Beranda / الرومانسية / أسياد الوجع / سقوط الأقنعة وبداية العاصفة

Share

سقوط الأقنعة وبداية العاصفة

last update Tanggal publikasi: 2026-05-22 00:36:59

نظر إليه "عاصم" بجمود وثبات، ووضع يديه في جيبي بنطاله ورد بهدوء مخيف:

— اسأل في اللي أنت عاوزه يا مالك.. وأنا هجاوبك على كل حاجة بالورق والمستندات.

هز "مالك" رأسه بجدية، ثم تحدث بصلابة وعينيه تضيقان بتركيز شديد:

— تمام.. عربيات الشركة بتتفحص وتدخل الصيانة دورياً أول بأول ولا الإهمال وصل لدرجة إن عربية تطلع من المخازن وفراملها مقطوعة بفعل فاعل؟!

خيم صمت ثقيل على بهو الفيلا بعد سؤال "مالك" الحاد والمباشر. كانت النظرات المتبادلة بين رجال العائلة أشبه بسيوف مسلولة ينتظر كل طرف منها حركة الآخر. تنحنح "عاصم الراوي" بوقاره المعهود، وتحركت ملامحه الجامدة بحركة طفيفة أظهرت حنكته في إدارة الأزمات، ثم رد بصوت رخيم وثابت:

— عربيات الشركة كلها تحت إشراف قسم الصيانة الدوري يا مالك، والتقارير بتتقدم ليا وليزيد أخوك أول بأول. العربية اللي أنت ركبتها كانت مخصصة لـ"طارق"، ومكنش المفروض تتحرك بره الجراج بدون إذن فحص شامل.. لكن خروجها المفاجئ وتبديل الأدوار بينه وبين "آسر" هو اللي عمل اللخبطة دي. التحقيق شغال، ومفيش مخلوق في الشركة هيفلت لو ثبت إنه قصر أو اتعمد الإهمال.

نظر إليه "مالك" بعينين ضيقتين، وغلّف صوته ببرود قاتل وهو يستند بكل ثقله على عصاه الأبنوسية:

— أتمنى ده يا عمي.. لأن الإهمال لما بيوصل لحياة كبار العيلة، بيبقاش اسمه إهمال.. بيبقى اسمه شروع في قتل، وأنا مش هسيب حقي، ولا هسمح لـ "عاجز" خفي إنه يكسرني.

لم تحتمل "تولين" سماع المزيد؛ فكل كلمة تخرج من فمه كانت بمثابة طعنة إضافية لقلبها النازف. كانت تقف في زاوية البهو كطيف عابر، دموعها تجمدت على وجنتيها، وشعور بالمهانة يغلف روحها. تحركت بخطوات مرتعشة مارة بجانبه دون أن تنظر إليه، وتوجهت نحو الدرج لتصعد إلى غرفتها.

لمح "مالك" حركتها المنكسرة، وعلى الرغم من تحجر قلبه وقناعه البارد، إلا أن ثمة كبرياءً داخلياً دفعه لإنهاء هذا التوتر المعلق بينهما. التفت إلى عمه ولوالدته وقال باقتضاب:

— النقاش في الشغل هيكمل في الشركة بكره.. أنا هطلع جناحي دلوقتي أرتاح.

تحرك "مالك" بخطواته الثقيلة والمتزنة، يصدر من ساقه الاصطناعية ذلك الصوت الحديدي الخفي الذي بات يذكره بضعفه الجديد في كل ثانية. صعد الدرج ببطء، وكان كل درج يمثّل معركة ينتصر فيها على ألمه الجسدي، حتى وصل إلى الطابق العلوي وتوجه مباشرة نحو جناح "تولين" بدلاً من جناحه.

طرق الباب طرقة واحدة حازمة، ودلف إلى الغرفة دون انتظار إذنها.

