Se connecterكان القبو يغرق في سكونٍ ثقيل، سكونٌ لا يقطعه إلا صوت دوران المراوح في أجهزة الحاسوب التي تئن تحت وطأة البيانات المشفرة، وأنفاسي المتلاحقة التي بدأت تهدأ تدريجياً. بعد أن نجحنا في فك الشفرات، لم تعد الملفات مجرد ورقٍ أو بياناتٍ رقمية؛ تحولت إلى أشباحٍ من ماضٍ لم أعش تفاصيله، لكنني أعيش تبعاته في كل لحظة. جلستُ على الأرض الباردة، متكئةً على طاولةٍ خشبية قديمة، بينما كان إياد يتنقل في أنحاء القبو، يجمع بعض الملفات المبعثرة التي كان يحتفظ بها في خزانةٍ فولاذيةٍ مخفية خلف رفوف الكتب.
نظرتُ إلى ظله وهو يتحرك. كان يبدو في هذه الإضاءة الخافتة كأنه رجلٌ يحمل وزر العالم على كتفيه. بدأتُ أتأمل الملفات التي بين يدي، كانت تحتوي على ملاحظاتٍ بخط يد والدي، رسوماتٍ هندسية، وكلماتٍ متقطعة عن "العدالة" و"الحقيقة". "إياد..." بدأتُ، وصوتي يبدو غريباً في هذا الفراغ، مشبعاً بفضولٍ مؤلم. "كنت تعرفه جيداً، أليس كذلك؟ لستَ مجرد حامٍ لبياناته، أنت كنت تعرف الرجل خلف هذه الأرقام، الرجل الذي كان يضحك، والذي كان يخاف، والذي كان يحلم." توقف إياد عن الحركة فجأة. رأيتُ ظهره يتصلب لثانيةٍ قبل أن يستدير نحوي ببطء. لم تكن نظراته قاسية، بل كانت محملةً بعبء السنين، بنظرةِ رجلٍ عاد به الزمن إلى الوراء. اقترب وجلس على الأرض قبالتي، متجاهلاً تماماً هيبة مكانه كقائدٍ لهذا القصر، وكأنه يلقي بأسلحته جانباً أمام ذكرى والدي. "لم يكن مجرد باحث، يا نور،" قال بصوتٍ خافت، وكأن الكلمات تكلفه جهداً. "كان الرجل الوحيد الذي تجرأ على قول 'لا' للمنظمة حين قرروا تحويل أبحاثه إلى أدوات دمار شامل. كان يظن أن العلم حقٌ للجميع، بينما كانوا هم يرونه وسيلة للسيطرة على الجميع. كان مثاليّاً، وهذا ما جعله الهدف الأول." فتحتُ ملفاً كان يحمل صورةً قديمة لوالدي وإياد في مختبرٍ صغير، كانت ملامحهما تشع أملاً لم يعد له وجود. كانت الصورة بالأبيض والأسود، لكنها كانت تتحدث عن عهدٍ قبل الخيانة. "لماذا لم تخبرني؟ لماذا تركتني أعيش كل هذه السنين ألعنك، وأنت كنت الشخص الوحيد الذي أقسم على حمايتي؟ لماذا جعلتني أظن أنك أنت من أخذته مني؟" نظر إليّ بعينين حزينتين، كان فيهما اعترافٌ بمدى قسوة ما فعله. "لو عرفتِ الحقيقة في ذلك الوقت، لكانت المنظمة قد قتلتكِ فوراً. كنتِ لقمةً سائغة، فتاةً حزينة تبحث عن إجابات، وهذا ما كانوا ينتظرونه. كان عليّ أن أجعلكِ تكرهينني، كان عليّ أن أجعلكِ تركزين غضبكِ عليّ، لأن الغضب كان سيحميكِ من الحقيقة التي قد تكسركِ وتدفعكِ نحو حتفكِ." هززتُ رأسي بمرارة، وشعرتُ بدمعةٍ ساخنة تنزلق على خدي. "ظننتُ أنني كنتُ أعيش حياتي، لكنني كنت أعيش كذبةً صغتها أنت. كل تلك السنين التي أمضيتها في الجامعة، كل تلك الوظائف، كل صديقٍ دخل حياتي، كانت مراقبة، أليس كذلك؟ كنتَ تحركني كقطعة شطرنج دون أن أشعر." "نعم،" اعترف بصدقٍ جارح، ولم يبتعد عن نظراتي الحادة. "منذ اللحظة التي اختفى فيها، وضعتُ كل مواردي لحمايتك. كنتُ أراقب خطواتكِ من بعيد، أبعد الخطر قبل أن يقترب، أهندس حياتكِ لتبقي بعيدةً عن الأنظار. لم أكن أخطط لاختطافكِ أبداً، لكن عندما شعرتُ أنهم بدأوا يقتربون أكثر من أي وقتٍ مضى، كان القصر هو المكان الوحيد الذي يمكنني فيه إخفاءكِ عن عيونهم. كنتُ أعتبر نفسي سجّانك، لكنني كنت فعلياً سياجاً يحيط بكِ." كان كلامه يرتطم بصدري كالموج. شعرتُ بالضياع، فالعالم الذي بنيتُه لنفسي طوال حياتي كان مبنياً على قراراتِ هذا الرجل. لم أكن أعرف ما إذا كان عليّ أن أشكرّه على إنقاذ حياتي، أم ألعنه لأنه سلبني حريتي في اتخاذ قراراتي الخاصة، لأنني فقدتُ الثقة في كل ما عشته. "أنت لا تدرك حجم ما فعلتَه بي،" قلتُ وأنا أمسك بالصورة القديمة بقوة حتى تشنجت أصابعي. "لقد جعلتني أعيش في أطلالِ حياةٍ لم تكن لي. والآن، عندما أواجه الحقيقة، أجد أنني لا أملكُ شيئاً... لا أملكُ والداً، لا أملكُ ماضياً غير هذا القبو المظلم، ولا أملكُ حتى ذكرياتٍ نقيةً عن طفولتي، لأنني لا أعرف ما هو الحقيقي منها وما هو المزيف." مدّ إياد يده، ليس ليلمسني هذه المرة، بل ليمسح بسبابته على الصورة التي في يدي بحنانٍ مفاجئ. "أنتِ تملكين المستقبل، يا نور. وهذا ما كان يحرص عليه دائماً. لم يكن يريدكِ أن تكوني ضحيةً لماضيه. كان يريدكِ أن تكوني الحرة الوحيدة في عالمٍ من العبيد. لقد ضحى بوجوده لكي تبقي أنتِ." في تلك اللحظة، نظرتُ إلى إياد ورأيتُ أطلال ماضيه هو الآخر. رأيت الرجل الذي ضحى بكل شيء—سمعته، طموحه، بل وربما قلبه—فقط ليحمي إرث رجلٍ آخر. أدركتُ أننا كلينا عالقان في هذا الماضي، كلينا نعيش على أنقاض ما كان يجب أن يكون. "سنحرق هذه الأطلال،" قلتُ، وصوتي يمتلئ بعزمٍ جديد، وكأن شيئاً ما قد انطفأ في قلبي وبدأ ينمو مكانه لهبٌ آخر. "سأجد من قتل والدي، وسأستعيد حريتي، وسنجعلهم يدفعون الثمن." نظر إياد إليّ، ورأيتُ في عينيه شيئاً لم أرَه من قبل: اعترافاً. لم يعد يراني كابنةٍ لزميله، ولا كضحيةٍ يحميها، بل بدأ يراني كقوةٍ موازية له، كشريكةٍ في الوجع وفي الانتقام. "إذاً، سنبدأ من أين انتهى هو،" قال وهو ينهض، ماداً يده ليساعدني على الوقوف. وقفنا معاً، والملفات من حولنا تبدو كشواهد قبورٍ لماضٍ انتهى للأبد. شعرتُ أن المسافة بيننا قد تقلصت؛ لم نعد سجاناً وأسيرة، بل أصبحنا مقاتلين يقفان على حافة الهاوية. كانت رائحة الورق القديم والغبار في القبو تعبق بالمكان، لكنني لم أعد أشم فيها سوى رائحة التغيير. كان الماضي قد انتهى، والآن... الآن تبدأ الحرب التي ستغير كل شيء. ًكانت الغابة من حولنا تتنفس الغموض، وأشجارها العتيقة تبدو كحراسٍ صامتين لشاهدةٍ على انهيار عالمٍ بأكمله. لم نكن نعرف إلى أين تتجه بنا أقدامنا، لكننا كنا نعرف جيداً أن التوقف يعني الموت. كان المطر قد توقف، لكن الأرض الموحلة تحت أقدامنا كانت تعيق حركتنا، وتجعل كل خطوةٍ معركةً ضد الجاذبية والإرهاق. كان إياد يترنح بجانبي، وقد بدأ فقدان الدم يؤثر على توازنه، لكن يده لم تترك يدي أبداً؛ كانت قبضته هي الحبل الوحيد الذي يربطني بالحياة في هذا العالم الذي فقد توازنه.