Masukجودقبل أن تضع أمي الطبق الأول على المائدة، وقبل أن يقرع ماكس باب المنزل معلنًا بدء أحداث الحلقة العائلية الرومانسية الدافئة، كانت شاشة هاتفي قد أنجزت مهمتها القاضية بالفعل وحفرت عمق في القاع الذي غرقت فيه.-صنعت فلفل محشو بالأرز لأنكِ تحبينه. ابتسمت لجدتي التي تساعد أمي ثم عدت بنظري الخارج، كنتُ أقف بجوار نافذة المطبخ الصغرى، أراقب غليان الحساء الكريمي فوق النار الهادئة تارة وأشرد في الفراغ تارة أخرى، أتصنع الهدوء والتواجد بينما ذهني غارق في طقس كينويك الحار في هذا الوقت. حين أضاء الهاتف بإشعار سريع، لم تكن رسالة خاصة من أحد، بل مجرد إشعار تذكيري أخر من إنستجرام، يخبرني أن الصورة تم مشاركتها من حساب أخر، تعلمني أن عالم سياتل البراق لا يتوقف عن الدوران، وأن عجلة الحياة هناك لا تهتم بوجود فتاة انكسرت روحها لمليون قطعة، وطُردت لتموت صمتًا في قاع كينويك الحارة. فتحتُ التطبيق بآلية خالصة ودون تفكير، لتستقبلني نفس الصورة في قائمة التحديثات، كمن يفتح باب جحيمه بيديه للمرة الثانية، ألا يقولون الألم يفيد، الألم يوقظ الإنسان من غفلته.ذات الصورة التي التقِطت بعناية من زاوية شخصية لطيفة بمقه
تي جيهبعد نص ساعة، كنتُ أجلس في زاوية هادئة بمقهى فاخر ذي إضاءة دافئة بعيدًا عن أعين المارة. كانت إيرينا تتكئ على المقعد الجلدي، ترتدي معطفًا أسود أنيقًا خفيفًا، أسفله كنزة قطنية بيضاء وجينز ضيق من الأعلى وواسع من الأسفل يبرز جمال سياقيها، وأمامها كوب قهوة ساخن وقطعة تراميسو. كانت ملامحها مبتسمة لطيفة، تنظر لي خبث قطة، لا تنكر استئناثها بجلوسها معي، ولكنها لا تمنح الكثير مما يدور في رأسها:–شكرًا على الدعوة. -لم يكن لدى خيار. -لكنه أعجبك. قلبت قهوتي الأمريكية السوداء، أنظر لها من بين عيني:-ماذا تريديني إيرينا. -أنت تي جيه.ارتفع حاجبي بسرعة، أخذتني على غرة رغم إدراكي لذلك، استعدت ثباتي بسرعة وبادلتها جرأتها:-هل تريدين ممارسة الجنس؟ -هل لا تريد أنت؟ لم تنتظر إجابتي، أسندت ساعديها على الطاولة:-لا أريد علاقات عاطفية، أعتقد أنك أيضًا لا تسعى لذلك، لكن الجنس مختلف، الاعجاب والتسكع ليس عاطفة بس حاجة أحب أملأها. رفعت حاجيبي متعجبًا: -هل هذا هو الأمر؟ تنهدت باصطناع، ثم مدت يدها تلمس يدي المستندة فوق الطاولة، ترسم دوائر فوقها:-أنت تعجبني منذ أن قابلتك.. و ماذا..حركت يديها ببطء
تي جيهكل شيء في حياتي يجب أن يخضع للسيطرة.السيطرة هي مفتاح الثبات والتماسك، وهذا هو القانون الوحيد الذي يضمن بقائي على قيد الحياة دون أن أتحول إلى نسخة أخرى من أبي، ودون أن أمنح صورة من ليلى متعة رؤيتي أدور في فلكها. لا أحد يفهم معاناة رؤية الرجل الذي تتطلع إليه، الناجح المشهور، من يصنع التاريخ بيده ويخلده، وفوق كل ذلك هو رجل جيد، يدور مكسور في فلك امرأة تتلاعب به، لا تريده ولكنها ولا تفلته! والأسوأ أن تكون تلك المرأة أمك، وهذا الرجل أبوك. بعد حديثي مع أبي ازداد غضبي، تفجر لمستوى أخر، يتحدث عن الإهانة وخسارة الحب! إن كان هذا الحب لا أريده، بل أبغضه. لذا كل شيء تحت السيطرة، كل شيء يدور في روتينية مملة محسوبة بالدقائق، لا مجال فيه لخطأ واحد أو لثانية فراغ واحدة قد يتسلل منها أفكار لا داعي لها.