تسجيل الدخولمرّ أسبوع كامل كأنه دهر على قصر "الراوي". أسبوع لم تتوقف فيه عقارب الساعة عن الدوران، ولم تتوقف فيه "تولين" عن مراقبة شرفة مكتب "مالك" الخالية، متأملة أن تجد فيها طيفه الذي غادر بجفاء. طوال هذه الأيام السبعة، كانت حديقة الفيلا شاهدة على قلقها؛ هاتفها لم يفارق يدها، وعيناها معلقتان بالشاشة، تنتظر أن يفتح خطه المغلق أو يتذكر أن له خطيبة تنتظر كلمة منه بعد نزوله من الطائرة. لكن كعادته، كان "مالك" يقدس العمل، ويضع الصفقات والأرقام في مقدمة حياته، تاركاً مشاعرها خلف ظهره كأمر مضمون لا يخشى خسارته.
في هذه الأثناء، أعلنت شاشات مطار القاهرة الدولي عن وصول الرحلة القادمة من الخارج، وهبطت الطائرة التي تستقل جسد "مالك" المرهق وعقله المثقل بالحسابات. وطأت قدماه أرض الوطن، ورغم تعبه الشديد ونفاد طاقته، لفت انتباهه عدم وجود صديقه المقرب وذراعه الأيمن في العمل "آسر". كان من المفترض أن يكون "آسر" في انتظاره بالمطار ومعه السيارة ليعودا معاً.
أخرج "مالك" هاتفه وضغط على زر الاتصال بـ"آسر"، وما إن جاءه الرد حتى هتف بنبرة حادة ومرهقة:
— إيه يا آسر؟ أنت فين؟ بقالي ربع ساعة واقف في المطار ومفيش أثر ليك ولا للعربية!
جاءه صوت "آسر" عبر الهاتف، وكان مشحوناً بالضجيج والاعتذار الحار:
— أنا آسف جداً يا مالك.. والله غصب عني، جاتلي سفرية مفاجئة ومستعجلة للإسكندرية عشان أتابع حوار الجمارك اللي اتعطل فجأة.. المفروض "طارق" ابن عمك هو اللي كان يسافر السفرية دي، بس جالي الصبح وطلب يبدل معايا لأنه حاسس بإرهاق شديد وتعب مش قادر بسببه يتحرك.. وأنا مقدرتش أرفض عشان الشغل ميعطلش.
عقد "مالك" حاجبيه بضيق، وتابع "آسر" سريعاً ليتدارك غضب صديقه:
— بس متقلقش.. طارق بعتلك عربية تانية من عربيات الشركة هتلاقيها واقفة بره المطار حالا في الانتظار.. رقمها (23453)، ونوعها مرسيدس سودا.. السواق ساب المفتاح مع أمن البوابة بره ومشي عشان عنده ظرف.. معلش يا صاحبي، أسف والله العظيم غصب عني.
نفخ "مالك" بضيق شديد، وفرك جبهته بإحباط وهو يجر حقيبته الفاخرة:
— طيب يا آسر.. ماشي، مع إني بجد مش قادر أسوق وميت من التعب، وكان نفسي أرتاح في الطريق.. بس مش مشكلة، هسوق أنا وأمري لله.
قال "آسر" بأسف حقيقي ونبرة ممتنة:
— معلش يا مالك.. تتعوض يا صاحبي، أول ما أوصل هطمنك.. سلام يا صاحبي.
ارتسمت ابتسامة خفيفة باهتة على شفتي "مالك" بعد إغلاق الهاتف؛ فرغم صرامته وجفافه مع الجميع، إلا أن "آسر" كان يظل دائماً ونعم الصديق، الأخ الذي لم تَلده أمه، والشخص الوحيد الذي يتحمل تقلباته المزاجية وقسوته في العمل.
توجه "مالك" إلى بوابة الخروج، واستلم مفتاح السيارة من الأمن بعد التأكد من هويته، ثم توجه إلى ساحة الانتظار. وجد السيارة بالرقم والمواصفات التي ذكرها "آسر". وضع حقيبته في المقعد الخلفي، ودلف إلى مقعد القيادة، ثم أدار المحرك وانطلق بالسيارة متوجهاً نحو طريق الفيلا في جاردن سيتي.
