LOGINنظر إليه "عاصم" بجمود وثبات، ووضع يديه في جيبي بنطاله ورد بهدوء مخيف:
— اسأل في اللي أنت عاوزه يا مالك.. وأنا هجاوبك على كل حاجة بالورق والمستندات.
هز "مالك" رأسه بجدية، ثم تحدث بصلابة وعينيه تضيقان بتركيز شديد:
— تمام.. عربيات الشركة بتتفحص وتدخل الصيانة دورياً أول بأول ولا الإهمال وصل لدرجة إن عربية تطلع من المخازن وفراملها مقطوعة بفعل فاعل؟!
خيم صمت ثقيل على بهو الفيلا بعد سؤال "مالك" الحاد والمباشر. كانت النظرات المتبادلة بين رجال العائلة أشبه بسيوف مسلولة ينتظر كل طرف منها حركة الآخر. تنحنح "عاصم الراوي" بوقاره المعهود، وتحركت ملامحه الجامدة بحركة طفيفة أظهرت حنكته في إدارة الأزمات، ثم رد بصوت رخيم وثابت:
— عربيات الشركة كلها تحت إشراف قسم الصيانة الدوري يا مالك، والتقارير بتتقدم ليا وليزيد أخوك أول بأول. العربية اللي أنت ركبتها كانت مخصصة لـ"طارق"، ومكنش المفروض تتحرك بره الجراج بدون إذن فحص شامل.. لكن خروجها المفاجئ وتبديل الأدوار بينه وبين "آسر" هو اللي عمل اللخبطة دي. التحقيق شغال، ومفيش مخلوق في الشركة هيفلت لو ثبت إنه قصر أو اتعمد الإهمال.
نظر إليه "مالك" بعينين ضيقتين، وغلّف صوته ببرود قاتل وهو يستند بكل ثقله على عصاه الأبنوسية:
— أتمنى ده يا عمي.. لأن الإهمال لما بيوصل لحياة كبار العيلة، بيبقاش اسمه إهمال.. بيبقى اسمه شروع في قتل، وأنا مش هسيب حقي، ولا هسمح لـ "عاجز" خفي إنه يكسرني.
لم تحتمل "تولين" سماع المزيد؛ فكل كلمة تخرج من فمه كانت بمثابة طعنة إضافية لقلبها النازف. كانت تقف في زاوية البهو كطيف عابر، دموعها تجمدت على وجنتيها، وشعور بالمهانة يغلف روحها. تحركت بخطوات مرتعشة مارة بجانبه دون أن تنظر إليه، وتوجهت نحو الدرج لتصعد إلى غرفتها.
لمح "مالك" حركتها المنكسرة، وعلى الرغم من تحجر قلبه وقناعه البارد، إلا أن ثمة كبرياءً داخلياً دفعه لإنهاء هذا التوتر المعلق بينهما. التفت إلى عمه ولوالدته وقال باقتضاب:
— النقاش في الشغل هيكمل في الشركة بكره.. أنا هطلع جناحي دلوقتي أرتاح.
تحرك "مالك" بخطواته الثقيلة والمتزنة، يصدر من ساقه الاصطناعية ذلك الصوت الحديدي الخفي الذي بات يذكره بضعفه الجديد في كل ثانية. صعد الدرج ببطء، وكان كل درج يمثّل معركة ينتصر فيها على ألمه الجسدي، حتى وصل إلى الطابق العلوي وتوجه مباشرة نحو جناح "تولين" بدلاً من جناحه.
طرق الباب طرقة واحدة حازمة، ودلف إلى الغرفة دون انتظار إذنها.
كانت "تولين" تجلس على حافة فراشها، واضعة وجهها بين كفيها وتبكي بنشيج صامت. عندما سمعت صوت الباب ورأته يقف أمامها بهيبته الطاغية وعصاه المستقرة على الأرض، انتفضت واقفتة ومسحت دموعها بسرعة، وحاولت استجماع شجاعتها المبعثرة:
— مالك.. أنت.. أنت دخلت هنا ليه؟ مش قولت مش عايز تشوف دموع الشفقة بتاعتي؟ جاي ليه دلوقتي؟
تقدم "مالك" داخل الغرفة عدة خطوات، وأغلق الباب خلفه برفق لا يتناسب مع قسوته، ثم نظر إليها بعينين حادتين خفف السواد المحيط بهما من قسوتهما المعتادة:
— جيت عشان أضع النقط على الحروف يا تولين.. أنا مش أعمى، وشايف النظرة اللي في عينيكي وفي عينين العيلة كلها من ساعة ما دخلت من باب الفيلا. نظرة العطف، والكسرة، والأسى على "مالك الراوي" اللي فقد رجله وبقى بيمشي بعصاية!
هتفت "تولين" بنبرة متهدجة تفيض بالصدق والوجع:
— والله العظيم ما شفقة يا مالك! أنت ليه مش قادر تفهم إني بحبك؟ إني كنت بموت في الشهر ده وأنا مش عارفة ألمس إيدك أو أطمن عليك؟ أنا كنت معاك على الخط وسمعت صوت الحادثة وانقلاب العربية.. صراخك لسه بيرن في ودني كل ليلة! حرام عليك تعاملني كأني عدوتك!
تصلبت ملامح "مالك"، واقترب منها خطوة إضافية، وضغط بمقبض عصاه الفضي على الأرض بقوة:
— الحب اللي بتتكلمي عنه ده كلام فارغ في عالمي يا تولين! أنا راجل واقعي وعملي.. الحادثة دي علمتني إن القوة هي الحاجة الوحيدة اللي بتحمي البني آدم. أنا خسرت جزء من جسمي، لكن مخسرتش عقلي ولا نفوذي ولا كبريائي. الزواج اللي بيننا.. الاتفاق العائلي ده.. لو أنتي حاسة إنه بقى عبء عليكي، أو لو مش هتقدري تتحملي تعيشي مع راجل بوضع عاجز.. أنا مستعد أنهي الاتفاق ده حالا، وهعفيكي من الحرج قدام عاصم بيه!
اتسعت عينا "تولين" بذهول وصدمة ألجمت لسانها لثوانٍ. نظرت إليه وكأنها تراه لأول مرة، وشعرت بأن كرامتها التي داست عليها لأجل حبه قد انتفضت أخيراً. رفعت رأسها ونظرت في عينيه مباشرة بنبرة صوت قوية ومجروحة:
— أنت بتقول إيه؟.. للدرجة دي أنا رخيصة وقليلة عندك يا مالك؟ للدرجة دي شايفني إنسانة تافهة ومادية ومنديش أصل عشان أتخلى عنك في وقت زي ده؟.. أنا مستعدة أكون ليك الساق اللي بتمشي بيها، والعين اللي بتشوف بيها الدنيا، لكن أنت.. أنت كبرياءك قتلك وعماك عن كل حاجة حلوة!
لم يعطها "مالك" فرصة لإكمال حديثها؛ فقد شعر برغبة عارمة في الهروب من صدق مشاعرها التي كانت تخترق حصونه الزجاجية وتشعره بضعفه الدفين. التفت نحو الباب وقال بجفاف:
— كلامك مش هيغير من الواقع حاجة.. فكري في كلامي كويس يا بنت عمي، وقرارك اللي هتاخديه أنا هحترمه ونفذه.. عن إذنك.
خرج "مالك" من الغرفة وأغلق الباب خلفه، تاركاً "تولين" تسقط على ركبتيها مجدداً، لكن هذه المرة لم تكن تبكي من الحزن، بل من القهر والكرامة التي جُرحت حتى الأعماق.
وفي نفس اللحظة، في مكان آخر بعيد عن جدران القصر الأرستقراطي..
داخل أحد المكاتب الفخمة والمشبوهة في أطراف القاهرة، كان "طارق" يجلس خلف مكتبه، وعيناه تلمعان ببريق من الجنون والتوتر الحاد. كان يمسك بهاتفه ويستمع إلى صوت رجل غامض على الطرف الآخر:
— يا طارق بيه.. البوليس شغال تفحيط في جراجات الشركة، والتحقيقات وصلت لعمال الصيانة.. لو الولد اللي قص الفرامل اتكلم، كلنا هنروح في داهية! مالك الراوي رجع القصر ومشي على رجله الاصطناعية، وده مش هيسكت لحد ما يعرف مين اللي ورا الحكاية.
انتفض "طارق" من مقعده وصاح بنبرة فحيح الأفاعي:
— يقفل بقه خالص! تديله الفلوس اللي تخليه يختفي من البلد دي كلها في ظرف ساعتين.. مالك الراوي فاكر نفسه إله مبيغلطش، وفاكر إن العصاية دي هترجعه ملك السوق تاني.. أنا هوريه العاجز الحقيقي هيكون مين! الإمبراطورية دي بتاعتي أنا، وحق أبويا اللي عاصم سرقه هيرجع تمنه غالي أوي!
