مشاركة

جمر الغيرة

last update تاريخ النشر: 2026-05-22 09:15:41

انغلق الباب الخشبي الثقيل لجناح "مالك" خلف خطى "ميرا" المتبخترة، ليرتطم بقلب "تولين" التي بقيت متجمدة في الرواق البارد. كانت الأجواء المحيطة بها غارقة في صمت الغسق الذي يسبق شروق الشمس، لكن بداخلها كانت البراكين تثور بعنف. نظرت إلى مقبض الباب النحاسي الذي دار ليُعلن عزلها عن عالم الرجل الذي أفنت عمرها في محراب عشقه، وشعرت وكأن جدران قصر "الراوي" الأرستقراطية الفخمة تضيق عليها لتخنق أنفاسها.

لم تكن قسوة "مالك" جديدة عليها، لكن أن يفضل وجود امرأة غريبة، متبرجة، في عقر داره وفي هذا الوقت المتأخر من الليل، وتحت مسمى "مصلحة العمل"، كان هذا بمثابة إعلان رسمي عن دهس كرامتها. تراجعت خطوات إلى الخلف، وجسدها الرقيق يرتعش تحت ثوب نومها القطني الأبيض، ثم التفتت وركضت نحو جناحها وهي تكتم صرخات قهرها بين كفيها، تاركة وراءها فراغاً موحشاً يعج برائحة المؤامرة.

داخل مكتب "مالك" الخاص في الجناح، كانت الأجواء مشحونة بنوع آخر من التوتر. كان المكتب آية في الفخامة الكلاسيكية؛ جدران مغطاة بخشب الماهوجني الداكن، رفوف تصطف عليها أمهات الكتب الاقتصادية والقانونية، وإضاءة صفراء دافئة تنبعث من مصباح عتيق فوق طاولة العمل الضخمة.

جلس "مالك" خلف مكتبه، ووضع عصاه الأبنوسية بجانبه لتستند على المسند الجلدي للمقعد. كان وجهه كلوح من الرخام الصارم، رغم قطرات العرق البارد التي كانت ما تزال تلمع على جبهته إثر الإرهاق الجسدي الذي ينهش موضع بتر ساقه. نظر إلى "ميرا" التي كانت تقف أمامه، متظاهرة بالخوف والارتباك، بينما كانت عيناها تجولان في أركان المكتب بجشع خفي.

قال "مالك" بنبرة حادة كالشفرة، وخالية من أي تأثير بأنوثتها المصنوعة:

— اقعدي يا ميرا.. واتكلمي علطول من غير مقدمات. إيه هو الخيط اللي عندك بخصوص طارق؟ وليه قيدك في الميناء ممكن يفيدنا دلوقتي والشرطة قالبة الدنيا عليه؟

جلست "ميرا" على الكرسي المخملي المقابل له، وتعمدت حني جسدها للأمام لتظهر ملامح وجهها تحت الإضاءة المباشرة، وقالت بصوت خفيض ومتهدج يحمل نبرة المسكنة والدلال:

— مالك باشا.. أنا ماليش مصلحة في الدنيا غير إني أثبتلك إن بابا ملوش ذنب في اللي حصل، طارق هو اللي استغله.. وقبل ما طارق يهرب، أنا سمعته بالصدفة وهو بيتكلم في التليفون في مكتب بابا.. كان بيتفق مع واحد من كبار المهربين في ميناء الإسكندرية اسمه "المعلم برعي".. طارق مجهز يخت سياحي مسجل باسم وهمي عشان يهرب بيه لإيطاليا مع أول ضوء للنهار النهارده.. قريبي اللي شغال في حرس الحدود هناك قالي إن في حركة غريبة في الرصيف رقم 4، وأنا جيت أبلغك فوراً عشان تلحق تصيده قبل ما يخرج بره المياه الإقليمية.

