تسجيل الدخولمرّت الأيام ثقيلة كالجبال على قصر "الراوي"، وتوالت الأسابيع لتكمل شهراً كاملاً والمستشفى كأنه معسكر مغلق. كُتب لـ"تولين" أمر الخروج بعد أيام قليلة من الحادث بعد أن استعادت جزءاً من تماسكها الجسدي، أما "مالك" فقد رفض الخروج أو العودة إلى القصر إلا بعد أن تنتهي المرحلة الأولى من العلاج الطبيعي ويتم تركيب "الساق الاصطناعية" له. طوال ذلك الشهر، كانت "تولين" تموت في اليوم مائة مرة؛ تحاول الذهاب إلى غرفته، تقف خلف زجاج الجناح الخارجي وعيناها تلمعان بالدموع، لكن الحراس الشخصيين —بأمر صارم من شاهيناز هانم ومالك نفسه— كانوا يمنعونها ويمنعون عائلتها من الدخول. كانت تعود إلى غرفتها بالقصر مكسورة الجناح، ينهش الخوف قلبها من ردة فعله القادمة.
أخيراً، تم تركيب الساق الاصطناعية لـ"مالك". وبقوة إرادته وجبروته المعهود، تخطى أصعب مراحل التدريب على المشي بها في وقت قياسي، متحدياً الآلام الجسدية والنفسية ليثبت لنفسه وللسوق أنه لم ينتهِ. وفي صباح يوم غائم، قرر العودة إلى القصر فجأة دون أن يُخبر أحداً من العائلة بموعد خروجه، رغبة منه في تجنب نظرات الشفقة أو الاستقبال الحافل الذي يمقته.
في تلك الأثناء، كانت "تولين" تقف في الحديقة الخلفية للقصر بجوار "حوض الورد"، ملامحها شاحبة وعيناها غارقتان في الحزن. كانت تمسك بدلو صغير وترش الماء فوق الزهور بشرود تلمس فيه جرحها الدفين. وفجأة، ساد سكون غريب في المكان، وسمعت صوت فتح الباب الجانبي للفيلا.
التفتت ببطء، وتسمرت في مكانها كأن صاعقة ضربتها. كان هو!
"مالك الراوي" يقف بكامل وسامته المعهودة وطاقته المهيبة. يرتدي حُلة رسمية كحليّة فاخرة كأنه لم يغب يوماً، جسده مفرود وعيناه الصقريتان تلمعان بذات الحِدة الكاسرة. كان يستند بيده اليمنى على عصا أبنوسية سوداء ذات مقبض فضي فخم، يتحرك بخطوات بطيئة لكنها ثابتة وقوية، تصدر منها نبرة خفيفة تتدفق فوق الرخام.
بمجرد أن رأته "تولين" حيّاً أمامها، انسكب دلو الماء من يدها على الأرض دون وعي، واهتزت أركانها. لم تفكر في قسوته ولا في جفافه، بل تحركت بداخلها غريزة العشق الجارف والخوف الذي عاشته طوال شهر. ركضت نحوه بسرعة فائقة، والدموع تنهمر من عينيها كالشلال، وارتمت بين أحضانه ممسكة بكتفيه بقوة وهي تبكي بنشيج مرير:
— مالك!! أخيراً رجعتلي بالسلامة.. الحمد لله يا رب، أحمدك وأشكر فضلك، كنت بتموت في غيابك.. متسبنيش تاني يا مالك!
لكن فرحتها سُرقت في جزء من الثانية. صُدمت "تولين" بردة فعله الباردة والمتصلبة؛ لم يرفع يده ليحتضنها، ولم تلين ملامحه. بل إن قبضته على عصاه ازدادت قوة، ورفع يده اليسرى ببطء وأمسك بـ ذراعيها، ثم أزاح يديها عن كتفيه بقوة وجفاء، وخطا خطوة للخلف ليخلق مسافة عازلة بينهما، ورد عليها بصوت جهوري أجف من الثلج:
— الله يسلمك يا تولين.. مفيش داعي للمظاهر دي هنا في الجنينة بره.
