بيت / الرومانسية / أسياد الوجع / شظايا الليالي المظلمة

مشاركة

شظايا الليالي المظلمة

last update تاريخ النشر: 2026-05-22 09:14:05

تزلزلت أركان قصر "الراوي" في تلك الليلة الليلاء، وتحولت جدرانه الأرستقراطية الصامتة إلى ساحة صاخبة تعج بصدى الفزع والمؤامرات التي تكشفت أقنعتها دفعة واحدة. لم يكن الصوت القادم من البهو السفلي مجرد ضجيج عابر، بل كان نذيراً بانهيار السقف فوق رؤوس الجميع.

في جناح "تولين"، كانت الأنفاس متلاحقة، ودقات قلبها تقرع كطبول حرب لا تهدأ. لم تتردد لثانية واحدة؛ اندفعت نحو الباب، فتحته بلهفة وخوف تخطى حدود كرامتها المجروحة قبل قليل. كانت الممرات مضاءة بأنوار خافتة، لكن الحركة بالأسفل كانت عنيفة. ركضت حافية القدمين، وشعرها الحريري يتطاير خلفها، لتجد "ليان" تقف عند حافة الدرج الرخامي وهي تضع يدها على فمها برعب، بينما كان "ياسين" يمسك بـ"مالك" الذي كان يحاول النزول بسرعة لم تعهدها ساقه الاصطناعية الجديدة بعد.

كان "مالك" يرتدي بنطالاً أسوداً وقميصاً أبيضاً فتح أزراره العلوية هرباً من الاختناق، وعيناه تشتعلان بجمر الغضب. قبضته على العصا الأبنوسية كانت قوية لدرجة أن عروق يده برزت بشكل مخيف، وصوته الجهوري زلزل المكان:

— سيبني يا ياسين! قسماً بالله اللي هيقف في طريقي دلوقتي هتدفن مع الكلاب بره! طارق هرب.. الكلب كان بيسرق أسهم الشركة وبيصفي الحسابات بره البلد وهو اللي قص الفرامل! عايزني أقعد هنا مرتاح وأنا دمي بيتباع في السوق؟!

هتف "ياسين" وهو يحاول التمسك بذراعه لمنعه من السقوط أو إيذاء نفسه:

— يا مالك اهدى عشان خاطري! البوليس محاصر المداخل كلها، و"آسر" مع القوات ومطاردين طارق على طريق المحور.. حركتك كدا وأنت لسه جرحك مقفلش خطر عليك! مش هتلحق تعمل حاجة بعصايتك دي دلوقتي، سيب الحكومة تصيده!

وقعت كلمة "بعصايتك دي" كالصاعقة على كبرياء "مالك". تيبّس جسده فجأة، وتوقفت حركته على أول درجة من الدرج. التفت إلى شقيقه بنظرة مسمومة، نظرة جعلت "ياسين" يتراجع خطوة للخلف نادماً على زلة لسانه. في تلك اللحظة، التقت عينا مالك بعيني "تولين" التي كانت تقف أعلى الدرج وتنظر إليه بدموع تفيض بالخوف والعشق الحارق. لم يطق نظرتها؛ شعر وكأن عجز جَسده معروض في مزاد علني أمام الجميع.

تحرر "مالك" من قبضة ياسين بعنف، وتحرك بخطوات متهادية لكنها سريعة وعنيدة نحو باب القصر الرئيسي الذي انفتح فجأة لتدخل منه قوات الأمن بصحبة "آسر"، الذي كان وجهه شاحباً وملابسه ملطخة بالأتربة.

تقدم "آسر" بسرعة نحو مالك، وقال بأنفاس مقطوعة:

— مالك.. طارق هرب! الكلب كان عامل حسابه، ولما كبسنا على المكتب ملقيناش غير "شاكر الجويلي" وهو بيحاول يحرق أوراق التنازلات والأسهم المزورة.. قبضنا على شاكر، لكن طارق فص ملح وداب، وشكله كدا كان مجهز طريق هروب بري بره القاهرة كلها.