تطلع "مالك" إليها بنظرة صقرية فاحصة، نظرة كانت تخترق أقنعتها وتجعل "ميرا" تشعر بالخوف الحقيقي خلف جرأتها. كان عقل "مالك" الاقتصادي الحاد يزن كل كلمة؛ فالخيط يبدو منطقياً جداً، فطريق الهروب البحري هو الأسهل لطارق في ظل إغلاق المطارات والطرق البرية. لكن الشيء الذي لم يغب عن بال مالك هو: لِمَ تخون ميرا طارق الآن؟

التفت "مالك" وأمسك بهاتف المكتب الداخلي، وضغط على زر الاتصال السريع بـ"آسر"، وما إن جاءه الرد حتى قال بحسم:

— آسر.. اسمعني كويس. خد قوة وتحرك فوراً على ميناء الإسكندرية، الرصيف رقم 4. في يخت سياحي مسجل باسم وهمي بيتحضر لطارق الراوي بالاتفاق مع واحد اسمه المعلم برعي. اقفلوا الميناء تماماً وصيدوا الكلب ده قبل ما يتحرك.. أنا مستنيك في المكتب هنا ومش هنام لحد ما تقولي طارق في الكلبشات.

أغلق "مالك" الهاتف، ثم التفت إلى "ميرا" التي كانت تبتسم بانتصار خفي، وقال لها بجفاف تام:

— معلومتك لو طلعت صح يا ميرا.. وطلعتي مابتلعبيش بيا عشان تهربي أبوكي، أنا هضمن إن شاكر الجويلي ياخد مخفف في القضية وميتدمرش تماماً.. لكن لو حسيت للحظة إنك بتشغليني عن طريق هروبه الحقيقي.. قسماً بالله هرميكي وراه في السجن. ودلوقتي اتفضلي اطلعي بره جناحي، وروحي أوضتك.

امتقع وجه "ميرا" للحظات من قسوته وجبروته الذي لا يلين أمام أي إغراء، لكنها استعادت قناع الخنوع بسرعة، ووقفت قائلة بنعومة:

— العفو يا باشا.. أنا تحت أمرك في أي وقت، وأنا بعمل كدا عشان بحترمك وبخاف على مصلحتك. عن إذنك.

تحركت "ميرا" نحو الباب، وعندما فتحته، تفاجأت بوجود السيدة "شاهيناز هانم" تقف في الممر الخارجي كطيف يراقب الأجواء. تبادلت المرأتان نظرة سريعة مليئة بالمكر والدهاء، وكأن كل شيء يسير وفقاً للخطة الموضوعة.

في جناح "تولين".. كانت الغرفة مظلمة تماماً إلا من خيوط الفجر الزرقاء التي بدأت تتسلل عبر الستائر الشفافة. كانت "تولين" مستلقية على فراشها، واضعة وجهها في الوسادة، ودموعها تنهمر بلا توقف، تحرق وجنتيها الرقيقتين. كانت تشعر بإهانة أنثوية لا يمكن لملمتها؛ فالرجل الذي تمنت أن تكون له سنداً في عجز مادي وجسدي، استكثر عليها حتى كلمة حانية، وجعلها تشعر بأنها مجرد طفلة تافهة لا مكان لها في عالم الصراعات والمؤامرات.

انفتح باب الغرفة بهدوء، ودلفت "ليان" وهي ترتدي روباً دافئاً، وعلى وجهها علامات القلق الشديد. اقتربت من فراش أختها، وجلست بجانبها، ووضعت يدها الحانية على كتفها المهتز إثر البكاء:

— تولين.. حبيبتي.. كفاية عياط أرجوكي، قلبي بيتقطع عليكي. أنا شفت كل اللي حصل في الممر بره.. شفت البت الحرباية دي وهي خارجة بشكلها ده، وشفت جفاف مالك معاكي.

رفعت "تولين" وجهها الشاحب، وعيناها الحمراوان تلمعان بالانكسار والغيظ:

— شفتي يا ليان؟ شفتي الراجل اللي أنا ضحيت بعمري وكرامتي عشان بحبه؟ بيطردني أنا.. بيقلي الشغل والمؤامرات دي مش مكانك، وبيدخلها هي معاه الأوضة في نص الليل! البت دي وأمها حربايات وجايين يسرقوا مكاني في البيت ده، ومالك مغمى عينه بكبرياءه وغروره! هو شايفني ضعيفة وتافهة، وشايف إن البت دي قوية وبتساعده في شغله!