شعرت "تولين" وكأن الدماء تغلي في رأسها، وحرارة الطعنة تمزق صدرها. تراه بعد هذا الغياب الطويل، وبعد كل تلك الآلام التي عاشتها بسببه، يتعامل معها كأنه لوح من ثلج غير قابل للذوبان! تراجعت للخلف وهي تنظر إليه بعينين مكسورتين مذهولتين.
في تلك اللحظة، كان أفراد العائلة داخل بهو القصر قد استمعوا إلى تهليل "تولين" وصراخها باسم مالك في الحديقة. انفتح الباب العريض، وجرى الجميع لاستقباله؛ خرج "ياسين" و"ليان" والسيدة "فريدة" بلهفة، ومن خلفهم نزل "عاصم الراوي" بوقاره الصامت، والسيدة "شاهيناز هانم" التي كانت تبتسم بانتصار خفي.
التفوا حوله جميعاً، وحاول "ياسين" احتضانه وهو يهتف بفرحة حقيقية:
— حمد الله على السلامة يا صاحبي ويا أخويا الكبير! القصر والشركة نوروا!
اكتفى "مالك" بهز رأسه بجفاء لـ ياسين، وكانت ملامحه تزداد تشنجاً وعصبية وهو يراهم جميعاً يحيطون به ويتطلعون إلى حركته وإلى العصا في يده. كان يشعر بأن نظراتهم —حتى وإن كانت محبة— تحمل وزناً من الشفقة التي تقتله من الداخل. كور مالك قبضته اليسرى، واشتد التوتر في مفاصل جسده، وظلت "تولين" تبكي بصمت مرير من خلفهم وهي تراقب سوء استقباله لها.
التفت "مالك" فجأة بنظرة قوية وحادة كالشفرة نحو عمه "عاصم الراوي"، ورفع حاجبيه بسخرية لاذعة تفيض بالتحدي:
— أظن أنا ممتش يا عاصم بيه.. أنا لسه موجود وزي ما أنا، ومبقتش عاجز زي ما في ناس تمنت في غيابي.. ولا إيه يا عمي؟
رفع "عاصم" حاجبيه ببرود أرستقراطي معتاد؛ فهو يعلم الكثير عن تفاصيل حالة مالك الصحية من الطبيب المختص، ويعلم أن هناك "اشتباهات" وتحقيقات حول الحادث، لكنه حافظ على قناعه الصارم ورد بجمود تام:
— طبعاً.. حمد الله على سلامتك يا مالك، ومحدش فينا تمنى ليك غير الخير.. مكانك مستنيك.
رد "مالك" بصلابة ووعيد مكتوم:
— الله يسلمك.. بس ياريت بقى تفهم بنتك "تولين" إن مالك الراوي مانتهاش ولا انكسر عشان تعيط عليا بالطريقة دي كأني مُت! دموع الشفقة دي أنا مش بحبها ومبقبلهاش في بيتي.
كانت هذه الكلمات تُقال تحت أنظار السيدة "شاهيناز هانم" التي كانت تقف متكتفة الأيدي، وعيناها تلمعان بابتسامة انتصار عارمة وسعادة داخلية؛ فسواء معاملة مالك لعمه ولـ"تولين" بعد الحادث هي البداية الحقيقية لقطع آخر خيط في هذا الزواج التقليدي الذي طالما مقتته، والفرصة أصبحت سانحة لهدم نفوذ عاصم.
حاولت "ليان" التدخل ببراءتها المعتادة لتلطيف الأجواء، فاقتربت من مالك وقالت بنبرة حانية:
— تعالي يا مالك اقعد ارتاح في الصالون جوه.. الوقفة كدا غلط عليك وتتعبك في أول يوم خروج.
لكزها "ياسين" بسرعة وقوة في كتفها خفية لكي تصمت فوراً؛ فهو يعلم سيكولوجية شقيقه الأكبر ويفهم أن كلمات "ليان" العفوية عن "التعب والوقفة الغلط" تزيد البِلة طيناً وتطعن كبرياء مالك الجريح.
