مشاركة

البارت الثامن

مؤلف: Faten Aly
last update تاريخ النشر: 2026-06-17 12:33:44

دلف عادل إلى الشقة بخطوات مثقلة بالهموم بعد يوم عمل شاق، ولم يكد يضع مفاتيحه حتى توجه فورًا نحو غرفة ابنته حور ليطمئن عليها. طرَق الباب برفق مستدعيًا إياها، ولكن لم يأته أي رد. انقبض صدره فجأة وتسلل الرعب إلى أوصاله؛ فأعاد الطرق بإلحاح وقلق ينبض في نبرات صوته وهو يناديها

- حور.. أنتِ جوه يا بنتي؟ حور ردي عليا.

بعد لحظات بدت له كالساعات، تحرك المزلاج ببطء وانفتح الباب لتطل منه حور. وما إن دلف عادل إلى عتمة الغرفة ووقع بصره عليها، حتى تجمدت الدماء في عروقه؛ كانت ملامحها شاحبة، وثوبها مبعثرًا، وحين رفعت يدها لتزيح خصلات شعرها المتمرصع على وجهها، انقشعت الأكمام لتكشف عن علامات حمراء وزرقاء داكنة كست بشرتها الناعمة، ناهيك عن الكدمات التي بدأت ترتسم على كتفها.

لم يكن بحاجة لسؤالها؛ فالمشهد نطق بكل تفاصيله، وعلم على الفور أن حوريته قد تلقت وجبة جديدة من العنف المتوحش والغل على يد ذلك الجزار المسمى شقيقها.

اندفع عادل نحوها وجذبها إلى صدره، وضمرها بين أحضانه بقوة وجسده ينتفض غضبًا وحسرة. انهمرت دموعه على شعرها وهو يهمس بنبرة مكسورة ومتهدجة

- سامحيني يا بنتي.. حقك عليا يا نور عيني.. أنا السبب، أنا مش قادر أحميكي منه.

لم يكن يعلم عادل أتكون هذه المرة هي الألف، أم الألفين، التي يعتذر فيها لحور عن دناءة ذلك الحقير وجبروته؛ شعر في تلك اللحظة بقمة العجز والقلة أمام هذا الابن العاق الذي نزع الله من قلبه الرحمة، ولم يعد يقيم لوالده أو لبيته أي وزن.

أما حور، فكانت في حالة صدمة وذهول؛ لقد استُنفِذت طاقتها الروحية والجسدية تماماً حتى جفت مآقيها، ولم تعد تقوى حتى على البكاء أو إطلاق صرخة ألم واحدة. استسلمت لحضن والدها كجسد بلا روح، ترتشف دفأه بصمت مطبق أخطر من أي نحيب.

حاول عادل أن يخرق هذا الحصار النفسي الذي يطوق ابنته؛ فتمالك نفسه ومسح دموعه، ثم مد يده نحو الحقيبة البلاستيكية التي كان يحملها في يده ودخل بها، وقدمها إليها بابتسامة حزينة يحاول بها مداواة جراحها، قائلاً

- شوفى يا حور.. أنا جبتلك إيه معايا؟ علبة بسبوسة من اللي بتحبيها، قولت لازم نحتفل بنجاحك وتفوقك يا قلب أبوكي.

تطلعت حور إلى الحقيبة، وأجبرت شفتيها على رسم ابتسامة باهتة تقديراً لحنانه الذي يرمم انكسارها. تناولت منه الحقيبة برفق، ثم انحنت وقبلت يده وشكرته بنعومة: "ربنا يخليك ليا يا بابا وميحرمنيش منك أبدًا". وتابعت وهي تفتح العلبة محاولةً تلطيف الأجواء الطاردة للحزن

- بس أنا مش هاكل لوحدي.. لازم ناكلها سوا منها

لبى عادل طلبها على الفور طمعاً في رؤيتها تتناول أي شيء يسد جوعها؛ فجلس بجوارها على طرف الفراش المتواضع، وأخذا يتناولان الحلوى في صمت دافئ يلمم جراح الصباح. وفجأة، قطعت حور الصمت ونظرت في عيني والدها بجدية وإصرار، لتباغته بطلب لم يتوقعه في هذا التوقيت

- بابا.. أنا عاوزه أنزل أشتغل، عاوزه أدور على شغل وأشتغل من الأسبوع الجاي.

