مشاركة

البارت السابع

مؤلف: Faten Aly
last update تاريخ النشر: 2026-06-17 02:54:31

عند حور..

عادت حور بخطى متهالكة وهي تشعر بتعبٍ مبرح ووهن شديد يسري في أطرافها؛ كان كل ما تتمناه في تلك اللحظة هو أن تدلف إلى المطبخ بهدوء، وتصنع لنفسها شطيرة بسيطة مع كوب من الشاي الدافئ يسند طولها، لتخلد بعدها مباشرة إلى النوم لعيدًا عن هذا العالم الصاخب.

لكن آمالها تبخرت في الهواء ما إن دفعت باب الشقة ودلفت إلى الداخل؛ إذ تسمرت مكانها برعب حين وجدت شقيقها مصطفى يقف في منتصف الصالة، يتطلع إليها بنظرات جاحظة ومتوعدة تحمل كل معاني الشر. خطى نحوها بخطوات ثقيلة وهو يزجرها بصوته الجهوري الذي زلزل أركان المكان، بينما كانت أنفاسه تتصاعد لتفوح منها رائحة الحشيش الكريهة والنفاذة. تكره حور تلك الرائحة جداً وتصيبها بالغثيان، لأنها تعلم علم اليقين أن شقيقها عندما تفوح منه هذه الرائحة لا يكون في كامل وعيه، ويتحول إلى وحش كاسر لا يرحم.

صرخ في وجهها بقسوة

- كنتِ فين لحد دلوقتي يا هانم؟ وسارحة في الشوارع من النجمة ومن غير إذن مين؟

لم يكن لدى حور طاقة للمجادلة أو العراك في هذه الحالة من الإعياء؛ لذا فضلت الصمت والانسحاب، وردت بنبرة هادئة وخافتة وهي تحاول تجاوزه

- أنا مكنتش سارحة يا مصطفى.. أنا كنت بجيب نتيجتي، وبابا يعلم بكل خطوة وموافق، وسع من فضلك عشان تعبانة.

التفتت لتوجه خطوتها نحو غرفتها، ولكن قبل أن تصل إلى عتبة الباب، كان جنون مصطفى قد بلغ ذروته بتأثير التحريض الخبيث لزوجته وتأثير المغيبات التي تعاطاها. انقض عليها كالمجنون وإنهال عليها ضرباً مبرحاً بلكمات قاسية على ظهرها وكتفيها، وهو يسبها ويصفها بأقذر الألفاظ وأبشع الشتائم التي تخدش حياءها البريء. وفي تلك الأثناء، انفتح باب الغرفة المقابلة لتطل منه سمر؛ وقفت تستند إلى الجدار بارتياح، وعلى وجهها لمتعت ابتسامة شماتة ونصر تشاهد من خلالها حور وهي تُهان وتُضرب بسببها.

لم تعد حور المسكينة تمتلك القدرة أو الطاقة للدفاع عن نفسها أو حتى الصراخ؛ تيبس جسدها واستسلمت للضربات وهي تتطلع إليه بعينين حزينتين مكسورتين، مليئتين بعتاب صامت لأخ من المفترض أن يكون سندها وحاميها.

تركته بهدوء غريب وصمت مهيب بعد أن أفرغ شحنة غضبه وجبروته فيها، وتحاملت على أوجاعها ودلفت إلى غرفتها الصغيرة. أغلقت الباب خلفها بالمزلاج من الداخل لتنعزل عن جحيمهم، ودون أن تبدل ملابسها أو تداوي كدماتها، ارتمت على فراشها المتواضع، ولم تمر سوى دقائق معدودة حتى استسلمت لنوم عميق وثقيل أشبه بالغيبوبة.. نومٍ هروبي اختارت أن تدفن فيه وعيها لعلها تجد في الأحلام هدنة ورحمة من كل ما يحيط بها من ظلم وقسوة، بعد أن أصبحت طاقتها مستنفذة تماماً وروقها شاحبًا كأوراق الخريف.

✨✨✨✨✨✨✨✨

عند حسن..

فرغ الجميع أخيرًا من تناول تلك المائدة الدسمة الشهية التي أعدتها الحاجة زينب بحب وبركة احتفاءً بعودة بكرها من غيابات الغربة، وحلّت سكينة الشبع في الأرجاء.