وبسرعة من "ياسين" لإنقاذ الموقف وتحويل مجرى الحديث تماماً قبل أن ينفجر شقيقه، قال بلهفة:
— سيبك من الكلام ده كله دلوقتي يا مالك.. المهم إنك وسطنا. تعالي جوه نتكلم عن موضوع العربية.. البوليس لسه شغال في التحقيق، وعايزين نعرف أنت عرفت منين ومن أول لحظة إن مفيهاش فرامل؟ ومين اللي مصلحته يعمل كدا؟
ولكن السيدة "شاهيناز هانم" كان لها رأي آخر وترتيب مختلف؛ تقدمت بخطوات أرستقراطية متبخترة، ووضعت يدها على كتف مالك قائلة بنبرة آمرة مبطنة بالحنان:
— سيبوا مالك دلوقتي يا ياسين يطلع أوضته وجناحه فوق يرتاح.. يغير هدومه وينام كفاية عليه شهر بحاله في المستشفى مش بيعرف ينام ولا ياخد راحته بسبب الدكاترة والمحاليل.. الكلام في الشغل والتحقيقات مش هيهرب.
تنهد "ياسين" بقلة حيلة ونظر لأخيه:
— ماشي يا ماما.. اللي تشوفيه حضرتك.. اطلع ارتاح يا مالك.
لكن "مالك" التفت بنظرة قوية وحازمة لوالدته، رافضاً تدخلها في قراراته ومحاولتها لفرض السيطرة كالعادة، ثم وجه نظره مباشرة لعمه "عاصم" وقال بصلابة مسموعة:
— لا يا ياسين.. أنا مش هطلع دلوقتي، أنا هقعد هنا في بهو السفرة.. لازم أستفسر من عمي عاصم عن شوية حاجات وتفاصيل بخصوص حسابات حركة العربيات والصيانة في الشركة خلال الأسبوع اللي فات.
نظر إليه "عاصم" بجمود وثبات، ووضع يديه في جيبي بنطاله ورد بهدوء مخيف:
— اسأل في اللي أنت عاوزه يا مالك.. وأنا هجاوبك على كل حاجة بالورق والمستندات.
هز "مالك" رأسه بجدية، ثم تحدث بصلابة وعينيه تضيقان بتركيز شديد:
— تمام.. عربيات الشركة بتتفحص وتدخل الصيانة دورياً أول بأول ولا الإهمال وصل لدرجة إن عربية تطلع من المخازن وفراملها مقطوعة بفعل فاعل؟!
مع أول شعاع لضياء الصباح، استيقظت العاصمة على قرع طبول حرب مالية طاحنة لم تشهدها دهاليز البورصة المصرية من قبل. كانت المكاتب الفخمة لشركات "الراوي" في وسط القاهرة تبدو كخلية نحل حربية؛ الموظفون يتحركون في الممرات بسرعة لاهثة، وشاشات العرض الكبيرة المعلقة في ردهة الإدارة العامة تومض باللون الأحمر الصاخب، معلنة عن تراجع تدريجي ومفاجئ لأسهم المجموعة مع الدقائق الأولى لافتتاح جلسة التداول. كان هناك تدفق مريب لأوامر بيع مكثفة وبأسعار بخسة، مصدرها محافظ استثمارية تابعة بشكل غير مباشر لمجموعة "حصون الشرق" الدولية بقيادة كارما السيوفي، بهدف إحداث حالة من الذعر والهلع بين صغار المستثمرين لدفعهم إلى التخلص من أسهمهم وتدمير القيمة السوقية للإمبراطورية.داخل المكتب الرئيسي، كان "مالك الراوي" يجلس خلف طاولة العمل الضخمة بكامل هيبته وجبروته الأرستقراطي الطاغي. لم يكن يرتدي بدلة كلاسيكية عادية، بل اختار حُلة سوداء قاتمة من قماش فاخر يبرز قوة جسده المفرود وعناد ملامحه الحادة التي لم يخطّ عليها الإنهك العصبي أي أثر للتراجع. كانت عصاه الأبنوسية ذات المقبض الفضي المصمت المطعم بالماس الخالص مستق