صمت عادل لوهلة، وتأمل وجهها الصغير؛ ولم يكن غبيًا ليفوت مغزى هذا الطلب المفاجئ. كان يعلم علم اليقين السبب الحقيقي والدوافع التي تقف وراء رغبتها في العمل فور تخرجها؛ فهي لا تبحث عن المال، بل تبحث عن مفر، وتريد الهروب بكل قوتها حتى لا تمضي وقتًا طويلاً داخل جدران هذا المنزل بصحبة شقيقها المتجبر وزوجته الأفعى التي تبخ سمها في غيابه.

تنهد عادل بأسى، ووضع يده على كتفها يربت عليه بحنو، محاولاً مماطلتها ليوفر لها بعض الحماية والراحة

- يا بنتي أنتِ لسه مخلصة امتحانات وتعبانة، خدي مهلة وريحي جسمك وأعصابك كام أسبوع من الدراسة والشقا، وبعدين يحلها الحلال ونشوف موضوع الشغل ده سوا.

نظرت إليه حور بنظرة رجاء صامتة التوت لها نبرات صوتها، وكأنها ترجوه ألا يتركها فريسة لسمر ومصطفى، بانتظار ما ستسفر عنه الأيام القادمة من حلول.

✨✨✨✨✨✨✨✨✨

وتمر أيام الأسبوع التالي على أبطالنا رتيبة وثقيلة، حاملة في طياتها تغيرات صامتة وتحركات خفية تحت الرماد.

طيلة ذلك الأسبوع، كانت حور تعيش حالة غريبة من الانعزال؛ إذ تسلل إلى أعماقها وهن شديد، لكنه لم يكن وهنًا جسديًا يمكن مداواته بالعقاقير، بل كان وهنًا نفسيًّا من نوع خاص؛ كأن روحها انطفأت فجأة. أحكمت غلق باب غرفتها على نفسها، وصارت لا تخرج منها إلا نادرًا لشرب الماء أو قضاء الحاجة. تحججت أمام الجميع بأنها مريضة لتتلوى من القيام بالأعمال المنزلية التي كانت تبتلع جهدها، وحتى آدم ابن أخيها الصغير الذي كانت تفرغ فيه حنانها، ابتعدت عنه تمامًا ولم تعد تقضي معه الوقت كعادتها. بدا وكأنها زهدت تلك الحياة بقسوتها وجفائها، وأعلنت هدنة صامتة مع واقع لا يرحم.

وفي الجانب المظلم، كان الشيطان يغزل خيوطه القذرة؛ إذ استغل "باسم" خروج مصطفى وسقوطه في بئر الإدمان، وتمكن من فتح خط حديث سري مع سمر. بدأت سمر تشتكي له بنبرة متباكية من مرارة الحياة وضيق ذات اليد، وحاجتها الشديدة والمستمرة للمال الذي ينفقه زوجها على المخدرات، فما كان من باسم إلا أن عرض عليها مبلغًا لا بأس به من المال، يسيل له لعابها، مقابل تحديد ميعاد يجمعهما معًا في لقاء آثم خلف الأعين؛ وافقت سمر دون تردد، لتخطو خطوتها الأولى في مستنقع الخيانة والدناءة.

أما عند حسن، فقد انقضت الأيام وهو ينشر البهجة في أركان بيته؛ حيث قام بفتح حقائبه وتوزيع الهدايا الثمينة والفاخرة على والدته وإخوته، مؤكدًا شهرته الواسعة بكرمه الحاتمي وسخائه الطاغي على عائلته التي حرم من رؤيتها لسنوات. ولم يكتفِ بذلك، بل جلس مع شقيقه الأصغر عصام، وربت على كتفه واعدًا إياه بـكرم

- شد حيلك يا عصام.. شقتك تجهيزها عليا بالكامل، وأول ما أتجوز وأستقر، هجوزك ورايا علطول مش هأخرك.

أما عن أمر زواجه هو، فقد بات الهم الأكبر الذي يؤرق مضجعه؛ كان مترددًا كثيرًا ومشتت الذهن، إذ قام طوال الأسبوع بزيارة ثلاث عائلات برفقة والدته لرؤية العرائس اللاتي رشحتهن له، لكنه في كل مرة كان يعود بخفي حنين، لا يشعر بأي قبول أو راحة نفسية تجاههن، حتى بدأ اليأس يدب في قلبه ويفكر في إغلاق هذا الملف. وفي نهاية الأسبوع، وبينما هو جالس مع والدته، تذكر فجأة ذلك العرض الملح الذي قدمته جنة بشأن صديقتها، فقرر بينه وبين نفسه أن يخوض التجربة الأخيرة؛ إن شعر بالراحة أقدم، وإن لم يشعر، فسيؤجل أمر زواجه تمامًا ويلتفت لتزويج شقيقه عصام أولاً.