كانت "تولين" تجلس على حافة فراشها، واضعة وجهها بين كفيها وتبكي بنشيج صامت. عندما سمعت صوت الباب ورأته يقف أمامها بهيبته الطاغية وعصاه المستقرة على الأرض، انتفضت واقفتة ومسحت دموعها بسرعة، وحاولت استجماع شجاعتها المبعثرة:

— مالك.. أنت.. أنت دخلت هنا ليه؟ مش قولت مش عايز تشوف دموع الشفقة بتاعتي؟ جاي ليه دلوقتي؟

تقدم "مالك" داخل الغرفة عدة خطوات، وأغلق الباب خلفه برفق لا يتناسب مع قسوته، ثم نظر إليها بعينين حادتين خفف السواد المحيط بهما من قسوتهما المعتادة:

— جيت عشان أضع النقط على الحروف يا تولين.. أنا مش أعمى، وشايف النظرة اللي في عينيكي وفي عينين العيلة كلها من ساعة ما دخلت من باب الفيلا. نظرة العطف، والكسرة، والأسى على "مالك الراوي" اللي فقد رجله وبقى بيمشي بعصاية!

هتفت "تولين" بنبرة متهدجة تفيض بالصدق والوجع:

— والله العظيم ما شفقة يا مالك! أنت ليه مش قادر تفهم إني بحبك؟ إني كنت بموت في الشهر ده وأنا مش عارفة ألمس إيدك أو أطمن عليك؟ أنا كنت معاك على الخط وسمعت صوت الحادثة وانقلاب العربية.. صراخك لسه بيرن في ودني كل ليلة! حرام عليك تعاملني كأني عدوتك!

تصلبت ملامح "مالك"، واقترب منها خطوة إضافية، وضغط بمقبض عصاه الفضي على الأرض بقوة:

— الحب اللي بتتكلمي عنه ده كلام فارغ في عالمي يا تولين! أنا راجل واقعي وعملي.. الحادثة دي علمتني إن القوة هي الحاجة الوحيدة اللي بتحمي البني آدم. أنا خسرت جزء من جسمي، لكن مخسرتش عقلي ولا نفوذي ولا كبريائي. الزواج اللي بيننا.. الاتفاق العائلي ده.. لو أنتي حاسة إنه بقى عبء عليكي، أو لو مش هتقدري تتحملي تعيشي مع راجل بوضع عاجز.. أنا مستعد أنهي الاتفاق ده حالا، وهعفيكي من الحرج قدام عاصم بيه!

اتسعت عينا "تولين" بذهول وصدمة ألجمت لسانها لثوانٍ. نظرت إليه وكأنها تراه لأول مرة، وشعرت بأن كرامتها التي داست عليها لأجل حبه قد انتفضت أخيراً. رفعت رأسها ونظرت في عينيه مباشرة بنبرة صوت قوية ومجروحة:

— أنت بتقول إيه؟.. للدرجة دي أنا رخيصة وقليلة عندك يا مالك؟ للدرجة دي شايفني إنسانة تافهة ومادية ومنديش أصل عشان أتخلى عنك في وقت زي ده؟.. أنا مستعدة أكون ليك الساق اللي بتمشي بيها، والعين اللي بتشوف بيها الدنيا، لكن أنت.. أنت كبرياءك قتلك وعماك عن كل حاجة حلوة!

لم يعطها "مالك" فرصة لإكمال حديثها؛ فقد شعر برغبة عارمة في الهروب من صدق مشاعرها التي كانت تخترق حصونه الزجاجية وتشعره بضعفه الدفين. التفت نحو الباب وقال بجفاف:

— كلامك مش هيغير من الواقع حاجة.. فكري في كلامي كويس يا بنت عمي، وقرارك اللي هتاخديه أنا هحترمه ونفذه.. عن إذنك.

خرج "مالك" من الغرفة وأغلق الباب خلفه، تاركاً "تولين" تسقط على ركبتيها مجدداً، لكن هذه المرة لم تكن تبكي من الحزن، بل من القهر والكرامة التي جُرحت حتى الأعماق.

وفي نفس اللحظة، في مكان آخر بعيد عن جدران القصر الأرستقراطي..

داخل أحد المكاتب الفخمة والمشبوهة في أطراف القاهرة، كان "طارق" يجلس خلف مكتبه، وعيناه تلمعان ببريق من الجنون والتوتر الحاد. كان يمسك بهاتفه ويستمع إلى صوت رجل غامض على الطرف الآخر:

— يا طارق بيه.. البوليس شغال تفحيط في جراجات الشركة، والتحقيقات وصلت لعمال الصيانة.. لو الولد اللي قص الفرامل اتكلم، كلنا هنروح في داهية! مالك الراوي رجع القصر ومشي على رجله الاصطناعية، وده مش هيسكت لحد ما يعرف مين اللي ورا الحكاية.

