登入عند حور..
عادت حور بخطى متهالكة وهي تشعر بتعبٍ مبرح ووهن شديد يسري في أطرافها؛ كان كل ما تتمناه في تلك اللحظة هو أن تدلف إلى المطبخ بهدوء، وتصنع لنفسها شطيرة بسيطة مع كوب من الشاي الدافئ يسند طولها، لتخلد بعدها مباشرة إلى النوم لعيدًا عن هذا العالم الصاخب. لكن آمالها تبخرت في الهواء ما إن دفعت باب الشقة ودلفت إلى الداخل؛ إذ تسمرت مكانها برعب حين وجدت شقيقها مصطفى يقف في منتصف الصالة، يتطلع إليها بنظرات جاحظة ومتوعدة تحمل كل معاني الشر. خطى نحوها بخطوات ثقيلة وهو يزجرها بصوته الجهوري الذي زلزل أركان المكان، بينما كانت أنفاسه تتصاعد لتفوح منها رائحة الحشيش الكريهة والنفاذة. تكره حور تلك الرائحة جداً وتصيبها بالغثيان، لأنها تعلم علم اليقين أن شقيقها عندما تفوح منه هذه الرائحة لا يكون في كامل وعيه، ويتحول إلى وحش كاسر لا يرحم. صرخ في وجهها بقسوة - كنتِ فين لحد دلوقتي يا هانم؟ وسارحة في الشوارع من النجمة ومن غير إذن مين؟ لم يكن لدى حور طاقة للمجادلة أو العراك في هذه الحالة من الإعياء؛ لذا فضلت الصمت والانسحاب، وردت بنبرة هادئة وخافتة وهي تحاول تجاوزه - أنا مكنتش سارحة يا مصطفى.. أنا كنت بجيب نتيجتي، وبابا يعلم بكل خطوة وموافق، وسع من فضلك عشان تعبانة. التفتت لتوجه خطوتها نحو غرفتها، ولكن قبل أن تصل إلى عتبة الباب، كان جنون مصطفى قد بلغ ذروته بتأثير التحريض الخبيث لزوجته وتأثير المغيبات التي تعاطاها. انقض عليها كالمجنون وإنهال عليها ضرباً مبرحاً بلكمات قاسية على ظهرها وكتفيها، وهو يسبها ويصفها بأقذر الألفاظ وأبشع الشتائم التي تخدش حياءها البريء. وفي تلك الأثناء، انفتح باب الغرفة المقابلة لتطل منه سمر؛ وقفت تستند إلى الجدار بارتياح، وعلى وجهها لمتعت ابتسامة شماتة ونصر تشاهد من خلالها حور وهي تُهان وتُضرب بسببها. لم تعد حور المسكينة تمتلك القدرة أو الطاقة للدفاع عن نفسها أو حتى الصراخ؛ تيبس جسدها واستسلمت للضربات وهي تتطلع إليه بعينين حزينتين مكسورتين، مليئتين بعتاب صامت لأخ من المفترض أن يكون سندها وحاميها. تركته بهدوء غريب وصمت مهيب بعد أن أفرغ شحنة غضبه وجبروته فيها، وتحاملت على أوجاعها ودلفت إلى غرفتها الصغيرة. أغلقت الباب خلفها بالمزلاج من الداخل لتنعزل عن جحيمهم، ودون أن تبدل ملابسها أو تداوي كدماتها، ارتمت على فراشها المتواضع، ولم تمر سوى دقائق معدودة حتى استسلمت لنوم عميق وثقيل أشبه بالغيبوبة.. نومٍ هروبي اختارت أن تدفن فيه وعيها لعلها تجد في الأحلام هدنة ورحمة من كل ما يحيط بها من ظلم وقسوة، بعد أن أصبحت طاقتها مستنفذة تماماً وروقها شاحبًا كأوراق الخريف. ✨✨✨✨✨✨✨✨ عند حسن.. فرغ الجميع أخيرًا من تناول تلك المائدة الدسمة الشهية التي أعدتها الحاجة زينب بحب وبركة احتفاءً بعودة بكرها من غيابات الغربة، وحلّت سكينة الشبع في الأرجاء. دلفَت إيناس إلى المطبخ لإعداد أكواب الشاي الثقيل الذي يعدل المزاج بعد الأكل الدسم، في حين استغلت زينب الفرصة واقتربت بـمقعدها لتجلس بجوار حسن مباشرة. ولم تضيع وقتًا؛ إذ شرعت على الفور في سرد قائمة من أسماء بنات العائلات والمعارف في الحي، وبدأت تعدد مزايا كل واحدة منهن بحماس أموي لا يهدأ، لكن الصدمة كانت في ردود حسن؛ فمع كل اسم تطرحه، كان يبدي اعتراضًا فوريًا، متعللًا بوجود صفة أو طبع لا يرغبه ولا يتماشى مع طبيعته الهادئة. نفد صبر زينب فجأة، وصرخت في وجهه بنبرة حانقة مستسلمة - جرى إيه يا حسن؟ هو مفيش ولا واحدة عاجباك في بنات الحتة؟ أنت هتتشرط عليا يا ابن بطني؟ بجوارهم، كانت تجلس جنة ترتشف بقايا عصيرها وتستمع بفضول وشقاوة إلى ذلك الجدال العائلي، محاولةً المشاركة في إيجاد حل؛ فاختارت أن تقترح هي الأخرى بعض أسماء زميلاتها، لكن حسن كان يقابل كل اسم بحجة معينة ورفض قاطع، وكأنه يضع حصنًا منيعًا حول قلبه. تطلعت إليه زينب بنظرة حادة، ووقفت تلوح بيدها قائلة باتهام مباشر لمس جرحًا قديمًا - أنا لسه شاكة إن قلبك لسه مشغول باللي كانت السبب في سفرك وغيبتك السبع سنين دول يا حسن.... لسه منستهاش يا ابني؟ انمحت الابتسامة عن وجه حسن تمامًا، وتبدلت ملامحه إلى الجدية والصرامة الشديدة، ونفى الفكرة بسرعة ونبرة حاسمة يكسوها الرجاء - أرجوكي يا أمي.. بلاش تفتحي السيرة دي معايا تاني أبدًا. الموضوع ده بقى ماضي وقفلت صفحته ونسيته من زمان، والبنت دلوقتي بقت ست متجوزة وأم، وميصحش ولا يجوز لينا شرعًا ولا أصولًا إننا نخوض في سيرتها مهما كان اللي حصل زمان. خلاص، كل واحد راح لحاله. وبينما كان الحديث دائرًا والجميع غارق في حيرته، لمعت في ذهن جنة فجأة صورة صديقتها الصدوقة حور. تذكرت ملامحها الطاغية بالجمال الذي يصل حد الفتنة، وتذكرت رقتها، وعفتها، وأدبها الجم الذي يشهد به القاصي والداني في الحي، ورغم أنها فكرت لوهلة في وجود فارق عمر كبير بين حور وحسن يصل لست سنوات كاملة، إلا أن فكرة أخرى قفزت إلى رأسها وجعلت قلبها ينبض بالأمل؛ إن تمت هذه الزيجة، فستكون بمثابة طوق النجاة لحور، وستتخلص أخيرًا من جحيم حياتها البائسة، وتنعم بالدلال والراحة بعيدًا عن قسوة شقيقها وجبروت زوجته سمر. لم تدرِ جنة كيف أفلتت الكلمات من بين شفتيها فجأة، لتقول بصوت مرتفع جذب انتباه الجميع - طب إيه رأيكم بقى إن أنا عندي ليكم العروسة اللقطة؟ جميلة جمال هياخد عقلك، وعلي قدر عالي جداً من الأخلاق والأدب اللي مفيش منه اليومين دول انتبه الجميع إليها عقب تلك الكلمات المباغتة، والتدفت نحوها زينب باهتمام بالـغ، متسائلة بلهفة - مين دي يا جنة؟ قولي علطول ردت جنة بثقة - حور.....صاحبتى وأختي في الدراسة، والمنطقة كلها بتحلف بأخلاقها وطيبتها. تطلع إليها حسن بنظرة متهكمة، ولوى فمه بابتسامة ساخرة قائلاً * حور؟ صديقتك في الدراسة يعني لسه مخلصة دبلوم النهاردة يا جنة؟ ده لعب عيال، أنتِ مش شايفة فرق السنين اللي بيني وبينها قد إيه؟ أنا عندي تلاتين سنة وهي لسه يدوب بتفتح عينيها على الدنيا لكن والدته نحته جانباً بـحزم، وأمسكت بكتف جنة قائلة بإصرار وعينين تلمعان بالأمل - سيبك منه يا جنة.. رتبيلي ميعاد مع البنت دي وأهلها في أقرب وقت ونروح نشوفها. وقبل أن ينطق حسن بكلمة اعتراض واحدة، التفتت إليه زينب وقالت بنبرة آمرة لا تقبل النقاش - الطريقة اللي بتفكر بيها دي غلط يا حسن، وبترفض البنات من غير ما تقابلهم ولا تشوفهم. الجواز ده قبول .. لازم تنزل وتشوف البنت وتتكلم معاها، وبعدها احكم وقرر محدش هيغصب عليك أمام إصرار والدته وجديتها الطاغية، لم يجد حسن مفرًا سوى الإذعان؛ فتنهد بعمق ورضخ بالنهاية لكلامها هازًا رأسه بالموافقة الصامتة. في هذه الأثناء، كانت إيناس قد خرجت بصينية الشاي، وكانت تتابع الحوار بنظرات خفية تحمل الكثير من التهكم والحقد الدفين؛ حدثت نفسها باحتقار وغل في أعماقها.... - سيد حسن هيتجوز ويتهنى، وأنا اتحرم من خيره وفلوس الغربة دي كلها عشان تروح كاملة مكملة لنصيبه الجديد وزوجته المصونة وضعت الصينية وتصنعت الابتسام، ثم وقفت فجأة تخبرهم بنبرة قلقة - أنا لازم أمشي حالا يا جماعة وعن إذنكم، حماتي زمانها قالبة الدنيا ومستنياني، مش عاوزة مشاكل حاول حسن استبقاءها ودعاها بحنو - خليكي قاعدة معانا النهاردة يا إيناس، ده أنا لسه مفتحتش الشنط ولا شوفتوا الهدايا اللي جايبها اعتذرت بخوف حقيقي من تسلط حماتها - معلش يا حسن، الجايات أكتر.. أنت عارف طبع حماتي ومبترحمش. تطوع شقيقها محمد لتوصيلها حتى باب منزلها لحمايتها. وقبل أن تغادر، جذبها حسن نحو صدره واحتضنها بحنان جارف، ثم أخرج حزمة من النقود وضعها في يدها بحنو، وقبل رأسها قائلاً - دي حاجة بسيطة ليكي وللأولاد.. وعاوزك تيجي أنتِ وجوزك والأولاد في أقرب وقت، أنا وحشوني جداً ونفسي أشوفهم. أومأت له إيناس بالموافقة المصطنعة وعلى وجهها ابتسامة باهتة، ثم حملت حقيبة الطعام الثقيلة التي أعدتها لها والدتها الحاجة زينب ببركة البيت ومضت خارجة. وما إن أغلقت باب الشقة خلفها وتوجهت نحو السلم، حتى تبدلت ملامحها تمامًا وتطلعت إلى المنزل بنظرات يملؤها الحقد والغل؛ كانت تأكل نفسها حسرة لأن هناك زوجة جديدة ستأتي لتنعم بهذا الخير والدلال الهانئ، بينما هي تعاني الأمرين يوميًا من قسوة حماتها وجبروت زوجها وضيق حالها. عقب انصراف إيناس، شعر حسن بأن جسده لم يعد يحمل تعب السفر الطويل؛ فاستأذن من والدته وجنة للخلود إلى الراحة والنوم في غرفته القديمة. وبالطبع، لم يخلُ الموقف من كرمه الحاتمي؛ إذ كان قد وزع على والدته وإخوته كمية وافرة من النقود والخيرات التي أحضرها معه، مما أشرح صدورهم جميعًا وملأ البيت بهجة وسرورًا بعد طول غياب.دلف عادل إلى الشقة بخطوات مثقلة بالهموم بعد يوم عمل شاق، ولم يكد يضع مفاتيحه حتى توجه فورًا نحو غرفة ابنته حور ليطمئن عليها. طرَق الباب برفق مستدعيًا إياها، ولكن لم يأته أي رد. انقبض صدره فجأة وتسلل الرعب إلى أوصاله؛ فأعاد الطرق بإلحاح وقلق ينبض في نبرات صوته وهو يناديها - حور.. أنتِ جوه يا بنتي؟ حور ردي عليا. بعد لحظات بدت له كالساعات، تحرك المزلاج ببطء وانفتح الباب لتطل منه حور. وما إن دلف عادل إلى عتمة الغرفة ووقع بصره عليها، حتى تجمدت الدماء في عروقه؛ كانت ملامحها شاحبة، وثوبها مبعثرًا، وحين رفعت يدها لتزيح خصلات شعرها المتمرصع على وجهها، انقشعت الأكمام لتكشف عن علامات حمراء وزرقاء داكنة كست بشرتها الناعمة، ناهيك عن الكدمات التي بدأت ترتسم على كتفها. لم يكن بحاجة لسؤالها؛ فالمشهد نطق بكل تفاصيله، وعلم على الفور أن حوريته قد تلقت وجبة جديدة من العنف المتوحش والغل على يد ذلك الجزار المسمى شقيقها. اندفع عادل نحوها وجذبها إلى صدره، وضمرها بين أحضانه بقوة وجسده ينتفض غضبًا وحسرة. انهمرت دموعه على شعرها وهو يهمس بنبرة مكسورة ومتهدجة - سامحيني يا بنتي.. حقك عليا يا نور عيني.. أنا ال