وفي حارة أخرى، كانت الفرحة تشق طريقها وسط الدموع؛ إذ ظهرت نتيجة الثانوية العامة، وحصلت فرح على مجموع عالٍ ومشرف، يؤهلها رسميًا لدخول كلية الطب البشري، الحلم الأكبر الذي طالما سهرت الليالي من أجل تحقيقه. طارت فرح من السعادة واحتضنتها والدتها ببكاء وزغاريد؛ لكن غصة حادة كانت تنغص عليها هذا الانتصار؛ إذ التفتت بذاكرتها نحو توأم روحها حور، واعتصر قلبها ألمًا من أجلها. كانت فرح تتألم بعمق لأن حور، التي كانت تفوقها ذكاءً وتميزًا، فقدت حلمها في أن تصبح طبيبة المستقبل، وحُرمت من الاستمتاع بأجمل أيام حياتها وجامعتها، لتضيع أحلامها هدرًا وسط جدران بيتها الموحش.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • أسوار العشق    57

    57 أنهت سما ساعات مناوبتها الطويلة، وقبل أن تغادر الغرفة المعقمة، التفتت لتلقي نظرة أخيرة على يوسف الراقد فوق فراشه الاستشفائي. في تلك اللحظة، سرى في أوصالها حدس مهني وإنساني غريب؛ شعرت بيقين يلامس قلبها بأن حديثها المتواصل معه على مدار اليوم، وتلك الكلمات الحازمة التي سكبتها في أذنه المخدرة، ستأتي بثمارها غداً، وأن هذا المستسلم لظلام الغيبوبة يوشك أن يفتح عينيه ليعود إلى دنياه. زفرت سما زفيراً حارقاً يحمل غصات الألم، وهي تستحضر في مخيلتها نظرات والدته المنهكة المكسورة وقهر شقيقه اللذين يمزقان نياط القلب خارج اللوح الزجاجي. خرجت سما من أسوار المستشفى وخطت في الشارع الممتد؛ ورغم الصخب والزحام الخانق الذي يحيط بها من كل جانب، وضجيج السيارات والبشر، إلا أنها كانت تشعر بوحدة قاتلة تعتصر روحها، كأنها تسير بمفردها في وادٍ مهجور من معالم الحياة. كانت تمضي بخطى آلية ميتة، ولم تعد تشعر بتلك التخبطات أو الأكتاف التي تصطدم بها وسط حشود المارة، فلقد تحولت في تلك اللحظات إلى مجرد جسد خاوٍ، آلة صماء تتحرك في الشوارع بلا هدف أو وجهة، هاربة من حقيقة مشاعرها. ما إن وصلت إلى بنايتها وصعدت الدرج، حتى

  • أسوار العشق    60

    60 في تلك اللحظات الممتدة بين الموت والحياة، شعر يوسف بأنه عالقٌ في جوف دوامة سوداء مرعبة، تدور به بعنفوان كاسر وهو يدور معها مستسلماً لجاذبيتها. حاول أن يقاوم، وراح يصارع التيارات الخفية التي تجذبه بقسوة نحو الأسفل، نحو القاع المظلم حيث لا ألم ولا خذلان. كانت أنفاسه في الواقع مضطربة، متلاحقة وكأن صدره يضيق بالهواء، حتى خارت قواه تماماً وبدأ جسده وروحه في الاستسلام المطلق لتلك العتمة. وفجأة، شق صمت واديه السحيق صوتٌ عذب هبط عليه من عالم بعيد، صوتٌ يحمل رنين الأمل والدفء وجاءه كأنه طوق نجاة أُلقي إليه في الدقيقة الأخيرة (قوم يا يوسف.. قوم عشان خاطر مامتك) تردد صدى تلك الكلمات في ردهات عقله الباطن، فدبت في أوصاله الخامدة قوة مفاجئة سرت كالنار في الهشيم، قوة انتزعها من غريزة الابن البار ليحارب بها تيار الدوامة. بدأ الظلام يتراجع ببطء، وانقشعت السحب السوداء قليلاً وكأنه كان في غفوة قصيرة خارج حدود الزمن. لكن العودة لم تكن سهلة؛ إذ بدأت ذكرياته المخذولة تمر أمام عينيه كشريط سينمائي حارق، يستعرض أيامه الأخيرة تفصيلاً تفصيلاً، وصولاً إلى تلك اللحظة القاسية، لحظة الخنجر المسموم حين وقفت

