เข้าสู่ระบบكان الهدوء في قصر "أرينور" تلك الليلة مريباً، ثقيلاً لدرجة أنني كنت أشعر بضغط الهواء في أذنيّ. لم يكن مجرد صمتٍ عادي؛ كان صمتاً مشحوناً، وكأن أركان القصر نفسها تحبس أنفاسها استعداداً لشيءٍ وشيك. قضيت الساعات الماضية في القبو، محاطةً بشاشات المراقبة التي كانت تعرض أروقة القصر الخالية، بينما كان إياد يتنقل بين الخرائط والأسلحة، يراجع خطط الدفاع ببرودٍ يثير الأعصاب، بينما كان "كريم" يقبع في الغرفة المخصصة له في الطابق العلوي، تحت حراسةٍ خفية لم تكن ترضيه.
وقفتُ أمام الشاشات، أراقب حركة الظلال في الممرات. كانت الأنوار الخافتة تتراقص على الجدران، وتخلق أشكالاً مشوهة تزيد من حدة توتري. كان عقلي لا يزال عالقاً في الحوار الذي دار بيننا منذ ساعات، والشك الذي بدأ يتسلل إلى قلبي مثل السم البطئ. لماذا عاد كريم الآن؟ وكيف عرف بمكاني؟ كلما نظرتُ إلى انعكاسي في الشاشة السوداء، كنت أرى وجهاً لامرأةٍ تغيرت كثيراً منذ أن دخلت هذا القصر؛ لم أعد تلك الفتاة التي تبحث عن أمانٍ مفقود، بل أصبحت امرأةً تدرك أن الأمان في هذا العالم هو مجرد كذبةٍ نختلقها لنستمر. التفتُّ نحو إياد. كان يفكك سلاحه بهدوء، ثم يعيد تركيبه بحركاتٍ آلية دقيقة. كان ضوء المصباح المعلق فوقه يبرز الندوب القديمة على ذراعيه، وتلك العينين التي لم تعودا تريان العالم إلا كساحة معركة. "هل تعتقد أنه يخوننا؟" سألتُ، وصوتي يتردد في القبو بضعفٍ لم أرد إظهاره. رفع إياد رأسه، ونظر إليّ بنظرةٍ فاحصة. "كريم ليس هنا للصدفة يا نور. في عالمنا، لا يوجد شيء اسمه 'الصدفة'. هو إما أداة، أو أنه جاء ليكون الطُعم الذي ستلتهمه المنظمة. الخطر ليس في وجوده، الخطر في ماذا سيجلب معه خلفه." وقفتُ وسرتُ نحو الشاشة التي تعرض غرفته. كان جالساً على السرير، ينظر إلى السقف، لكنه لم يكن ينام. فجأة، رأيتُ شيئاً جعل دمي يتجمد. كانت يده تحت الوسادة، يخرج جهازاً صغيراً جداً، بحجم العملة المعدنية، ويبدأ في النقر عليه. كان يرسل إشارات! "إياد!" صرختُ، وأشرتُ بيدي المرتجفة نحو الشاشة. "انظر! إنه يرسل شيئاً!" هبَّ إياد واقفاً، واقترب من الشاشة بسرعة البرق. حلل النبضات بتركيزٍ حاد. "ترددات مشفرة... إنه يربط القصر بشبكة اتصالات خارجية. إنه لا يطلب المساعدة، إنه يحدد الموقع!" في تلك اللحظة، شعرتُ أن الأرض تنهار من تحت قدميّ. الصديق الذي كان يمثل لي ذكريات الطفولة البريئة، كان هو من يحكم الإعدام علينا. لم تكن الخيانة مجرد كلمات، كانت سكيناً مغروسة في الظهر. أسرعتُ نحو لوحة المفاتيح، أصابعي تتحرك بجنون، محاولةً اعتراض الإشارة. كان النظام الذي بنيته يحاول التصدي للاختراق، لكن كريم كان يعرف خبايا الأنظمة، كان يعرف كيف يتلاعب بالبروتوكولات التي تعلمناها سوياً. "نور، لا