياي نحو الجدار، وأخذ يحاول تثبيت يدي وفرض نفسه عليّ بالقوة، بينما كنتُ أقاوم بشراسة، أضربه بقدمي وأصرخ بصوت مزق سكون المبنى بأكمله: -ابتعد! النجدة.. هل هناك أحد هنا؟ اتركني يا حقير! النجدة! استمر الصراع لعشر ثوانٍ كانت كالأبد؛ دفعتُ كل شيء على سطح المكتب، لتقع الكتب والأدوات وحقيبتي على الأرض بصوت مدوٍّ، يحاول دفعي فوق المكتب ثم فوق المقعد، يجرني في الأرض وصراخي يستمر متواصلًا يثقب جدران القاعة. طرقات عنيفة على الباب، محاولات فتح بعد أن أغلقه بالمفتاح الداخلي، حتى أخيرًا انفتح باب الغرفة بعنف شديد! وقف عند الباب تومي بهلع وخلفه أعضاء الفريق وبعض الأشخاص، مظاهر الصدمة ورعب تعلو وجه وهو يرى جاك يتطاول عليّ يدويًا وأنا أقاومه بثياب تمزق جزء من ياقتها. صرخت وهو يندفع نحوه، ليرفعه عني: -جاك! ما الذي تفعله هنا يا حقير؟! يا إلهي.. استدعوا
جود انتفضت على صوت الكابتن مونتي الذي أميزه بسهولة، استدرت نحوه، ولم يمنحني حتى فرصة لالتقاط أنفاسي، كالعادة قفز للهجوم المباشر:-لابد أنكِ علمتِ الآن أن الجميع يعرفون. لم أجد أي شيء للرد، حاولت البحث عن أي كلمات ولكنني لا أفهم في أي موقف أنا، هل أنا في موقف دفاع؟ هل يجب عليٌَ أن أنفي أو أؤكد أو أفسر علاقة شخصية قد انتهت. -لقد توقعت أفضل منكِ! بالطبع! أنا مخطئة، لا جدال، أنا توقعت أفضل مني ولكنني لستُ في حاجة لسماع ذلك الآن. -أعرف كابتن. لم يجيب، زفر بحدة مستمرًا في قسوته:-لم يكن يجب أن أعين مساعدة لفريق من رجال وسميين. -لستُ عاهرة.هتفت بحدة مغتاظة، فارتفع حاجبه:-إذا هل أنتِ في علاقة عاطفية مع تي جيه؟ من جديد هربت الكلمات عن لساني، لماذا أتعرض لهذا الموقف السيء، لهذا الكم من التوبيخ البارد وحدي؟!-شكرًا للرب أن هناك سبعة أسابيع متبقية فقط من العام. رفعت رأسي دون رد، ولم يهتم، تابع بنفس النبرة الباردة:-لكنني أعتقد أنه عليكِ البقاء في مكتبكِ حتى أعرف ماذا سأفعل لأن ظهوركِ على المسبح سوف يخلق فوضي. لم ينتظر ردي، كان أمر قاله واستدار رحلًا، شعرت بالصداع يهاجمني، معدتي تتقل
جود ما إن أبصرت وجودي حتى قطعت ما تفعل، أغلقت المكالمة بسرعة، وتطلعت إليّ بعينين مليئتين بالتوتر والقلق!أقبلت نحوي، تمد أحد الكوبين نحوي:-هل أنتِ متأكدة من أنكِ تريدين الذهاب اليوم؟ لقد أمضيتِ ثلاثة أيام في البيت، ألا تحتاجي وقت أطول، وجهكِ ما زال شاحب وتبدين مجهدة! لا بأس لو أخذتِ يوم أو أكثر للراحة.هززتُ راسي بنفي، وجررتُ قدمي نحو الباب وهي خلفي:-أنا جيدة، ولا يمكنني الغياب أكثر من هذا يا ناتالي، ثلاثة أيام كانت أكثر من كافية وتغيّبي عن تدريبات الفريق وتسليم البحث، تأخري سيتسبب لي في مشاكل أكاديمية ورسمية أنا في غنى عنها يجب أن أواجه العالم، ويجب أن أعود لروتيني، هذا هو الحل الوحيد كي لا أجن.استدرت نحوها فتوقفت:-ألم تخبريني أن أحزن اليوم وأمضى في الغد.. هذا هو الغد. -لم أقصد ذلك بشكل حرفي، ولا أظنها فكرة جيدة تنهدت بضيق، في الحقيقة لم أريد الخروج بعد ولكنني لا أستطيع البقاء هكذا، التضحية بكل شيء ليست ذكاء بل سوف تجعلني أغرس في الحزن أكثر:-لا أستطيع.. يجب أن أذهب من أجل البحث.تنهدت ناتالي بأسى، وناولتني قطعة كعك مُحلي:-إذن استعيني بهذا مع القهوة وأرجوكِ.. إن شعرتِ بأي تع