لم تكن شمس اليوم التالي لتشرق على قصر عائلة "الراوي" كأي شمسٍ مضت؛ بل جاءت خيوطها الذهبية ممتزجة ببريق النصر الحاسم الذي اهتزت له أروقة المال والأعمال في العاصمة بأكملها. مانشيتات الصحف الاقتصادية الكبرى كانت ما تزال تتصدر الشاشات، معلنة الانهيار الكامل لمجموعة "حصون الشرق" واقتياد "كارما السيوفي" إلى ساحات التحقيق خلف جدران مديرية الأمن الكلية، لتدفن أوهامها في نفس الزنزانة التي ضمت طارق ورأفت المنشاوي.في الجناح الرئيسي الفخم، كان الصمت المهيب يلف الأركان، صمتٌ دافئ تكسره أنفاس "تولين" الهادئة والمستكينة في نومها. كانت مستلقية برقتها المعهودة فوق الفراش الملكي، وشعرها الحريري الداكن ينسدل كأمواج الليل فوق ذراع "مالك" العريضة. كان فستانها الشيفون الوردي الناعم يلتف حول جسدها الرقيق ليبرز نقاءها الساحر الذي لم تلوثه قذارة الحروب المالية بالخارج.بجانبها، كان "مالك" مستيقظاً منذ الفجر، يتأمل ملامح وجهها الجميل بنظرة تفيض بعشق جارف طالما حاول إخفاءه خلف أقنعة البرود الكاذبة. امتدت أصابعه الطويلة لتبعد خصلة متمردة عن جبهتها بحنان حارق، وشعر بغصة خنقت حنجرته وهو يتذكر كيف
انقشع غبار المواجهة العنيفة في مكتب الإدارة العامة لشركات "الراوي"، مخلّفاً وراءه غلياناً مكتوماً في الأروقة الزجاجية ناطحة السحاب. كان صدى الكلمات القاطعة التي ألقاها "مالك الراوي" في وجه "كارما السيوفي" ما زال يتردد في الفراغ كأنه تراتيل حرب أعلنت التحدي ضد حيتان السوق الجدد. بعد خروج كارما بعاصفة غيظها، أدار مالك جسده ببطء ومشى متكئاً على عصاه الأبنوسية نحو النافذة الزجاجية الضخمة التي تكشف عن معالم العاصمة الممتدة تحت أشعة الشمس القاسية. كانت قبضته الفضية تلتحم بالمقبض بقوة تبرز عروق يده، بينما بدأت قطرات العرق الباردة تتسلل على جبينه المربع بفعل الإنهاك الجسدي العنيف الذي أصاب موضع بتر ساقه اليمنى، إثر وقفته الطويلة والمتحدية.استند بكامل ثقله على العصا، وضيق عينيه الصقريتين وهو يراقب سيارة كارما الفارهة وهي تغادر محيط البرج بسرعة جنونية. التفت نحو شقيقه "ياسين" الذي كان يقف جوار المائدة الخشبية الكبيرة، وقد شحب وجهه المرح واختفت منه الابتسامة ليحل محلها قلق داكن، وهتف ياسين بنبرة لاهثة:— مالك.. كارما السيوفي مش بتلعب لوحدها، دي حية مسمومة والسوق كله عارف إ
مرّ أسبوعان كاملان على انقشاع كابوس "رأفت المنشاوي" الغابر، أسبوعان تبدلت فيهما موازين القوى داخل السوق المصري، واهتزت لهما أركان البورصة التي بقيت تسجل صعوداً قياسياً ومستمراً لأسهم عائلة "الراوي" عقب تصفية الحيتان والمنافسين التقليديين الذين ظنوا يوماً أن جدار العائلة قد شُطب أو انكسر. في بهو القصر الأرستقراطي المهيب بجاردن سيتي، غمرت الطمأنينة الردهات العتيقة، وبدأت الحياة تتنفس بنقاءٍ كامل بعد غياب الأقنعة المزيفة والنفوس الحاقدة التي طُردت إلى غير رجعة؛ حيث استقرت "شاهيناز هانم" في منفاها الإجباري بمزارع الفيوم تحت رقابة صارمة، بينما كان "طارق" و"شاكر الجويلي" وابنته "ميرا" يواجهون مصيرهم المحتوم خلف جدران الزنازين المغلقة بانتظار أحكام النيابة الكلية.