فائدة من اعتراضها الآن،" قال إياد وهو يسحب مسدسه. "لقد وصلوا. أسمع أصواتهم." توقفتُ عن العمل، وسمعتُها بالفعل. أصواتُ أحذيةٍ عسكرية ثقيلة تطأ بلاط الرخام في البهو الرئيسي، بعيداً عن الغرف المحصنة. كان صوت الانتهاك، صوت النهاية. نظرتُ إلى إياد، كان هادئاً بشكلٍ مرعب، وهذا الهدوء كان يخيفني أكثر من صراخ المقتحمين. كان يدرك أن المعركة لم تعد "دفاعاً عن القصر"، بل أصبحت "معركة للبقاء". "اذهبي إلى الغرفة الآمنة،" قال بنبرةٍ لا تقبل الجدل. "سأقوم بعزل الممرات. سأغلق الأبواب الحديدية واحدة تلو الأخرى. إذا لم أعد خلال عشر دقائق، شغلي نظام التدمير الذاتي للبيانات واهربي عبر الممر السري الذي يخرج إلى الغابة. لا تلتفتي خلفك." "لن أذهب وحدي!" صرختُ في وجهه، وغضبٌ عارم بدأ يطغى على خوفي. "أنا لستُ طفلةً لتحميها! لقد اخترقتُ نظامهم، أنا أعرف ثغراتهم أكثر منك! سأبقى هنا، سأتحكم في الأبواب من القبو، سأجعل هذا القصر مقبرةً لهم!" لم يبتسم إياد، بل اقترب مني بخطوةٍ واحدة، ووضع يديه على كتفي، كانت قبضته صلبة لكن عيونه كانت تحمل شيئاً مختلفاً؛ حنيناً، أو ربما خوفاً عليّ لم يظهر أبداً. "أنتِ لستِ طفلة، نور. أنتِ كل ما تبقى لي من إنسانية في هذا الجحيم. ولذلك، لن أسمح لكِ بأن تكوني جزءاً من هذه المجزرة." انفجر صوت انفجارٍ ضخم في الطابق العلوي، اهتزت له جدران القبو، وتناثر الغبار من السقف. لقد بدأ الهجوم. "كريم..." همستُ باسمه بمرارة. لقد باع كل شيء، باع ذكرياتنا، وباع حياته، مقابل الولاء لقتلة والدي. شعرتُ برغبةٍ عارمة في الصعود إلى الأعلى، في مواجهته، في أن أصرخ في وجهه وأسأله لماذا، لكن الواقع كان يصفعني بقوة. بدأتُ أتحكم في الأنظمة من القبو. أغلقتُ الأبواب الحديدية الكبيرة التي تفصل الطوابق، وعزلتُ المقتحمين في الممرات الضيقة، حيث تصبح أعدادهم الكبيرة عبئاً عليهم. "إياد،" ناديتُه بينما كان يتجه نحو الباب، "سأفتح لك الممر الجانبي، استخدمه لمباغتتهم من الخلف. أنا معك، كل حركة سأقوم بها ستكون لتغطيتك." نظر إليّ إياد، وفي تلك اللحظة، لم تعد هناك مسافة بيننا. كان هناك توافقٌ مطلق، شراكةٌ وُلدت من رحم الألم والخطر. "عشر دقائق، نور. إذا لم أعد، افعلي ما أخبرتكِ به." خرج إياد، تاركاً خلفه فراغاً لم أشعر به من قبل. بقيتُ وحدي في القبو، محاطةً بشاشاتٍ تُظهر لي صوراً مرعبة لمواجهاتٍ دموية في أروقة قصري. كانت الظلال تتحرك بسرعة، والضوء كان ينطفئ في القصر غرفةً تلو الأخرى، وكأن القصر نفسه كان يحتضر. بدأتُ أرسل الأوامر للنظام الأمني. "إياد، على يمينك! باب الممر 4 مفتوح!" كنتُ أرى المقتحمين من خلال الكاميرات، يتحركون كآلاتٍ مدمرة، يبحثون عن إياد. كنتُ أفتح الأبواب لأحصرهم، ثم أغلقها لأخنق حركتهم. شعرتُ بقوةٍ غريبة في تلك اللحظة؛ لم أكن أدافع فقط، كنت أدير الحرب. كان والدي يرى العلم كأداة، لكنني رأيت التكنولوجيا كأداة للعدالة. في تلك اللحظة من الفوضى، وبينما كانت الرصاصات تتطاير في أروقة القصر، أدركتُ أنني لم أعد خائفة. كانت الذاكرة التي كنت أحتفظ بها لكريم كصديقٍ طفولة قد تبخرت تماماً، وحل محلها غضبٌ بارد ومصمم على الانتقام. "لن تأخذوا هذا القصر،" همستُ للظلام، "ولن تأخذوا حياتي." بدأت أضواء الطوارئ الحمراء تومض في أرجاء المكان، مما أضفى طابعاً من الجحيم على القصر. كانت أصوات الرصاص تقترب، وصوت تكسر الزجاج يملأ المكان. كان "نذير العاصفة" قد تحقق، والآن، كانت العاصفة نفسها تمزق جدران القصر. جلستُ على كرسِيّ، عيناي لا تفارقان الشاشات، أصابعي تتحرك بسرعة، وعقلي يضع خطةً تلو الأخرى. لم يكن هناك مجال للخطأ. كان إياد يقاتل في الخارج، وكان عليّ أن أكون عينيه وعقله في الداخل. فجأة، انقطع الاتصال بواحدة من الكاميرات في الطابق العلوي. ثم أخرى. كانوا يقتربون من القبو. "إياد، هل تسمعني؟ إنهم في الممر المؤدي للقبو!" لم يأتِ رد. فقط صوت رصاصٍ كثيف. شعرتُ بقلبي يكاد يتوقف. "إياد! أجبني!" لم يأتِ صوت سوى تشويشٍ غريب، ثم صمتٌ مطبق. القبو كان الآن المعقل الأخير. أغلقتُ الباب الفولاذي، وفعلت نظام القفل الأمني الذي لا يمكن اختراقه إلا بكلمة سرٍ لا يعرفها أحدٌ سواي. وقفتُ في وسط الغرفة، أحمل سلاحاً صغيراً أعطاني إياه إياد قبل أيام، ووجدتُ نفسي أنتظر. كنت أعلم أنهم قادمون، كنت أعلم أن المعركة قد بدأت فعلياً، وأنني سأكون إما الناجية الوحيدة من هذا الجحيم، أو أنني سأحترق مع أسرار والدي في هذا القبو. كان القصر يئن، وكانت الجدران تهتز، ولكنني وقفتُ بصلابة، منتظرةً اللحظة التي سيحاولون فيها كسر الباب. لم يكن خياراً، كان قدراً. نذير العاصفة قد مر، والآن، أنا في عين الإعصار، مستعدةً لأن أكون من ينهي هذه القصة، أو من يبدأ فصلاً جديداً من الدماء.كانت الغابة من حولنا تتنفس الغموض، وأشجارها العتيقة تبدو كحراسٍ صامتين لشاهدةٍ على انهيار عالمٍ بأكمله. لم نكن نعرف إلى أين تتجه بنا أقدامنا، لكننا كنا نعرف جيداً أن التوقف يعني الموت. كان المطر قد توقف، لكن الأرض الموحلة تحت أقدامنا كانت تعيق حركتنا، وتجعل كل خطوةٍ معركةً ضد الجاذبية والإرهاق. كان إياد يترنح بجانبي، وقد بدأ فقدان الدم يؤثر على توازنه، لكن يده لم تترك يدي أبداً؛ كانت قبضته هي الحبل الوحيد الذي يربطني بالحياة في هذا العالم الذي فقد توازنه.توقفنا في منطقةٍ كثيفة الأشجار، حيث لم يعد ضوء القمر قادراً على اختراق الغصون المتشابكة. استند إياد إلى جذع شجرة بلوط ضخمة، وأنزل رأسه بين يديه. كان صدره يعلو ويهبط بسرعة، وصوت أنفاسه المتقطعة كان يمزق سكون الليل. "لا يمكننا المضي قدماً بهذه السرعة يا نور،" قال بصوتٍ خافت، مغموسٍ بالألم. "الجرح... إنه يزداد سوءاً."جلستُ بجانبه على الأرض، وبدأتُ أفتح حقيبة الإسعاف الصغيرة التي كنت قد انتزعتها من داخل القبو قبل هروبنا. كانت يدي ترتجف، ليس من الخوف، بل من الغضب الذي كان يغلي في عروقي. لقد خسرنا القصر، خسرنا كل ما كان يربطنا بهويتنا، وأ