تي جيه رفعتُ رأسي بثبات وقسوة، وجاوبته ببرود مستفز: -حتى لو كانت هناك علاقة بيني وبين جود، فما المشكلة الكبرى في ذلك؟ نحن بالغان! جود ليست أستاذة في الجامعة، ولا تملك أي سلطة أكاديمية أو رياضية عليَّ، هي مجرد طالبة دراسات عليا تعمل كمساعدة تدريب مؤقتة لفرق الفئات الأصغر، لا تملك حتى حق تقييمي! كيف يمكن لشيء كهذا أن يهدد سمعة الفريق أو الجامعة؟ هز مونتي رأسه بغضب مكتوم: -في بعض الأحيان تكون متغطرس لدرجة تفوق الاحتمال يا تي جيه! ألا تفهم سياسات المكان الذي تنتمي إليه؟ وجود أي علاقة عاطفية أو شخصية بين أحد أعضاء هيئة التدريب أو المساعدين وبين سباح في الفريق هو خرق صريح لقوانين الجامعة! ينظر إليها الجميع كاستغلال سلطة أو تحيز، الجامعة والفرق لن يبدوان جيدًا إذا خرج هذا، تحذيراتى كانت واضحة منذ اليوم الأول! لم أتقبل يومًا أن يقع أحد من فريقي في هذا الفخ، ولم أتوقع مطلقًا أن تكون أنت أو هي بهذا القدر من الطيش والتهور! كانت كلماته عن التهور والاندفاع تأجج غضبي أكثر، بدوت كأنني انسحق لأجل امرأة، بدوت فجأة نسخة من أبي مع ليلى. أنا لم أقع في هذا الفخ، لم أكسر قواعدي لأجل أي امرأة، ان
تي جيهلقد فعلت ما أردتهذا بالضبط ما كنت أريده، ما رغبت في حدوثه، ليس بتلك الطريقة ولكن لا طريقة يمكن أن يحدث بها سوى هذا! دائرة مفرغة ليس بها قطر، فكسرتها وخرجت غير عابئ بالحسابات الهندسية.عدت من تلك الفقاعة التي وجدتني محبوس في دائرتها فجأة، مكبل برضائية ومزاج ورغبات شخص آخر، فببساطة استعدت سيطرتي على نفسي وحياتي، عدتُ كوني ذئب وحيد مرة أخرى! هذا ما أردته! لماذا لا أنفك عن تكرار تلك العبارة في رأسي؟!كنت أقبض على عجلة القيادة بقوة جعلت مفاصل اصابعي تبيضّ، والسيارة تنطلق في شوارع سياتل الليلية كقذيفة ثائرة، لن أتعجب أن انقلبت السيارة فجأة ودار العالم بي! كنتُ أغلقت ما بيننا، تخلصت منها، لكنني لم أستطع إغلاق هذا الهياج اللعين الذي يجرف صدري! غاضب، ممتلئ بالحنق، ومشاعري تغلي دون سبب واضح، أو ربما دون سبب أود استكشافه!لماذا لم تقبل بما عرضته، بما أود منحه، لماذا كل فتاة تريد أكثر؟اللعنة! اللعنة على الدراما المفرطة! اللعنة على القصص التي تجعل كل فتاة تعتقد أن القليل من الجنس وركوب الطائرة معًا يعني حبلًا يربطها بهذا الرجل، يعني حبًا!لقد اختارت، أنتهى الأمر كما رغبت، لذا أزحت ال
جود ارتطم جسدي بالماءشعرت أنني أوزن مئات الأطنان، أن في كلا قدمي صخرتين ضخمتين تسحبني نحو العمق، حاولت تحريك يدي ولكنها بدت كتمثال جرنيت من حضارة بائدة غرقت بالكامل، أحاول التشبث بالواقع، ولكن عيني تتسع بفزع ونبضات قلبي تتسارع حينما أجد نفسي في المحيط مرة أخرى! صوت ضحكات أمي، ومحاولات أبي في
جودانقشعت ساعات الليل ببطء شديد، وبدأ وميض الفجر الرمادي يلوح في سماء سياتل، معلنًا بزوغ يوم جديد، تدريب جديد! لم أنم جيدًا، نومي متقطع ومتقلب ومحبط، جلست نصف جلسة على الفراش وودت لو استطعت البقاء في الفراش طوال اليوم، أن لا أضطر لرؤية أحد وارتداء قناع أن كل شيء طبيعي لأنني لا أشعر كذلك، ولكنني
أنا أشعر الملل كل شيء يبدو ممل في أخر ثلاثة أسابيع، أفعل كل ما أنا مضطر لفعله دون رغبة، وأرفض القيام بأي شيء آخر. المحاضرات، الاختبارات، اختيار المؤسسة التي سأتعامل معها في مشروعي الهندسي الذي حصل بالفعل على خمسة عروض من شركات عالمية، أنا موهوب بالكامل في بناء وتصميم الأشياء، هذان الشهران الأخي
3جود لم أنام جيدًاأنا متوترة وأشعر بالتوتر، أصبحت أشعر بالتوتر في كل صباح، كأنني على وشك الدخول لاختبار قدرات، أكره أن أصبح بهذا التوتر، وأتجنب اكتشاف السبب.تهاديت نحو غرفتي الصغيرة ووضعت حقيبتي في مكانها المعتاد، تأكدت من ثيابي، الشورت الأسود والتيشيرت الأبيض، والضفيرة المنخفضة المرتخية، وقرط






