بيت / الرومانسية / أسوار العشق / البارت الثالث والعشرون

مشاركة

البارت الثالث والعشرون

مؤلف: Faten Aly
last update تاريخ النشر: 2026-06-27 02:30:05

عقب إنصراف الضيوف، وإغلاق الباب على أصداء أقدامهم، وقفت حور في ردهة المنزل يتملكها طوفان من مشاعر غريبة وعذبة، عجزت عن تفسيرها أو وضع مسمى لها. لكن الشيء الوحيد الذي كانت تدركه وتستشعره بيقين، هو تلك السعادة العارمة التي تجتاح صدرها؛ سعادة حقيقية افتقدتها منذ سنوات طوال، وتحديداً منذ ذلك اليوم البعيد الذي ظهرت فيه نتيجتها في الشهادة الإعدادية وحققت فيه نجاحاً باهراً.

في زاوية الصالة، كانت سمر تقف واجمة، ترمقها بنظرات حقد مسمومة وكراهية تقطر من عينيها، بيد أن حور تعمدت التغاضي تماماً عن تلك النظرات البائسة؛ فلن تسمح اليوم لأي أشياء عقيمة أو نفوس مريضة أن تعكر صفو مزاجها الراقص فرحاً.

أدارت ظهرها ودلفت إلى غرفتها لتستريح، ولم تمر لحظات حتى لحق بها والدها عادل، والابتسامة ترتسم على وجهه المتعب الذي تبدلت ملامحه إلى الراحة. كان يحمل في يده حقيبة هدايا أنيقة، واقترب منها يطبع قبلة حانية على جبينها وهو يمد يده بالحقيبة قائلاً

- خدى يا حبيبتي.. دي هدية حسن ليكِ، كان جايبها معاه وهو داخل في أول الزيارة ونساها في الصالون.

تطلع عادل إليها بنظرات تفيض بالفخر والسعادة، ثم انصرف وأغلق الباب خلفه برفق. ولأول مرة منذ سنوات، تنفس الرجل الصعداء وشعر براحة بال تامة؛ فهذه الزيجة وهذا الشاب الصادق لم يكن ليحلم بمثلهما لابنته في أشد أمانيه طموحاً.

عقب خروج والدها، جلست حور على طرف الفراش بأنفاس متلاحقة، وفتحت الحقيبة الأنيقة بلهفة طفولية، لتجد داخلها دبدوباً قطيفة شديد الاحمرار، ومعه كارت رقيق مصقول، مدون عليه بخط يده الأنيق

(إلى أجمل عيون رأيتها في حياتي.. إلى أجمل حور.)

انقبض قلبها من فرط الرومانسية؛ رفعت الدبدوب وقبلته بعفوية، ثم ضمته إلى صدرها بقوة ونهضت تدور به حول نفسها في منتصف الغرفة بفرحة غامرة. ومع دورانها الجسدي والروحي، انسدل شعرها الطويل الثائر خلفها بحرية، ليتطاير مع حركتها كخيوط من الذهب الخالص المنسوج حول وجهها الأبيض الناعم، تلتقي مع صفاء عينيها الخضراوين الشبيهتين ببحيرتين من الزمرد، لترسم بتلقائيتها لوحة بديعة من الألوان الساحرة التي تسر الناظرين.

أفاقت حور من حلم اليقظة الدافئ هذا على صوت رنين هاتفها. اقتربت وتطلعت إلى الشاشة لتجده رقماً غريباً لم تعهده، فآثرت تركه جانباً وعادت لتدلّل دبدوبها، لكن الهاتف عاود الرنين مرة ثانية، ثم ثالثة بإصرار عجيب. استسلمت في النهاية وضغطت زر الرد، لتتفاجأ بصوت رجولي دافئ يأتيها عبر الأثير

- السلام عليكم.. ألو، يا رب مأكونش أزعجتك يا حور.

يا الله! كم كنتِ غبية يا حور بتجاهلك الهاتف؛ إنه حسن الذي لم يستطع الانتظار لعدة ساعات حتى يطمئن على قلبه الذي تركه معها. تعثرت الكلمات في جوفها وردت التحية بخجل شديد وصوت متقطع، ليتنهد حسن في المقابل متبسماً على خجلها الذي يصله عبر الهاتف، وبدأ على الفور في فتح عدة مواضيع عابرة بذكاء ودماثة خلق، محاولاً كسر الجليد ومحو ذلك الارتباك عنها ولو بقدر قليل.

