Share

الفصل 7

Author: Samar
last update publish date: 2026-03-31 04:18:40

حل المساء على مدينة النسيم بينما كانت الأمواج تتكسر برفق على الصخور القريبة من مقهى الساحل الذي ازداد ازدحاماً مع اقتراب الليل

كانت ياسمين تتابع حديثها بحماس عن إحدى الحفلات القادمة في مدينة النهر

وفجأة أضاءت شاشة هاتف ليان فوق الطاولة، توقفت عيناها عند الاسم الظاهر للحظة " سيف "

شعرت بانقباضة غريبة داخل صدرها ثم التقطت الهاتف ونظرت إلى الشاشة عدة ثوان قبل أن تضغط على الوضع الصامت وتعيده إلى مكانه وكأنها لم تر شيئاً

راقبتها ياسمين باستغراب فسألتها:

" من المتصل ؟ ولماذا تتجاهلينه ؟ "

لكن ليان لم تجب لأن الهاتف عاد يرن مرة أخرى بعد ثوان قليلة، عندها عقدت ياسمين ذراعيها أمام صدرها وقالت:

" حسناً....الآن أنا متأكدة أن الأمر مهم....من هذا الذي يطاردك بهذا الإصرار "

تنهدت ليان وهي تنظر إلى الشاشة مجدداً ثم قالت على مضض:

" سيف "

شهقت ياسمين بخفوت و قالت:

" حقاً "

ثم اقتربت أكثر بعينيها المتسعتين:

" وماذا تنتظرين إذن؟ أجيبي...لا تجعليه يظن أنك هربت إلى قارة أخرى"

وقبل أن تتمكن ليان من الاعتراض كانت ياسمين قد خطفت الهاتف من يدها بخفة ثم ضغطت زر الإجابة وأعادت الهاتف إليها

شعرت ليان بحرارة الخجل تتسلل إلى وجنتيها وأجبرتها نظرات ياسمين الحازمة على رفع الهاتف إلى أذنها:

" مرحباً "

قالتها بصوت أكثر هدوءاً مما شعرت به في داخلها...وصلها صوت سيف فوراً:

" كنت أظن أنني سأضطر إلى الاتصال عشر مرات أخرى قبل أن أحصل على رد منك "

أخفضت ليان نظرها نحو الطاولة ثم قالت:

" كنت منشغلة قليلاً "

ثم أضافت محاولة تغيير الموضوع:

" هل هناك أمر ما ؟"

وفي المقعد المقابل كانت ياسمين تراقبها بابتسامة ماكرة قبل أن تميل نحوها هامسة:

" توقفي عن بناء الأسوار حول قلبك يا ليان "

لكن ليان تجاهلتها بصعوبة...أما سيف فقد قال بصوت هادئ:

" نعم...هناك أمر مهم"

صمت للحظة ثم أكمل:

" أريد أن أراك "

ارتبكت ليان قليلاً وحاولت إيجاد إجابة مناسبة:

" لكن...."

قاطعها سيف فوراً:

" لا أريد سماع كلمة لكن"

ثم انخفض صوته قليلاً وأضاف بصراحة أربكتها:

"منذ الصباح وأنا أفكر بك وأشتاق لرؤيتك أكثر مما ينبغي"

تجمدت أنفاسها للحظة وشعرت بحرارة مفاجئة تصعد إلى وجنتيها بينما أخذ قلبها يخفق بطريقة أزعجتها

طال الصمت بينهما عدة ثوان قبل أن تقول أخيراً:

" أنا في مقهى الساحل "

ابتسم سيف فور سماعه كلماتها وأجاب دون تردد:

"سأكون هناك بأسرع ما أستطيع "

ثم أنهى المكالمة ...وفي اللحظة نفسها كان ينهض من مقعده داخل مكتبه الفخم في برج الزين...التقط مفاتيحه بسرعة وغادر الطابق بالكامل دون أن يكترث لاجتماعات الغد ولا لعشرات الرسائل التي تنتظر رده

ولم تمض دقائق حتى كانت سيارته الرولز رويس السوداء تشق الطريق السريع الممتد بين مدينة النهر ومدينة النسيم

أما ليان فقد أعادت الهاتف إلى الطاولة ثم زفرت بضيق:

" كل هذا بسببك"

قالتها وهي تنظر إلى ياسمين ، فضحكت الأخيرة بخفة:

" بل كل هذا بسبب شاب يبدو أنه فقد عقله بك "

هزت ليان رأسها:

" أنت تبالغين كثيراً "

لكن ياسمين لم تتراجع بل قالت بثقة:

" الرجل الذي يقطع المسافة بين مدينتين لمجرد أنه يريد رؤيتك ليس معجباً فحسب بل واقع في حبك"

رفعت ليان كوب العصير إلى شفتيها محاولة إخفاء ابتسامتها لكن ذلك لم ينجح

فقد التقطت ياسمين تلك الابتسامة فوراً وأشارت إليها بإصبعها منتصرة:

" ها هي...ابتسامة ليان "

ضحكت ليان رغم محاولتها المقاومة ثم قالت:

" إنه في الطريق الآن لذلك ابقي هنا على الأقل حتى لا أشعر بالحرج "

لكن ياسمين نهضت من مكانها مباشرة:

" مستحيل....هذا لقاء يخصكما أنتما "

ثم حملت حقيبتها الأنيقة وأضافت وهي تتراجع للخلف:

" وأنا لن أفسد الأجواء "

اتسعت عينا ليان:

" ياسمين لا تفعلي ذلك "

لكن ابنة خالها كانت قد بدأت تبتعد بالفعل ولوحت لها بيدها ضاحكة:

" أخبِريني بكل شيء لاحقاً... كل شيء حرفياً "

ثم اختفت بين الطاولات قبل أن تحصل ليان على فرصة لإيقافها، بقيت ليان وحدها تحدق في المكان الذي غادرت منه ياسمين ثم تنهدت باستسلام وألقت نظرة نحو البحر المظلم

كانت تحاول إقناع نفسها بأنها هادئة، لكن أصابعها التي كانت تعبث بطرف الكأس فضحت توترها، ومع مرور الدقائق بدأت تنظر إلى ساعة يدها أكثر من مرة حتى لمحت أخيراً سيارة سوداء فاخرة تتوقف أمام المقهى

ترجل منها رجل طويل القامة يرتدي بدلة سوداء أنيقة، وكأنه خرج لتوه من غلاف مجلة عالميه...وما إن رفع رأسه حتى التقت عيناه بعينيها عبر الواجهة الزجاجية للمقهى فتوقف الزمن للحظة قصيرة ولسبب لم تستطع تفسيره شعرت ليان بأن قلبها خفق بقوة أكبر من أي وقت مضى...

تقدم سيف عبر المقهى بخطوات واثقة هادئة فالتفتت نحوه الرؤوس دون وعي كما يحدث دائماً حين يدخل مكاناً ما فقد كان يتمتع بحضور قوي وهيبة طبيعية جعلته يلفت الانتباه أينما ذهب بينما كانت بدلاته المصممة بعناية وساعته الثمينة تزيدان من صورة رجل الأعمال الناجح الذي اعتاد أن يحصل على ما يريد

أما ليان فقد وقفت ما إن وصل إلى طاولتها تحاول إخفاء التوتر الذي تسلل إليها منذ أن رأته يعبر المدخل

ابتسم سيف وهو يحييها بنظرة دافئة لم تعتدها منه من قبل ثم قال بصوت منخفض:

" مساء الخير يا ليان "

أجابته بهدوء:

" مساء الخير "

مد يده ليصافحها فبادلته التحيه هي الأخرى لتبادله التحيه فأمسك بيدها و انحنى ليطبع قبله صغيره عليها جعلت اصابعها ترتجف ثم رفع رأسه و قبّلها قبله رقيقه على خدها فهمس في اذنها:

" رائحتك مميزه و لذيذه "

احمرت وجنتيها فضيقت عينيها و قالت بهمس:

" لا تتخطى حدودك "

ابتعد سيف برفق و هدوء و ابتسم بجاذبيه خطفت قلب ليان:

" حدودي واسعه مع من اريد وبالفعل انتي مميزه ... لا انكر انك سلبتي عقلي و قلبي "

لم تستطع منع نفسها من ملاحظة تلك النظرة التي استقرت عليها، فأشار لها سيف أن تجلس فعادت إلى مقعدها بينما جلس أمامها

لبضع لحظات لم يتحدث أي منهما وكان صوت الأمواج المتكسرة على الشاطئ القريب يصل إليهما عبر النوافذ الزجاجية الواسعة

شعرت ليان بأن قلبها يخفق بسرعة أربكتها فحاولت كسر الصمت قائلة:

" لقد بدا الأمر عاجلاً جداً عبر الهاتف... ماذا تريد مني يا سيد سيف ؟"

ابتسم سيف وهو يريح ذراعه فوق الطاولة:

" أريدك انتي يا ليان .."