في هذه اللحظة، دوت صرخة حادة من صالون القصر الجانبي. التفت الجميع ليجدوا "ميرا" ووالدتها "هاجر غازي" قد وصلتا إلى القصر برفقة السيدة "شاهيناز هانم" التي كانت قد استدعتهم سراً قبل ساعة لتنفيذ خطتها. ركضت "ميرا" نحو البهو وهي تبكي بنحيب مصطنع، وارتمت تحت قدمي مالك وهي تصرخ بهستيرية:

— مالك باشا! أرجوك.. بابا ملوش ذنب! طارق هو اللي هجّمه واغتصبه على التزوير.. بابا طيب وميعملش كدا، طارق هددنا بيهد بيتنا ويقتلنا لو بابا مساعدهوش في نقل الأسهم! أرجوك انقذ بابا يا مالك باشا، أنا ماليش غيره في الدنيا!

نظرت "تولين" من أعلى الدرج إلى هذا المشهد بشعور بالاشمئزاز والغيرة التي نهشت أحشاءها؛ فرغم قذارة الموقف، إلا أن "ميرا" كانت ترتمي بالقرب من مالك، وتستغل ضعفها وأنوثتها بشكل صريح لتلفت انتباهه.

تطلع "مالك" إلى "ميرا" الراكعة ببرود تام، ولم يمد يده ليرفعها، بل قال بنبرة حازمة لرجال الشرطة:

— خدوها هي وأمها من هنا.. وأي حد ثبت إنه تستر على طارق أو شاكر الجويلي مكانه السجن، والكلب اللي اسمه شاكر ده مش هيشوف الشمس لحد ما يقول طارق مستخبي فين بالظبط!

تدخلت السيدة "شاهيناز هانم" بسرعة، واقتربت من مالك وهي تضع يدها على كتفه بنعومة أرستقراطية مسمومة:

— اهدى يا حبيبي.. البنت ملهاش ذنب، دي كانت عندي وجاية تطمن عليك.. شاكر غلط ويستاهل الإعدام، لكن البنت غلبانة ومصدومة في أبوها.. سيبها تقعد هنا لحد ما تهدا، والبوليس يشوف شغله مع المجرمين.

نظر "مالك" إلى والدته بنظرة غامضة، ثم التفت لـ آسر وقال بصوت منخفض كفحيح الأفاعي:

— آسر.. جهزلي العربية التانية حالا.. إحنا خارجين.

صاح "ياسين" بغضب:

— خارج فين يا مالك؟! الفجر هيأذن وأنت منمتش ساعة على بعضها!

رد "مالك" وهو يتحرك نحو الباب دون أن ينظر لأحد، وصوت عصاه الحديدي يضرب الرخام بقوة وإيقاع مرعب:

— خارج أجيب حقي بطريقتي.. اللي يفتكر إن مالك الراوي عجز وخسر هيبته، هوريه إن الساق اللي اتقطعت دي هتتحول لمشنقة تلف رقابين الكلاب اللي خانوا العيش والدم.. يلا يا آسر.

انطلق "مالك" برفقة "آسر" في جوف الليل، تاركين القصر يغرق في بحر من التوتر والشبهات. ولم تكد تمر ساعتان حتى بدأ الفجر يشق عتمة السماء بخيوط زرقاء باردة.

داخل القصر، ساد هدوء كئيب ومريب. عادت السيدة "فريدة" وبناتها إلى أجنحتهن، بينما استغلت السيدة "شاهيناز" الوضع وجعلت "ميرا" تقيم في إحدى غرف الضيوف القريبة من جناح مالك بحجة حمايتها وتخفيف الصدمة عنها، وهي في الحقيقة تضع قطعة الشطرنج الأخيرة في مكانها الصحيح.

في جناح "تولين"، لم تذق طعم النوم. كانت تقف أمام نافذتها الكبيرة، تحتضن جسدها المرتعش بيدها، وتتأمل أوراق الزهور في الحديقة بالأسفل والتي كانت تتراقص مع نسمات الفجر الباردة. شعرت بوحدة قاتلة؛ فالرجل الذي وهبته نبضات قلبها يضيع من بين يديها، يتحول إلى مسخ من الغضب والكبرياء، يرى في وجودها ضعفاً وفي حبها شفقة.