دلفَت إيناس إلى المطبخ لإعداد أكواب الشاي الثقيل الذي يعدل المزاج بعد الأكل الدسم، في حين استغلت زينب الفرصة واقتربت بـمقعدها لتجلس بجوار حسن مباشرة. ولم تضيع وقتًا؛ إذ شرعت على الفور في سرد قائمة من أسماء بنات العائلات والمعارف في الحي، وبدأت تعدد مزايا كل واحدة منهن بحماس أموي لا يهدأ، لكن الصدمة كانت في ردود حسن؛ فمع كل اسم تطرحه، كان يبدي اعتراضًا فوريًا، متعللًا بوجود صفة أو طبع لا يرغبه ولا يتماشى مع طبيعته الهادئة.

نفد صبر زينب فجأة، وصرخت في وجهه بنبرة حانقة مستسلمة

- جرى إيه يا حسن؟ هو مفيش ولا واحدة عاجباك في بنات الحتة؟ أنت هتتشرط عليا يا ابن بطني؟

بجوارهم، كانت تجلس جنة ترتشف بقايا عصيرها وتستمع بفضول وشقاوة إلى ذلك الجدال العائلي، محاولةً المشاركة في إيجاد حل؛ فاختارت أن تقترح هي الأخرى بعض أسماء زميلاتها، لكن حسن كان يقابل كل اسم بحجة معينة ورفض قاطع، وكأنه يضع حصنًا منيعًا حول قلبه.

تطلعت إليه زينب بنظرة حادة، ووقفت تلوح بيدها قائلة باتهام مباشر لمس جرحًا قديمًا

- أنا لسه شاكة إن قلبك لسه مشغول باللي كانت السبب في سفرك وغيبتك السبع سنين دول يا حسن.... لسه منستهاش يا ابني؟

انمحت الابتسامة عن وجه حسن تمامًا، وتبدلت ملامحه إلى الجدية والصرامة الشديدة، ونفى الفكرة بسرعة ونبرة حاسمة يكسوها الرجاء

- أرجوكي يا أمي.. بلاش تفتحي السيرة دي معايا تاني أبدًا. الموضوع ده بقى ماضي وقفلت صفحته ونسيته من زمان، والبنت دلوقتي بقت ست متجوزة وأم، وميصحش ولا يجوز لينا شرعًا ولا أصولًا إننا نخوض في سيرتها مهما كان اللي حصل زمان. خلاص، كل واحد راح لحاله.

وبينما كان الحديث دائرًا والجميع غارق في حيرته، لمعت في ذهن جنة فجأة صورة صديقتها الصدوقة حور. تذكرت ملامحها الطاغية بالجمال الذي يصل حد الفتنة، وتذكرت رقتها، وعفتها، وأدبها الجم الذي يشهد به القاصي والداني في الحي، ورغم أنها فكرت لوهلة في وجود فارق عمر كبير بين حور وحسن يصل لست سنوات كاملة، إلا أن فكرة أخرى قفزت إلى رأسها وجعلت قلبها ينبض بالأمل؛ إن تمت هذه الزيجة، فستكون بمثابة طوق النجاة لحور، وستتخلص أخيرًا من جحيم حياتها البائسة، وتنعم بالدلال والراحة بعيدًا عن قسوة شقيقها وجبروت زوجته سمر.

لم تدرِ جنة كيف أفلتت الكلمات من بين شفتيها فجأة، لتقول بصوت مرتفع جذب انتباه الجميع

- طب إيه رأيكم بقى إن أنا عندي ليكم العروسة اللقطة؟ جميلة جمال هياخد عقلك، وعلي قدر عالي جداً من الأخلاق والأدب اللي مفيش منه اليومين دول

انتبه الجميع إليها عقب تلك الكلمات المباغتة، والتدفت نحوها زينب باهتمام بالـغ، متسائلة بلهفة

- مين دي يا جنة؟ قولي علطول

ردت جنة بثقة

- حور.....صاحبتى وأختي في الدراسة، والمنطقة كلها بتحلف بأخلاقها وطيبتها.