ضمتها "ليان" إلى صدرها بقوة، وقالت بغضب دفين:

— البت دي وأمها داخلين بأمر من شاهيناز هانم يا تولين، أنا عارفاهم كويس وعارفة ألاعيبهم. شاهيناز مش عايزة الجوازة دي تتم عشان خايفة من بابا وعايزة تسيطر على كل حاجة.. بس مالك مش غبي يا تولين، مالك قاسي وجاف وكسر قلبك، بس هو مش راجل رخيص عشان يبص لميرا.. هو بس بيمر بأزمة ونفسيته مدمرة بسبب رجله، وبيحاول يثبت للكل إنه لسه قاسي ومبيتهزش.

صرخت "تولين" بمرارة:

— وأنا ذنبي إيه؟! أنا ذنبي إيه إنه يعاقبني أنا على عجزه ووجعه؟! أنا روحت له بقلب أبيض، كنت عايزة أكون جنبه وأشيل عنه، لكن هو داس على قلبي كأنه حجر! أنا كرامتي مبقاش فيها حتة سليمة يا ليان.. أنا مش هقعد في البيت ده وأنا شايفة الحرباية دي بتلف حواليه وأمه بتبارك المهزلة دي!

قالت "ليان" بجدية وإصرار:

— مش هتمشي وتسيبي مكانك للحرباية دي يا تولين! لو مشيتي دلوقتي، يبقى انتي بتديهم الانتصار اللي هما عايزينه على طبق من دهب.. اقفي واجمدي، ووريهم إن بنت عاصم الراوي مش ضعيفة.. مالك هيفوق، ولما طارق يتمسك وكل حاجة تتكشف، هيعرف مين اللي كانت بتصونه ومين اللي كانت بتلعب بيه.

وفي غضون ساعتين، كانت خيوط الشمس الذهبية قد أشرقت بالكامل لتعلن عن بدء يوم جديد مليء بالمواجهات الدامية. لم ينَم أحد في القصر، وكانت الأجواء مشحونة كقنبلة موقوتة موشكة على الانفجار.

في الصباح الباكر، نزل "مالك" إلى بهو الاستقبال السفلي، وكان يرتدي حُلة رسمية سوداء كاملة، ملامحه جافة ومثقلة بالهموم والإنهاك، لكن خطواته على العصا كانت أشد ثباتاً وعناداً. وجد عمه "عاصم الراوي" يجلس في الصالون ومعه "ياسين"، والوجوه واجمة كالعادة.

تقدم "مالك" وجلس على المقعد المقابل لعمه دون أن يلقي تحية الصباح، وقال بنبرة جافة:

— آسر كلمني من نص ساعة.. طارق اتمسك في ميناء الإسكندرية وهو بيحاول يركب اليخت. الكلب دلوقتي في مديرية الأمن، والتحقيقات شغالة معاه ومع شاكر الجويلي.. الإمبراطورية والأسهم رجعت كلها لسيطرتنا، والمؤامرة انتهت قبل ما تبدأ.

تنفس "ياسين" الصعداء وقال براحة:

— الحمد لله يا رب.. كابوس وانتهى، وطارق هياخد جزاءه على كل اللي عمله.. على سرقته وعلى الحادثة اللي عملها فيك.

أما "عاصم الراوي"، فقد نظر إلى ابن أخيه بنظرة ثاقبة وهادئة، وقال بوقاره المعتاد:

— رجوع الأسهم والقبض على طارق خطوة ممتازة يا مالك.. لكن في موضوع تاني لازم نحسمه النهارده قبل ما نتحرك للشركة.. موضوعك أنت وتولين. البنت دخلت أوضتها من بارح وهي منهارة، والوضع ده مش عاجبني وميقبلش بيه في بيتي.

تصلبت ملامح "مالك" فجأة، وقبض على مقبض عصاه الفضي بقوة، وقال ببرود قاتل:

— أنا قولت لتولين كلامي بارح يا عمي.. أنا بمر بظروف جديدة، وحياتي وشغلي بقوا محتاجين تركيز مختلف. لو تولين شايفة إن وضعي الجديد ده مش هيناسبها، أو لو حاسة بالكسرة والشفقة وهي معايا، أنا مستعد ألغي الاتفاق والجوازة دي فوراً.. ومظنش إن في حد يقدر يجبرني على خطوة أنا مش عايزها.