عند حور.. عادت حور بخطى متهالكة وهي تشعر بتعبٍ مبرح ووهن شديد يسري في أطرافها؛ كان كل ما تتمناه في تلك اللحظة هو أن تدلف إلى المطبخ بهدوء، وتصنع لنفسها شطيرة بسيطة مع كوب من الشاي الدافئ يسند طولها، لتخلد بعدها مباشرة إلى النوم لعيدًا عن هذا العالم الصاخب. لكن آمالها تبخرت في الهواء ما إن دفعت باب الشقة ودلفت إلى الداخل؛ إذ تسمرت مكانها برعب حين وجدت شقيقها مصطفى يقف في منتصف الصالة، يتطلع إليها بنظرات جاحظة ومتوعدة تحمل كل معاني الشر. خطى نحوها بخطوات ثقيلة وهو يزجرها بصوته الجهوري الذي زلزل أركان المكان، بينما كانت أنفاسه تتصاعد لتفوح منها رائحة الحشيش الكريهة والنفاذة. تكره حور تلك الرائحة جداً وتصيبها بالغثيان، لأنها تعلم علم اليقين أن شقيقها عندما تفوح منه هذه الرائحة لا يكون في كامل وعيه، ويتحول إلى وحش كاسر لا يرحم. صرخ في وجهها بقسوة - كنتِ فين لحد دلوقتي يا هانم؟ وسارحة في الشوارع من النجمة ومن غير إذن مين؟ لم يكن لدى حور طاقة للمجادلة أو العراك في هذه الحالة من الإعياء؛ لذا فضلت الصمت والانسحاب، وردت بنبرة هادئة وخافتة وهي تحاول تجاوزه - أنا مكنتش سارحة يا مصطفى.. أنا
عند حسن..كان حسن يتوسط مائدة الطعام، تحيط به هالة من دفء العائلة المفتقد؛ فعن يمينه شقيقه الأصغر عصام، وعن يساره شقيقه محمد، وبجوارهما شقيقتهم الوحيدة إيناس التي وصلت قبل قليل، وعلى وجهها علامات الشوق الطاغي لشقيقها المغترب.كانت مائدة الطعام عامرة بما لذ وطاب؛ أصناف شتى من المحاشي، وصواني اللحوم المحمرة، والدجاج المتبل، والحمام المحشو بالفريك الذي تفوح رائحته الشهية لتملاً أركان الشقة. تطلع حسن إلى المائدة بذهول، ثم التفت نحو المطبخ حيث تقف والدته وضج بضحكة دافئة من قلبه قائلًا بمرح- إيه كل ده يا أمي؟ دي مش سفرة استقبال.. دي ما شاء الله بقت مائدة الرحمن من كتر الخير والأصناف اللي تفتح النفس.... احنا مكناش عايشين بقىمال عليه عصام، وضربه برفق على كتفه قائلًا بابتسامة- اضحك اضحك يا عم.. والنعمة أمك واقفة على رجليها في المطبخ بتجهز في الأكلات دي من يومين كاملين، ومكنتش راضية تخلي حد فينا يمد إيده عشان تعملك كل حاجة بنفسها.في تلك اللحظة، خرجت السيدة زينب من المطبخ حامطة آخر الأطباق، ووضعتها على المائدة ثم تسمرت مكانها. تطلعت إلى وجه حسن بنظرات طويلة حائرة، كأنها تحاول أن تشبع عينيه