وفجأة.. سمعت صوت محرك السيارة الفارهة يدخل من بوابة القصر الرئيسية. ركضت نحو شرفتها وتطلعت إلى الأسفل بلهفة أحرقت صدرها. انفتح باب السيارة، وخرج "مالك". كانت ملامحه كئيبة، عيناه غائرتين من شدة التعب، والإنهاك يسيطر على كل حركة من حركاته. لم يستطع العثور على طارق، فالتحقيقات كانت معقدة وطارق اختفى تماماً كأنه لم يكن.

تحرك "مالك" بخطوات بطيئة للغاية، وبدا واضحاً أن الألم الجسدي في موضع البتر قد تضاعف بفعل المجهود العنيف والضغط العصبي الذي بذله طوال الليل. كان يستند على عصاه بجسد يرتعش خفية، وكبريائه يمنعه من طلب المساعدة من آسر الذي كان يسير خلفه بقلق.

لم تحتمل "تولين" رؤيته بهذا الضعف والمشقة. نسيت كل قسوته، ونسيت كلامه الجارح لها قبل ساعات، وتحركت بدافع العشق الخالص والدفء الذي تملكه كأنثى تريد حماية رجلها. خرجت من جناحها وهرعت لأسفل الرواق، لتجده قد صعد لتوّه إلى الطابق العلوي وكان يتنفس بصعوبة، وقطرات العرق البارد تغطي جبهته الفاخرة.

اقتربت منه "تولين" بخطوات هادئة ونبرة صوت تفيض بالرقة والعذوبة والمشاعر الدافئة:

— مالك.. حبيبي..

توقف "مالك" في مكانه، وتصلبت ملامحه عندما سمع الكلمة التي ظن أنه لن يسمعها منها مجدداً بعد إهانته لها. التفت إليها بعينين حمراوين من التعب والغضب، وقال بنبرة متحشرجة:

— أنتي إيه اللي مصحيكي لحد دلوقتي يا تولين؟ مش قولتلك فكري في كلامي وسيبيني في حالي؟

لم تبالِ بكلامه الجاف، بل خطت خطوة إضافية لتقف أمامه مباشرة. كانت تفصل بينهما إنارة الفجر الخافتة التي أضفت على الموقف طابعاً من الرومانسية الحزينة والمؤلمة. مدت يدها الرقيقة ببطء، ووضعت كفها الدافئ على وجنته الشاحبة، وتلمست لحيته الخفيفة بحنان جعل جسده يتصلب كالصخر، وقالت وعيناها تلمعان بالدموع:

— مش هسيبك يا مالك.. مش هسيبك حتى لو أنت عايز تسيّر الدنيا بمزاجك وتهد كل حاجة بيننا. أنا مش شايفة فيك راجل عاجز، أنا شايفة "مالك" اللي خطف قلبي وأنا طفلة صغيرة.. الراجل القوي اللي بحتمي بيه من الدنيا. تعبك ده تعبي، ووجعك ده وجعي.. أرجوك سيبني أكون جنبك، سيبني أساعدك تدخل أوضتك وترتاح.. بلاش تقفل قلبك في وشي أرجوك.

شعر "مالك" باهتزاز عنيف في حصونه؛ فلمس يدها الدافئة على وجهه كان بمثابة ترياق يذيب الجليد المتراكم في صدره. تلاقت أعينهما في نظرة طويلة، امتزجت فيها قسوة كبريائه برقة عشقها الجارف. شعر برغبة عارمة في أن يلقي برأسه على كتفها الرقيق، وأن يعترف لها بمدى رعبه وخوفه من أن يظهر ضعيفاً أمامها، لكن شياطين الماضي وشاهيناز هانم كانت تقف بالمرصاد.

قبل أن ينطق "مالك" بكلمة واحدة، أو يستسلم لدفء مشاعرها، انفتح باب غرفة الضيوف المجاورة ببطء، وخرجت منها "ميرا" وهي ترتدي قميص نوم رقيقاً وفوقه روب ستان خفيف، وشعرها منسدل بشكل مدروس بعناية لتظهر بكامل إغرائها وأنوثتها الطاغية.

