تسجيل الدخولبقيت إيما واقفة في أعلى الدرج للحظات بعد أن اختفى لوكاس في الطابق السفلي، وكان الصمت الذي عاد يملأ القصر أثقل مما كان قبل دقائق، فالمكان كله بدا ساكنًا بطريقة غير طبيعية وكأن الجدران نفسها تراقبها وتنتظر ما ستفعله بعد ذلك.
لم تكن تعرف لماذا لم تعد مباشرة إلى غرفتها كما طلب منها، ربما لأن جزءًا منها كان يرفض أن يتصرف وكأنه سجين مطيع داخل هذا المكان، وربما لأن الفضول الذي بدأ ينمو بداخلها منذ أن دخلت القصر لم يسمح لها ببساطة أن تستسلم وتغلق الباب خلفها. وقفت لحظة أخرى قبل أن تنزل درجتين ببطء، وكانت يدها تنزلق فوق الدرابزين الخشبي المصقول بينما تحاول أن تستمع لأي صوت يأتي من الطابق السفلي، لكن القاعة بدت هادئة تمامًا. عندما وصلت إلى آخر درجة توقفت. لم يكن هناك أحد في القاعة. الطاولة الزجاجية التي كان لوكاس يقف عندها قبل قليل ما زالت في مكانها، والضوء المنعكس من الثريا الكبيرة فوق السقف كان يجعل الأرضية الرخامية تلمع كمرآة واسعة، أما الباب الجانبي الذي خرج منه دانيال قبل دقائق فكان مغلقًا الآن. تقدمت إيما بضع خطوات داخل القاعة وهي تنظر حولها بحذر، وقد بدأت تلاحظ تفاصيل لم ترها في المرة الأولى عندما دخلت المكان وهي خائفة. كانت هناك لوحات فنية كبيرة معلقة على الجدران، بعضها يبدو قديمًا جدًا، وتماثيل صغيرة موضوعة فوق قواعد رخامية قرب الزوايا، وكل شيء في المكان يوحي بأن القصر يملكه شخص لديه مال كثير… وربما نفوذ أكثر. لكن أكثر ما لفت انتباهها كان الهدوء. لم يكن هناك خدم يتجولون ولا أصوات حياة طبيعية كما يحدث في أي منزل كبير. وكأن هذا القصر يعيش على إيقاع مختلف تمامًا عن بقية العالم. اقتربت من إحدى النوافذ الكبيرة ونظرت إلى الخارج، فرأت جزءًا من الحديقة المظلمة يمتد أمامها، وكان الحارس الذي وقف قرب البوابة قبل قليل ما زال في مكانه، يتحرك ببطء على طول السور وكأنه معتاد على الدوريات الليلية. قالت لنفسها بصوت خافت — رائع… حتى الحديقة مراقبة. في تلك اللحظة بالضبط انفتح أحد الأبواب الجانبية بهدوء، فالتفتت إيما بسرعة. دخل لوكاس إلى القاعة مرة أخرى. لم يكن يبدو متفاجئًا لرؤيتها هناك. بل توقف للحظة قصيرة فقط وكأنه كان يتوقع ذلك أصلًا. قال بهدوء وهو ينظر إليها — قلت لك أن تعودي إلى غرفتك. شعرت إيما بشيء من الإحراج لأنها ضبطت وهي تتجول، لكنها رفعت رأسها قليلًا وقالت — لم أكن أحاول الهرب. اقترب لوكاس بضع خطوات داخل القاعة، وكان صوته منخفضًا لكنه واضح عندما قال — هذا ليس السبب الوحيد الذي يجعلني لا أحب أن يتجول الضيوف في الليل. توقفت عند كلمة ضيوف. رفعت حاجبها وقالت — هل هذا ما تسميه؟ — هل تفضلين كلمة أخرى؟ ترددت لحظة قبل أن تقول — سجينة تبدو أدق. لم يعلق فورًا. بل توقف أمام الطاولة الزجاجية ووضع يده فوقها بينما ينظر إليها من الجانب، وكان الضوء المنعكس من الثريا يجعل ملامحه تبدو أكثر حدة مما كانت عليه في الزقاق. قال أخيرًا — الأمر يعتمد على تصرفك. زفرت إيما ببطء. — يبدو أنك تحب هذه الجملة. اقترب خطوة أخرى، ثم قال — لأن الناس عادة يثبتون أنها صحيحة. سادت لحظة صمت قصيرة بينهما، قبل أن تقول إيما وهي تنظر حولها مرة أخرى — هذا المكان… كبير أكثر مما توقعت. نظر لوكاس إلى الجدران حوله وكأنه يرى القاعة لأول مرة. — القصر قديم. قالت — لكنه لا يبدو قديمًا. — تم ترميمه. اقتربت من إحدى اللوحات المعلقة على الجدار، كانت لوحة زيتية كبيرة لرجل يقف قرب حصان أسود، وبدت الألوان فيها عميقة بطريقة تدل على أنها ليست جديدة. قالت وهي تراقب اللوحة — هل هو أحد أجدادك؟ أجاب دون أن يقترب — لا. التفتت نحوه. — إذن لماذا تحتفظ بلوحته؟ قال بهدوء — لأنه كان يملك هذا القصر قبلنا. فهمت إيما أن كلمة قبلنا تعني شيئًا أكثر من مجرد شراء منزل. لكنها لم تعلق. اقتربت خطوة أخرى من الطاولة الزجاجية، ثم نظرت إليه مباشرة. — هل تعيش هنا وحدك؟ — لا. — لكن لا يبدو أن هناك الكثير من الناس. قال — لأن معظمهم يعملون. قالت بفضول واضح — يعملون في ماذا؟ نظر إليها لثوانٍ قبل أن يقول — هذا ليس سؤالًا جيدًا لفتاة في وضعك. أدركت إيما أنه لن يجيب، لكنها لم تستطع منع نفسها من الاستمرار. — الرجل الذي قتلته… ماذا فعل؟ لم يتغير تعبير وجه لوكاس. لكنه قال بعد لحظة قصيرة — أخطأ. قالت ببطء — يبدو أن خطأه كان مكلفًا جدًا. اقترب خطوة أخرى. — في عالمي… الأخطاء الكبيرة لها عواقب كبيرة. شعرت إيما أن الطريقة التي قال بها ذلك لم تكن تهديدًا مباشرًا لها، لكنها كانت رسالة واضحة. سادت لحظة صمت أخرى. ثم قالت فجأة — هل سأبقى هنا فعلًا؟ لم يجب فورًا. بل نظر إليها للحظة وكأنه يزن الكلمات قبل أن يقول — لبعض الوقت. — كم؟ — لم أقرر بعد. شعرت إيما أن هذا الرد جعل الوضع أكثر سوءًا مما كان. — لدي جامعة… أصدقاء… عائلة. قال بهدوء — إذا اختفيت لبضعة أيام لن ينهار العالم. رفعت صوتها قليلًا — ربما لا… لكن حياتي ستنهار. اقترب أكثر حتى أصبحت المسافة بينهما صغيرة بما يكفي لتجعلها تشعر بوجوده بوضوح. قال بصوت منخفض — حياتك ستبقى كما هي… إذا لم تتسببي بالمشاكل. تبادلا النظرات للحظة طويلة. كانت عيناه الرماديتان ثابتتين عليها بطريقة جعلتها تشعر أنه يحاول قراءة أفكارها، أما هي فكانت تحاول أن تبدو هادئة رغم التوتر الذي يسري في صدرها. قالت أخيرًا — هل تعرف ما المشكلة في هذا المكان؟ رفع حاجبه قليلًا. — ما هي؟ قالت — كل شيء فيه مرتب وهادئ… وكأن شيئًا سيئًا لا يمكن أن يحدث هنا. سأل — وهذا يزعجك؟ هزت رأسها. — لأنه يجعلني أتذكر ما حدث في الزقاق. لم يجب. لكن نظراته لم تبتعد عنها. ثم قال بعد لحظة — كان بإمكانك ألا تكوني هناك. ابتسمت ابتسامة خفيفة خالية من المرح. — يبدو أنني أسمع هذه الجملة كثيرًا الليلة. صمتا مرة أخرى. ثم قال لوكاس — عودي إلى غرفتك يا إيما. نظرت إليه للحظة وكأنها تريد أن تقول شيئًا آخر، لكنها أدركت أن النقاش لن يغير شيئًا. استدارت ببطء نحو الدرج وبدأت تصعد. وعندما وصلت إلى منتصف السلم توقفت لحظة ونظرت خلفها. كان لوكاس ما زال واقفًا في المكان نفسه يراقبها. قالت فجأة — هل تنام أصلًا؟ سأل — لماذا؟ قالت — لأنك تبدو كشخص يقضي الليل كله يفكر. لم يرد فورًا. لكن عندما وصلت إلى أعلى الدرج سمعته يقول بهدوء — وأنت تبدين كشخص لا يعرف متى يتوقف عن طرح الأسئلة. ابتسمت قليلًا رغم نفسها قبل أن تختفي في الممر العلوي. أما لوكاس فبقي واقفًا في القاعة للحظات بعد أن اختفت خطواتها، ثم التفت نحو الباب الجانبي عندما دخل دانيال مرة أخرى. قال دانيال وهو ينظر نحو الدرج — لا تبدو خائفة كما توقعت. أجاب لوكاس — هي خائفة. — لكنها تتحدث كثيرًا. قال لوكاس بهدوء — هذا ما يفعله الناس عندما يحاولون ألا يظهروا خوفهم. اقترب دانيال خطوة. — ما زلت أعتقد أن الاحتفاظ بها هنا قد يجلب المشاكل. نظر لوكاس نحو الدرج مرة أخرى للحظة قصيرة. ثم قال — ربما. سأله دانيال — إذن لماذا لم تتركها تذهب؟ صمت لوكاس للحظة. ثم قال أخيرًا — لأنني لست متأكدًا بعد… إن كانت مجرد فتاة عادية صادفت المكان الخطأ. أو شيئًا آخر تمامًا.كلما اقتربت السيارات من الأضواء البعيدة، ازداد شعور إيما بأن هذا المكان مختلف عن أي شيء رأته من قبل، فلم يكن قصرًا فاخرًا مثل مقر لوكاس، ولا مخبأ صغيرًا معزولًا كما تخيلت، بل بدا أشبه بمجمع ضخم بُني في قلب الجبال بعيدًا عن أعين الجميع، تحيط به أسوار حجرية مرتفعة تمتد وسط الأشجار الكثيفة، بينما انتشرت نقاط مراقبة عند أطراف المنطقة بطريقة أوحت أن المكان أُعد لمواجهة الأخطار قبل سنوات طويلة.تباطأت السيارات تدريجيًا عند اقترابها من البوابة الرئيسية، وسرعان ما تحرك الحراس الموجودون هناك بعد أن تعرفوا على الموكب، وانفتحت البوابة المعدنية الثقيلة ببطء لتسمح لهم بالدخول.راقبت إيما المشهد من خلف النافذة بصمت، ثم قالت وهي تنظر إلى الساحة الواسعة التي ظهرت أمامهم— عندما قلت مكانًا آمنًا لم أتوقع مدينة كاملة.قال دانيال وهو يزفر أخيرًا وكأنه استعاد بعض هدوئه— صدقيني... هذا الوصف ليس مبالغة.توقفت السيارات قرب المبنى الرئيسي، وما إن ترجل الجميع حتى شعرت إيما بالهواء البارد يضرب وجهها، فالمكان كان أعلى بكثير من القصر، والليل هنا أكثر هدوءًا بشكل غريب، حتى إن صوت خطواتهم بدا واضحًا وسط الصمت المحيط.خر
بقيت الكلمات التي قالها دانيال معلقة داخل السيارة لثوانٍ طويلة، وكأن الهواء نفسه أصبح أثقل فجأة، بينما انعكست أضواء الطريق المتقطعة على الوجوه الصامتة، ولم تحتج إيما إلى النظر خلفها لتفهم أن الأمر خطير، فطريقة دانيال وحدها كانت كافية لذلك.أدار لوكاس رأسه قليلًا نحو المرآة الأمامية.— متأكد؟أجاب دانيال دون تردد.— منذ خرجنا من الطريق الرئيسي.في البداية ظننتها مصادفة، لكنها غيرت مسارها معنا مرتين.ساد صمت قصير.ثم قال لوكاس.— أي سيارة؟— السوداء خلفنا مباشرة.نظرت إيما نحو النافذة الجانبية، ثم قالت.— هل هي واحدة من السيارات التي جاءت إلى القصر؟رد دانيال.— لا أستطيع التأكد من هذه المسافة.لكنها ليست هنا من أجل التنزه بالتأكيد.في السيارة الثالثة، وصل صوت أدريان عبر جهاز الاتصال.— أرجو أن تخبروني أنني لست الوحيد الذي يرى السيارة خلفنا.قال دانيال.— إذن رأيتها أنت أيضًا.ضحك أدريان ضحكة قصيرة.— من الصعب ألا أراها وهي تتصرف كظلنا الشخصي منذ نصف ساعة.قال لوكاس.— حافظوا على هدوئكم.لا نعرف بعد إن كانوا سيتحركون أو يكتفون بالمراقبة.جاء صوت أدريان ساخرًا كعادته.— هذا مطمئن جدًا.أمالت إيما رأسها نحو النا
