LOGINكان الظلام الذي ابتلع وعيها إثر سؤاله المرعب، وصدمة الذاكرة التي تفجرت في قاع جمجمتها، ظلاماً كثيفاً، لزجاً، ومحاطاً ببرودة الموت. لم تدرِ كم من الوقت مر عليها وهي تسبح في تلك الغيبوبة المؤقتة التي فرضها عقلها المنهك كآلية دفاعية أخيرة ضد الجنون. حينما بدأت حواسها تستيقظ ببطء شديد، كان أول ما تسلل إلى إدراكها هو رائحة المسك الأسود الفاخر الممزوج بعبق التبغ الرجولي الحار، رائحة احتلت مسامها وصارت بالنسبة لها تعريفاً حسياً للأمان والخطر في آنٍ واحد. شعرت بنعومة الحرير البارد تحت جسدها العاري الذي كان يرتجف بضعف، وبثقل غطاء مخملي دافئ يحيط بها كشرنقة واقية. رمشت بجفنيها المثقلين مراراً، محاولة طرد بقايا الضباب الذي يغلف بصرها. كانت الغرفة غارقة في عتمة هادئة، لا يكسرها سوى ضوء القمر الفضي الشاحب المتسلل من خلال الشقوق الرفيعة للستائر المخملية الثقيلة، ليرسم خطوطاً مضيئة على الأرضية الرخامية الفاخرة.
حاولت قمر أن تتحرك، لكن جسدها كان مشلولاً من فرط الإرهاق العاطفي والجسدي الذي اجتاحها في الساعات الماضية. أدارت رأسها ببطء شديد نحو الجهة الأخرى من الفراش الوثير والواسع كساحة معركة، لتجده هناك. كان مستلقياً على بطنه، غارقاً في ما بدا وكأنه نوم عميق لا يزوره إلا نادراً. كان الغطاء الحريري قد انزلق ليستقر عند أسفل خصره، تاركاً ظهره العريض والمفتول العضلات مكشوفاً بالكامل لبرودة الغرفة وضوء القمر. تأملت في صمت تفاصيل ذلك الظهر الذي يحمل قصة حياة من العنف والقسوة؛ ندوب قديمة متفرقة تروي حكايات عن معارك دموية نجا منها بأعجوبة، وعضلات صلبة تتقلص وتتمدد بانتظام مع كل نفس عميق وهادئ يسحبه. لكن، وسط كل تلك التفاصيل المهيبة، تسمرت عيناها فجأة، واتسعت حدقتاها برعب صافٍ حين وقع بصرها على ذلك النقش المحفور بالحبر الأسود القاتم على لوح كتفه الأيسر. لم يكن مجرد وشم عادي، بل كان لوحة فنية مرعبة ودقيقة التفاصيل؛ ثعبان أسود ضخم بعينين مجوفتين، يلتف بشراسة حول خنجر ذي نصل مسنن، وتقطر من حافة الخنجر قطرات تبدو وكأنها دماء، بينما ينغرس النصل في قلب تاج ملكي محطم. كان الوشم ينبض بهالة من الظلام والسطوة، لكن بالنسبة لقمر، لم يكن مجرد رمز لإمبراطوريته في العالم السفلي، بل كان مفتاحاً ملعوناً فتح باب الجحيم في ذاكرتها الممزقة. بمجرد أن ركزت بصرها على تفاصيل ذلك الثعبان الملتف حول الخنجر، شعرت وكأن خنجراً حقيقياً قد اخترق صدغها. انقطع تنفسها، وبدأ المشهد أمام عينيها يتشوه ويذوب. تلاشت جدران الجناح الملكي الفاخر، واختفى الفراش الحريري، ليحل محلهما وميض أبيض مبهر، أعمى بصرها لثانية، تبعه صوت ارتطام معدني كارثي يصم الآذان. في كسر من الثانية، لم تعد قمر في القصر، بل كانت محصورة داخل هيكل حديدي محطم. شمت رائحة المطاط المحترق، والبنزين المتسرب الذي يزكم الأنف، ورائحة النحاس الصدئ التي أدركت فوراً أنها رائحة دمائها الخاصة النازفة من جرح غائر في جبهتها. كانت الرؤية مشوشة، حمراء، ومحاطة بألسنة لهب برتقالية تتراقص بشراسة حول حطام السيارة المقلوبة. شعرت بألم يمزق أضلاعها، واختناق يسلبها الهواء، وحينما حاولت تحريك رأسها لطلب النجدة، رأت من خلال الزجاج المهشم والدخان الكثيف ظلاً لرجل يقترب من الجحيم المستعر. لم تستطع تمييز ملامح وجهه الذي كان مخفياً في العتمة وخلف ألسنة اللهب، لكنها رأت ذراعه العارية تمتد نحوها. وفي ذلك الوهج الشيطاني للنيران، انعكس الضوء بوضوح مرعب على كتفه المكشوف... كان يحمل ذات الوشم! الثعبان الأسود الملتف حول الخنجر والتاج المحطم. كان هو هناك، في قلب تلك الليلة الدامية التي سُلبت فيها حياتها القديمة وذاكرتها. هل كان هو من أنقذها من بين فكي الموت؟ أم أن هذا الوشم كان آخر ما يجب أن تراه قبل أن يُجهز عليها؟ شهقة حادة، ممزقة، وعالية هربت من بين شفتيها المرتجفتين، لتقطع سكون الغرفة المطلق، وتعيدها بضربة قاسية إلى الواقع، إلى الفراش الحريري وإلى الجناح الملكي. انتفض جسدها برعب، وحاولت التراجع للخلف بسرعة للابتعاد عن ذلك الظهر الذي يحمل ختم دمارها، لكن حركتها المذعورة تلك كانت الخطأ الأكبر الذي ارتكبته. فالرجل الذي ظنت أنه غارق في نوم عميق، لم يكن في الحقيقة سوى وحش مفترس يغفو بنصف عين، وحواسه مدربة على التقاط أضعف التغيرات في إيقاع تنفس طريدته وضربات قلبها. لم يحتج الأمر منه سوى جزء من الثانية. قبل أن تتمكن قمر من التراجع أكثر من شبر واحد، وقبل أن تستوعب كيف تحرك بهذه السرعة الخارقة والسيولة المرعبة، انقلب جسده الضخم، وبحركة خاطفة، عنيفة، ودقيقة للغاية، انقض عليها كفهد ينقض على غزال شارد. صرخت برعب حين شعرت بوزنه الثقيل والصلب يهبط فوقها، محاصراً جسدها النحيل بالكامل تحت صلابة صدره العاري الحارق. انقضت يداه الكبيرتان ككماشتين من فولاذ لتقبضا على معصميها، ورفعهما وثبتهما بقوة غاشمة فوق رأسها على الوسادة، مانعاً إياها من أي محاولة للمقاومة أو الهرب. فتحت عينيها المتسعتين رعباً لتجد وجهه على بُعد إنشات قليلة من وجهها، وعيناه الزمرديتان لا تحملان أي أثر للنوم، بل كانتا تشتعلان بنار حارقة، مظلمة، ومزيج مخيف من الغضب الصريح والشغف المهلك الذي لا يعرف الرحمة. «ماذا رأيتِ؟» همس بصوت أجش، خشن، يشبه حفيف الأفاعي السامة، ونفث أنفاسه الساخنة والمحملة بعبق التبغ على شفتيها المرتجفتين، مما جعل قشعريرة عنيفة تضرب كل خلية في جسدها المحاصر. «ابتعد عني!» صرخت بصوت متهدج، وهي تتلوى بعنف تحته، محاولة يائسة لتحرير معصميها من قبضته التي لا تتزحزح. كانت دموع الخوف والارتباك تتجمع في مآقيها، وصدرها يعلو ويهبط بسرعة جنونية ليحتك بصدره الصلب، مما أشعل شرارات من التوتر الحسي الذي زاد من تعقيد الموقف. «أنت وحش... لقد رأيتك... رأيت الوشم في الحريق... أنت كنت هناك في ليلة الحادث!» تصلب فكه بشكل مرعب، واختلجت عضلة بارزة في وجنته النحاسية، لكنه لم يتراجع، بل زاد من ثقل جسده عليها، دافناً إياها أعمق في الفراش الوثير.انهارت دموعها كشلال ساخن يحرق وجنتيها. لم يكن حبه لها وليد اختطافها، ولم تكن علاقتهما نتاجاً لغسيل دماغ بعد الحادث. لقد كانا حبيبين، شريكين، وربما أكثر من ذلك بكثير! لقد كانت تعشقه بإرادتها الحرة، وكان هو يشاركها الحياة بكل تفاصيلها قبل أن يتدخل الموت ليفرق بينهما. زلزال من المشاعر المتضاربة ضرب كيانها؛ إذا كانا يعيشان كل هذا الحب الساحر، فما الذي أوصلهما إلى نقطة الدمار؟ لماذا حاول والدها قتلها؟ ولماذا أخفى هو عنها هذا الألبوم وهذا التاريخ المجيد من حبهما، مفضلاً أن يتحمل نظرات الكراهية والشك في عينيها على أن يخبرها بالحقيقة البسيطة: "لقد كنا عاشقين"؟