سألها بنبرة حانية

- قوليلي.. يا رب يكون ذوقي البسيط في الهدية نال رضاكي وعجبك؟

أجابته بنبرة رقيقة شاكرة إياه على لفتته الجميلة، ومن هنا انطلق حسن يغزل الحديث معها في مجالات شتى. ولاحظ ببهجة اندماجها السريع معه؛ إذ بدأ ذلك الحاجز الخفي يذوب ويتلاشى بينهما شيئاً فشيئاً مع كل دقيقة تمر، حتى بات التعامل بينهما تلقائياً وطبيعياً كأن بينهما عشرة عمر ممتدة لسنوات، وليست مجرد ساعات منذ قراءة الفاتحة.

تأمل حسن شاشة هاتفه فجأة ليتملكه الذهول؛ لقد مضت ساعتان كاملتان وهما في حديث متصل! لم يدرِ كيف مرت الدقائق، وما هي تلك المواضيع الكثيرة التي خاضا فيها وكيف فُتحت؛ فالعجيب أنهما لم يتطرقا بعد لحياتهما الشخصية أو تفاصيل عن أنفسهما، بل كان مجرد تلاقٍ روحي عذب. وجد حسن نفسه عاجزاً عن إنهاء المكالمة أو مفارقة صوتها، لكن العقل كان يفرض أحكامه؛ فابتسم في سرّه ساخراً من حالته الطفولية وشغفه، متمتماً في نفسه

- شكلها مراهقة متأخرة يا حسن.. بس أحلى مراهقة.

تدارك الوقت وسألها مسرعاً ليتفق معها على ميعاد الغد لشراء مستلزمات الزفاف، وحجز الفستان الأبيض، وتفقد تفاصيل الشقة. شعر بترددها وحيائها من الاتفاق معه مباشرة، وقبل أن تنطق بحرجها، كان حسن قد فهمها وتخطى خجلها قائلاً

- حور.. أنا عارف إنك مكسوفة تتفقي معايا، ممكن تديني عم عادل أكلمه وأرتب معاه كل حاجة؟

اتسعت ابتسامتها بامتنان لشهامته، وركضت سريعاً نحو غرفة والدها، وناولته الهاتف قائلة بلهفة

- حسن عاوز يكلمك يا بابا.

تحدث عادل مع حسن، وتم الاتفاق على كل شيء؛ حيث سيصطحب حسن عروسه ووالدها غداً لمعاينة الشقة والوقوف على ما ينقصها، ثم الانطلاق لشراء بقية المتطلبات.

أنهى عادل المحادثة وأغلق الخط، لتشعر حور فجأة بغصة حزن طفيفة لقطع ذلك الصوت الدافئ عن أذنيها، لكنها صبّرت نفسها وفؤادها بأن ما تبقى هو القليل من الوقت ويجتمعا تحت سقف واحد فلا يفترقا.

بالفعل، كانت حور فتاة بريئة بلا تجارب سابقة، وخبرتها في عوالم الرجال والقلوب تكاد تكون معدومة، لكنها كانت تقاوم مخاوفها وتتعامل بنقاء، وعفوية شديدة، ومسحة من طفولية عذبة تأسر القلوب.

ضمت حور الدبدوب الأحمر إلى صدرها مجدداً، وتمددت فوق فراشها الوثير، وسرعان ما استسلمت لسطان النوم لتغط في سبات عميق وهادئ، يملؤه وجه حسن وأحلام غدٍ مشرق.

✨✨✨✨✨✨✨✨

وصلت الحافلة أخيراً إلى الميدان المقابل لمقر الجمعية الخيرية، معلنةً نهاية تلك الرحلة الشاقة. ترجلت فرح بصحبة شقيقها الأصغر أمجد، ووقفا على رصيف الشارع يترقبان عبور إحدى سيارات الأجرة لتقلّهما إلى المنزل، والإنهاك قد أخذ منهما كل مأخذ.

بينما هما على هذه الحال، انشقت الصفوف وخطا ذلك الشاب بخطوات وئيدة، حتى صار على مسافة قريبة منهما. توقف أمام فرح مباشرة، وتطلع إلى ملامحها المرهقة للحظات في صمت، بينما تعمدت هي إشاحة وجهها عنه، متظاهرة بعدم الاكتراث بوجوده تماماً وكأنه لم يكن.