مع اقتراب المساء، بدأ القصر يفقد ذلك الهدوء الذي بدا ثابتًا خلال الأيام الماضية، فبعد القرار الذي اتخذه لوكاس بالمغادرة لم يعد هناك مجال للتردد أو الانتظار، وأصبح الجميع يتحرك وكأن ساعة خفية بدأت العد التنازلي لشيء خطير قادم، وكانت إيما تراقب كل ذلك بعينيها منذ عادت إلى غرفتها، تسمع أصوات الأقدام في الممرات وأصوات الأبواب التي تُفتح وتُغلق باستمرار، بينما كانت الحقيبة الموضوعة فوق الطاولة تذكرها كل دقيقة بأن الليلة ستكون مختلفة عن كل الليالي السابقة.جلست على حافة السرير لبعض الوقت ثم نهضت من جديد، لم تستطع البقاء ساكنة، فالأفكار كانت أكثر من أن تسمح لها بالراحة، وكلما تذكرت ما حدث قبل ساعات شعرت أن الأمور تخرج عن السيطرة أكثر فأكثر، فهناك أشخاص يبحثون عنها، وآخرون مستعدون لحمايتها مهما كلف الأمر، وهي نفسها لا تعرف بعد لماذا أصبحت مهمة إلى هذه الدرجة.استدارت عندما سمعت طرقًا على الباب.قالت بهدوء— ادخل.انفتح الباب ودخل لوكاس.لم يحمل أي ملف أو هاتف هذه المرة، ولم يبدُ منشغلًا كما كان دائمًا، بل وقف للحظة ينظر إليها وكأنه يريد التأكد من شيء ما.رفعت حاجبها وهي تراقبه— ماذا؟قال بهدوء— سنغاد
لم يكن التحذير الذي وصل عبر جهاز دانيال مجرد خبر عابر يمكن تأجيله أو التقليل من أهميته، بل كان بمثابة الشرارة التي حولت التوتر الصامت داخل القصر إلى حركة حقيقية وسريعة، فخلال ثوانٍ فقط تغيّرت ملامح الجميع، لم يعد هناك مجال للنقاش الطويل أو الجدال، بل أصبحت كل كلمة محسوبة وكل قرار يجب أن يُتخذ فورًا، ومع ذلك بقيت إيما في مكانها، عيناها مثبتتان على لوكاس وكأنها ترفض أن تتحرك قبل أن تفهم ما يحدث بالكامل.قال لوكاس بنبرة أكثر حدة من قبل وهو ينظر إليها مباشرة— قلت إلى الأعلى الآن.لكنها لم تتحرك، بل قالت بصوت ثابت رغم كل شيء— هذه المرة لا.تجمدت اللحظة لثانية، ليس بسبب رفضها فقط، بل بسبب الطريقة التي قالت بها تلك الكلمة، وكأنها لم تعد مجرد رد فعل بل قرار واضح.اقترب خطوة، صوته انخفض لكنه أصبح أكثر ضغطًا— إيما… هذا ليس وقت العناد.ردت فورًا— وهذا ليس وقت إخفاء الحقيقة عني.تدخل أدريان بنبرة سريعة— إن بقيت هنا ستعرّضين نفسك للخطر.نظرت إليه دون أن تلتفت بجسدها— أنا في خطر أصلًا.قال دانيال وهو يضع الجهاز جانبًا— الحركة ليست بعيدة، ربما دقائق فقط قبل أن يحاولوا الدخول.سكتت لثانية، ثم قالت— إذن دعوني
لم تمرّ ساعة كاملة بعد ذلك النقاش حتى بدأ القصر يتحوّل إلى ما يشبه خلية نحل صامتة، الحركة فيه لم تكن فوضوية، بل منظمة بدقة، رجال يدخلون ويخرجون من الممرات، أصوات أجهزة اتصال منخفضة، وأوامر تُعطى دون رفع الصوت، وكأن الجميع يدرك أن المرحلة التالية بدأت بالفعل، حتى لو لم تُعلن رسميًا.في الغرفة، لم تجلس إيما هذه المرة، بل بقيت واقفة تتحرك بين النافذة والطاولة، وكأن الجدران أصبحت أضيق من أن تحتوي أفكارها، فقد كانت الكلمات التي قيلت قبل قليل تدور في رأسها بلا توقف، خاصة تلك اللحظة التي رفض فيها لوكاس استخدامها كطُعم، لم يكن ذلك ما توقعته منه، ولم يكن شيئًا تستطيع تجاهله بسهولة.