أستيقظ في الرابعة والنصف صباحًا، أكون في المسبح بحلول الخامسة، خوض المياه الباردة، التدريبات الفردية للتصفيات الأولمبية أصبحت أكثر قسوة، أضغط على جسدي حتى تصل عضلاتي العضلية إلى حافة الاحتراق. في السابعة والنصف أخرج من الماء، أرتدي بذلتي الرسمية، وأتحول فورًا إلى مهندس في المؤسسة الهندسية
جود في اليوم التاسع فاض كيل الصمت، كانت البرودة اللطيفة تسري في أرجاء البيت، نزل السكون على المكان بعد أن أوت جدتي إلى غرفتها ثم تبعتها أمي قبل ساعات، كانت الساعة تتجاوز الثانية بعد منتصف الليل، فخرجتُ من غرفتي ببطء، وأنا أرتدي تيشيرت قطني فضفاض، وتوجهتُ نحو المطبخ بآلية غريبة كي أعد لنفسي كوبًا من الكاكاو الدافئ قبل أن أشاهد الحلقة التالية من روزويل، كل شيء وأي شيء يمكنه أن يشتت أفكاري، فالنوم أصبح يجافيني، أربعة ساعات إذا كنت محظوظة وهو ما لا يحدث، فقط ساعتين كل يوم، ساعتين ممتلئتين بالكوابيس. ساد المطبخ إضاءة خافتة خفيفة، وكنتُ أقف أمام الغلاية الكهربائية، أنتظر غليان الماء، وعيناي مثبتتان على الظلمة الداكنة خلف النافذة الزجاجية. تتابع في عقلي الأحداث، العشاء والسيارة والغداء والعودة والنهاية، حديث الكابتن مونتي ومحاولة جاك الاعتداء علىَّ ثم حديث مونتي من جديد، تستغل أي دقيقة عقلي فيها غير مشتت كي تنقض علىَّ، تقتاط على البقية من طاقتي ومشاعري. انقبض صدري بشدة، وضغطتُ على حافة الرخام بقوة حتى ابيضت مفاصل أصابعى كي أطرد كل ذلك من عقلي. ولكن انقطع كل ذلك المظلم بصوت خفيف
جود كان الطريق الممتد من سياتل إلى كينويك تشبه نفقًا رماديًا لا نهاية له. كُنتُ أسند رأسي على زجاج الحافلة البارد، وأتطلع إلى وجهي المنعكس عليه؛ لم أعد أتعرف على نفسي أبدًا، شحوب، هالات داكنة تحيط بعينين انطفأ فيهما كل شيء، تحركاتي آلية وثقيلة، وكأنني أسحب جسدي من وسط حطام معركة لم أخرج منها حية، كنتُ أهرب من المدينة التي دهست كرامتي، من المسبح الذي أضحى مسرحًا لإهانتي، ومن اسم تي جيه مونرو الذي يتردد في رأسي كطنين مسموم، يتلوه صدى صوت الكابتن مونتي البارد وهو يضحّي بي لحماية استقرار الفريق. ماذا فعلت بنفسي؟ وماذا فعلت ذلك بنفسي؟ الحب لا يبدو سبب مقنع الآن، في الواقع لا شيء يبدو سبب مقنع لكل ما حدث لي. أنا حزينة للغاية، مكسورة وبائسة يائسة للغاية. فكرت عندما توقفت الحافلة في كينويك إنه لماذا دومًا لها ونحن مكسورين، أمي ثم أنا، وكأننا نسخ متشابهة من بعضنا، كأننا في عالم محاكاة، كلًا يحاكي تجربة أباه أو يخشى الوقوع فيها فيهرب منها بأعنف طريقة ممكنة. انتبهت لنزول الجميع من الحافلة، فنهضت وهبطتُ في محطة كينويك، كان الهواء الجاف يختلف تمامًا عن رائحة الأمطار في سياتل، ورغم ا