تنحنحت "ميرا" بصوت يحمل الدلال والخنوع، وقالت وعيناها معلقتان بـ مالك:

— مالك باشا.. أنا آسفة لو أزعجتكم، بس سمعت حركة بره ومقدرتش أنام من الخوف.. شفتك راجع وتعبان، وكنت عايزة أقولك إني عملتلك تليفون مع واحد قريبي في الميناء، وممكن نلاقي خيط يوصلنا لمكان طارق قبل ما يهرب بره مصر.. لو تسمحلي أدخل معاك المكتب وأشرحلك التفاصيل؟

وقعت كلمات "ميرا" ومظهرها الفاضح في هذا الوقت المتأخر كالقذيفة التي نسفت لحظة الدفء الرومانسية بين مالك وتولين. تراجعت "تولين" يدها عن وجنة مالك بسرعة وكأنها تعرضت لقرصة أفعى، ونظرت إلى ميرا بصدمة وغيرة عمياء كادت تحرق رداء عقلها. كيف تجرؤ هذه الفتاة على الخروج بهذا المظهر في جناح مالك وفي هذا الوقت الصباحي المبكر؟ وكيف تسمح السيدة شاهيناز بمهزلة كهذه داخل القصر؟

التفت "مالك" بنظرة حادة وباردة نحو "ميرا"، ثم نظر إلى "تولين" التي كانت ملامحها قد تحولت إلى كتلة من الجمود والانكسار المضاعف. وبدلاً من أن يطرد ميرا أو يوبخها ليعيد لـ تولين اعتبارها، دفعه كبرياءه المجروح ورغبته في إبعاد تولين عن ضعفه ليرد بجفاف وقسوة غير متوقعة:

— تمام يا ميرا.. تعالي ورايا على المكتب جوه الجناح، خليني أشوف الخيط ده ونفهم الحكاية.. وأنتي يا تولين، اتفضلي ادخلي أوضتك ونامي، الشغل والمؤامرات دي مش مكانك ولا تخصك في حاجة.

تحرك "مالك" بخطواته الحديدية متوجهاً إلى مكتبه، ودخلت خلفه "ميرا" التي التفتت نحو "تولين" قبل إغلاق الباب، ورمقتها بنظرة انتصار خبيثة تفيض بالمكر والشماتة.

وقفت "تولين" وحدها في الرواق المظلم، تشعر وكأن الأرض تميد من تحت قدميها، وأن كل حصون حبها لمالك قد تهاوت وتحولت إلى شظايا تناثرت فوق كرامتها المداسة. شعرت برغبة في الصراخ، لكن صوتها اختنق في حنجرتها، وتيقنت في تلك اللحظة أن عاصفة الخيانة والمؤامرات قد بدأت بالفعل داخل قصر "الراوي"، وأن حرباً شعواء ستخوضها ليس فقط للحفاظ على حبها، بل لإنقاذ ما تبقى من روحها.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • أسياد الوجع   طوفان البورصة

    مع أول شعاع لضياء الصباح، استيقظت العاصمة على قرع طبول حرب مالية طاحنة لم تشهدها دهاليز البورصة المصرية من قبل. كانت المكاتب الفخمة لشركات "الراوي" في وسط القاهرة تبدو كخلية نحل حربية؛ الموظفون يتحركون في الممرات بسرعة لاهثة، وشاشات العرض الكبيرة المعلقة في ردهة الإدارة العامة تومض باللون الأحمر الصاخب، معلنة عن تراجع تدريجي ومفاجئ لأسهم المجموعة مع الدقائق الأولى لافتتاح جلسة التداول. كان هناك تدفق مريب لأوامر بيع مكثفة وبأسعار بخسة، مصدرها محافظ استثمارية تابعة بشكل غير مباشر لمجموعة "حصون الشرق" الدولية بقيادة كارما السيوفي، بهدف إحداث حالة من الذعر والهلع بين صغار المستثمرين لدفعهم إلى التخلص من أسهمهم وتدمير القيمة السوقية للإمبراطورية.داخل المكتب الرئيسي، كان "مالك الراوي" يجلس خلف طاولة العمل الضخمة بكامل هيبته وجبروته الأرستقراطي الطاغي. لم يكن يرتدي بدلة كلاسيكية عادية، بل اختار حُلة سوداء قاتمة من قماش فاخر يبرز قوة جسده المفرود وعناد ملامحه الحادة التي لم يخطّ عليها الإنهك العصبي أي أثر للتراجع. كانت عصاه الأبنوسية ذات المقبض الفضي المصمت المطعم بالماس الخالص مستق