لكن المفاجأة ألجمت لسانها حين تناهى إلى مسامعها صوته بنبرة خفيضة، صادقة، يملؤها الاعتذار

- أنا بعتذر جداً يا آنسة على كل اللي بدر مني قبل كده.. صدقيني والله ما كانش عن عمد خالص، والموضوع كله يرجع لسوء حظي الغريب اللي حطني في المواقف دي معاكي.

انفرجت أسارير فرح رغماً عنها، وارتسمت على شفتيها ابتسامة عفوية تلاشت معها غيوم الضيق؛ فكلمة "سوء حظه" لامست شيئاً من الطرافة في قلبها. أومأت برأسها قائلة بنبرة هادئة ألغت كل الحواجز السابقة

- حصل خير.. مفيش حاجة، هو فعلاً كان مجرد سوء تفاهم مش أكتر.

التفت الشاب نحو أمجد، ماداً يده بمصافحة رجولية ليطلب منه بذكاء ودماثة خلق أن يمدوا جسور المعرفة، قائلاً

- أهلاً يا أستاذ.. أحب أعرفكم بنفسي....... أنا اسمي زياد، طالب في الفرقة الخامسة بكلية الطب البشري.. وإنت؟

بمجرد أن نطق زياد بكلماته وعرّف عن هويته وطبيعة دراسته، التفت أمجد تلقائياً نحو شقيقته فرح التي جاهدت طويلاً واجتازت الصعاب لتلتحق هذا العام بالفرقة الأولى لكلية الطب أيضاً—وقال بابتسامة ومرح

- أهلاً بيك يا دكتور زياد.. أنا بقى أمجد، طالب في الصف الأول الثانوي.. بس إيه، أنا هكون بعيد كل البعد عن المجال الصعب بتاعكم ده، ماليش في الطب

ابتسم زياد إثر كلمات أمجد العفوية، ولم يستطع تحديد المغزى الحقيقي وراء نظرات الشقيقين المتبادلة أو سر تلك الابتسامة الخفية التي ارتسمت على وجه فرح. عاد والتفت إلى فرح مرة أخرى، مجدداً اعتذاره بنظرة حانية امتزج فيها الأسف بالرجاء، لترد عليه فرح بابتسامة رقيقة هادئة أكدت له فيها أن كل شيء بات على ما يرام.

بادلها زياد الابتسامة، وانصرف بخطوات واثقة عقب ذلك، مخلفاً وراءه أثراً لم يعهده قلب فرح من قبل؛ كأنما رشق أولى سهامه الخفية في صدرها دون وعي منها.

تسارعت دقات قلبها بنبضات جديدة ومضطربة، فحاولت جاهدة التغاضي عن ذلك الشعور الغريب ونفضه من رأسها، متمتمة في سرها أن هذا ليس أوان العواطف ولا وقته.

استقلت فرح سيارة الأجرة برفقة أمجد، واستندت برأسها على المقعد متجهة صوب المنزل. كان الإجهاد البدني قد تملك منها، وشعرت بحاجة واهية وجارفة للاستلقاء فوق فراشها وضم جفونها، لكنها كانت تعلم يقيناً أن هيهات لها ذلك؛ فأسرتها الدافئة في انتظارها على أحر من الجمر، وخاصة شقيقتها الصغرى دنيا التي تجلس خلف الباب تترقب عودتها، لتستمع إلى تفاصيل الرحلة بتركيز شديد يترجم الكلمات في مخيلتها الصغيرة إلى لوحة بديعة من الألوان والحكايات.

دلفت فرح بصحبة أمجد إلى داخل الشقة، وألقيا تحية الصباح المتأخر على العائلة. وهمّت فرح أن تتسلل بخطوات خفيفة لتهرب نحو غرفتها وتظفر بنوم عميق، إلا أن والدتها مها لم تمنحها هذا الخيار؛ بل استقبلتها بضحكة دافئة ونبرة حازمة مازحتها بها قائلة

- على فين يا دكتورة؟ جهزي نفسك حالاً واقعدي.. إنتِ داخلة على جلسة استجواب مفيش منها مفر قدام أختك دنيا.