انتفض "طارق" من مقعده وصاح بنبرة فحيح الأفاعي:

— يقفل بقه خالص! تديله الفلوس اللي تخليه يختفي من البلد دي كلها في ظرف ساعتين.. مالك الراوي فاكر نفسه إله مبيغلطش، وفاكر إن العصاية دي هترجعه ملك السوق تاني.. أنا هوريه العاجز الحقيقي هيكون مين! الإمبراطورية دي بتاعتي أنا، وحق أبويا اللي عاصم سرقه هيرجع تمنه غالي أوي!

أغلق "طارق" الهاتف بعنف، والتفت نحو النافذة الكبيرة التي تطل على أضواء المدينة، وارتسمت على وجهه ابتسامة خبيثة ومرعبة:

— خطوتك الجاية يا مالك هتكون نهايتك.. والمرة دي مش هتقوم منها على رجليك.

لم يكن خروج "مالك" من غرفة "تولين" مجرد انسحاب عادٍ، بل كان هروباً مقنعاً بجلباب الكبرياء. بمجرد أن أُغلق الباب الخشبي الثقيل وراءه، استند بظهره عليه لثوانٍ، وأغمض عينيه بعنف. شعر بنبضات قلبه تتسارع خلف ضلوعه؛ فكلمات "تولين" ونبرتها المجروحة لم تكن مجرد عتاب، بل كانت مِشرطاً يمزق طبقات الجليد التي أحاط بها نفسه طوال شهر كامل. تباعدت أنفاسه المضطربة وهو يستمع إلى صوت نشيجها المكتوم القادم من خلف الباب، تمنى لو يعود، لو يلقي بعصاه ويسقط جوارها ليخبرها أن عجز جسده جعله يخاف أن تراه عاجزاً في عينيها، لكن شياطين غروره كانت أقوى.

ضغط على مقبض عصاه، وتحرك متوجهاً إلى جناحه الخاص. كان الجناح مظلماً، بارداً، تماماً كحياته التي اختارها. ألقى بجسده المرهق على الفراش دون أن يغير ملابسه الرسمية، وترك ساقه الاصطناعية ممددة كجسم غريب يعلن انتهاء عهد "مالك الراوي" القديم وبداية عهد جديد.. عهد الثأر ممن تجرأ وحاول محوه من الوجود.

وفي أسفل القصر، وتحديداً في الجناح الخاص بالسيدة "شاهيناز هانم"، كانت الأجواء تغلي بطريقة أخرى. كانت تقف أمام شرفتها الكبيرة المطلة على البوابة الرئيسية، وعيناها تلمعان ببريق حاقد وهي ترتشف قهوتها المرة. انفتح الباب ودخلت "هاجر غازي" —والدة ميرا— التي استغلت صلتها القديمة بشاهيناز لتدخل القصر بحجة الاطمئنان على مالك بعد عودته.

تقدمت "هاجر" بخطوات متملقة وقالت بنبرة خفيضة:

— شاهيناز هانم.. حمد الله على سلامة مالك باشا، القصر رجعت له هيبته. بس قوليلي.. طمنيني، الأجواء فوق عاملة إزاي؟ البت ميرا نقلتلي كلام من الشركة إن طارق كان هيرقص من الفرحة لما عرف إن مالك وتولين على وشك الفركشة.

التفتت إليها "شاهيناز" ببطء، ووضعت فنجانها بحدة أحدثت رنيناً مزعجاً:

— تولين دي لازم تخرج من البيت ده ومن حياة ابني في أسرع وقت يا هاجر. مالك دلوقتي في أضعف حالاته النفسية، ومستعد يضحي بأي حاجة عشان يثبت إنه مش محتاج حد. الجوازة دي لو تمت، عاصم الراوي هيسيطر على أسهم مالك بحجة إنه بيساعده في الإدارة، وأنا مش هسمح لـ عاصم ولا لبناته ياخدوا شبر واحد من اللي تعبت فيه سنين.