تطلع إليها حسن بنظرة متهكمة، ولوى فمه بابتسامة ساخرة قائلاً

* حور؟ صديقتك في الدراسة يعني لسه مخلصة دبلوم النهاردة يا جنة؟ ده لعب عيال، أنتِ مش شايفة فرق السنين اللي بيني وبينها قد إيه؟ أنا عندي تلاتين سنة وهي لسه يدوب بتفتح عينيها على الدنيا

لكن والدته نحته جانباً بـحزم، وأمسكت بكتف جنة قائلة بإصرار وعينين تلمعان بالأمل

- سيبك منه يا جنة.. رتبيلي ميعاد مع البنت دي وأهلها في أقرب وقت ونروح نشوفها.

وقبل أن ينطق حسن بكلمة اعتراض واحدة، التفتت إليه زينب وقالت بنبرة آمرة لا تقبل النقاش

- الطريقة اللي بتفكر بيها دي غلط يا حسن، وبترفض البنات من غير ما تقابلهم ولا تشوفهم. الجواز ده قبول .. لازم تنزل وتشوف البنت وتتكلم معاها، وبعدها احكم وقرر محدش هيغصب عليك

أمام إصرار والدته وجديتها الطاغية، لم يجد حسن مفرًا سوى الإذعان؛ فتنهد بعمق ورضخ بالنهاية لكلامها هازًا رأسه بالموافقة الصامتة.

في هذه الأثناء، كانت إيناس قد خرجت بصينية الشاي، وكانت تتابع الحوار بنظرات خفية تحمل الكثير من التهكم والحقد الدفين؛ حدثت نفسها باحتقار وغل في أعماقها....

- سيد حسن هيتجوز ويتهنى، وأنا اتحرم من خيره وفلوس الغربة دي كلها عشان تروح كاملة مكملة لنصيبه الجديد وزوجته المصونة

وضعت الصينية وتصنعت الابتسام، ثم وقفت فجأة تخبرهم بنبرة قلقة

- أنا لازم أمشي حالا يا جماعة وعن إذنكم، حماتي زمانها قالبة الدنيا ومستنياني، مش عاوزة مشاكل

حاول حسن استبقاءها ودعاها بحنو

- خليكي قاعدة معانا النهاردة يا إيناس، ده أنا لسه مفتحتش الشنط ولا شوفتوا الهدايا اللي جايبها

اعتذرت بخوف حقيقي من تسلط حماتها

- معلش يا حسن، الجايات أكتر.. أنت عارف طبع حماتي ومبترحمش.

تطوع شقيقها محمد لتوصيلها حتى باب منزلها لحمايتها. وقبل أن تغادر، جذبها حسن نحو صدره واحتضنها بحنان جارف، ثم أخرج حزمة من النقود وضعها في يدها بحنو، وقبل رأسها قائلاً

- دي حاجة بسيطة ليكي وللأولاد.. وعاوزك تيجي أنتِ وجوزك والأولاد في أقرب وقت، أنا وحشوني جداً ونفسي أشوفهم.

أومأت له إيناس بالموافقة المصطنعة وعلى وجهها ابتسامة باهتة، ثم حملت حقيبة الطعام الثقيلة التي أعدتها لها والدتها الحاجة زينب ببركة البيت ومضت خارجة. وما إن أغلقت باب الشقة خلفها وتوجهت نحو السلم، حتى تبدلت ملامحها تمامًا وتطلعت إلى المنزل بنظرات يملؤها الحقد والغل؛ كانت تأكل نفسها حسرة لأن هناك زوجة جديدة ستأتي لتنعم بهذا الخير والدلال الهانئ، بينما هي تعاني الأمرين يوميًا من قسوة حماتها وجبروت زوجها وضيق حالها.