استسلمت فرح بابتسامة تعبر عن قلة حيلتها وحبها لهن، وانضمت إلى حلقة الأسرة في الصالة، لتبدأ تلك الأمسية العائلية الحافلة بالقصص والضحكات والفضول.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • أسوار العشق    البارت الرابع والعشرون

    أشرقت شمس الصباح الدافئة، لتعلن بنورها الساطع عن مولد فجر جديد انشق من بين ضلوع الظلام القاتم، وبدد عتمة الخوف التي كانت تسكن الأرجاء. تسللت أشعة الضحى برفق عبر ستائر الغرفة، لداعبت تلك الأهداب الكثيفة لحور. فتحت عينيها بتثاقل، ونظرت حولها بنعاس، لتجد الدبدوب الأحمر القابع بين أحضانها ما زال يسكن مكانه ويدفئ مضجعها. انفرجت أساريرها وابتسمت من أعماق قلبها؛ فقد أيقنت الآن أن ما عاشته بالأمس لم يكن مجرد حلم وردي عابر، بل هو واقع ملموس وحقيقة ستغير مجرى حياتها. رفعت الدبدوب، ألقت عليه تحية الصباح العفوية وقبلته برقة، قبل أن يقطع خلوتها صوت طرقات متتالية على باب الغرفة. نهضت حور من فراشها، وعدلت هندامها ثم فتحت الباب، لتتفاجأ بزوجة أخيها سمر تقف أمامها وهي تحمل ابنها آدم على كتفها بضيق، وقالت بنبرتها الآمرة المعتادة - صباح الخير يا حور.. خدي آدم خليه جنبك و خللى بالك منه لحد ما أرجع من الشغل كالعادة. تجمعت الحمرة في وجنتي حور وشعرت بخجل شديد أخرس لسانها؛ راحت تبحث عن كلمات رقيقة تسعفها في هذا الموقف الصعب، لكن العبارات تبخرت وتركتها تواجه مأزقاً حرجاً. أخذت نفساً خفيفاً وقالت بأسف حقيق

  • أسوار العشق    البارت الثالث والعشرون

    عقب إنصراف الضيوف، وإغلاق الباب على أصداء أقدامهم، وقفت حور في ردهة المنزل يتملكها طوفان من مشاعر غريبة وعذبة، عجزت عن تفسيرها أو وضع مسمى لها. لكن الشيء الوحيد الذي كانت تدركه وتستشعره بيقين، هو تلك السعادة العارمة التي تجتاح صدرها؛ سعادة حقيقية افتقدتها منذ سنوات طوال، وتحديداً منذ ذلك اليوم البعيد الذي ظهرت فيه نتيجتها في الشهادة الإعدادية وحققت فيه نجاحاً باهراً. في زاوية الصالة، كانت سمر تقف واجمة، ترمقها بنظرات حقد مسمومة وكراهية تقطر من عينيها، بيد أن حور تعمدت التغاضي تماماً عن تلك النظرات البائسة؛ فلن تسمح اليوم لأي أشياء عقيمة أو نفوس مريضة أن تعكر صفو مزاجها الراقص فرحاً. أدارت ظهرها ودلفت إلى غرفتها لتستريح، ولم تمر لحظات حتى لحق بها والدها عادل، والابتسامة ترتسم على وجهه المتعب الذي تبدلت ملامحه إلى الراحة. كان يحمل في يده حقيبة هدايا أنيقة، واقترب منها يطبع قبلة حانية على جبينها وهو يمد يده بالحقيبة قائلاً - خدى يا حبيبتي.. دي هدية حسن ليكِ، كان جايبها معاه وهو داخل في أول الزيارة ونساها في الصالون. تطلع عادل إليها بنظرات تفيض بالفخر والسعادة، ثم انصرف وأغلق الباب خل