في الجناح الرئيسي العلوي للقصر، كانت نسمات الصباح الباكر لليوم الأول لعودة "مالك" الرسمية لإدارة شؤون الإمبراطورية تتسلل بنعومة فائقة من بين الشقوق الطفيفة للستائر المخملية الثقيلة، لترسم خطوطاً ذهبية دافئة فوق الفراش الملكي الفسيح. كانت الأجواء عابقة بعبير عطر الأوركيد والياسمين البري الذي يفوح من جسد "تولين" المستلقية بر
ساد الظلام الدامس أرجاء القاعة الخرسانية الشاسعة ككفن أسود هبط فجأة ليلتف حول رقاب الجميع، وتبددت الإضاءة الصفراء الشاحبة في جزء من الثانية إثر قطع "ياسين" و"آسر" لكابلات المولد الرئيسي بالخارج. في تلك اللحظة التي انعدمت فيها الرؤية تماماً، انطلقت الشرارة الأولى للجحيم؛ ولم تكن الآذان بحاجة إلى أعين لترى، فقد تكلّم الرصاص بلسان من نار، ودوت في عتمة المخزن الصحراوي أصوات انفجارات مكتومة ومتلاحقة، ممتزجة بفحيح الرصاص الذي كان يخترق الهواء ليصطدم بالجدران الخرسانية، صانعاً شظايا متناثرة ورائحة بارود خانقة تملأ الصدور بالذعر.لم يكن "مالك الراوي" بحاجة إلى الضوء ليتحرك؛ فعقله الحاد وصوت صراخ "تولين" الأخير حددا له إحداثيات الهدف بدقة متناهية. وفي اللحظة التي انقطع فيها النور، ألقى بجسده القوي نحو الجانب الأيسر غريزياً، متفادياً وابل الرصاص العشوائي الذي أطلقه رجال رأفت المنشاوي برعب وتخبط. سقطت عصاه الأبنوسية من يده لثوانٍ، لكنه استند على ركبته السليمة، وبحركة خاطفة تملأها الشراسة، رفع مسدسه الناري وبدأ يطلق رصاصاته الدقيقة والمحسوبة نحو مصادر الوميض الناجم عن أسلحة الأعداء.
في المكتب الرئيسي لشركات "الراوي"، كانت الساعة قد تجاوزت الثالثة ظهراً بقليل حين تحولت الأجواء من الترقب الصارم إلى غليان دموي مكتوم. كان "مالك" يجلس خلف مكتبه، وعيناه معلقتان بشاشة الحاسوب يتابع حركة السفن الموشكة على دخول المياه الإقليمية، ويده اليسرى تطرق فوق سطح المكتب الخشبي بإيقاع منتظم ومتوتر، بينما كانت عصاه الأبنوسية الفخمة مسندة بجانبه كحارس صامت ينتظر إشارة البدء.انفتح باب المكتب فجأة ودون طرق، ودلف "ياسين" بوجه شاحب كالموت، وعيناه تتسعان بفزع شلّ أطرافه، وكان يمسك بهاتفه المحمول بيد ترتعد بعنف. تقدم نحو شقيقه الأكبر بخطوات متعثرة، وهتف بصوت مخنوق لاهث:— مالك.. مصيبة يا مالك! تولين.. تولين مش في القصر، الحراسة اللي كانت معاها فوق في فرع الدقي لسه مكلمينا حالا بعد ما فكوا نفسهم.. تولين اتمسكت يا مالك! "رأفت المنشاوي" نصب ليها فخ وخدها من مكتب شاكر الجويلي القديم!انتفض "مالك" من مقعده بحركة مفاجئة وعنيفة نسيت معها شياطين الكبرياء آلام ساقه المبتورة. سقطت العصا الأبنوسية على الأرضية الرخامية لتحدث رنيناً مدوياً اهتزت له جدران المكتب الفخم. استند