في تلك اللحظة بالذات، كانت "تولين" تهبط الدرج الرخامي ببطء، وكانت ترتدي فستاناً كلاسيكياً أسوداً بسيطاً يبرز شحوب وجهها ورقتها المكسورة، لكن عينيها كانت تلمعان ببريق جديد.. بريق الكرامة التي انتفضت من بين الرماد. استمعت لكلمات "مالك" الأخيرة، ولم تتراجع هذه المرة، بل تقدمت بخطوات ثابتة ودخلت إلى الصالون ووقفت أمامهم جميعاً.

نظرت "تولين" إلى "مالك" مباشرة، نظرة لم تكن فيها دموع ولا رجاء، بل كانت نظرة حادة وقوية جعلت مالك يشعر بارتباك خفي داخله، وقالت بصوت مسموع وواضح هز أركان الغرفة:

— وأنا مش مستنية منك تعفيني أو تلغي الاتفاق يا مالك باشا.. أنا اللي جاية أقولك النهارده، وقدام بابا وقدام ياسين.. إن جوازتي منك انتهت قبل ما تبدأ! أنا مش هقبل أكون زوجة لراجل مبيعرفش يحترم كرامة شريكته، راجل كبرياءه وعجزه خلوه يشوف كل مشاعر الحب الصادقة على إنها شفقة! أنت حر في عالمك البارد وفي صفقاتك.. وأنا من النهارده ماليش أي علاقة بيك ولا باسمك!

اتسعت عينا "ياسين" بصدمة، ونظر "عاصم" إلى ابنته بمزيج من المفاجأة والاحترام لقوتها المفاجئة.. أما "مالك"، فقد تجمدت ملامحه تماماً، واشتعلت عيناه بجمر الغضب والذهول؛ فلم يكن يتوقع أبداً أن تجرؤ هذه الفتاة الرقيقة، التي كانت تبكي تحت قدميه قبل ساعات، على توجيه هذه الصفعة القوية لكبريائه وجبروته أمام عائلته!

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • أسياد الوجع   طوفان البورصة

    مع أول شعاع لضياء الصباح، استيقظت العاصمة على قرع طبول حرب مالية طاحنة لم تشهدها دهاليز البورصة المصرية من قبل. كانت المكاتب الفخمة لشركات "الراوي" في وسط القاهرة تبدو كخلية نحل حربية؛ الموظفون يتحركون في الممرات بسرعة لاهثة، وشاشات العرض الكبيرة المعلقة في ردهة الإدارة العامة تومض باللون الأحمر الصاخب، معلنة عن تراجع تدريجي ومفاجئ لأسهم المجموعة مع الدقائق الأولى لافتتاح جلسة التداول. كان هناك تدفق مريب لأوامر بيع مكثفة وبأسعار بخسة، مصدرها محافظ استثمارية تابعة بشكل غير مباشر لمجموعة "حصون الشرق" الدولية بقيادة كارما السيوفي، بهدف إحداث حالة من الذعر والهلع بين صغار المستثمرين لدفعهم إلى التخلص من أسهمهم وتدمير القيمة السوقية للإمبراطورية.داخل المكتب الرئيسي، كان "مالك الراوي" يجلس خلف طاولة العمل الضخمة بكامل هيبته وجبروته الأرستقراطي الطاغي. لم يكن يرتدي بدلة كلاسيكية عادية، بل اختار حُلة سوداء قاتمة من قماش فاخر يبرز قوة جسده المفرود وعناد ملامحه الحادة التي لم يخطّ عليها الإنهك العصبي أي أثر للتراجع. كانت عصاه الأبنوسية ذات المقبض الفضي المصمت المطعم بالماس الخالص مستق