  • أسوار العشق    البارت الثانى والعشرون

    عادت حافلة العائلة إلى المنزل، وترجل منها حسن وهو يشعر بجسده خفيفاً كأنه لا يطمس بقدميه فوق الرصيف؛ فقد أطاحت به الفرحة العارمة في فضاءات بعيدة، واكتست خطواته مرونة وحيوية افتقدها منذ سنوات غربته الطويلة. دلف إلى ردهة المنزل بجسد حاضر وعقل مغيب تماماً، غارقاً في تفاصيل وجه حور ونبرات صوتها التي ما زالت تعزف في أذنيه. لم يكن حسن عابئاً بالجدل الساخن الدائر بين أفراد عائلته في الصالون؛ حيث كان عصام ما زال متشبثاً بوقاره المصطنع واعتراضه الحاد، قائلاً بنبرة يملؤها التحذير - يا جماعة اسمعوني بس، البنت أصغر منه بسنين كتير، جيل غير الجيل.. طريقة تفكيرها وعيشتها مش هتناسب طبيعة حسن ولا حياته بره، الجواز مش شكل حلو وخلاص برى محمد قلم الدفاع سريعاً ليقف في صف أخيه، ورد بمؤازرة حماسية - بالعكس يا عصام، أنا شايف إن في بينهم قبول وتآلف من نوع خاص جداً.. تآلف رباني ظهر ووضح أوي في كلامهم ونظراتهم مع إنها أول مرة يقعدوا مع بعض بجد. وبعدين أنا مع حسن وبأيده جداً في فكرة إنه ياخدها معاه الإمارات، ده حقهم يبنوا حياتهم سوا من أول يوم. سقطت الكلمات في روع حسن، فانتفض من شروده وانتبه للحديث، لكنه تر

  • أسوار العشق    البارت الحادى والعشرون

    يلتفت للكلمات بقدر ما فتنته عفوية طريقتها التي سحرت لبه، فرد بهيام ومرح - أعمل إيه طيب؟ ما أنا واقف قدام لوحة جميلة، وبسمع لحن أجمل. لمح في عينيها لمحة شرود، وكأنه قرأ أفكارها وسر توجسها. استدار ونظر إلى الشارع محاولاً السيطرة على نبضاته المتسارعة، هامساً لنفسه بالتمهل فستكون ملكه بعد أسبوعين. ثم قال وهو ما زال ينظر للخارج - عارف إنك زمانك بتقولي في سرك ده بياع كلام، حافظ كلمتين وجاي يثبتني بيهم. اتسعت عينا حور دهشة؛ فقد كان هذا تحديداً ما يدور في عقلها! صمتت تستمع إليه بفضول، فالتفت إليها بملامح كستها الجدية والصدق، وسألها - أنتِ عارفة أنا عندي كام سنة؟ هزت رأسها نفيًا بحيرة؛ فهي لم تهتم بالسؤال ولم يخطر ببالها. أخذ حسن نفساً عميقاً، ومد ساعديه على سور الشرفة قائلاً بعمق - بصي.. لو بشهادة الميلاد فأنا عندي اتنين وتلاتين سنة. ولو بحساب المواقف الصعبة والوجع اللي عشته يبقى عندي متين سنة.. أما بحساب العمر اللي فرحت فيه بجد.. فهو يدوب خمس دقايق، من ساعة ما شفتك. لامست كلماته العميقة شغاف قلبها، ونظرت إليه بعينين يملؤهما التعاطف والشفقة؛ فقد شعرت من نبرته بحجم المعاناة التي عاشها

  • أسوار العشق    البارت العشرون

    يجلس عادل وحور أمام شاشة التلفاز بجسدين حاضرين وعقلين غائبين؛ فكل نبضة تمر تقربهما من الموعد الحاسم. كانت حور مأخوذة بفيضان مشاعرها، تتساءل بوجل... هل سينتهي الأمر هنا؟ فذلك الرجل الذي لم تلتقِ به إلا لماماً، زرع في صدرها راحة عجيبة هزت قناعاتها السابقة بالرفض، وجعلتها تترقب قدومه بلهفة خفية أنكرتها على نفسها. وفي تلك الأثناء، كان عادل يحمل على كتفيه هماً أثقل من الجبال؛ شارد الذهن في كيفية تدبير تكاليف جهاز ابنته، ولديه يقين دامغ بأن ابنه مصطفى لن يمد له يد العون ولو بنذر يسير، فأنانيته أعمت بصيرته. أما في الغرفة المجاورة، فكانت سمر تجوب الأركان كالنمر الحبيس، ينهش الغضب ملامحها وهي تنزل اللعنات على زوجها مصطفى لعجزه عن إيقاف هذه الزيجة. كان مصطفى يستمع إلى ثورتها بدهشة واستنكار؛ فما الذي يهمها إن تزوجت حور أو عنست؟ في كلتا الحالتين لن يدفع هو قرشاً واحداً، لكنه آثر الصمت تجنباً للسيد جلال الذي يسكن تفكير زوجته في الخفاء. قطع هذا التوتر صوت جرس الباب. انتفضت حور كعصفور ذعور وركضت لتهرع إلى غرفتها، بينما نهض عادل بأنفاس متثاقلة ليفتح الباب. وما إن سحب الترباس حتى أطل وجه حسن، وعينا