كان الظلام في الأنفاق تحت قصر "أرينور" خانقاً، محملاً برائحة العفونة والتراب الرطب، لكنه كان بالنسبة لي ولك، يا إياد، رائحة الحياة التي انتزعناها من براثن الموت. لم يكن خروجنا عبر تلك الأنفاق هروباً عادياً؛ كان زحفاً في أحشاء الأرض، حيث كانت الجدران الحجرية القديمة تبدو وكأنها تراقب حركتنا. لم أكن أسمع سوى صوت أنفاسنا المتلاحقة وصوت ارتطام أقدامنا بالصخور. كان إياد يتكئ بجسده المنهك عليّ، وكان جرح كتفه لا يزال ينزف، يقطر دماً امتزج بتراب الأنفاق، لكنه لم يتوقف عن المضي قدماً، كانت إرادته أصلب من الحجر الذي يحيط بنا.بعد ساعات من الزحف، وصلنا إلى مخرجٍ مخفي خلف جدارٍ من اللبلاب المتسلق في أطراف الغابة المحيطة بالقصر. خرجنا إلى الهواء الطلق، وكان المطر لا يزال يهطل بغزارة، يغسل عن وجوهنا غبار المعركة، لكنه لم يغسل تلك الرعشة التي تسكن أعماقنا. توقفنا للحظة لنلتقط أنفاسنا. كان القصر في الخلف يشتعل، ألسنة اللهب تتصاعد منه كأنها صرخاتٍ حزينة، وكان دخانه الأسود يلطخ سماء الليل.في تلك اللحظة، ظهر من بين الأشجار ظلٌ مألوف. لم تكن حركةً عسكرية، بل كانت مشيةً واثقة ومستفزة. توقف الرجل، وأشعل س
لم يعد القصر قصراً. لقد تحول في غضون لحظات إلى متاهة من الجحيم، حيث اختلط صوت الرصاص الصامت—المكتوم بواسطة كاتمات الصوت—بصوت خطوات الأقدام التي كانت تطأ الرخام ببرودٍ قاتل. كنتُ أقف في مركز القبو، يداي لا تزالان مثبتتين على لوحة التحكم، لكن عينيّ كانتا عالقتين في الشاشات التي تعرض الممرات التي يغزوها الموت.رأيتُ إياد عبر الكاميرا رقم 7. كان يتحرك ببراعة القطة المفترسة في الممر الشرقي. لم يكن يقاتل من أجل البقاء فحسب، كان يقاتل من أجل فكرة، من أجل إرث، وربما من أجلي. سقط أحد المقتحمين، ثم آخر، قبل أن يدرك المهاجمون أنهم لا يواجهون حارساً عادياً، بل وحشاً محاصراً يعرف كل زاوية من زوايا هذا القصر. كان إياد يختفي في الظلال ويظهر خلفهم، حركةٌ واحدة، انحناءةٌ دقيقة، ثم إطلاق نارٍ مدروس. لم يكن يهدر رصاصةً واحدة."إياد، إنهم يحيطون بك من جهة المكتبة!" صرختُ في الميكروفون المربوط بالسماعات الخفية التي يرتديها.أجابني صوته، وكان هادئاً بشكلٍ مرعب رغم القتال: "استمري في عزل الممرات يا نور. لا تسمحي لهم بالوصول إلى القبو. سأفتح لكِ طريقاً للخروج إذا تدهورت الأمور، لكن لا تخرجي قبل أن أؤكد لك."