ارتجفت رموش ليان و هذا لم يغيب عن سيف فقال:

" انا صادق بما اقول فأنا لا اكف بالتفكير بك و أشعر ان هناك شيء بيننا"

ثم مد يده ليمسك بيدها التي كانت على الطاوله وحركها اصابعه فوق اصابعها بلطف:

" حرارة يدك و ارتجافها تقول الكثير .. يبدو انك تخفين مشاعرك لكن جسدك يفضحك .. انتي تشعرين بي كما اشعر بك "

سحبت ليان يدها بسرعه فقالت:

" لا تبالغ....انا فقط محرجه فهذا اول لقاء لي بشخص لا اعرفه "

رفعت عينيها إليه مباشرة وكان الصدق في ملامحه يجعل من الصعب عليها تجاهله و إنكار أنها كانت مرتاحة للحديث معه بطريقة لم تختبرها مع أي رجل آخر..

اعجب بها سيف و بصراحتها فقال:

" إذاً انا اول شخص يطرق ابواب قلبك "

ردت ليان و قد صدمت من جرأته و ثقته بنفسه:

" لا لم تطرق ابواب قلبي بل اول شخص يدخل حياتي بهذه الطريقه "

نظر سيف إلى ليان للحظات طويلة وهو يحاول الحفاظ على هدوئه المعتاد لكن خجلها العفوي وطريقتها الرقيقة في الحديث كانا يربكانه على نحو اشعل حرارة جسده

فمنذ سنوات طويلة اعتاد السيطرة على مشاعره وإخفاء ما يدور في داخله خلف ملامح هادئة وثقة لا تهتز أما الآن فكان يشعر بشيء مختلف...شيء يجعله أكثر توتراً كلما نظرت إليه بعينيها الواسعتين

مرر يده في شعره الداكن ثم أطلق زفرة خفيفة وقال وهو ينظر حوله:

" أشعر أن هذا المكان أصبح ضيقاً فجأة"

رفعت ليان حاجبيها باستغراب:

" ضيقاً "

ابتسم سيف بخفة وأشار بعينيه نحو بعض الطاولات القريبة:

" ألا تلاحظين أن الجميع يلتفت نحونا بين الحين والآخر "

نظرت ليان حولها سريعاً ثم عادت إليه:

" ربما لأنك معروف لهم "

هز رأسه مبتسماً:

" وربما لأن أجمل فتاة في المقهى تجلس أمامي "

احمرت وجنتاها فوراً فشعر سيف بانتصار صغير داخله بينما أشاحت هي بوجهها نحو البحر محاولة إخفاء ارتباكها..

لاحظ سيف ذلك فضحك بهدوء ثم قال:

" ما رأيك أن نغادر هذه الطاولة قليلاً...نتمشى على الساحل..أعتقد أن البحر سيكون أكثر كرماً معنا من هذا المكان "

رفعت ليان نظرها إليه وكانت نسائم المساء القادمة من الخارج تحرك بعض خصلات شعرها الداكن برقة ثم قالت بعد لحظة تفكير:

" في الحقيقة تبدو فكرة جميلة "

اتسعت ابتسامته فوراً فنهض من مكانه، أما هي فالتقطت حقيبتها الأنيقة ثم وقفت بجانبه..

غادرا المقهى معاً تحت أنظار بعض الحاضرين الذين لم يفوتوا ملاحظة الثنائي اللافت للأنظار

كان سيف طويل القامة بملامحه الرجولية الحادة وأناقته الراقية التي تعكس مكانته وثروته بينما كانت ليان تسير إلى جواره كلوحة فنية متحركة بفستانها الأحمر الذي انسجم مع بياض بشرتها ونقاء ملامحها

وما إن وصلا إلى الممشى البحري حتى استقبلتهما رائحة البحر الممزوجة بنسيم المساء العليل

امتد الساحل أمامهما مضاءً بأعمدة إنارة أنيقة انعكست أضواؤها الذهبية فوق صفحة الماء فبدت الأمواج وكأنها تحمل آلاف القطع اللامعة من الكريستال..