  • أسوار العشق    البارت التاسع عشر

    أشرقت شمس ذلك اليوم المنتظر، لتعلن عن بداية الصبح الأكثر تميزاً في حياة حسن. استيقظ بهمة ونشاط لم يعهدهما من قبل، واندفع نحو نافذة غرفته ليفتحها على مصراعيها، مستقبلاً شعاع الضحى الدافئ الذي غمره بفرحة غامرة، وتسلل برفق ليداعب جفونه ويتخلل أنسجة جسده، حتى استقر في أعماق قلبه النقي، يشع فيه بنور الأمل والتفاؤل. وقف حسن يستنشق نسيم الصباح العليل، يملأ به رئتيه ببطء وعمق، ولسان حاله يؤكد أن هذا اليوم هو أجمل أيام عمره على الإطلاق. التفت نحو خزانة ملابسه، وفتحها وهو يشعر بحيرة عذبة تداعب عقله؛ فالأمر اليوم مختلف، والسعادة التي تملأ كيانه تجعله راغباً في أن يكون بأبهى وأجمل صورة تليق بلقاء حور. تنقلت عيناه بين الثياب، حتى استقر خياره في النهاية على قميص كاروهات أنيق يمتزج فيه اللونان الأحمر والأسود بجاذبية، ومعه بنطال جينز أزرق عصري. خرج من غرفته بخطوات واثقة، وقرر الصعود إلى الطابق الأعلى حيث تقع شقته الجديدة التي أسسها لتكون عش الزوجية. دلف من الباب وتجول ببصره في أرجاء المكان وعيناه تلمعان بالبهجة؛ فكل ركن وكل قطعة أثاث هنا تحمل قصة وتفاصيل شقاء وغربة. وقف في منتصف الصالون، وراحت عينا

  • أسوار العشق    البارت العاشر

    عادت سمر إلى المنزل والنشوة تكاد تطير بها؛ كانت تتحسس حزمة النقود القابعة في جيبها بعشق أعمى، فهي امرأة تعبد المال وتجثو تحت قدميه، بغض النظر عن مصدره وعما إذا كان ثمنًا للشرف والفضيلة. ولأن شهوة المال لا تشبع، شعرت بجوع عارم لمزيد من الأوراق النقدية؛ فأخذت تذرع الغرفة خطيئة ذهابًا وإيابًا، وعزمت

  • أسوار العشق    البارت التاسع

    اليوم هو الموعد الموعود، اللقاء المرتقب الذي خططت له مع باسم. جلست سمر أمام مرآتها تضع لمساتها الأخيرة، وتفكر بخبث في حيلة تضمن لها الخروج بحرية دون أن يفسد الصغير آدم مخططها، ولم تجد مفرًا سوى إلقائه في حجر حور. قامت سمر وتمايلت بجسدها بخطى واثقة ناعمة، ثم طرقت باب غرفة حور طرقات خفيفة متصنعة ال

  • أسوار العشق    البارت الثامن

    دلف عادل إلى الشقة بخطوات مثقلة بالهموم بعد يوم عمل شاق، ولم يكد يضع مفاتيحه حتى توجه فورًا نحو غرفة ابنته حور ليطمئن عليها. طرَق الباب برفق مستدعيًا إياها، ولكن لم يأته أي رد. انقبض صدره فجأة وتسلل الرعب إلى أوصاله؛ فأعاد الطرق بإلحاح وقلق ينبض في نبرات صوته وهو يناديها - حور.. أنتِ جوه يا بنتي؟

  • أسوار العشق    البارت السابع

    عند حور.. عادت حور بخطى متهالكة وهي تشعر بتعبٍ مبرح ووهن شديد يسري في أطرافها؛ كان كل ما تتمناه في تلك اللحظة هو أن تدلف إلى المطبخ بهدوء، وتصنع لنفسها شطيرة بسيطة مع كوب من الشاي الدافئ يسند طولها، لتخلد بعدها مباشرة إلى النوم لعيدًا عن هذا العالم الصاخب. لكن آمالها تبخرت في الهواء ما إن دفعت با

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status