  • أسوار العشق    59

    59 سأعزف على أوتار قلبكِ أعظم ألحاني، فأنتِ ليَ الحياة، وأنتِ ليَ الأمل.. ليتغير تاريخ ميلادي بيوم لقائنا، وتقف الساعات حين غيابكِ، ليكفّ القلب تماماً عن الخفقان في البعد عنكِ. هكذا كانت تتدفق الخواطر والشجون في عقل حسن، وهو يقود سيارته على الطريق السريع الممتد، مستسلماً لفيضان من المشاعر الجارفة. لم يكن يركز في الطريق بقدر تركيزه مع تلك الفتنة القابعة بجواره؛ كان يتطلع إلى حور بين الحين والآخر بنظرات تفيض عشقاً، ويمد يده ليحتضن كفها الصغير، يضم أصابعها بدفء داخل قبضته القوية، بينما استسلمت حور لراحة اللحظة وأسندت رأسها برقة على كتفه العريض. ولم يكن حسن يبخل عليها؛ إذ كان ينحني بين دقيقة وأخرى ليطبع قبلات حانية متتالية على رأسها، يستنشق معها عبير شعرها الياسميني الأخّاذ الذي كان يتسلل إلى أعماقه لينعش رئتيه ويشعل ولهه. كان يستمع إليها بكل جوارحه وهي تقص عليه أحلامها الطفولية، وآمالها الوردية التي بدأت تنسجها بجواره، وتحدثه بنبرة عذبة عن كم تغيرت حياتها وانقلبت رأساً على عقب منذ أن دخل عالمها وانتشلها من جفائه. في تلك اللحظة، شعر حسن برغبة مجنونة تطغى عليه؛ ود لو يوقف السيارة في منت

  • أسوار العشق    58

    58 جلست سمر على الأريكة المخملية، وقد ربعت قدميها بملل مرتدية منامتها الساتان؛ كانت تطعم ابنها الصغير بآلية وجفاء دون أن تنطق بكلمة واحدة، وعقلها شارد في ملكوت آخر. على المقعد المقابل لهما، كان زوجها مصطفى يجلس بنظرات ميتة، منشغلاً بلف أصابعه المرتعشة حول سجائر الشؤم المحشوة بتلك السموم المخدرة. راحت سمر تختلس إليه النظرات بين الحين والآخر، وفي صدرها غليان؛ قارنت بينه وبين حسن، زوج حور؛ ذلك الشاب اليافع الذي يشع حيوية، ونضارة، ورجولة طاغية تحسدها عليها النساء. تذكرت بـمرارة نظرات العشق والهيام الحارقة التي كان يخص بها حور بالأمس، بالرغم من كل محاولاتها المستميتة وحركاتها المتصنعة للفت أنظاره وإثارة إعجابه، لكنه لم يلتفت إليها وثبت بصره على حوريته وكأن سمر لم تكن موجودة اصلاً. لم يتوقف عقلها المتمرد عند حسن؛ بل استرجعت ذاكرتها الماكرة تلك اللحظة التي كانت تهبط فيها درج البناية، حين اصطدمت بـشقيق حسن، عصام.. تذكرت بنيته الجسدية القوية، عضلاته المفتولة البارزة، ونظرته الحادة الجامدة التي زلزلت كيانها كأنثى. أعادت بصرها بغم وندم نحو زوجها القابع أمامها، الغارق في مغيبات المخدرات، والذي

  • أسوار العشق    56

    56 استيقظت سلمى على الصوت الملحّ لرنين هاتفها المحمول. راحت تتحسس الفراش بكسل وهي ما زالت معلقة في المنطقة الضبابية بين الحلم واليقظة، وقبل أن تفتح عينيها بالكامل، التقطت الهاتف لتراه يضيء بالاسم الذي اعتادت عليه طوال العام الماضي مخزناً بكلمة حبيبي. ولأن عقها الباطن ما زال تحت تأثير خدر النوم الكثيف، فتحت الخط وضمته إلى أذنها وهي تمتم بصوت مبحوح وناعم - يوسف... صباح الخير يا حبيبي... لم يأتِها الرد الحنون الذي انتظرته، بل باغتها صوت شادي الغاضب كالصاعقة وهو يزأر بنبرة حارقة جافة قطعت حبل نومها - يوسف؟ إنتي لسه بتنطقي اسم الزفت ده على لسانك أول ما تصحي؟ لسه فاكراه يا سلمى؟ انخلع قلبها وفزعت على الفور، ونهضت تعتدل في جلستها وهي تحاول لمشتات عقلها المذعور. تطلعت إلى شاشة الهاتف لتدرك فداحة خطئها؛ لقد نسيت تماماً أنها بالأمس فقط نقلت ملكية هذا اللقب لشادي! فكيف لها أن تنسى يوسف بين عشية وضحاها بعد كل تلك العشرة والأيام؟ ولكن يبدو أن تلك هي طريقتها وطباعها التي جُبلت عليها. سارعت بالاعتذار بنبرة متلعثمة يملؤها الارتباك - شادي.. أنا آسفة جداً، والله العظيم مأخدتش بالي.. أنا لسه صا