سارا ببطء إلى جانب بعضهما ولأول مرة منذ بداية اللقاء لم يكن هناك حديث

لكن الغريب أن الصمت بينهما لم يكن مزعجاً بل كان مريحاً بصورة لم يتوقعها أي منهما

وفي تلك اللحظة تحديداً شعر سيف أن الطريق الطويل الذي قطعه للوصول إليها لم يكن كافياً بعد، بينما كانت ليان تكتشف شيئاً فشيئاً أن وجوده بقربها يمنحها شعوراً بالأمان لم تعتد مشاركته مع أحد..

ابتعدا عن أضواء المقهى شيئاً فشيئاً حتى أصبحا بعيداً عن انظار زوّار المقهى و صوت الأمواج هو الصوت الوحيد الذي يرافق خطواتهما بينما امتد الشاطئ أمامهما هادئاً تحت سماء مرصعة بالنجوم

كانت نسمات البحر تداعب خصلات شعر ليان الداكنة فتزيدها جمالاً ورقة بينما بدا سيف أكثر هدوءاً من المعتاد وكأنه يحاول ترتيب الكلمات التي ازدحمت في صدره منذ أيام

ثم توقف فجأة ليمسك بيدها فجعلها تتوقف واقترب منها لينظر الى عينيها اللامعتين فقال:

" ليان .. اشعر بالقرب منك كثيراً ولا اريد ان ابتعد عنك بعد الآن "

كانت ليان تشعر بنفس الشيء لكنها لم تبوح بما يختلج في صدرها فأخفضت نظرها عنه...

فتابع سيف و كان قلبه يخفق بعنف:

" حتى عندما تشيحين بوجهك عني او تخفضين رأسك تبدين اكثر جمالاً و رقه"

كانت وجنتا ليان تحمرّان اكثر و شعر سيف ان يدها التي يمسك بها اصبحت رطبه، فحرك يدها ليرفعها الى الأعلى حتى وصلت الى وجهه فوضع كف يدها برفق على خده قائلاً:

" يدك رطبه و أنا احب هذا "

كادت ليان تسحب يدها لكن يد سيف كانت اقوى فأمسك بها اكثر و جذبها اليه حتى ارتطمت بصدره برفق و تقابلت عينيهما ..

ارتبكت ليان تحت نظراته فقالت بهمس اثار حرارة جسده اكثر:

" سيف .."

قاطعها سيف الذي تحركت تفاحته في حلقه فاقترب بوجهه اكثر حتى شعرت بأن انفاسه الحاره تحرق بشرتها فقال بصوت اجش مثير:

" سيف....ماذا؟ قولي..."

لكن ليان لم تعد قادره على الكلام وكأنها ابتلعت لسانها، كان سيف يلتقط أنفاسه ببطء و يستنشق انفاسها ولم يعد قادراً على الثبات و المقاومة فالتهم شفتيها يقبلها برفق و رغبه..

كانت ليان تقاومه ولكن ذراعيه التي احاطت جسدها و عنقها جعلاها تهدأ بين ذراعيه و استسلمت لعطر انفاسه و قوّته و أرغمها قلبها و جسدها ان تبادله القبلات مما أثار رغبة سيف اكثر ..

ابتعد عنها سيف برفق وما زال يحتضنها بذراعيه ليقع بصره على صخره كبيره على الشاطئ فحملها بين ذراعيه و أحاطت عنقه لا ارادياً وأجلسها على تلك الصخره و انحنى ليقبلها اكثر هذه المره و بلهفه اكبر ..

كانت هذه المره الأولى لليان فلم تتذوق طعم الحب من قبل بينما سيف لم يعد قادر للسيطرة على نفسه حتى كادت تتوقف انفاسه على عنقها و شفتيها....

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • ما بيننا لم يمت   الفصل 192