وقفت أخيرًا أمام النافذة، لكنها لم تفتحها، فقط وضعت يدها على الزجاج البارد، وقالت بصوت منخفض— إذا كانوا سيأتون… فسيأتون.وكأنها لم تعد تفكر في الهروب فقط، بل في المواجهة.في تلك اللحظة، انفتح الباب دون طرق.دخل دانيال.لكن هذه المرة، لم يكن وحده.دخل خلفه لوكاس.أغلِق الباب.استدارت إيما ببطء، ونظرت إليهما، ثم قالت مباشرة— واضح أن هناك شيئًا يحدث.تقدم دانيال خطوة— هناك تحرّك خارج القصر.ضيقت عينيها— منهم؟أجاب
لم يختفِ صوت محرك السيارة فورًا، بل بقي يتردد في الخارج لثوانٍ طويلة بعد أن غادر الرجلان، وكأن القصر نفسه كان يحتاج وقتًا ليستوعب أن التهديد لم ينتهِ فعليًا، بل ابتعد فقط قليلًا، وفي الداخل ظلّ الصمت مسيطرًا، ذلك الصمت الذي يأتي بعد شيء كبير، حين لا يعرف أحد ماذا يقول أولًا.وقفت إيما في مكانها، لم تتحرك منذ أن خرج لوكاس مجددًا، لكن هذه المرة لم تقترب من الباب، بل بقيت تحدق في الفراغ أمامها، تحاول ترتيب ما حدث، وكلما أعادت المشهد في رأسها، أدركت أكثر أن وجودها هنا لم يعد مسألة قرار أو احتياط، بل أصبح نقطة في لعبة أكبر.لم تلتفت إيما عن النافذة، لكنها لم تعد ترى انعكاسها فقط، بل كانت تراقب من خلال الزجاج الحركة في الخارج، رغم أن الحديقة بدت هادئة أكثر من اللازم، وكأن ما حدث قبل دقائق لم يترك أي أثر، إلا أن ذلك الهدوء لم يكن مريحًا، بل كان يشبه الهدوء الذي يسبق عاصفة لم تصل بعد.في الخلف، تحرك دانيال نحو الباب، يتحدث بهدوء مع أحد الحراس عبر جهاز صغير في أذنه، صوته منخفض لكنه حازم، بينما بقي أدريان واقفًا قرب الطاولة، يراقب إيما بنظرة طويلة لم تكن عشوائية، وكأنه يحاول أن يفكك كل حركة منه
لم تكن خطوات إيما في الحديقة عشوائية كما بدت للحراس الذين ساروا خلفها على مسافة مدروسة، بل كانت تتحرك ببطء مقصود، تنظر إلى كل زاوية وكأنها تستكشف المكان لأول مرة، بينما في الحقيقة كانت تحفظ التفاصيل، أماكن الأشجار، المسارات الحجرية، مواقع الكاميرات التي بدأت تلاحظها عند أطراف الممرات، وحتى الزوايا
ظلّت إيما واقفة قرب النافذة لوقت أطول مما توقعت، تنظر إلى الحديقة التي أصبحت الآن مألوفة رغم أنها لم ترها إلا لبضع ساعات، لكن الإحساس بالاختناق داخل الغرفة الجديدة لم يكن مرتبطًا بالمكان نفسه بقدر ما كان مرتبطًا بما يعنيه وجودها هنا، فكل تفصيلة، من الحراس الواقفين خارج الباب إلى صمت الممرات، كانت ت
لم تمر سوى دقائق قليلة بعد خروج لوكاس من الغرفة حتى بدأت إيما تشعر أن البقاء في مكانها دون فعل أي شيء أصعب بكثير من مواجهة ما يحدث، فقد كانت الكلمات التي قالها قبل قليل ما تزال تتردد في ذهنها، خاصة تلك الجملة القصيرة التي حملت أكثر مما يجب: “هذا ليس طلبًا”، وكان واضحًا أن الرجل الذي يتحدث بهذه الطر
لم تكن تلك الليلة مختلفة في بدايتها عن أي ليلة أخرى في حياة إيما، فقد خرجت من المكتبة الجامعية بعد ساعات طويلة من الدراسة بينما كانت المدينة قد بدأت تغرق ببطء في هدوء الليل، وكانت الشوارع شبه فارغة إلا من ضوء المصابيح الصفراء التي تنعكس على الأرصفة المبللة بمطر خفيف سقط قبل قليل، وقد كانت إيما تمشي