توقفنا في منطقةٍ كثيفة الأشجار، حيث لم يعد ضوء القمر قادراً على اختراق الغصون المتشابكة. استند إياد إلى جذع شجرة بلوط ضخمة، وأنزل رأسه بين يديه. كان صدره يعلو ويهبط بسرعة، وصوت أنفاسه المتقطعة كان يمزق سكون الليل. "لا يمكننا المضي قدماً بهذه السرعة يا نور،" قال بصوتٍ خافت، مغموسٍ بالألم. "الجرح... إنه يزداد سوءاً."جلستُ بجانبه على الأرض، وبدأتُ أفتح حقيبة الإسعاف الصغيرة التي كنت قد انتزعتها من داخل القبو قبل هروبنا. كانت يدي ترتجف، ليس من الخوف، بل من الغضب الذي كان يغلي في عروقي. لقد خسرنا القصر، خسرنا كل ما كان يربطنا بهويتنا، وأ
كان الظلام في الأنفاق تحت قصر "أرينور" خانقاً، محملاً برائحة العفونة والتراب الرطب، لكنه كان بالنسبة لي ولك، يا إياد، رائحة الحياة التي انتزعناها من براثن الموت. لم يكن خروجنا عبر تلك الأنفاق هروباً عادياً؛ كان زحفاً في أحشاء الأرض، حيث كانت الجدران الحجرية القديمة تبدو وكأنها تراقب حركتنا. لم أكن أسمع سوى صوت أنفاسنا المتلاحقة وصوت ارتطام أقدامنا بالصخور. كان إياد يتكئ بجسده المنهك عليّ، وكان جرح كتفه لا يزال ينزف، يقطر دماً امتزج بتراب الأنفاق، لكنه لم يتوقف عن المضي قدماً، كانت إرادته أصلب من الحجر الذي يحيط بنا.بعد ساعات من الزحف، وصلنا إلى مخرجٍ مخفي خلف جدارٍ من اللبلاب المتسلق في أطراف الغابة المحيطة بالقصر. خرجنا إلى الهواء الطلق، وكان المطر لا يزال يهطل بغزارة، يغسل عن وجوهنا غبار المعركة، لكنه لم يغسل تلك الرعشة التي تسكن أعماقنا. توقفنا للحظة لنلتقط أنفاسنا. كان القصر في الخلف يشتعل، ألسنة اللهب تتصاعد منه كأنها صرخاتٍ حزينة، وكان دخانه الأسود يلطخ سماء الليل.في تلك اللحظة، ظهر من بين الأشجار ظلٌ مألوف. لم تكن حركةً عسكرية، بل كانت مشيةً واثقة ومستفزة. توقف الرجل، وأشعل س
لم يعد القصر قصراً. لقد تحول في غضون لحظات إلى متاهة من الجحيم، حيث اختلط صوت الرصاص الصامت—المكتوم بواسطة كاتمات الصوت—بصوت خطوات الأقدام التي كانت تطأ الرخام ببرودٍ قاتل. كنتُ أقف في مركز القبو، يداي لا تزالان مثبتتين على لوحة التحكم، لكن عينيّ كانتا عالقتين في الشاشات التي تعرض الممرات التي يغزوها الموت.رأيتُ إياد عبر الكاميرا رقم 7. كان يتحرك ببراعة القطة المفترسة في الممر الشرقي. لم يكن يقاتل من أجل البقاء فحسب، كان يقاتل من أجل فكرة، من أجل إرث، وربما من أجلي. سقط أحد المقتحمين، ثم آخر، قبل أن يدرك المهاجمون أنهم لا يواجهون حارساً عادياً، بل وحشاً محاصراً يعرف كل زاوية من زوايا هذا القصر. كان إياد يختفي في الظلال ويظهر خلفهم، حركةٌ واحدة، انحناءةٌ دقيقة، ثم إطلاق نارٍ مدروس. لم يكن يهدر رصاصةً واحدة."إياد، إنهم يحيطون بك من جهة المكتبة!" صرختُ في الميكروفون المربوط بالسماعات الخفية التي يرتديها.أجابني صوته، وكان هادئاً بشكلٍ مرعب رغم القتال: "استمري في عزل الممرات يا نور. لا تسمحي لهم بالوصول إلى القبو. سأفتح لكِ طريقاً للخروج إذا تدهورت الأمور، لكن لا تخرجي قبل أن أؤكد لك."