تي جيه الوضع مستقر الوضع يجب أن يستقر كل شيء في مكانه كان كل شيء يسير بدقة كالعادة. أستيقظ في الرابعة والنصف وتمتد ساعات التدريب من الخامسة حتى السابعة والنصف، ثم أبدل ثيابي لثياب رسمية أكثر للعمل، وأجلس للعمل حتى الخامسة والنصف، ولكن في الغالب حتى السادسة، ثم أعود للبيت، ربما أتناول الطعام أو أذهب للنادي الرياضي لساعات، عدت للخروج مع جماعتي ولكنني شعرت أنني منفصل تمامًا عنهم، كأنني كبرت عن هذه الحياة. لذا كل شيء في مكانه، في وقته، في روتينه الجديدة، المفترض أنني بخير، أنني طبيعي. لكنني غاضب، كل شيء يتحول لونه للأحمر. غضب غير مبرر، نيران مكتومة تتشعل في صدري ويجعلني أود أن أهشم أول شيء يصادفني. أود أن أفرغ غضبي في كل شيء لأنني غاضب من كل شيء. كنت أقف في مكتبي في المؤسسة الهندسية التي اخترتها، أراجع على حاسوبي ملف التعديلات، هناك نقاش يدور بجانبي، أتفاعل معه بهزة رأس، شيء رتيب في يوم عمل رتيب. لم يكن هناك شيء جديد، أنا لست متأثرًا بعدم وجودها، صحيح ملئت فراغ لم أكن أعلم بوجوده لكنني على ما يرام بعودته نحو اللا علم، ولست نادم على ما حدث. جود هي من اختارت، أردت أك
جود التصق جسدي بجسده الضخم ولم أعد أفرق بين دقات قلبي ودقات قلبه الشرسة التي تضرب صدري العاري إلا من حمالة صدر سوداء مبتلة تمامًا. القبلات لم تعد مجرد قبلات حارة؛ كانت التهمامًا لاهثًا، صراعًا جارف أسقط كل حصوني وعنادي تحت أقدام رغبته الطاغية. كانت يده الكبيرة تدفع ظهري بقوة نحو سيراميك الحا
جود كنت أغرق في محيط أزرق يدعى عينيه. هذا النوع من الغرق الذي لا ترغب أبدًا من النجاة منه، غرق لذيذ يوازي لذة وجودي هنا في غرفة الاستحمام الخاصة به معه وحدنا. التوتر الحسي المشتعل، الحرارة والجاذبية، التحدى والرغبة العميقة في الاستسلام؛ كل المشاعر التي نثيرها في بعضنا دون تحكم منا تصاعدت في
أخذت نفسًا طويل ثم تابعت كأنها انتظرت طويلًا للتحدث: -حاولت متابعة التدريب، أخبرت مدربتي أنني أتدرب صولو وأنني مستعدة للمنافسة التالية، ودفعت نفسي فوق خوفي وقفزت ولكن لم أستطع التحرك، محاطة بالناس وخائفة من كل واحد منهم، لا لم أستطيع، وعلاج التعرض لم يكن ناجح معي وقتها، لذا ماما كرهت بابا لذلك وت
جود ارتطم جسدي بالماءشعرت أنني أوزن مئات الأطنان، أن في كلا قدمي صخرتين ضخمتين تسحبني نحو العمق، حاولت تحريك يدي ولكنها بدت كتمثال جرنيت من حضارة بائدة غرقت بالكامل، أحاول التشبث بالواقع، ولكن عيني تتسع بفزع ونبضات قلبي تتسارع حينما أجد نفسي في المحيط مرة أخرى! صوت ضحكات أمي، ومحاولات أبي في