عقب انصراف إيناس، شعر حسن بأن جسده لم يعد يحمل تعب السفر الطويل؛ فاستأذن من والدته وجنة للخلود إلى الراحة والنوم في غرفته القديمة. وبالطبع، لم يخلُ الموقف من كرمه الحاتمي؛ إذ كان قد وزع على والدته وإخوته كمية وافرة من النقود والخيرات التي أحضرها معه، مما أشرح صدورهم جميعًا وملأ البيت بهجة وسرورًا بعد طول غياب.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • أسوار العشق    57

    57 أنهت سما ساعات مناوبتها الطويلة، وقبل أن تغادر الغرفة المعقمة، التفتت لتلقي نظرة أخيرة على يوسف الراقد فوق فراشه الاستشفائي. في تلك اللحظة، سرى في أوصالها حدس مهني وإنساني غريب؛ شعرت بيقين يلامس قلبها بأن حديثها المتواصل معه على مدار اليوم، وتلك الكلمات الحازمة التي سكبتها في أذنه المخدرة، ستأتي بثمارها غداً، وأن هذا المستسلم لظلام الغيبوبة يوشك أن يفتح عينيه ليعود إلى دنياه. زفرت سما زفيراً حارقاً يحمل غصات الألم، وهي تستحضر في مخيلتها نظرات والدته المنهكة المكسورة وقهر شقيقه اللذين يمزقان نياط القلب خارج اللوح الزجاجي. خرجت سما من أسوار المستشفى وخطت في الشارع الممتد؛ ورغم الصخب والزحام الخانق الذي يحيط بها من كل جانب، وضجيج السيارات والبشر، إلا أنها كانت تشعر بوحدة قاتلة تعتصر روحها، كأنها تسير بمفردها في وادٍ مهجور من معالم الحياة. كانت تمضي بخطى آلية ميتة، ولم تعد تشعر بتلك التخبطات أو الأكتاف التي تصطدم بها وسط حشود المارة، فلقد تحولت في تلك اللحظات إلى مجرد جسد خاوٍ، آلة صماء تتحرك في الشوارع بلا هدف أو وجهة، هاربة من حقيقة مشاعرها. ما إن وصلت إلى بنايتها وصعدت الدرج، حتى

  • أسوار العشق    60

    60 في تلك اللحظات الممتدة بين الموت والحياة، شعر يوسف بأنه عالقٌ في جوف دوامة سوداء مرعبة، تدور به بعنفوان كاسر وهو يدور معها مستسلماً لجاذبيتها. حاول أن يقاوم، وراح يصارع التيارات الخفية التي تجذبه بقسوة نحو الأسفل، نحو القاع المظلم حيث لا ألم ولا خذلان. كانت أنفاسه في الواقع مضطربة، متلاحقة وكأن صدره يضيق بالهواء، حتى خارت قواه تماماً وبدأ جسده وروحه في الاستسلام المطلق لتلك العتمة. وفجأة، شق صمت واديه السحيق صوتٌ عذب هبط عليه من عالم بعيد، صوتٌ يحمل رنين الأمل والدفء وجاءه كأنه طوق نجاة أُلقي إليه في الدقيقة الأخيرة (قوم يا يوسف.. قوم عشان خاطر مامتك) تردد صدى تلك الكلمات في ردهات عقله الباطن، فدبت في أوصاله الخامدة قوة مفاجئة سرت كالنار في الهشيم، قوة انتزعها من غريزة الابن البار ليحارب بها تيار الدوامة. بدأ الظلام يتراجع ببطء، وانقشعت السحب السوداء قليلاً وكأنه كان في غفوة قصيرة خارج حدود الزمن. لكن العودة لم تكن سهلة؛ إذ بدأت ذكرياته المخذولة تمر أمام عينيه كشريط سينمائي حارق، يستعرض أيامه الأخيرة تفصيلاً تفصيلاً، وصولاً إلى تلك اللحظة القاسية، لحظة الخنجر المسموم حين وقفت