لم تشعر بالباب الخشبي الثقيل وهو يُفتح، ولم تنتبه لخطواته التي توقفت فجأة في منتصف الغرفة. كان البطل قد أنهى تأمين اليخت وعاد ليواجهها، لكنه تسمر في مكانه حين رأى ظهرها المرتجف، ورأى الألبوم الجلدي المفتوح تحت ضوء المصباح. سقطت كل أقنعة القوة والسطوة التي يرتديها زعيم المافيا. انهار الدرع الفولاذي الذي بناه حول نفسه منذ أن فقدت هي ذاكرتها. تقدم نحوها بخطوات متعثرة، لا تشبه خطواته الواثقة التي ترعب أعتى الرجال.حين شعرت بظله يغطيها، التف
تسمرت قمر في مكانها، وكأن صقيع الموت قد زحف من أرضية الغرفة المعدنية ليتسلق ساقيها ويشل كل خلية في جسدها. كانت الكلمات التي انبعثت من جهاز الاتصال تتردد في جمجمتها كقرع أجراس الجحيم، لكن الرعب الحقيقي لم يكن في ذلك الصوت المشوه، بل في الجسد الضخم الذي يسد منفذ النجاة الوحيد. وقف هو في عتمة إطار الباب، يمسك بجهاز الإرسال اللاسلكي الذي انتزعه للتو من حارسه، وعيناه الزمرديتان تشتعلان بظلام لا قاع له، ظلام يبتلع كل ما تبقى من أكسجين في الغرفة الخانقة. لم ينطق بحرف، بل تقدم نحوها بخطوات بطيئة، ثقيلة، ومحسوبة، كفهد يحاصر طريدته على حافة الهاوية. كان كل شيء فيه ينضح بالتهديد؛ سكونه، اتساع صدره الذي يعلو ويهبط بغضب مكبوت، وتلك الهالة المرعبة التي تجعل الهواء يرتجف من حوله. تراجعت قمر لا إرادياً حتى اصطدم ظهرها بلوحة التحكم الباردة، وأنفاسها تتقطع في صدرها كشظايا الزجاج. توقعت أن ينقض عليها، أن يعاقبها على خيانتها وتسللها في جنح الليل، لكنه بدلاً من ذلك، رفع جهاز الإرسال الذي بيده، وبحركة خاطفة وعنيفة، سحقه بضربة واحدة على حافة الطاولة المعدنية، محطماً إياه إلى قطع متناثرة.«هل ترين كيف يتلاعب
كانت القبلة طقساً من طقوس السحر الأسود، مزجت فيها قمر بين برائتها المعهودة وغواية متعمدة أربكت كل حواسه. تذوقت طعم اليود والتبغ على شفتيه، وتوغلت بيديها في خصلات شعره الكثيف، تجذبه إليها بقوة تلغي كل مسافة ممكنة. للحظة واحدة، قاوم عقله هذا الاستسلام المفاجئ، لكن جسده وروحه العطشى إليها خانا كل منطق. انقضت يداه الكبيرتان على خصرها، يرفعها عن الأرض لتلتف ساقاها حول خصره، بينما تحولت قبلته من استجابة متفاجئة إلى اجتياح كاسر، مفترس، يمتص رحيق شفتيها بضراوة رجل وجد واحة بعد سنوات من العطش في صحراء قاحلة.حملها وهي لا تزال معلقة في عنقه وتغدق عليه بقبلات تسلبه إرادته، ومشى بها بخطوات متسارعة، ثقيلة، نحو الجناح الرئيسي المغلق في الطابق السفلي. ركل الباب بقدمه ليفتحه، ودخل بها إلى الغرفة الواسعة الغارقة في الظلال، والتي تضيئها فقط انعكاسات أضواء المصابيح الخافتة على أمواج البحر المتلاطمة خارج النوافذ الدائرية. ألقى بها برفق على الفراش الحريري الواسع، ولحق بها في جزء من الثانية، محاصراً إياها تحت ثقل جسده المشتعل.«هل تدركين ما تفعلينه الآن يا قمر؟» زمجر بصوت أجش، متقطع من فرط اللهاث، وعيناه ت