وفي نفس اللحظة، داخل حديقة الفيلا، كانت "تولين" تجلس بجوار حوض الورد، ممسكة بهاتفها بقلب ينبض بالخوف الشديد. ضغطت على زر الاتصال برقم "مالك" للمرة المائة، ولشدة مفاجأتها، لم تسمع العبارة المسجلة المعتادة "هذا الهاتف مغلق"، بل بدأت النغمات تصدر معلنة أن هاتفه قد فُتح أخيراً بعد هبوط طائرته.
شهقت بلهفة، ووضعت الهاتف على أذنها بانتظار الرد، وهي تدعو الله في سرها ألا يصدها كالعادة.
على الجانب الآخر، واثناء قيادة "مالك" للسيارة بسرعة متوسطة على الطريق السريع، رن هاتفه الشخصي الموضوع بجانبه. نظر إليه بلمحة سريعة فوجد اسم "تولين" يضيء الشاشة. زفر بضيق ونفاد صبر، وضغط على زر الرد، وجاء صوته جافاً وعملياً كالعادة:
— أيوة يا تولين.. أنا في الطريق وداخل على المحور دلوقتي.. في حاجة مهمة حصلت في البيت؟
شعرت "تولين" بالإحراج والوجع من نبرته الجافة التي تخلو من أي اشتياق، وردت بنبرة صوت مبحوحة ومترددة:
— لا.. مفيش حاجة حصلت.. بس.. بس كنت بطمن عليك، وعايزة أعرف وصلت بالسلامة ولا لسه؟
لوى "مالك" فمه بسخرية وهو ينظر إلى الطريق أمامه، ورد بجفاء أشد:
— اطمني.. أنا بخير وراجـ...
وفجأة، قطعت كلماته حركة غريبة في السيارة. حاول "مالك" الضغط على دواسة الفرامل لتهدئة السرعة قبل الدخول في المنحنى، لكنه شعر بالفراغ! الدواسة هبطت حتى النهاية دون أي استجابة من السيارة، والسرعة بدأت تتزايد بشكل جنوني خارج عن السيطرة بفعل اندفاع المحرك.
تغيرت ملامح "مالك" في ثانية واحدة، واتسعت عيناه برعب حقيقي وهو يحاول ضخ الفرامل مراراً وتكراراً بلا جدوى. تلاشت نبرته الباردة وحل مكانها اضطراب أنفاسه العنيف. نسى وجود "تولين" على الخط، وهمس لنفسه بصوت مرتعب سمعه الهاتف بوضوح:
— العربية مفيش فيها فرامل!! الفرامل مقطوعة!!
على الطرف الآخر من الهاتف، كانت "تولين" تنتظر بقية جملته، إلا أن سماعها لهذه الكلمات جعل ضربات قلبها تزداد بعنف جنوني، وشعرت برعب شلّ أطرافها. هل ما سمعته للتو حقيقي؟! صاحت بنبرة هستيرية سادها الذعر:
— مالك!! مالك في إيه؟! سامعني؟! رد عليا يا مالك.. مالك!!!
لم يأتِها أي رد سوى صوت أنفاسه المتلاحقة وصوت صفير العجلات وهي تحتك بالأسفلت بعنف. كانت السيارة تسرع بترنح مخيف على الجانبين، تصطدم بالحواجز الخرسانية للطريق، و"مالك" يصارع المقود بكل ما أوتي من قوة لتفادي السيارات الأخرى، وعقله يصرخ باسم واحد: (طارق.. العربية دي بتاعة طارق!).
وفجأة.. جاءها الرد القاتل عبر الهاتف.
لم يكن صوتاً لـ"مالك"، بل كان عبارة عن صوت ارتطام مروع وهائل، يليه صوت انقلاب هيكل السيارة المعدني وتحطمه وتناثر الزجاج في كل مكان، كأن إعصاراً قد ضرب المكان.
تسمرت "تولين" في مكانها، وظلت تصرخ بأعلى صوتها، صراخ مزق سكون القصر والحديقة، وهي تضغط على الهاتف بكل قوتها:
— مااااااالك!!! رد عليا يا مالك عشان خاطري!! مالك متسبنيش!! ياااااا رب!! مااااالك!!
استمر صوت الضجيج والخراب يتدفق من الهاتف لثوانٍ معدودة، قبل أن ينقطع الخط تماماً ويحل محله صمت الموت. لم تحتمل "تولين" الصدمة؛ شعرت بالسماء تدور من حولها، واسودت الدنيا في عينيها، وسقطت مغشيا عليها فوق تراب حوض الورد، والهاتف يفلت من يدها ليرتمي بجوار الزهور النازفة.