كان الهدوء في قصر "أرينور" تلك الليلة مريباً، ثقيلاً لدرجة أنني كنت أشعر بضغط الهواء في أذنيّ. لم يكن مجرد صمتٍ عادي؛ كان صمتاً مشحوناً، وكأن أركان القصر نفسها تحبس أنفاسها استعداداً لشيءٍ وشيك. قضيت الساعات الماضية في القبو، محاطةً بشاشات المراقبة التي كانت تعرض أروقة القصر الخالية، بينما كان إياد يتنقل بين الخرائط والأسلحة، يراجع خطط الدفاع ببرودٍ يثير الأعصاب، بينما كان "كريم" يقبع في الغرفة المخصصة له في الطابق العلوي، تحت حراسةٍ خفية لم تكن ترضيه.وقفتُ أمام الشاشات، أراقب حركة الظلال في الممرات. كانت الأنوار الخافتة تتراقص على الجدران، وتخلق أشكالاً مشوهة تزيد من حدة توتري. كان عقلي لا يزال عالقاً في الحوار الذي دار بيننا منذ ساعات، والشك الذي بدأ يتسلل إلى قلبي مثل السم البطئ. لماذا عاد كريم الآن؟ وكيف عرف بمكاني؟ كلما نظرتُ إلى انعكاسي في الشاشة السوداء، كنت أرى وجهاً لامرأةٍ تغيرت كثيراً منذ أن دخلت هذا القصر؛ لم أعد تلك الفتاة التي تبحث عن أمانٍ مفقود، بل أصبحت امرأةً تدرك أن الأمان في هذا العالم هو مجرد كذبةٍ نختلقها لنستمر.التفتُّ نحو إياد. كان يفكك سلاحه بهدوء، ثم يعيد ت
كان الهدوء في قصر "أرينور" يميل إلى الكآبة تلك الليلة، وكأن القصر نفسه يشعر بالتوتر الذي يسري في أروقتنا بعد اختراقنا لنظام المنظمة. كنتُ وإياد في القبو، محاطين بشاشاتٍ تعرض خرائط تقنية وتفاصيلَ عن تحركات "الظلال". فجأة، دوّى صوت جرس الباب الرئيسي في أرجاء القصر، وهو صوتٌ لم نعتد سماعه في هذا الوقت المتأخر من الليل.تصلب إياد في مكانه، وسحب سلاحه بلمحة بصر. "لا أحد يأتي إلى هنا،" همس بنبرةٍ خافتة ومحذرة. "ابقِ هنا، نور. لا تتحركي."نظرتُ إلى الكاميرات الأمنية التي قمنا بتفعيلها. عند البوابة الرئيسية، كان يقف رجلٌ يرتدي معطفاً طويلاً، مبللاً بمياه الأمطار التي بدأت تهطل بغزارة. لم يكن يرتدي زياً عسكرياً، بل ملابس مدنية أنيقة، وكان يبدو كشخصٍ جاء ليطرق باباً يعرفه جيداً. حين رفع رأسه نحو الكاميرا، توقف نبضي تماماً."كريم؟" همستُ بذهول.كان كريم، صديق طفولتي، الشخص الذي ظننتُ أنني فقدته في حادثة اختفاء والدي قبل سنوات. كان هو الشخص الوحيد الذي شاركني ذكريات قبل أن يتحول عالمي إلى هذا الجحيم. كيف وصل إلى هنا؟ وكيف عرف مكان هذا القصر؟نزل إياد معي إلى البهو الرئيسي، كان جسده مشدوداً كوتر ق