  • أسياد الوجع   ظلال الماضي

    لم تكن شمس اليوم التالي لتشرق على قصر عائلة "الراوي" كأي شمسٍ مضت؛ بل جاءت خيوطها الذهبية ممتزجة ببريق النصر الحاسم الذي اهتزت له أروقة المال والأعمال في العاصمة بأكملها. مانشيتات الصحف الاقتصادية الكبرى كانت ما تزال تتصدر الشاشات، معلنة الانهيار الكامل لمجموعة "حصون الشرق" واقتياد "كارما السيوفي" إلى ساحات التحقيق خلف جدران مديرية الأمن الكلية، لتدفن أوهامها في نفس الزنزانة التي ضمت طارق ورأفت المنشاوي.في الجناح الرئيسي الفخم، كان الصمت المهيب يلف الأركان، صمتٌ دافئ تكسره أنفاس "تولين" الهادئة والمستكينة في نومها. كانت مستلقية برقتها المعهودة فوق الفراش الملكي، وشعرها الحريري الداكن ينسدل كأمواج الليل فوق ذراع "مالك" العريضة. كان فستانها الشيفون الوردي الناعم يلتف حول جسدها الرقيق ليبرز نقاءها الساحر الذي لم تلوثه قذارة الحروب المالية بالخارج.بجانبها، كان "مالك" مستيقظاً منذ الفجر، يتأمل ملامح وجهها الجميل بنظرة تفيض بعشق جارف طالما حاول إخفاءه خلف أقنعة البرود الكاذبة. امتدت أصابعه الطويلة لتبعد خصلة متمردة عن جبهتها بحنان حارق، وشعر بغصة خنقت حنجرته وهو يتذكر كيف

  • أسياد الوجع   حياكة الدسائس

    انقشع غبار المواجهة العنيفة في مكتب الإدارة العامة لشركات "الراوي"، مخلّفاً وراءه غلياناً مكتوماً في الأروقة الزجاجية ناطحة السحاب. كان صدى الكلمات القاطعة التي ألقاها "مالك الراوي" في وجه "كارما السيوفي" ما زال يتردد في الفراغ كأنه تراتيل حرب أعلنت التحدي ضد حيتان السوق الجدد. بعد خروج كارما بعاصفة غيظها، أدار مالك جسده ببطء ومشى متكئاً على عصاه الأبنوسية نحو النافذة الزجاجية الضخمة التي تكشف عن معالم العاصمة الممتدة تحت أشعة الشمس القاسية. كانت قبضته الفضية تلتحم بالمقبض بقوة تبرز عروق يده، بينما بدأت قطرات العرق الباردة تتسلل على جبينه المربع بفعل الإنهاك الجسدي العنيف الذي أصاب موضع بتر ساقه اليمنى، إثر وقفته الطويلة والمتحدية.استند بكامل ثقله على العصا، وضيق عينيه الصقريتين وهو يراقب سيارة كارما الفارهة وهي تغادر محيط البرج بسرعة جنونية. التفت نحو شقيقه "ياسين" الذي كان يقف جوار المائدة الخشبية الكبيرة، وقد شحب وجهه المرح واختفت منه الابتسامة ليحل محلها قلق داكن، وهتف ياسين بنبرة لاهثة:— مالك.. كارما السيوفي مش بتلعب لوحدها، دي حية مسمومة والسوق كله عارف إ

  • أسياد الوجع   أصداء المعركة

    مرّ أسبوعان كاملان على انقشاع كابوس "رأفت المنشاوي" الغابر، أسبوعان تبدلت فيهما موازين القوى داخل السوق المصري، واهتزت لهما أركان البورصة التي بقيت تسجل صعوداً قياسياً ومستمراً لأسهم عائلة "الراوي" عقب تصفية الحيتان والمنافسين التقليديين الذين ظنوا يوماً أن جدار العائلة قد شُطب أو انكسر. في بهو القصر الأرستقراطي المهيب بجاردن سيتي، غمرت الطمأنينة الردهات العتيقة، وبدأت الحياة تتنفس بنقاءٍ كامل بعد غياب الأقنعة المزيفة والنفوس الحاقدة التي طُردت إلى غير رجعة؛ حيث استقرت "شاهيناز هانم" في منفاها الإجباري بمزارع الفيوم تحت رقابة صارمة، بينما كان "طارق" و"شاكر الجويلي" وابنته "ميرا" يواجهون مصيرهم المحتوم خلف جدران الزنازين المغلقة بانتظار أحكام النيابة الكلية.في الجناح الرئيسي العلوي للقصر، كانت نسمات الصباح الباكر لليوم الأول لعودة "مالك" الرسمية لإدارة شؤون الإمبراطورية تتسلل بنعومة فائقة من بين الشقوق الطفيفة للستائر المخملية الثقيلة، لترسم خطوطاً ذهبية دافئة فوق الفراش الملكي الفسيح. كانت الأجواء عابقة بعبير عطر الأوركيد والياسمين البري الذي يفوح من جسد "تولين" المستلقية بر