  • أسوار العشق    59

    59 سأعزف على أوتار قلبكِ أعظم ألحاني، فأنتِ ليَ الحياة، وأنتِ ليَ الأمل.. ليتغير تاريخ ميلادي بيوم لقائنا، وتقف الساعات حين غيابكِ، ليكفّ القلب تماماً عن الخفقان في البعد عنكِ. هكذا كانت تتدفق الخواطر والشجون في عقل حسن، وهو يقود سيارته على الطريق السريع الممتد، مستسلماً لفيضان من المشاعر الجارفة. لم يكن يركز في الطريق بقدر تركيزه مع تلك الفتنة القابعة بجواره؛ كان يتطلع إلى حور بين الحين والآخر بنظرات تفيض عشقاً، ويمد يده ليحتضن كفها الصغير، يضم أصابعها بدفء داخل قبضته القوية، بينما استسلمت حور لراحة اللحظة وأسندت رأسها برقة على كتفه العريض. ولم يكن حسن يبخل عليها؛ إذ كان ينحني بين دقيقة وأخرى ليطبع قبلات حانية متتالية على رأسها، يستنشق معها عبير شعرها الياسميني الأخّاذ الذي كان يتسلل إلى أعماقه لينعش رئتيه ويشعل ولهه. كان يستمع إليها بكل جوارحه وهي تقص عليه أحلامها الطفولية، وآمالها الوردية التي بدأت تنسجها بجواره، وتحدثه بنبرة عذبة عن كم تغيرت حياتها وانقلبت رأساً على عقب منذ أن دخل عالمها وانتشلها من جفائه. في تلك اللحظة، شعر حسن برغبة مجنونة تطغى عليه؛ ود لو يوقف السيارة في منت

  • أسوار العشق    58

    58 جلست سمر على الأريكة المخملية، وقد ربعت قدميها بملل مرتدية منامتها الساتان؛ كانت تطعم ابنها الصغير بآلية وجفاء دون أن تنطق بكلمة واحدة، وعقلها شارد في ملكوت آخر. على المقعد المقابل لهما، كان زوجها مصطفى يجلس بنظرات ميتة، منشغلاً بلف أصابعه المرتعشة حول سجائر الشؤم المحشوة بتلك السموم المخدرة. راحت سمر تختلس إليه النظرات بين الحين والآخر، وفي صدرها غليان؛ قارنت بينه وبين حسن، زوج حور؛ ذلك الشاب اليافع الذي يشع حيوية، ونضارة، ورجولة طاغية تحسدها عليها النساء. تذكرت بـمرارة نظرات العشق والهيام الحارقة التي كان يخص بها حور بالأمس، بالرغم من كل محاولاتها المستميتة وحركاتها المتصنعة للفت أنظاره وإثارة إعجابه، لكنه لم يلتفت إليها وثبت بصره على حوريته وكأن سمر لم تكن موجودة اصلاً. لم يتوقف عقلها المتمرد عند حسن؛ بل استرجعت ذاكرتها الماكرة تلك اللحظة التي كانت تهبط فيها درج البناية، حين اصطدمت بـشقيق حسن، عصام.. تذكرت بنيته الجسدية القوية، عضلاته المفتولة البارزة، ونظرته الحادة الجامدة التي زلزلت كيانها كأنثى. أعادت بصرها بغم وندم نحو زوجها القابع أمامها، الغارق في مغيبات المخدرات، والذي

  • أسوار العشق    56

    56 استيقظت سلمى على الصوت الملحّ لرنين هاتفها المحمول. راحت تتحسس الفراش بكسل وهي ما زالت معلقة في المنطقة الضبابية بين الحلم واليقظة، وقبل أن تفتح عينيها بالكامل، التقطت الهاتف لتراه يضيء بالاسم الذي اعتادت عليه طوال العام الماضي مخزناً بكلمة حبيبي. ولأن عقها الباطن ما زال تحت تأثير خدر النوم الكثيف، فتحت الخط وضمته إلى أذنها وهي تمتم بصوت مبحوح وناعم - يوسف... صباح الخير يا حبيبي... لم يأتِها الرد الحنون الذي انتظرته، بل باغتها صوت شادي الغاضب كالصاعقة وهو يزأر بنبرة حارقة جافة قطعت حبل نومها - يوسف؟ إنتي لسه بتنطقي اسم الزفت ده على لسانك أول ما تصحي؟ لسه فاكراه يا سلمى؟ انخلع قلبها وفزعت على الفور، ونهضت تعتدل في جلستها وهي تحاول لمشتات عقلها المذعور. تطلعت إلى شاشة الهاتف لتدرك فداحة خطئها؛ لقد نسيت تماماً أنها بالأمس فقط نقلت ملكية هذا اللقب لشادي! فكيف لها أن تنسى يوسف بين عشية وضحاها بعد كل تلك العشرة والأيام؟ ولكن يبدو أن تلك هي طريقتها وطباعها التي جُبلت عليها. سارعت بالاعتذار بنبرة متلعثمة يملؤها الارتباك - شادي.. أنا آسفة جداً، والله العظيم مأخدتش بالي.. أنا لسه صا