أغلق "طارق" الهاتف بعنف، والتفت نحو النافذة الكبيرة التي تطل على أضواء المدينة، وارتسمت على وجهه ابتسامة خبيثة ومرعبة:
— خطوتك الجاية يا مالك هتكون نهايتك.. والمرة دي مش هتقوم منها على رجليك.
لم يكن خروج "مالك" من غرفة "تولين" مجرد انسحاب عادٍ، بل كان هروباً مقنعاً بجلباب الكبرياء. بمجرد أن أُغلق الباب الخشبي الثقيل وراءه، استند بظهره عليه لثوانٍ، وأغمض عينيه بعنف. شعر بنبضات قلبه تتسارع خلف ضلوعه؛ فكلمات "تولين" ونبرتها المجروحة لم تكن مجرد عتاب، بل كانت مِشرطاً يمزق طبقات الجليد التي أحاط بها نفسه طوال شهر كامل. تباعدت أنفاسه المضطربة وهو يستمع إلى صوت نشيجها المكتوم القادم من خلف الباب، تمنى لو يعود، لو يلقي بعصاه ويسقط جوارها ليخبرها أن عجز جسده جعله يخاف أن تراه عاجزاً في عينيها، لكن شياطين غروره كانت أقوى.
ضغط على مقبض عصاه، وتحرك متوجهاً إلى جناحه الخاص. كان الجناح مظلماً، بارداً، تماماً كحياته التي اختارها. ألقى بجسده المرهق على الفراش دون أن يغير ملابسه الرسمية، وترك ساقه الاصطناعية ممددة كجسم غريب يعلن انتهاء عهد "مالك الراوي" القديم وبداية عهد جديد.. عهد الثأر ممن تجرأ وحاول محوه من الوجود.
وفي أسفل القصر، وتحديداً في الجناح الخاص بالسيدة "شاهيناز هانم"، كانت الأجواء تغلي بطريقة أخرى. كانت تقف أمام شرفتها الكبيرة المطلة على البوابة الرئيسية، وعيناها تلمعان ببريق حاقد وهي ترتشف قهوتها المرة. انفتح الباب ودخلت "هاجر غازي" —والدة ميرا— التي استغلت صلتها القديمة بشاهيناز لتدخل القصر بحجة الاطمئنان على مالك بعد عودته.
تقدمت "هاجر" بخطوات متملقة وقالت بنبرة خفيضة:
— شاهيناز هانم.. حمد الله على سلامة مالك باشا، القصر رجعت له هيبته. بس قوليلي.. طمنيني، الأجواء فوق عاملة إزاي؟ البت ميرا نقلتلي كلام من الشركة إن طارق كان هيرقص من الفرحة لما عرف إن مالك وتولين على وشك الفركشة.
التفتت إليها "شاهيناز" ببطء، ووضعت فنجانها بحدة أحدثت رنيناً مزعجاً:
— تولين دي لازم تخرج من البيت ده ومن حياة ابني في أسرع وقت يا هاجر. مالك دلوقتي في أضعف حالاته النفسية، ومستعد يضحي بأي حاجة عشان يثبت إنه مش محتاج حد. الجوازة دي لو تمت، عاصم الراوي هيسيطر على أسهم مالك بحجة إنه بيساعده في الإدارة، وأنا مش هسمح لـ عاصم ولا لبناته ياخدوا شبر واحد من اللي تعبت فيه سنين.
ثم نظرت إلى هاجر بنظرة ذات مغزى وأردفت:
— بنتك "ميرا" لازم تتحرك.. اللبس والبهرجة اللي بتعملهم في الشركة مش كفاية، مالك مش راجل يسيل لعابه للحم الرخيص.. مالك يعشَق الست اللي تظهر في وقته الصح، الست اللي تحسسه إنه لسه بكامل قوته وجبروته بالرغم من العصاية اللي في إيده. خليها تقرب منه، تظهر له في الشركة كأنها بتتعلم منه، تخدمه وتلبي أوامره بنظرة إعجاب وانبهار.. الراجل اللي زي مالك في ظروفه دي، بيموت في الانبهار!
لمعت عينا "هاجر" بالجشع، وأومأت برأسها سريعاً:
— عيب عليكي يا هانم.. ميرا تلميذتك، وهتفذ كل اللي بتقولي عليه بالحرف. من بكره هتكون تحت رجليه في المكتب، والبت تولين دي هخليها تشوفهم بعينيها عشان تموت بقهرتها وتلم حاجتها وتمشي برضاها.