ثم نظرت إلى هاجر بنظرة ذات مغزى وأردفت:

— بنتك "ميرا" لازم تتحرك.. اللبس والبهرجة اللي بتعملهم في الشركة مش كفاية، مالك مش راجل يسيل لعابه للحم الرخيص.. مالك يعشَق الست اللي تظهر في وقته الصح، الست اللي تحسسه إنه لسه بكامل قوته وجبروته بالرغم من العصاية اللي في إيده. خليها تقرب منه، تظهر له في الشركة كأنها بتتعلم منه، تخدمه وتلبي أوامره بنظرة إعجاب وانبهار.. الراجل اللي زي مالك في ظروفه دي، بيموت في الانبهار!

لمعت عينا "هاجر" بالجشع، وأومأت برأسها سريعاً:

— عيب عليكي يا هانم.. ميرا تلميذتك، وهتفذ كل اللي بتقولي عليه بالحرف. من بكره هتكون تحت رجليه في المكتب، والبت تولين دي هخليها تشوفهم بعينيها عشان تموت بقهرتها وتلم حاجتها وتمشي برضاها.

وفي نفس الليلة.. وتحديداً عند الساعة الثانية صباحاً..

كانت الأجواء داخل مكتب "طارق" قد وصلت إلى ذروة الخطورة. كان واقفاً وبجانبه "شاكر الجويلي" (والد ميرا)، وكان شاكر يرتعد خوفاً وهو يرى الأوراق المبعثرة على المكتب.

قال "شاكر" بنبرة مرتعشة وخوف شديد:

— يا طارق بيه.. أنت كدا بتلعب بالنار! تزوير الأوراق دي ونقل الأسهم من ورا ضهر مالك وعاصم في الوقت ده انتحار! مالك لو شم خبر بكره وهو راجع الشركة، هيدفننا صاحيين! ده مبيرحمش، والتحقيق في حادثة الفرامل قرب يوصل لرقبتنا!

قبض "طارق" على ياقة قميص "شاكر" بعنف، وقربه من وجهه ليتحدث بفحيح مرعب:

— اسمعني ياض أنت! أنت دخلت معايا اللعبة دي ومفيش رجوع.. فرامل العربية اتقصت بأمر مني ومنك، ولو مالك عرف، حبل المشنقة هيتلف حوالين رقبتنا إحنا الاتنين قبل ما البوليس يتحرك! الأسهم دي لازم تتنقل للحساب الوهمي بره مصر قبل فجر بكره.. مالك بكره لما يدخل الشركة، مش هيلاقي إمبراطورية يحكمها.. هيلاقي خرابة!

وفجأة.. وقبل أن يكمل طارق جملته، صدح صوت رنين هاتف "طارق" بنغمة خاصة مرعبة. نظر إلى الشاشة، فتبدلت ملامحه للون الأرض، واتسعت عيناه بصدمة حقيقية. كان المتصل هو "آسر".. الذراع الأيمن لمالك!

أشار "طارق" لـ شاكر بالصمت التام، وفتح الخط بيد مرتعشة وحاول جعل صوته طبيعياً:

— أيوة يا آسر يا صاحبي.. في إيه كدا مقلقنا نص الليل؟

جاءه صوت "آسر" عبر الهاتف، لكنه لم يكن صوتاً عادياً.. كان صوتاً لاهثاً، مشحوناً بغضب عارم وفزع يهز الجبال، وبجانبه أصوات سرينات شرطة تدوي في الخلفية، وهتف آسر بنبرة كالصاعقة:

— طارق.. الولد بتاع الصيانة اللي قص فرامل عربية مالك اتمسك حالا وهو بيحاول يهرب على طريق السويس.. وتحت الضغط اعترف بكل حاجة.. اعترف بالاسم يا طارق! البوليس دلوقتي في طريقه لمكتبك ولبيتك.. ومالك باشا بنفسه قاعد مع وزير الداخلية في اللحظة دي ومطلع أمر بالقبض عليك حي أو ميت!

تسمر "طارق" في مكانه، وسقط الهاتف من يده ليرتطم بالأرض ويتناثر قطعاً.. بينما انهار "شاكر الجويلي" على الكرسي وهو يصرخ: "ضعنا.. ضعنا يا طارق بيه!"

وفي نفس اللحظة.. داخل قصر الراوي.. استيقظت "تولين" فجأة على صوت حركة غريبة وعنيفة أسفل القصر.. صوت سيارات تفرمل بعنف، وصوت صراخ "ياسين" يملأ البهو: "مالك!! مالك

متتحركش كدا!! استنى!!"