بعد مرور ساعات مريرة في أحد المستشفيات الاستثمارية الكبرى بالقاهرة..
بدأت "تولين" تفتح عينيها ببطء وصعوبة بالغة بفعل تأثير المهدئات. كانت الرؤية مشوشة، وجسدها يرتعش بعنف. بدأت تتمتم باسمه بصوت ضعيف ومقطع وعيناها تجولان في سقف الغرفة الأبيض:
— مـ.. مالك.. رحت فين يا مالك؟.. متسبنيش.. مالك..
وفجأة، انتفضت من سريرها صارخة بذعر وهستيريا وهي تحاول نزع المحاليل من يدها:
— مالك مات!!! العربية اتقلبت بيه!! أنا سمعت الصوت!! مالك فين؟!
في تلك اللحظة، سارعت والدتها السيدة "فريدة" التي كانت تجلس بجوارها، وأخذتها بين أحضانها بقوة، تربت على ظهرها وتحاول تهدئة روعها وهي تبكي برقة:
— اهدي يا تولين.. اهدي يا بنتي وحبيبتي متخافيش.. مالك كويس والله العظيم! عايش والحمد لله.. كانت حادثة كبيرة وعدت، وهو فاق وبقى كويس وموجود في الأوضة اللي جنبك كمان! اهدي عشان خاطري.
سارعت "تولين" بالقيام رغم الضعف الشديد والدوخة التي تسيطر عليها، لكن المحاليل الطبية المركبة في يدها منعتها من الحركة بحرية. نظرت إلى أمها برجاء حار وعينين دامعتين:
— ماما.. أرجوكي ساعديني.. هاتي حد يفك المحاليل دي فوراً! أنا لازم أقوم.. لازم أروح الأوضة اللي جنبه وأشوفه بعيني واطمن عليه.. مش هيهدالي بال غير لما أشوفه!
نظرت السيدة "فريدة" إلى ابنتها بحيرة شديدة وأسف، وامتزجت ملامحها بالخوف، وقالت بنبرة مخنوقة:
— مينفعش يا بنتي تروحي له دلوقتي خالص.. مش هينفع.
تغيرت ملامح "تولين" إلى الرعب مجدداً، وقبضت على يد والدتها:
— يعني إيه مينفعش؟! هو مخبيين عليا إيه؟! مالك جرى له إيه يا ماما؟! أنا لازم أطمن عليه حالا!
صمتت والدتها تماماً، ونكست رأسها في الأرض، ولم تدرِ ما تقوله لها أو كيف تصدمها بالحقيقة المرة؛ خصوصاً بعد أن صرح الطبيب الجراح المختص منذ ساعة بضرورة بتر ساق مالك اليمنى فوراً نتيجة تهتك العظام والشرايين بالكامل في الحادث لإنقاذ حياته، ليصبح كبير عائلة "الراوي" وعملاق السوق عاجزاً بين ليلة وضحاها.
وما زاد الطين بلة، أن "مالك" فور إفاقته ومعرفته بالخبر، جن جنونه وقام بطرد الجميع بلا استثناء من غرفته في نوبة غضب عارمة، وحتى لو رحب بوجود أحد، فإن السيدة "شاهيناز هانم" (والدته) قد تولت الأمر؛ حيث منعت عائلة عاصم وفريدة من الاقتراب من الجناح تماماً، معلنة بغلّ وجنون أنهم "مصدر شؤم ونكد" على ابنها وبسببهم تدمرت حياته.
مع أول شعاع لضياء الصباح، استيقظت العاصمة على قرع طبول حرب مالية طاحنة لم تشهدها دهاليز البورصة المصرية من قبل. كانت المكاتب الفخمة لشركات "الراوي" في وسط القاهرة تبدو كخلية نحل حربية؛ الموظفون يتحركون في الممرات بسرعة لاهثة، وشاشات العرض الكبيرة المعلقة في ردهة الإدارة العامة تومض باللون الأحمر الصاخب، معلنة عن تراجع تدريجي ومفاجئ لأسهم المجموعة مع الدقائق الأولى لافتتاح جلسة التداول. كان هناك تدفق مريب لأوامر بيع مكثفة وبأسعار بخسة، مصدرها محافظ استثمارية تابعة بشكل غير مباشر لمجموعة "حصون الشرق" الدولية بقيادة كارما السيوفي، بهدف إحداث حالة من الذعر والهلع بين صغار المستثمرين لدفعهم إلى التخلص من أسهمهم وتدمير القيمة السوقية للإمبراطورية.داخل المكتب الرئيسي، كان "مالك الراوي" يجلس خلف طاولة العمل الضخمة بكامل هيبته وجبروته الأرستقراطي الطاغي. لم يكن يرتدي بدلة كلاسيكية عادية، بل اختار حُلة سوداء قاتمة من قماش فاخر يبرز قوة جسده المفرود وعناد ملامحه الحادة التي لم يخطّ عليها الإنهك العصبي أي أثر للتراجع. كانت عصاه الأبنوسية ذات المقبض الفضي المصمت المطعم بالماس الخالص مستق
لم تكن شمس اليوم التالي لتشرق على قصر عائلة "الراوي" كأي شمسٍ مضت؛ بل جاءت خيوطها الذهبية ممتزجة ببريق النصر الحاسم الذي اهتزت له أروقة المال والأعمال في العاصمة بأكملها. مانشيتات الصحف الاقتصادية الكبرى كانت ما تزال تتصدر الشاشات، معلنة الانهيار الكامل لمجموعة "حصون الشرق" واقتياد "كارما السيوفي" إلى ساحات التحقيق خلف جدران مديرية الأمن الكلية، لتدفن أوهامها في نفس الزنزانة التي ضمت طارق ورأفت المنشاوي.في الجناح الرئيسي الفخم، كان الصمت المهيب يلف الأركان، صمتٌ دافئ تكسره أنفاس "تولين" الهادئة والمستكينة في نومها. كانت مستلقية برقتها المعهودة فوق الفراش الملكي، وشعرها الحريري الداكن ينسدل كأمواج الليل فوق ذراع "مالك" العريضة. كان فستانها الشيفون الوردي الناعم يلتف حول جسدها الرقيق ليبرز نقاءها الساحر الذي لم تلوثه قذارة الحروب المالية بالخارج.بجانبها، كان "مالك" مستيقظاً منذ الفجر، يتأمل ملامح وجهها الجميل بنظرة تفيض بعشق جارف طالما حاول إخفاءه خلف أقنعة البرود الكاذبة. امتدت أصابعه الطويلة لتبعد خصلة متمردة عن جبهتها بحنان حارق، وشعر بغصة خنقت حنجرته وهو يتذكر كيف
انقشع غبار المواجهة العنيفة في مكتب الإدارة العامة لشركات "الراوي"، مخلّفاً وراءه غلياناً مكتوماً في الأروقة الزجاجية ناطحة السحاب. كان صدى الكلمات القاطعة التي ألقاها "مالك الراوي" في وجه "كارما السيوفي" ما زال يتردد في الفراغ كأنه تراتيل حرب أعلنت التحدي ضد حيتان السوق الجدد. بعد خروج كارما بعاصفة غيظها، أدار مالك جسده ببطء ومشى متكئاً على عصاه الأبنوسية نحو النافذة الزجاجية الضخمة التي تكشف عن معالم العاصمة الممتدة تحت أشعة الشمس القاسية. كانت قبضته الفضية تلتحم بالمقبض بقوة تبرز عروق يده، بينما بدأت قطرات العرق الباردة تتسلل على جبينه المربع بفعل الإنهاك الجسدي العنيف الذي أصاب موضع بتر ساقه اليمنى، إثر وقفته الطويلة والمتحدية.استند بكامل ثقله على العصا، وضيق عينيه الصقريتين وهو يراقب سيارة كارما الفارهة وهي تغادر محيط البرج بسرعة جنونية. التفت نحو شقيقه "ياسين" الذي كان يقف جوار المائدة الخشبية الكبيرة، وقد شحب وجهه المرح واختفت منه الابتسامة ليحل محلها قلق داكن، وهتف ياسين بنبرة لاهثة:— مالك.. كارما السيوفي مش بتلعب لوحدها، دي حية مسمومة والسوق كله عارف إ