كانت الكلمات تتردد في تجويف جمجمتها كدوي انفجار لا ينتهي، تمزق كل ما تبقى من أشرعة اليقين في سفينة عقلها الغارقة. «الرجل الذي حاول قتلكِ... هو والدكِ!». لم تصرخ، لم تبكِ، بل غرقت في حالة من الشلل الإدراكي التام، حيث تجمدت الدماء في عروقها، وتحولت ملامحها إلى قناع من الشمع البارد. كيف يمكن للرجل الذي كانت تعتبره الملاذ الآمن، والذي بكت دماً حين رأته ممدداً تحت رحمة الأجهزة الطبية في القبو المظلم، أن يكون هو ذاته الجلاد الذي فخخ سيارتها بدم بارد؟ الصدمة لم تكسرها فحسب، بل سحقتها، وجعلتها عجينة طيعة بين يدي هذا الشيطان العاشق الذي استغل هشاشتها المطلقة في تلك اللحظة ليحكم قبضته عليها بشكل نهائي ولا رجعة فيه.لم يمنحها فرصة لاستيعاب الفاجعة أو ترتيب شتات روحها. في غضون ساعات قليلة، وقبل أن تشرق شمس الصباح التالي، كان قد انتزعها من القصر، ونقلها وسط حراسة أمنية مشددة، وموكب من السيارات المصفحة السوداء، إلى الميناء الخاص السري التابع لإمبراطوريته. وهناك، وجدت نفسها على متن يخت أسطوري ضخم، أشبه بقلعة عائمة من الفولاذ والزجاج الأسود، يخت يحمل اسماً محفوراً بحروف ذهبية بارزة على هيكله، اسماً ي
«ماذا رأيتِ؟» همس بصوت أجش، خشن، يشبه حفيف الأفاعي السامة، ونفث أنفاسه الساخنة والمحملة بعبق التبغ على شفتيها المرتجفتين، مما جعل قشعريرة عنيفة تضرب كل خلية في جسدها المحاصر.«ابتعد عني!» صرخت بصوت متهدج، وهي تتلوى بعنف تحته، محاولة يائسة لتحرير معصميها من قبضته التي لا تتزحزح. كانت دموع الخوف والارتباك تتجمع في مآقيها، وصدرها يعلو ويهبط بسرعة جنونية ليحتك بصدره الصلب، مما أشعل شرارات من التوتر الحسي الذي زاد من تعقيد الموقف. «أنت وحش... لقد رأيتك... رأيت الوشم في الحريق... أنت كنت هناك في ليلة الحادث!»تصلب فكه بشكل مرعب، واختلجت عضلة بارزة في وجنته النحاسية، لكنه لم يتراجع، بل زاد من ثقل جسده عليها، دافناً إياها أعمق في الفراش الوثير. انخفض برأسه أكثر، حتى تلامست أنفاسهما الثائرة، وفي لحظة من التناقض المدمر الذي يميزه، تحولت قسوته الغاشمة إلى رقة مظلمة، سامة، ومربكة للحواس. حرر أحد معصميها، ليمرر أصابعه الخشنة ببطء قاتل وتعذيب لذيذ على طول خط فكها، نزولاً إلى عنقها النابض بالذعر، ثم مسح دمعة يتيمة هربت من زاوية عينها.«أنا كنت هناك بالفعل يا قمر،» همس بصوت رخيم، عميق، يتسلل إلى مسا
كان الظلام الذي ابتلع وعيها إثر سؤاله المرعب، وصدمة الذاكرة التي تفجرت في قاع جمجمتها، ظلاماً كثيفاً، لزجاً، ومحاطاً ببرودة الموت. لم تدرِ كم من الوقت مر عليها وهي تسبح في تلك الغيبوبة المؤقتة التي فرضها عقلها المنهك كآلية دفاعية أخيرة ضد الجنون. حينما بدأت حواسها تستيقظ ببطء شديد، كان أول ما تسلل إلى إدراكها هو رائحة المسك الأسود الفاخر الممزوج بعبق التبغ الرجولي الحار، رائحة احتلت مسامها وصارت بالنسبة لها تعريفاً حسياً للأمان والخطر في آنٍ واحد. شعرت بنعومة الحرير البارد تحت جسدها العاري الذي كان يرتجف بضعف، وبثقل غطاء مخملي دافئ يحيط بها كشرنقة واقية. رمشت بجفنيها المثقلين مراراً، محاولة طرد بقايا الضباب الذي يغلف بصرها. كانت الغرفة غارقة في عتمة هادئة، لا يكسرها سوى ضوء القمر الفضي الشاحب المتسلل من خلال الشقوق الرفيعة للستائر المخملية الثقيلة، ليرسم خطوطاً مضيئة على الأرضية الرخامية الفاخرة.حاولت قمر أن تتحرك، لكن جسدها كان مشلولاً من فرط الإرهاق العاطفي والجسدي الذي اجتاحها في الساعات الماضية. أدارت رأسها ببطء شديد نحو الجهة الأخرى من الفراش الوثير والواسع كساحة معركة، لتجده هن