  • أسياد الوجع   ظلال الماضي

    لم تكن شمس اليوم التالي لتشرق على قصر عائلة "الراوي" كأي شمسٍ مضت؛ بل جاءت خيوطها الذهبية ممتزجة ببريق النصر الحاسم الذي اهتزت له أروقة المال والأعمال في العاصمة بأكملها. مانشيتات الصحف الاقتصادية الكبرى كانت ما تزال تتصدر الشاشات، معلنة الانهيار الكامل لمجموعة "حصون الشرق" واقتياد "كارما السيوفي" إلى ساحات التحقيق خلف جدران مديرية الأمن الكلية، لتدفن أوهامها في نفس الزنزانة التي ضمت طارق ورأفت المنشاوي.في الجناح الرئيسي الفخم، كان الصمت المهيب يلف الأركان، صمتٌ دافئ تكسره أنفاس "تولين" الهادئة والمستكينة في نومها. كانت مستلقية برقتها المعهودة فوق الفراش الملكي، وشعرها الحريري الداكن ينسدل كأمواج الليل فوق ذراع "مالك" العريضة. كان فستانها الشيفون الوردي الناعم يلتف حول جسدها الرقيق ليبرز نقاءها الساحر الذي لم تلوثه قذارة الحروب المالية بالخارج.بجانبها، كان "مالك" مستيقظاً منذ الفجر، يتأمل ملامح وجهها الجميل بنظرة تفيض بعشق جارف طالما حاول إخفاءه خلف أقنعة البرود الكاذبة. امتدت أصابعه الطويلة لتبعد خصلة متمردة عن جبهتها بحنان حارق، وشعر بغصة خنقت حنجرته وهو يتذكر كيف

  • أسياد الوجع   حياكة الدسائس

    انقشع غبار المواجهة العنيفة في مكتب الإدارة العامة لشركات "الراوي"، مخلّفاً وراءه غلياناً مكتوماً في الأروقة الزجاجية ناطحة السحاب. كان صدى الكلمات القاطعة التي ألقاها "مالك الراوي" في وجه "كارما السيوفي" ما زال يتردد في الفراغ كأنه تراتيل حرب أعلنت التحدي ضد حيتان السوق الجدد. بعد خروج كارما بعاصفة غيظها، أدار مالك جسده ببطء ومشى متكئاً على عصاه الأبنوسية نحو النافذة الزجاجية الضخمة التي تكشف عن معالم العاصمة الممتدة تحت أشعة الشمس القاسية. كانت قبضته الفضية تلتحم بالمقبض بقوة تبرز عروق يده، بينما بدأت قطرات العرق الباردة تتسلل على جبينه المربع بفعل الإنهاك الجسدي العنيف الذي أصاب موضع بتر ساقه اليمنى، إثر وقفته الطويلة والمتحدية.استند بكامل ثقله على العصا، وضيق عينيه الصقريتين وهو يراقب سيارة كارما الفارهة وهي تغادر محيط البرج بسرعة جنونية. التفت نحو شقيقه "ياسين" الذي كان يقف جوار المائدة الخشبية الكبيرة، وقد شحب وجهه المرح واختفت منه الابتسامة ليحل محلها قلق داكن، وهتف ياسين بنبرة لاهثة:— مالك.. كارما السيوفي مش بتلعب لوحدها، دي حية مسمومة والسوق كله عارف إ

  • أسياد الوجع   أصداء المعركة

    مرّ أسبوعان كاملان على انقشاع كابوس "رأفت المنشاوي" الغابر، أسبوعان تبدلت فيهما موازين القوى داخل السوق المصري، واهتزت لهما أركان البورصة التي بقيت تسجل صعوداً قياسياً ومستمراً لأسهم عائلة "الراوي" عقب تصفية الحيتان والمنافسين التقليديين الذين ظنوا يوماً أن جدار العائلة قد شُطب أو انكسر. في بهو القصر الأرستقراطي المهيب بجاردن سيتي، غمرت الطمأنينة الردهات العتيقة، وبدأت الحياة تتنفس بنقاءٍ كامل بعد غياب الأقنعة المزيفة والنفوس الحاقدة التي طُردت إلى غير رجعة؛ حيث استقرت "شاهيناز هانم" في منفاها الإجباري بمزارع الفيوم تحت رقابة صارمة، بينما كان "طارق" و"شاكر الجويلي" وابنته "ميرا" يواجهون مصيرهم المحتوم خلف جدران الزنازين المغلقة بانتظار أحكام النيابة الكلية.في الجناح الرئيسي العلوي للقصر، كانت نسمات الصباح الباكر لليوم الأول لعودة "مالك" الرسمية لإدارة شؤون الإمبراطورية تتسلل بنعومة فائقة من بين الشقوق الطفيفة للستائر المخملية الثقيلة، لترسم خطوطاً ذهبية دافئة فوق الفراش الملكي الفسيح. كانت الأجواء عابقة بعبير عطر الأوركيد والياسمين البري الذي يفوح من جسد "تولين" المستلقية بر