  • أسوار العشق    55

    55 ما مضى من عمري بدونكِ لا أستطيع احتسابه، فأنتِ وحدكِ العمر ونبض الفؤاد.. وكيف لي أن أتخطى مرارة الماضي دونكِ، وقد أقسم نبضي ألا يخفق إلا لكِ، يا ملكةً تربعَت فوق عرش هذا القلب وعاثت فيه عشقاً؟ استيقظ حسن في الصباح الباكر قبل أن تتسلل خيوط الشمس بالكامل عبر ستائر الغرفة، ولم يتحرك إنشاً واحداً؛ بل ظل مكانه يتطلع بنظرات حانية تقطر شغفاً إلى تلك الغافية بسلام بين أحضانه. شرد فكره قليلاً وهو يتأمل تقاطيع وجهها المستكين؛ كم هو عجيب أمر هذه الصغيرة! ففي هذه المدة القصيرة جداً، استطاعت ببراءتها الفطرية، ونقائها العذب، وعفويتها اللامعة أن تمحو من قاع روحه كل الندوب والآلام التي خلفها ماضيه القاسي معها. أرجع حسن رأسه إلى الخلف مستنداً به على الوسادة، ثم وضع ذراعه خلف رأسه، وسافر بعقله في غياهب ماضٍ قديم نال من كبريائه ورجولته الكثير، وجعله لسنوات طويلاً يعيش خلف جدار من البرود والشك. لكن الخوف الحقيقي الذي بدأ يزحف إلى صدره الآن لم يكن من الماضي، بل من الحاضر؛ إنه يخشى بـصدق أن تُفسد عائلته بأنانيتهم وطمعهم الذي بات مكشوفاً هذه السعادة الطاهرة التي انتزعها من مخالب الدنيا بالنهاية. انع

  • أسوار العشق    البارت الأول

    للمرة الأولى يحتار القلم من أين يبدأ سرد هذه القصة، لينتهي به المطاف بالعودة إلى البداية؛ لنحيا معًا معاناة تلك الحورية منذ نعومة أظافرها. سأروي لكم سنواتها الأولى سريعًا، لتعيشوا معي حكايتها.. مع تمنياتي لكم بقراءة ممتعة.في حي السيدة زينب العتيق، حيث تفوح رائحة التاريخ من الأزقة والشوارع الشعبية،

  • أسوار العشق    البارت العاشر

    عادت سمر إلى المنزل والنشوة تكاد تطير بها؛ كانت تتحسس حزمة النقود القابعة في جيبها بعشق أعمى، فهي امرأة تعبد المال وتجثو تحت قدميه، بغض النظر عن مصدره وعما إذا كان ثمنًا للشرف والفضيلة. ولأن شهوة المال لا تشبع، شعرت بجوع عارم لمزيد من الأوراق النقدية؛ فأخذت تذرع الغرفة خطيئة ذهابًا وإيابًا، وعزمت

  • أسوار العشق    البارت التاسع

    اليوم هو الموعد الموعود، اللقاء المرتقب الذي خططت له مع باسم. جلست سمر أمام مرآتها تضع لمساتها الأخيرة، وتفكر بخبث في حيلة تضمن لها الخروج بحرية دون أن يفسد الصغير آدم مخططها، ولم تجد مفرًا سوى إلقائه في حجر حور. قامت سمر وتمايلت بجسدها بخطى واثقة ناعمة، ثم طرقت باب غرفة حور طرقات خفيفة متصنعة ال

  • أسوار العشق    البارت الثامن

    دلف عادل إلى الشقة بخطوات مثقلة بالهموم بعد يوم عمل شاق، ولم يكد يضع مفاتيحه حتى توجه فورًا نحو غرفة ابنته حور ليطمئن عليها. طرَق الباب برفق مستدعيًا إياها، ولكن لم يأته أي رد. انقبض صدره فجأة وتسلل الرعب إلى أوصاله؛ فأعاد الطرق بإلحاح وقلق ينبض في نبرات صوته وهو يناديها - حور.. أنتِ جوه يا بنتي؟

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status