مرّ أسبوعان كاملان على انقشاع كابوس "رأفت المنشاوي" الغابر، أسبوعان تبدلت فيهما موازين القوى داخل السوق المصري، واهتزت لهما أركان البورصة التي بقيت تسجل صعوداً قياسياً ومستمراً لأسهم عائلة "الراوي" عقب تصفية الحيتان والمنافسين التقليديين الذين ظنوا يوماً أن جدار العائلة قد شُطب أو انكسر. في بهو القصر الأرستقراطي المهيب بجاردن سيتي، غمرت الطمأنينة الردهات العتيقة، وبدأت الحياة تتنفس بنقاءٍ كامل بعد غياب الأقنعة المزيفة والنفوس الحاقدة التي طُردت إلى غير رجعة؛ حيث استقرت "شاهيناز هانم" في منفاها الإجباري بمزارع الفيوم تحت رقابة صارمة، بينما كان "طارق" و"شاكر الجويلي" وابنته "ميرا" يواجهون مصيرهم المحتوم خلف جدران الزنازين المغلقة بانتظار أحكام النيابة الكلية.في الجناح الرئيسي العلوي للقصر، كانت نسمات الصباح الباكر لليوم الأول لعودة "مالك" الرسمية لإدارة شؤون الإمبراطورية تتسلل بنعومة فائقة من بين الشقوق الطفيفة للستائر المخملية الثقيلة، لترسم خطوطاً ذهبية دافئة فوق الفراش الملكي الفسيح. كانت الأجواء عابقة بعبير عطر الأوركيد والياسمين البري الذي يفوح من جسد "تولين" المستلقية بر
ساد الظلام الدامس أرجاء القاعة الخرسانية الشاسعة ككفن أسود هبط فجأة ليلتف حول رقاب الجميع، وتبددت الإضاءة الصفراء الشاحبة في جزء من الثانية إثر قطع "ياسين" و"آسر" لكابلات المولد الرئيسي بالخارج. في تلك اللحظة التي انعدمت فيها الرؤية تماماً، انطلقت الشرارة الأولى للجحيم؛ ولم تكن الآذان بحاجة إلى أعين لترى، فقد تكلّم الرصاص بلسان من نار، ودوت في عتمة المخزن الصحراوي أصوات انفجارات مكتومة ومتلاحقة، ممتزجة بفحيح الرصاص الذي كان يخترق الهواء ليصطدم بالجدران الخرسانية، صانعاً شظايا متناثرة ورائحة بارود خانقة تملأ الصدور بالذعر.لم يكن "مالك الراوي" بحاجة إلى الضوء ليتحرك؛ فعقله الحاد وصوت صراخ "تولين" الأخير حددا له إحداثيات الهدف بدقة متناهية. وفي اللحظة التي انقطع فيها النور، ألقى بجسده القوي نحو الجانب الأيسر غريزياً، متفادياً وابل الرصاص العشوائي الذي أطلقه رجال رأفت المنشاوي برعب وتخبط. سقطت عصاه الأبنوسية من يده لثوانٍ، لكنه استند على ركبته السليمة، وبحركة خاطفة تملأها الشراسة، رفع مسدسه الناري وبدأ يطلق رصاصاته الدقيقة والمحسوبة نحو مصادر الوميض الناجم عن أسلحة الأعداء.
في المكتب الرئيسي لشركات "الراوي"، كانت الساعة قد تجاوزت الثالثة ظهراً بقليل حين تحولت الأجواء من الترقب الصارم إلى غليان دموي مكتوم. كان "مالك" يجلس خلف مكتبه، وعيناه معلقتان بشاشة الحاسوب يتابع حركة السفن الموشكة على دخول المياه الإقليمية، ويده اليسرى تطرق فوق سطح المكتب الخشبي بإيقاع منتظم ومتوتر، بينما كانت عصاه الأبنوسية الفخمة مسندة بجانبه كحارس صامت ينتظر إشارة البدء.انفتح باب المكتب فجأة ودون طرق، ودلف "ياسين" بوجه شاحب كالموت، وعيناه تتسعان بفزع شلّ أطرافه، وكان يمسك بهاتفه المحمول بيد ترتعد بعنف. تقدم نحو شقيقه الأكبر بخطوات متعثرة، وهتف بصوت مخنوق لاهث:— مالك.. مصيبة يا مالك! تولين.. تولين مش في القصر، الحراسة اللي كانت معاها فوق في فرع الدقي لسه مكلمينا حالا بعد ما فكوا نفسهم.. تولين اتمسكت يا مالك! "رأفت المنشاوي" نصب ليها فخ وخدها من مكتب شاكر الجويلي القديم!انتفض "مالك" من مقعده بحركة مفاجئة وعنيفة نسيت معها شياطين الكبرياء آلام ساقه المبتورة. سقطت العصا الأبنوسية على الأرضية الرخامية لتحدث رنيناً مدوياً اهتزت له جدران المكتب الفخم. استند