كانت الغرفة غارقة في صمتٍ مريب، لا يكسره سوى طنين أجهزة الخادم (Server) المكدسة في زوايا القبو. لم تعد هذه المساحة مجرد سجنٍ أو مخبأ، بل تحولت إلى غرفة عمليات حربية. الهواء هنا كان ثقيلاً، مشحوناً بالأدرينالين والتوتر؛ فقد وصلنا إلى لحظة الحقيقة، اللحظة التي قررنا فيها أن ننتقل من مرحلة الدفاع إلى الهجوم. جلستُ أمام الشاشات المتعددة، كانت أصابعي تتحرك بسرعةٍ تكاد تكون غير مرئية على لوحة المفاتيح. خلفي، كان إياد يقف كحارسٍ لا يغفل، عيناه تتنقلان بين الشاشات والباب الفولاذي للقبو، يده تقبض على سلاحه كأن الخطر قد يقتحم علينا المكان في أي ثانية. كانت نظراته تلاحق كل حركة أقوم بها، لم يكن يراقب فقط، بل كان يحلل، وكأنه يرى في سرعة بديهتي انعكاساً للرجل الذي كان يثق به: والدي. "نور، المنظمة بدأت تلاحظ ثغرات في جدار الحماية الخاص بهم،" همس إياد، صوته كان عميقاً وهادئاً بشكلٍ مرعب. "لديهم بروتوكول تدمير ذاتي (Kill Switch). إذا اكتشفوا أننا داخل نظامهم، سيقومون بمسح كل شيء، بما في ذلك الأدلة التي نحتاجها لإثبات تورطهم." توقفتُ للحظة، استجمعتُ تركيزي. "لن يمسحوا شيئاً، إياد. أنا لا أحاول اختر
وقفتُ في وسط القبو، محاطةً بجدرانٍ من الملفات والصور التي كانت يوماً ما تمثل كابوسي، والآن باتت تمثل خريطة طريقي. الهواء في الأسفل كان لا يزال بارداً، لكنه لم يعد يبعث على الرعب؛ فقد تغير شيء ما في داخلي، شيءٌ عميقٌ كسر الطوق الذي كان يربط روحي بالخوف.كان إياد يقف على بعد خطواتٍ مني، يراقبني بصمت،
تراجع الباب الحديدي الضخم إلى الخلف ببطءٍ مهيب، كاشفاً عن عتمةٍ ليست كباقي العتمة؛ كانت عتمةً محملةً برائحة الغبار الممزوجة برائحةٍ قديمة، شيءٌ يشبه عطر إياد، لكنه أكثر حدةً وقسوة. في تلك اللحظة، لم تعد الساعة تشير إلى الزمن، بل توقف كل شيء. الهواء الذي تسلل من الداخل كان بارداً، جعل جلدي يقشعر، لك
كانت الساعة قد تجاوزت الواحدة بعد منتصف الليل عندما استيقظتُ من غفوةٍ قصيرة لم تكن أكثر من كابوسٍ متصل. لم يغمض لي جفن، فجسدي كان في حالة استنفار دائم. في هذا القصر، حتى الهواء بدا مشحوناً، وكأن الجدران نفسها تراقب أنفاسي. قمتُ من فوق السرير، ومشيت بخطواتٍ وأجلة نحو المرآة الكبيرة في زاوية الغرفة.
كان الصباح في قصر "أرينور" مختلفاً هذه المرة، ليس بسبب تغيير في معالم المكان، بل لأنني كنت أنظر إليه بعينين مختلفتين. القصر الذي كان يمثل لي سجناً خانقاً، تحول إلى ساحة معركة صامتة. الشمس التي تسللت عبر النوافذ العالية لم تعد تبدو كضوءٍ دافئ، بل كانت أشعةً قاسيةً تكشف عيوب حياتي التي أصبحت أعيشها ف