  • أسوار العشق    55

    55 ما مضى من عمري بدونكِ لا أستطيع احتسابه، فأنتِ وحدكِ العمر ونبض الفؤاد.. وكيف لي أن أتخطى مرارة الماضي دونكِ، وقد أقسم نبضي ألا يخفق إلا لكِ، يا ملكةً تربعَت فوق عرش هذا القلب وعاثت فيه عشقاً؟ استيقظ حسن في الصباح الباكر قبل أن تتسلل خيوط الشمس بالكامل عبر ستائر الغرفة، ولم يتحرك إنشاً واحداً؛ بل ظل مكانه يتطلع بنظرات حانية تقطر شغفاً إلى تلك الغافية بسلام بين أحضانه. شرد فكره قليلاً وهو يتأمل تقاطيع وجهها المستكين؛ كم هو عجيب أمر هذه الصغيرة! ففي هذه المدة القصيرة جداً، استطاعت ببراءتها الفطرية، ونقائها العذب، وعفويتها اللامعة أن تمحو من قاع روحه كل الندوب والآلام التي خلفها ماضيه القاسي معها. أرجع حسن رأسه إلى الخلف مستنداً به على الوسادة، ثم وضع ذراعه خلف رأسه، وسافر بعقله في غياهب ماضٍ قديم نال من كبريائه ورجولته الكثير، وجعله لسنوات طويلاً يعيش خلف جدار من البرود والشك. لكن الخوف الحقيقي الذي بدأ يزحف إلى صدره الآن لم يكن من الماضي، بل من الحاضر؛ إنه يخشى بـصدق أن تُفسد عائلته بأنانيتهم وطمعهم الذي بات مكشوفاً هذه السعادة الطاهرة التي انتزعها من مخالب الدنيا بالنهاية. انع

  • أسوار العشق    البارت الخامس

    بالرغم من غصّة الظلم التي كانت تسكن جوف حور، ودموعها التي تزرفها يوميًا في خلوتها على حالها وأحلامها الموؤودة، إلا أنها نفضت كل ذلك جانبًا في لمح البصر. تلاشت ملامح العتاب من عينيها، وأمسكت بيد والدها تضغط عليها برفق منفيةً كلامه- متقولش كده يا بابا، أنت مقصرتش معايا في حاجة خالص...... الحمد لله ع

  • أسوار العشق    البارت الرابع

    تسارع الأحداث.. وتدور عجلة الزمن بقطار العمر لتمر ثلاث سنوات كاملة، تبدلت فيها النفوس وتغيرت معها ملامح الحياة في ذلك البيت القديم. أُحيل عادل إلى المعاش، فلم يعد جسده النحيل يقوى على مجاراة شقاء السنين، لكنه لم يطق البقاء في المنزل؛ كان يهرب من جدرانه هربًا من النظرات الخبيثة لزوجة ابنه اللعوب، ف

  • أسوار العشق    البارت الثالث

    انتهى مصطفى من ساعات عمله الشاقة في الورشة، والضيق يأكل صدره طيلة اليوم. كان يغلي من الداخل؛ ففكرة خسارة سمر وفراقها بالنسبة إليه بمثابة طعنة قاتلة لا يقوى على احتمالها. لقد كان يعشقها بجنون، ولا يتخيل حياته بدونها؛ فهي الوحيدة كما كان يدعي ويوهم نفسه التي وجد معها الحنان الذي طالما افتقده في حيا

  • أسوار العشق    البارت الثانى

    دلفت حور من باب المدرسة بخطوات مرتجفة وقلب ينبض بالدعاء. التفتت حولها لتلقي تحية الصباح على زميلاتها اللاتي بدا عليهن التوتر، وتوجه الجميع بلهفة نحو اللوحات المعلقة لإحضار النتيجة. وفجأة، شق صمت المكان صرخة فرحة عارمة أطلقتها فرح؛ صديقة حور المقربة وتوأم روحها.ركضت فرح نحو حور وهي تلوح بيديها وتكا

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status