بالرغم من غصّة الظلم التي كانت تسكن جوف حور، ودموعها التي تزرفها يوميًا في خلوتها على حالها وأحلامها الموؤودة، إلا أنها نفضت كل ذلك جانبًا في لمح البصر. تلاشت ملامح العتاب من عينيها، وأمسكت بيد والدها تضغط عليها برفق منفيةً كلامه- متقولش كده يا بابا، أنت مقصرتش معايا في حاجة خالص...... الحمد لله على كل حال.تابعت بنبرة هادئة حملت في طياتها حزنًا شفيفًا، لكنها نبعت من اقتناع تام ورضا حقيقي بقضاء الله- أنا راضية يا بابا بكل اللي ربنا كاتبهولي، ومفيش حاجة بتحصل من غير حكمة، يمكن الخير ليا هنا في ده وإحنا منعرفش.. المهم عندي تفضل أنت راضي عني وبصحة وخير.كانت حور بتلك الكلمات لا تطمئن والدها فحسب، بل كانت كمن يطبطب برفق على قلبه المثقل بالجراح، وتدعوه للهدوء وهدنة قصيرة مع تأنيب الضمير.دمعت عينا عادل ورفع يده بالدعاء لها، وصوته يرتجف- ربنا يرضى عنك ويديكي على قد صبِرِك يا حور.. أنتِ نعم الابنة البارة، ربنا يجبر بخاطرك يا بنتي.ساد الصمت بينهما لثوانٍ، غرق فيها عادل في بئر ذكرياته الأليمة؛ تذكر خطأه الفادح في الماضي عندما تزوج من تلك السيدة (والدة مصطفى) التي حطمت حياته ونثرت الأشوا
تسارع الأحداث.. وتدور عجلة الزمن بقطار العمر لتمر ثلاث سنوات كاملة، تبدلت فيها النفوس وتغيرت معها ملامح الحياة في ذلك البيت القديم. أُحيل عادل إلى المعاش، فلم يعد جسده النحيل يقوى على مجاراة شقاء السنين، لكنه لم يطق البقاء في المنزل؛ كان يهرب من جدرانه هربًا من النظرات الخبيثة لزوجة ابنه اللعوب، فخرج يبحث عن أي عمل بسيط، ليس لقمة للعيش فحسب، بل حماية لنفسه ولبيته من أن يجمعه سقف واحد مع سمر بمفردهما. أما سمر، فقد أنجبت طفلاً أسمته آدم، جاء نسخة مصغرة من أبيه في الملامح، لكن قدوم الطفل لم يغير من طباعها القذرة شيئًا، ولم يثنها عن أفعالها المشبوهة. كان يسكنها حقد أسود وغيرة نهشت قلبها من حور ومن جمالها الفتان الذي يزداد نضجًا وبهاءً بمرور الأيام. كانت سمر تتلذذ بافتعال المشاكل وتلفيق الأكاذيب لحور، محرضة مصطفى عليها، ولا تهدأ ولا يستقر لها بال إلا عندما ترى يد مصطفى الغليظة تهوي على وجه أخته، وعندما تبصر دموع الحورية تتساقط كاللؤلؤ، لتشق علامات الحزن طريقها في ملامحها البريئة. في المقابل، تحول مصطفى إلى وحش كاسر؛ صار أكثر عنفًا وقسوة مع والده المسن وأخته المسكينة، بينما كان ينقلب أما
انتهى مصطفى من ساعات عمله الشاقة في الورشة، والضيق يأكل صدره طيلة اليوم. كان يغلي من الداخل؛ ففكرة خسارة سمر وفراقها بالنسبة إليه بمثابة طعنة قاتلة لا يقوى على احتمالها. لقد كان يعشقها بجنون، ولا يتخيل حياته بدونها؛ فهي الوحيدة كما كان يدعي ويوهم نفسه التي وجد معها الحنان الذي طالما افتقده في حياته القاسية.نعم، لقد عاش مصطفى طفولة مشوهة جافة خالية من عطف الأمومة؛ إذ نشأ ضحية لإنفصال والديه. انتقل بعدها ليعيش في كنف جدته لأبيه، التي لم تكن تملك الطاقة لتربيته، فكانت تنهره بعنف دائمًا نظرًا لشقاوته المفرطة وكبر سنها، ولم يكن ينتهي توبيخها له إلا بسبّ والدته وتقريعها، تلك الأم التي تخلت عنه وهو طفل صغير، وتركته لأبيه من أجل أن تتزوج برجل آخر وتبدأ حياتها بعيدًا عنه.زفر مصطفى بعنف وضيق جرف معه ذكرياته الأليمة، وضرب جدار الورشة بقبضة يده ضربة قوية كادت تدمي أصابعه. شعر بكتلة من الغضب تعتصر قلبه، لكنها تحولت في لحظة إلى إصرار أعمى؛ لقد عزم أمره على التمسك بسمر مهما كلفه الأمر، ولن يسمح لأحد بأن ينتزعها منه.توجه إلى المكان المحدد لتلاقيهما اليومي ووقف ينتظرها، وما هي إلا دقائق حتى أقبلت