  • أسياد الوجع   انبثاق الفجر من رحم الجحيم

    ساد الظلام الدامس أرجاء القاعة الخرسانية الشاسعة ككفن أسود هبط فجأة ليلتف حول رقاب الجميع، وتبددت الإضاءة الصفراء الشاحبة في جزء من الثانية إثر قطع "ياسين" و"آسر" لكابلات المولد الرئيسي بالخارج. في تلك اللحظة التي انعدمت فيها الرؤية تماماً، انطلقت الشرارة الأولى للجحيم؛ ولم تكن الآذان بحاجة إلى أعين لترى، فقد تكلّم الرصاص بلسان من نار، ودوت في عتمة المخزن الصحراوي أصوات انفجارات مكتومة ومتلاحقة، ممتزجة بفحيح الرصاص الذي كان يخترق الهواء ليصطدم بالجدران الخرسانية، صانعاً شظايا متناثرة ورائحة بارود خانقة تملأ الصدور بالذعر.لم يكن "مالك الراوي" بحاجة إلى الضوء ليتحرك؛ فعقله الحاد وصوت صراخ "تولين" الأخير حددا له إحداثيات الهدف بدقة متناهية. وفي اللحظة التي انقطع فيها النور، ألقى بجسده القوي نحو الجانب الأيسر غريزياً، متفادياً وابل الرصاص العشوائي الذي أطلقه رجال رأفت المنشاوي برعب وتخبط. سقطت عصاه الأبنوسية من يده لثوانٍ، لكنه استند على ركبته السليمة، وبحركة خاطفة تملأها الشراسة، رفع مسدسه الناري وبدأ يطلق رصاصاته الدقيقة والمحسوبة نحو مصادر الوميض الناجم عن أسلحة الأعداء.

  • أسياد الوجع   زئير الأسد ونيران الفقد الجارف

    في المكتب الرئيسي لشركات "الراوي"، كانت الساعة قد تجاوزت الثالثة ظهراً بقليل حين تحولت الأجواء من الترقب الصارم إلى غليان دموي مكتوم. كان "مالك" يجلس خلف مكتبه، وعيناه معلقتان بشاشة الحاسوب يتابع حركة السفن الموشكة على دخول المياه الإقليمية، ويده اليسرى تطرق فوق سطح المكتب الخشبي بإيقاع منتظم ومتوتر، بينما كانت عصاه الأبنوسية الفخمة مسندة بجانبه كحارس صامت ينتظر إشارة البدء.انفتح باب المكتب فجأة ودون طرق، ودلف "ياسين" بوجه شاحب كالموت، وعيناه تتسعان بفزع شلّ أطرافه، وكان يمسك بهاتفه المحمول بيد ترتعد بعنف. تقدم نحو شقيقه الأكبر بخطوات متعثرة، وهتف بصوت مخنوق لاهث:— مالك.. مصيبة يا مالك! تولين.. تولين مش في القصر، الحراسة اللي كانت معاها فوق في فرع الدقي لسه مكلمينا حالا بعد ما فكوا نفسهم.. تولين اتمسكت يا مالك! "رأفت المنشاوي" نصب ليها فخ وخدها من مكتب شاكر الجويلي القديم!انتفض "مالك" من مقعده بحركة مفاجئة وعنيفة نسيت معها شياطين الكبرياء آلام ساقه المبتورة. سقطت العصا الأبنوسية على الأرضية الرخامية لتحدث رنيناً مدوياً اهتزت له جدران المكتب الفخم. استند

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status