  • أسياد الوجع   انبثاق الفجر من رحم الجحيم

    ساد الظلام الدامس أرجاء القاعة الخرسانية الشاسعة ككفن أسود هبط فجأة ليلتف حول رقاب الجميع، وتبددت الإضاءة الصفراء الشاحبة في جزء من الثانية إثر قطع "ياسين" و"آسر" لكابلات المولد الرئيسي بالخارج. في تلك اللحظة التي انعدمت فيها الرؤية تماماً، انطلقت الشرارة الأولى للجحيم؛ ولم تكن الآذان بحاجة إلى أعين لترى، فقد تكلّم الرصاص بلسان من نار، ودوت في عتمة المخزن الصحراوي أصوات انفجارات مكتومة ومتلاحقة، ممتزجة بفحيح الرصاص الذي كان يخترق الهواء ليصطدم بالجدران الخرسانية، صانعاً شظايا متناثرة ورائحة بارود خانقة تملأ الصدور بالذعر.لم يكن "مالك الراوي" بحاجة إلى الضوء ليتحرك؛ فعقله الحاد وصوت صراخ "تولين" الأخير حددا له إحداثيات الهدف بدقة متناهية. وفي اللحظة التي انقطع فيها النور، ألقى بجسده القوي نحو الجانب الأيسر غريزياً، متفادياً وابل الرصاص العشوائي الذي أطلقه رجال رأفت المنشاوي برعب وتخبط. سقطت عصاه الأبنوسية من يده لثوانٍ، لكنه استند على ركبته السليمة، وبحركة خاطفة تملأها الشراسة، رفع مسدسه الناري وبدأ يطلق رصاصاته الدقيقة والمحسوبة نحو مصادر الوميض الناجم عن أسلحة الأعداء.

  • أسياد الوجع   زئير الأسد ونيران الفقد الجارف

    في المكتب الرئيسي لشركات "الراوي"، كانت الساعة قد تجاوزت الثالثة ظهراً بقليل حين تحولت الأجواء من الترقب الصارم إلى غليان دموي مكتوم. كان "مالك" يجلس خلف مكتبه، وعيناه معلقتان بشاشة الحاسوب يتابع حركة السفن الموشكة على دخول المياه الإقليمية، ويده اليسرى تطرق فوق سطح المكتب الخشبي بإيقاع منتظم ومتوتر، بينما كانت عصاه الأبنوسية الفخمة مسندة بجانبه كحارس صامت ينتظر إشارة البدء.انفتح باب المكتب فجأة ودون طرق، ودلف "ياسين" بوجه شاحب كالموت، وعيناه تتسعان بفزع شلّ أطرافه، وكان يمسك بهاتفه المحمول بيد ترتعد بعنف. تقدم نحو شقيقه الأكبر بخطوات متعثرة، وهتف بصوت مخنوق لاهث:— مالك.. مصيبة يا مالك! تولين.. تولين مش في القصر، الحراسة اللي كانت معاها فوق في فرع الدقي لسه مكلمينا حالا بعد ما فكوا نفسهم.. تولين اتمسكت يا مالك! "رأفت المنشاوي" نصب ليها فخ وخدها من مكتب شاكر الجويلي القديم!انتفض "مالك" من مقعده بحركة مفاجئة وعنيفة نسيت معها شياطين الكبرياء آلام ساقه المبتورة. سقطت العصا الأبنوسية على الأرضية الرخامية لتحدث رنيناً مدوياً اهتزت له جدران المكتب الفخم. استند

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status