Lanjutkan membaca buku ini secara gratis
Pindai kode untuk mengunduh Aplikasi

Bab terbaru

  • أسياد الوجع   محراب العشق وعاصفة الضباب

    ساد الصمت أرجاء القاعة الفسيحة، صمت ثقيل جاثم على الصدور كصخور الجبال، لم يكن يقطعه سوى أنفاس اللورد كرافين المتلاحقة، والتي تحولت غطرسته البريطانية الباردة في ثوانٍ معدودة إلى ذعر بدائي خطّ ملامحه على وجهه الشاحب. كانت وثائق البراءة الرسمية والتنازلات الدولية الموثقة التي يحملها "عبد السلام باشا" تتلألأ تحت أضواء الثريات الكريستالية كأنها مقصلة قانونية نُصبت خصيصاً لقطع دابر النفوذ الأجنبي.وقف مالك الراوي بطوله الفارع وكبريائه الذي لا يلين، وعيناه السوداوان تطلقان شرارات من الهيبة والصرامة. يمسك بعصاه الأبنوسية ذات المقبض الفضي، مشكّلاً مع رجال الصعيد الأشداء الذين جاءوا لرد جميله جداراً منيعاً من النصر الحاسم. لقد كان مالك طوال عمره صاحب فضل ونفوذ، والآن يقف هؤلاء الرجال خلفه كدرع بشري لا يمكن اختراقه. وعلى مقربة منه، كانت تولين تتنفس الصعداء، تشعر بدفء خفي يسري في أوصالها وهي متشبثة بعضده العريض، مستمدة من صلابته أماناً ظنت أنها فقدته للأبد في دهاليز المؤامرات الدولية.لكن السكون الذي أعقب العاصفة لم يكن سوى خديعة أخرى من خبايا القدر.في اللحظة التي تقدم فيها عبد الس

  • أسياد الوجع   وَلِيمَةُ الأَفَاعِي

    امتصّ الصمتُ الكثيف الصارم صدى تلك الطلقات الغامضة التي اخترقت العتمة الموحشة، وانقشع غبار الخوف سريعاً بعدما تهاوت أجساد المرتزقة الذين حاولوا تصفية تولين وآسر في الغرفة السرية. لم تكن تلك الرصاصات المباغتة الدقيقة إلا طلقات القناصة المحترفين التابعين لرجال "مالك الراوي" الأشداء، الذين طوقوا مقر اللورد البريطاني ومحيط القصر قبل أن تكتمل فصول الخيانة بالدم. لملمت العاصمة خيوط ليلها الدامي المليء بالهزات، واستيقظت الإمبراطورية المالية في اليوم التالي على حقيقة واحدة لا شريك لها: الصقر كسر قيده واسترد سماءه بكامل سطوته، لكن الأفاعي ما زالت تزحف وتنفث سمومها بره الجدران، والمعركة الكبرى بحاجة إلى مسرح تليق به الأصول الصارمة لآل الراوي. تم التنسيق سريعاً خلف الكواليس لعقد عشاء عمل سري، فخم، وبالغ الخطورة والتعقيد داخل "قصر الراوي" عينه، بعدما تراجعت لجان التحفظ القضائي مؤقتاً تحت وطأة الأوراق والمستندات الرسمية القاطعة التي قدمها آسر وأيدها عبد السلام باشا بدمه. كان الضيف الثقيل ليس سوى "اللورد البريطاني" (آليستر كرافين)، الشريك الثالث الغادر الذي وصل إلى القاهرة فجأ