وفي نفس الليلة.. وتحديداً عند الساعة الثانية صباحاً..
كانت الأجواء داخل مكتب "طارق" قد وصلت إلى ذروة الخطورة. كان واقفاً وبجانبه "شاكر الجويلي" (والد ميرا)، وكان شاكر يرتعد خوفاً وهو يرى الأوراق المبعثرة على المكتب.
قال "شاكر" بنبرة مرتعشة وخوف شديد:
— يا طارق بيه.. أنت كدا بتلعب بالنار! تزوير الأوراق دي ونقل الأسهم من ورا ضهر مالك وعاصم في الوقت ده انتحار! مالك لو شم خبر بكره وهو راجع الشركة، هيدفننا صاحيين! ده مبيرحمش، والتحقيق في حادثة الفرامل قرب يوصل لرقبتنا!
قبض "طارق" على ياقة قميص "شاكر" بعنف، وقربه من وجهه ليتحدث بفحيح مرعب:
— اسمعني ياض أنت! أنت دخلت معايا اللعبة دي ومفيش رجوع.. فرامل العربية اتقصت بأمر مني ومنك، ولو مالك عرف، حبل المشنقة هيتلف حوالين رقبتنا إحنا الاتنين قبل ما البوليس يتحرك! الأسهم دي لازم تتنقل للحساب الوهمي بره مصر قبل فجر بكره.. مالك بكره لما يدخل الشركة، مش هيلاقي إمبراطورية يحكمها.. هيلاقي خرابة!
وفجأة.. وقبل أن يكمل طارق جملته، صدح صوت رنين هاتف "طارق" بنغمة خاصة مرعبة. نظر إلى الشاشة، فتبدلت ملامحه للون الأرض، واتسعت عيناه بصدمة حقيقية. كان المتصل هو "آسر".. الذراع الأيمن لمالك!
أشار "طارق" لـ شاكر بالصمت التام، وفتح الخط بيد مرتعشة وحاول جعل صوته طبيعياً:
— أيوة يا آسر يا صاحبي.. في إيه كدا مقلقنا نص الليل؟
جاءه صوت "آسر" عبر الهاتف، لكنه لم يكن صوتاً عادياً.. كان صوتاً لاهثاً، مشحوناً بغضب عارم وفزع يهز الجبال، وبجانبه أصوات سرينات شرطة تدوي في الخلفية، وهتف آسر بنبرة كالصاعقة:
— طارق.. الولد بتاع الصيانة اللي قص فرامل عربية مالك اتمسك حالا وهو بيحاول يهرب على طريق السويس.. وتحت الضغط اعترف بكل حاجة.. اعترف بالاسم يا طارق! البوليس دلوقتي في طريقه لمكتبك ولبيتك.. ومالك باشا بنفسه قاعد مع وزير الداخلية في اللحظة دي ومطلع أمر بالقبض عليك حي أو ميت!
تسمر "طارق" في مكانه، وسقط الهاتف من يده ليرتطم بالأرض ويتناثر قطعاً.. بينما انهار "شاكر الجويلي" على الكرسي وهو يصرخ: "ضعنا.. ضعنا يا طارق بيه!"
وفي نفس اللحظة.. داخل قصر الراوي.. استيقظت "تولين" فجأة على صوت حركة غريبة وعنيفة أسفل القصر.. صوت سيارات تفرمل بعنف، وصوت صراخ "ياسين" يملأ البهو: "مالك!! مالك
متتحركش كدا!! استنى!!"