كان الهدوء في قصر "أرينور" تلك الليلة مريباً، ثقيلاً لدرجة أنني كنت أشعر بضغط الهواء في أذنيّ. لم يكن مجرد صمتٍ عادي؛ كان صمتاً مشحوناً، وكأن أركان القصر نفسها تحبس أنفاسها استعداداً لشيءٍ وشيك. قضيت الساعات الماضية في القبو، محاطةً بشاشات المراقبة التي كانت تعرض أروقة القصر الخالية، بينما كان إياد يتنقل بين الخرائط والأسلحة، يراجع خطط الدفاع ببرودٍ يثير الأعصاب، بينما كان "كريم" يقبع في الغرفة المخصصة له في الطابق العلوي، تحت حراسةٍ خفية لم تكن ترضيه.وقفتُ أمام الشاشات، أراقب حركة الظلال في الممرات. كانت الأنوار الخافتة تتراقص على الجدران، وتخلق أشكالاً مشوهة تزيد من حدة توتري. كان عقلي لا يزال عالقاً في الحوار الذي دار بيننا منذ ساعات، والشك الذي بدأ يتسلل إلى قلبي مثل السم البطئ. لماذا عاد كريم الآن؟ وكيف عرف بمكاني؟ كلما نظرتُ إلى انعكاسي في الشاشة السوداء، كنت أرى وجهاً لامرأةٍ تغيرت كثيراً منذ أن دخلت هذا القصر؛ لم أعد تلك الفتاة التي تبحث عن أمانٍ مفقود، بل أصبحت امرأةً تدرك أن الأمان في هذا العالم هو مجرد كذبةٍ نختلقها لنستمر.التفتُّ نحو إياد. كان يفكك سلاحه بهدوء، ثم يعيد ت
كان الهدوء في قصر "أرينور" يميل إلى الكآبة تلك الليلة، وكأن القصر نفسه يشعر بالتوتر الذي يسري في أروقتنا بعد اختراقنا لنظام المنظمة. كنتُ وإياد في القبو، محاطين بشاشاتٍ تعرض خرائط تقنية وتفاصيلَ عن تحركات "الظلال". فجأة، دوّى صوت جرس الباب الرئيسي في أرجاء القصر، وهو صوتٌ لم نعتد سماعه في هذا الوقت المتأخر من الليل.تصلب إياد في مكانه، وسحب سلاحه بلمحة بصر. "لا أحد يأتي إلى هنا،" همس بنبرةٍ خافتة ومحذرة. "ابقِ هنا، نور. لا تتحركي."نظرتُ إلى الكاميرات الأمنية التي قمنا بتفعيلها. عند البوابة الرئيسية، كان يقف رجلٌ يرتدي معطفاً طويلاً، مبللاً بمياه الأمطار التي بدأت تهطل بغزارة. لم يكن يرتدي زياً عسكرياً، بل ملابس مدنية أنيقة، وكان يبدو كشخصٍ جاء ليطرق باباً يعرفه جيداً. حين رفع رأسه نحو الكاميرا، توقف نبضي تماماً."كريم؟" همستُ بذهول.كان كريم، صديق طفولتي، الشخص الذي ظننتُ أنني فقدته في حادثة اختفاء والدي قبل سنوات. كان هو الشخص الوحيد الذي شاركني ذكريات قبل أن يتحول عالمي إلى هذا الجحيم. كيف وصل إلى هنا؟ وكيف عرف مكان هذا القصر؟نزل إياد معي إلى البهو الرئيسي، كان جسده مشدوداً كوتر ق