  • أسياد الوجع   الإمبراطور يكسر القيد

    كانت شمس مطلع الفجر تشق عباب السماء بخيوطٍ ذهبية دافئة، تنعكس على جدران قصر "الراوي" الأثرية العتيقة كأنها تمهد الساحة لحدثٍ يترقبه التاريخ المالي والاجتماعي للبلاد. لم تكن هذه النسمات الصباحية لتمر برداً وسلاماً، بل كانت تحمل في طياتها ملامح إعصارٍ قادم من غياهب الصعيد، إعصارٍ لا يبقي ولا يذر، يوشك أن يزلزل عروشاً شُيدت في دهاليز لندن وروما.بفضل وثائق البراءة الجديدة القاطعة التي نسج خيوطها "آسر" بدهاءٍ محاسبي وفني لا غبار عليه من واقع الدفاتر السرية، ومصحوبةً بالتنازل الرسمي الموثق بالدم والمختوم بأختامٍ سيادية والذي قدمه "عبد السلام" باشا لإبراء ذمة زوج ابنته، تحطمت الأغلال. تم الإفراج عن "مالك الراوي" بالأصول الصارمة والوجاهة الاجتماعية الباذخة التي تليق باسمه؛ فلم يكن خروجه مجرد إخلاء سبيل عابر، بل كان زفة ملوكية، وموكباً مهيباً تناقلت أنباءه وكالات الأنباء بره وجوه مصر، ليعلن للجميع أن الصقر قد استرد سماءه، وأن القيد لم يكن إلا استراحة محارب.انفتحت الأبواب الخشبية الضخمة للبهو الفسيح، ودخل مالك الراوي.كان دخوله أشبه بعاصفة صامتة تجتاح المكان برائحة السيطرة والرج

  • أسياد الوجع   عودة الميت

    كان الصمت الذي أعقب دوي الطلقات الغامضة في ردهات القصر أشبه بسكون المقابر الذي يسبق البعث، صمتٌ ثقيل، لزج، تفوح منه رائحة البارود المحترق والأنفاس المحبوسة في غياهب الفزع. انقشعت غيابة الظلمة ببطء حين عادت الأضواء الخافتة لتداعب جدران المكتب الأبنوسي المغلق لـ "مالك الراوي". وعلى الأرض، كانت جثث المرتزقة الذين حاولوا التصفية ممددة بلا حراك، بعد أن باغتها رصاصٌ مجهول المصدر من النوافذ العلوية الشاهقة، بينما كانت "تولين" تقف مذهولة، كفها المخملية ما زالت متشبثة بقبضة عصا مالك الأبنوسية، وجسدها الممشوق يرتعش بعنفوانٍ يمزج بين رعب اللحظة وأنوثتها الطاغية التي لم يزدها الخطر إلا بريقاً وجاذبية. في تلك اللحظة الرهيبة، انفتح الباب الخشبي الضخم للمكتب ببطء يحمل هيبة جنائزية. دخل رجلٌ يجر خطاه بثقل، رجلٌ ترتعد الفرائص لرؤيته. كان يرتدي معطفاً صوفياً رصاصياً قديماً، ملامحه غائرة كأخاديد حفرها الزمن والقهر، ولحيته البيضاء الكثة تنطق بعقدٍ من العذاب والتواري. وقف في منتصف القاعة وسط ذهول "آسر" الذي تجمدت الدماء في عروقه، وشلل "ياسين" الذي كان جاثياً في زاوية الغرف

  • أسياد الوجع   جَبَرُوتُ العَرْشِ

    كان برج "الراوي" الإداري الشاهق ينطح سحاب العاصمة كمسلة من زجاج وفولاذ، يعكس أشعة الشمس الحارقة التي تبدو واهنة أمام برودة الصراع الدائر في ردهاته. في الطابق الخمسين، كانت قاعة الاجتماعات الكبرى لقطاع الموانئ مهيأة لاستقبال إحدى أخطر جلسات الجمعية العمومية الطارئة في تاريخ المجموعة. الطاولة البيضاوية المصنوعة من خشب الجوز النادر يحيط بها حيتان السوق، رجال أعمال ومستثمرون كبار تلمع في عيونهم شهوة الانقضاض على فريسة جريحة غاب أسدها. كان الهواء مشحوناً بذكورة طاغية غاشمة، ونظرات الشماتة تتربص بالكرسي الشاغر في رأس الطاولة. وفجأة، انفتحت الأبواب الهيدروليكية الضخمة، ودخلت "تولين". لم تكن تسير، بل كانت تطأ الأرض بكبرياء ملوكي وخطوات مدروسة بدقة تزلزل قلوب الحاضرين. كانت ترتدي بدلة نسائية سوداء حادة الخطوط، مستوحاة من رداء القادة، تلتف حول جسدها الممشوق بدقة متناهية، مبرزة بياض بشرتها المرمرية النقي وعنقها المشرئب بعناد أرستقراطي باذخ. وجهها الرخامي خلا من أي مساحيق تجميل مبالغ فيها، تاركةً لعينيها الصقريتين، اللتين تفيضان بنقاء شرس وذكاء حاد، مهمة إرهاب الحضور. كانت ت