خطت تولين خطوة قوية للأمام وثبتت نظرتها الحادة كالشفرة التي صدمت معالم وجهه الصارم، وتابعت وعيدها العاطفي بصرامة مطلقة حبست الأنفاس:— الشفقة ورعاية أم ابنك سليم ليها الجناح الشرقي بالأصول والوجاهة الطبية الوفّرتها، بس هنا.. شريعتي الجديدة هي جفاء بارد م يكسرهوش مليم واحد من التنازل! إنت معاقب بره الجناح ده يا إمبراطور، ولو كنت فاكر إن نفوذك وسند شبابك هيخلوكي تقتحم خصوصيتي رغماً عني.. يبقا م عرفتِش غيظ تولين لما يثور لحماية شرف دمها! أنا هبدأ من الليلة دي التقصي في دفاتر قطاع الموانئ وفي كل ورقة خبيتها في الخزنة السرية، والعهد القديم انشطر، والباب ده مش هيتفتح لِك إلا بأوراق براءتك أو صك نهايتنا بالأصول الصارمة!طحن النزاع النفسي والاضطراب العاطفي الشرس صدر مالك العريض، وتصلبت ملامحه الحادة بعنف صامت عكس ذروة الحيرة المجهدة والبشرية التي تنهش أضلعه؛ فكبرياؤه الأرستقراطي الصارم وأصول عيلته التاريخية انصهرا تماماً أمام رفضها الشجاع ومنعها له من دخول غرفته وعرشه أمام أعين ظلال الرواق. شعر بلوعة حارقة وندم مكتوم؛ فرفضه للتبرير وعناد الراوي القديم قيدوا رجولته، وها هو الآن يجني
سادَ فضاءُ المكتب السري بقصر جاردن سيتي بالقاهرة غليانٌ نفسيّ مكتوم، تكاثفت معه ظلال الماهوجني الداكنة تحت الضوء الأخضر الشاحب والمترنّح للمصباح الكلاسيكي، ليتحوّل صمتُ الغرفة إلى جدار إسمنتي يضغط فوق صدر "مالك الراوي" العريض. كانت الساعة تقترب من منتصف الليل، والنوافذ الفرنسية الشاهقة المشرعة على ضفاف النيل العتيق تسكب رطوبة باردة، لزجة، عجزت تماماً عن إطفاء نيران الغضب الحاد والوعيد الحارق الذي انفجر في أوصال الإمبراطور الأرستقراطي بعد طعنة "غادة عبد السلام" الأخيرة. لم يكن هذا الفضاء مجرد غرفة لإدارة صفقات قطاع الموانئ؛ بل كان حصن المؤامرات المادية والملفات الدولية الشائكة التي طالما ظن مالك أنه دفن أسرارها بالمليم ورا ظهر العهد الجديد.كان مالك يقف بكامل طوله وجبروته الصارم خلف مكتبه الضخم المبطن بجلد الغزال الداكن، مصلوب القامة بعناد كبرياء يرفض الانكسار رغماً عن الإجهاد العصبي العنيف وشحوب وجهه الرخامي. كانت عضلات فكه الحاد تتحرك بعنف قاطع، وعيناه الصقريتان تطلقان شرارات القتل الصامت الذي جمد الدماء في عروق المستشار القانوني الأول للعائلة "آسر". لم تكن يده الليلة تقبض على
### فصل: السقوط الأخير والنزع الأرستقراطي سادَ فضاءُ الجناح الشرقي لقصر جاردن سيتي بالقاهرة وجومٌ قاتل، واجم، كأنفاس الموت التي تسبق تداعي القلاع العائلية الكبرى. تلاشت حركات الحياة في الممرات الرخامية الشاهقة ذات الأعمدة الرخامية الباردة، ولم يعد يتحرك في هذا المدى لزج الضباب سوى النغمات الرتيبة للأجهزة الطبية المنبعثة من غرف غادة عبد السلام، والتي باتت كأنها شاهدٌ صامت على سقوط أقنعة المظلومية وحركات الستات الملتوية التي وظفتها طويلاً لابتزاز شرف عائلة الراوي. بدت نسمات المساء الخانقة المتسللة من جهة النيل كأنها غلاف رمادي يحمل صك النزع الأخير، صك صاغته براءة "تولين" الشرسة وذكاؤها النقي الذي طهر حصن البيوت من براثن الخديعة والمكر الثعلبي. داخل الصالون الفخم للجناح الشرقي، وتحت الضوء الأصفر الشاحب لثريا الحائط الأرستقراطية التي ترسم ظلالاً هندسية متأرجحة فوق الأثاث الفرنسي العتيق، كان "مالك الراوي" يقف بكامل طوله وجبروته الطاغي، مفرود الظهر بكامل هيبته وعناد قامته العريضة التي نُحتت من صخر الصعيد البارد. كانت تعابيره الرخامية جامدة، وعضلات فكه الحاد تتحرك بعنف
سادَ فضاءُ الصالون الفخم بالجناح الشرقي لقصر جاردن سيتي بالقاهرة صمتٌ واجمٌ، ثقيلٌ، كأنه صدى الانفجار النفسي المروع الذي نسف في ثوانٍ معدودة بقايا عهد البراءة والصفاء. لم تعد نسمات المساء الخانقة المتسللة عبر الشرفات الشاهقة المطلة على النيل تحمل رطوبة الصيف المعتادة؛ بل تحولت إلى هواء لزج، بارد، شلّ الأنفاس في الصدور وجمد الحركة في عروق الحاضرين. كانت الثريا الأرستقراطية الكلاسيكية المعلقة في السقف ترسم بضوئها الأصفر الشاحب ظلالاً هندسية متأرجحة فوق الأثاث الفرنسي العتيق والسجاد التبريزي الفاخر، لتتحول تلك الغرفة التي شهدت جولات "حركات الستات" والمظلومية المصطنعة إلى ساحة إعدام حقيقية طحنت كبرياء الجميع ووضعت مصائرهم فوق صفيح يغلي بالنيران.في منتصف البهو، كان رجال الشرطة والحراس يقفون بجسد مشدود وملامح حازمة، ينفذون الأمر الصارم لـ "مالك الراوي" باقتياد "غادة عبد السلام" بره الأسوار. امتدت يد أحد الضباط لتقبض على معصمها الممشوق، ودوت في فضاء الصالون الرنة الحديدية الجافة للكلابشات وهي تغلق فوق جلدها، لتعلن تجريدها الكامل من نفوذها والحيازة والاسم بتهمة الابتزاز الدولي وتزوير ا
سادَ فضاءُ الجناح الشرقي لقصر جاردن سيتي بالقاهرة عند الساعة السابعة مساءً وجومٌ قاتل، واجم، كأنفاس الموت التي تسبق تداعي القلاع الأرستقراطية الكبرى. تلاشت نغمات الحياة في الممرات الرخامية الشاهقة، ولم يعد يتحرك في هذا المدى لزج الضباب سوى أصوات الأجهزة الطبية الحديثة المنبعثة من غرفة "غادة عبد السلام"، والتي باتت كأنها شاهدٌ صامت على سقوط أقنعة المظلومية وحركات الستات الملتوية التي وظفتها طويلاً لابتزاز شرف عائلة الراوي. بدت نسمات المساء الخانقة المتسللة من جهة النيل كأنها غلاف رمادي يحمل لغماً قانونياً ومادياً متفجراً، لغم صاغته براءة "تولين" الشرسة وذكاؤها النقي الذي طهر حصن البيوت من براثن الخديعة. داخل الصالون الفخم للجناح الشرقي، كانت الأوراق الملاحية والسجلات الموثقة برقم دولي مبعثرة فوق الطاولة الرخامية الداكنة، وتحت الضوء الأصفر الشاحب لثريا الحائط الأرستقراطية، كان "مالك الراوي" يقف بكامل طوله وجبروته الصارم، مفرود الظهر بكامل هيبته وعناد قامته الطاغية. كانت تعابيره الرخامية جامدة كالصخر، وعضلات فكه الحاد تتحرك بعنف صامت عكس ذروة الطحن الداخلي والصراع النفسي الذي
كان "مالك الراوي" قد وصل لتوّه من العمل بكامل طوله وجبروته الأرستقراطي، مفرود الظهر بكامل هيبته، وقبضته اليمنى تطحن بصرامة حادة رأس عصاه الأبنوسية الفخمة ذات المقبض الفضي والماس اللامع. كان يتنفس بحدة وعقله مشحون بثغرات أوراق الطلاق الدولي، وعطر رجولته القوي الدافئ النفاذ يسبقه في الفضاء الفسيح. وبجانبه مباشرة، كانت "تولين" تقف بوشاحها الصوفي الأسود الحازم الساحر، بكامل كبريائها وسيادتها المطلقة كملكة تدير مقادير الحيازة بنقاء وذكاء أذهل روحه.تجمعت خطى مالك وتولين عند الباب على وقع كلمات الصغير سليم، ليتجمد كلاهما في مكانهما بوجوم صامت يحبس الأنفاس في الصدور، وعيون مالك الصقرية تضيق ببريق وعيد حاد تداخل مع ترقب حرج صهر بقايا جفائه القديم.لم تدرِ غادة بوجودهما خلف الباب الموارب؛ وبفعل الحصار الذكي والضغط النفسي الذي مارسته تولين عليها طوال الأيام الماضية، فَقَدَت غادة عبد السلام هدوءها الأرستقراطي تماماً، وانفجرت نيران غيرتها الشرسة المستعرة لترتكب غلطة عمرها التي حطمت بها قناع الضحية والمسكنة إلى الأبد أمام الإمبراطور. انصهرت معالم ترفُّعها المعتاد، واشتعلت عيناها بغل وحقد