كانت الغرفة غارقة في صمتٍ مريب، لا يكسره سوى طنين أجهزة الخادم (Server) المكدسة في زوايا القبو. لم تعد هذه المساحة مجرد سجنٍ أو مخبأ، بل تحولت إلى غرفة عمليات حربية. الهواء هنا كان ثقيلاً، مشحوناً بالأدرينالين والتوتر؛ فقد وصلنا إلى لحظة الحقيقة، اللحظة التي قررنا فيها أن ننتقل من مرحلة الدفاع إلى الهجوم. جلستُ أمام الشاشات المتعددة، كانت أصابعي تتحرك بسرعةٍ تكاد تكون غير مرئية على لوحة المفاتيح. خلفي، كان إياد يقف كحارسٍ لا يغفل، عيناه تتنقلان بين الشاشات والباب الفولاذي للقبو، يده تقبض على سلاحه كأن الخطر قد يقتحم علينا المكان في أي ثانية. كانت نظراته تلاحق كل حركة أقوم بها، لم يكن يراقب فقط، بل كان يحلل، وكأنه يرى في سرعة بديهتي انعكاساً للرجل الذي كان يثق به: والدي. "نور، المنظمة بدأت تلاحظ ثغرات في جدار الحماية الخاص بهم،" همس إياد، صوته كان عميقاً وهادئاً بشكلٍ مرعب. "لديهم بروتوكول تدمير ذاتي (Kill Switch). إذا اكتشفوا أننا داخل نظامهم، سيقومون بمسح كل شيء، بما في ذلك الأدلة التي نحتاجها لإثبات تورطهم." توقفتُ للحظة، استجمعتُ تركيزي. "لن يمسحوا شيئاً، إياد. أنا لا أحاول اختر
كان القبو يغرق في سكونٍ ثقيل، سكونٌ لا يقطعه إلا صوت دوران المراوح في أجهزة الحاسوب التي تئن تحت وطأة البيانات المشفرة، وأنفاسي المتلاحقة التي بدأت تهدأ تدريجياً. بعد أن نجحنا في فك الشفرات، لم تعد الملفات مجرد ورقٍ أو بياناتٍ رقمية؛ تحولت إلى أشباحٍ من ماضٍ لم أعش تفاصيله، لكنني أعيش تبعاته في كل
وقفتُ في وسط القبو، محاطةً بجدرانٍ من الملفات والصور التي كانت يوماً ما تمثل كابوسي، والآن باتت تمثل خريطة طريقي. الهواء في الأسفل كان لا يزال بارداً، لكنه لم يعد يبعث على الرعب؛ فقد تغير شيء ما في داخلي، شيءٌ عميقٌ كسر الطوق الذي كان يربط روحي بالخوف.كان إياد يقف على بعد خطواتٍ مني، يراقبني بصمت،
تراجع الباب الحديدي الضخم إلى الخلف ببطءٍ مهيب، كاشفاً عن عتمةٍ ليست كباقي العتمة؛ كانت عتمةً محملةً برائحة الغبار الممزوجة برائحةٍ قديمة، شيءٌ يشبه عطر إياد، لكنه أكثر حدةً وقسوة. في تلك اللحظة، لم تعد الساعة تشير إلى الزمن، بل توقف كل شيء. الهواء الذي تسلل من الداخل كان بارداً، جعل جلدي يقشعر، لك
كانت الساعة قد تجاوزت الواحدة بعد منتصف الليل عندما استيقظتُ من غفوةٍ قصيرة لم تكن أكثر من كابوسٍ متصل. لم يغمض لي جفن، فجسدي كان في حالة استنفار دائم. في هذا القصر، حتى الهواء بدا مشحوناً، وكأن الجدران نفسها تراقب أنفاسي. قمتُ من فوق السرير، ومشيت بخطواتٍ وأجلة نحو المرآة الكبيرة في زاوية الغرفة.