  • أسياد الوجع   عِنَاقُ الأَرْوَاح

    لم تكن الطرقات المؤدية إلى مقر الاحتجاز السري سوى دهاليز من الصمت والوجوم، ممرات معتمة تفوح منها رائحة الرطوبة والحديد البارد، كأنها نفق ممتد نحو الجحيم. غير أن "تولين" كانت تسير في تلك الممرات كملكة منيفة تسير نحو عرشها المستباح، واثقة الخطى، برغم الخفقان الرعديد الذي كان يخلع قلبها بين الضلوع. لقد استخدمت كل ما تملكه عائلتها الأرستقراطية العريقة من نفوذ قانوني باذخ، وعلاقات ضاربة في جذور السلطة والقضاء الدولي، لتنزع هذا اللقاء الاستثنائي، منفرداً، بعيداً عن عيون الرقباء وآذان المخبرين.كانت ترتدي ثوبها الأسود الحازم، الذي بات بمثابة درعها الفولاذي وجناحها الكاسر؛ ثوب يبرز بياض بشرتها المرمرية التي ازدادت شحوباً بفعل السهر واللوعة، لكنه كان يعكس أيضاً عناداً أرستقراطيًا لا يقبل الانكسار.انفتح الباب الحديدي الثقيل بصريرٍ يمزق نياط القلوب، لتدخل إلى غرفة التحقيق المعتمة، الإضاءة شحيحة، تنبعث من مصباح عارٍ متدلٍ من السقف، يسلط ضوءاً مخروطياً أصفر على وسط القاعة. وهناك، في قلب تلك الظلمة الموحشة، رأته.كان "مالك الراوي" مصلوب القامة كعاداته، كالنخلة العاتية التي ترفض أن تن

  • أسياد الوجع   شباك العنكبوت

    توقف "مالك" في مكانه. صراع خفي دار داخله، لكن كبرياءه منعه من إظهار أي تعاطف. تنحنح بصوت جهوري صارم:— انتي كويسة؟تفاجأت "تولين" من صوته القريب. رفعت وجهها بسرعة، وعيناها الحمراوان المليئتان بالدموع تلتقيان بعينيه الحادتين. ايعقل أنه عاد لأجلها؟ هل شعر بنبضات قلبها المكسور واستمع لشكواها الخفية؟ر

  • أسياد الوجع   الصفقة

    ردت "ليان" بغضب دفين وغير ومحتمل:— بتقولي إيه يا ماما؟! ازاي يعني؟! المفروض طالما هيا عارفة كدا وشايفة جفافه، تتكلم مع بابا وينتهي الاتفاق دا خالص! تولين تستاهل حد يحبها ويقدر رقتها، مش حد يعاملها كأنها فرض واجب!لوت السيدة "فريدة" شفتيها بأسف ومرارة:— وتفتكري أبوكي عاصم هيوافق يا ليان؟ وحتي لو و

  • أسياد الوجع   أقنعة من زجاج

    تسللت خيوط شمس الصباح الباكر عبر الستائر المخملية الثقيلة لفيلا "الراوي"، ذلك الصرح الأرستقراطي المهيب القابع في قلب حي "جاردن سيتي" العريق، حيث يتنفس المكان عبير الثراء الكلاسيكي والتاريخ الذي صُنع بأيدي رجال لا يعرفون الهزيمة. في الممر المؤدي إلى بهو الاستقبال السفلي، كانت الأجواء هادئة إلى حد ال

  • أسياد الوجع   خيوط الفخ الخفي

    انقشعت أنوار الحفل الأسطوري مع تباشير الصباح الأولى، وحلّت السكينة المؤقتة على أرجاء قصر "الراوي"، لكنها لم تكن سكينة راحة، بل كانت أشبه بالهدوء الذي يسبق العاصفة في الأسواق. في الجناح الرئيسي الفخم، كانت خيوط الفجر الأولى تتسلل بنعومة من بين الستائر الحريرية المطرزة، لتلقي بظلالها الدافئة على "تول

Bab Lainnya
Jelajahi dan baca novel bagus secara gratis
Akses gratis ke berbagai novel bagus di aplikasi GoodNovel. Unduh buku yang kamu suka dan baca di mana saja & kapan saja.
Baca buku gratis di Aplikasi
Pindai kode untuk membaca di Aplikasi
DMCA.com Protection Status