    في صباح اليوم التالي، كانت أشعة الشمس تتسلل عبر نوافذ المبنى الفاخر عندما دوّت طرقات متلاحقة فوق باب شقة ماتيو، طرقات سريعة وعصبية أوحت منذ اللحظة الأولى بأن صاحبها لا يملك ذرة واحدة من الصبر.تململ ماتيو بانزعاج قبل أن ينهض من فراشه متثاقلاً، ثم اتجه نحو الباب وفتحه بعينين نصف مغمضتين من أثر النوم، وما إن وقعت عيناه على الزائرة حتى انعقد حاجباه وقال بصوت منخفض خشن:"ما الذي جاء بكِ إلى هنا منذ الصباح الباكر يا ليلى؟"لكن ليلى لم تبدِ أي اهتمام بسؤاله، بل تجاوزته مباشرة ودفعته جانباً ودخلت الشقة بخطوات سريعة.زفر ماتيو بضيق وأغلق الباب خلفها دون أن ينتبه هو ولا ليلى إلى ذلك الظل الطويل الذي كان يتبعها منذ خروجها من منزلها.كان لوتشيانو.وقف في نهاية الدرج من الاعلى الذي يقود الى الممر الذي انفتح فيه باب المصعد وعيناه تراقبان الباب المغلق ببرود قاتل، لكنه ما إن سمع صوت ماتيو حتى تبدلت ملامحه فجأة، واشتد التوتر في فكه حتى برزت عضلاته بوضوح.لقد ظن أنه مستعد لكل شيء إلا أنه لم يكن مستعداً لهذا.أطبق أسنانه بقوة ثم صعد بخطوات ثقيلة، وكأن الغضب وحده كان يدفعه إلى الأعلى.لكن قبل أن يصل إلى

  • ما بيننا لم يمت   الفصل 191

    أغلق سيف باب غرفة الاستحمام خلفه حتى اندفع نحو المياه الباردة وكأنها طوق النجاة الوحيد القادر على انتشاله من ذلك الاضطراب الذي اجتاحه، فوقف تحت اندفاع الماء محاولاً اطفاء حرارته، بينما كانت قطرات الماء تنساب فوق كتفيه وشعره الداكن دون أن تنجح في إخماد الرغبه التي كانت تشتعل داخله شيئاً فشيئاً. أغمض عينيه بقوة وزفر أنفاساً حارة وهو يسند كفيه إلى الجدار الرخامي أمامه، ثم مرر يده بين خصلات شعره المبتلة وأعادها إلى الخلف في محاولة يائسة لاستعادة سيطرته على نفسه و لكن بلا جدوى فقد كان ينتصب جسده بقوه وبعد دقائق طويلة أدرك أن البقاء تحت الماء لن يغير شيئاً، فغادر غرفة الاستحمام واتجه إلى غرفته الواسعة التي كان الهواء البارد يتدفق فيها من أجهزة التكييف، إلا أن ذلك لم ينجح في تهدئة ملامحه المتوترة ولا في تخفيف الاحمرار الذي بدأ يظهر فوق وجهه. في الأسفل كانت ليان قد انتبهت إلى غيابه المفاجئ، فبحثت عنه بعينيها بين الحاضرين قبل أن تتوجه إلى فارس وتسأله بقلق: "هل رأيت سيف؟" فأجابها بعد لحظة تفكير: "نعم، رأيته يدخل الفيلا منذ نحو ربع ساعة." ازداد قلقها أكثر، فاستأذنت منه واتجهت نح

  • ما بيننا لم يمت   الفصل 190

    ومع حلول نهاية الأسبوع، كانت الحديقة الخلفية الفاخرة في فيلا الزين تكتسي بأجواء هادئة على غير المعتاد، فلم يكن هناك صخب حفلات الزفاف الكبيرة ولا الأضواء الصاخبة التي اعتادت العائلات الثرية إقامتها، بل اقتصر الأمر على عدد محدود من المقربين والأصدقاء، بناءً على رغبة سيف الذي تعمد أن يبقي زواج روان بعيداً عن أعين الناس وألسنتهم، حتى لا تنتشر الأخبار سريعاً وتصبح حديث المجتمع. جلس الجميع فوق المقاعد الفاخرة المصطفة حول الممر الذي زينته الورود البيضاء، وكان هشام ورائد وفارس يتبادلون الأحاديث الخافتة، بينما جلست بسمة وياسمين ولارا بالقرب منهم، أما سيف فقد جلس إلى جانب ليان، ولم يكن يرفع عينيه عنها إلا ليعود وينظر إليها مجدداً، وكأن الأيام الماضية جعلته أكثر تعلقاً بها من ذي قبل، فيما جلست نجوى بصمت يكسو ملامحها التعب والحزن، وإلى جانبها دلال وزوجها كمال الراشد اللذان كانا يتابعان الاستعدادات بهدوء. ولم تمض دقائق حتى وصلت ليلى برفقة جيهان، فاتجهتا نحو المقاعد المجاورة لسيف وليان، وما إن جلستا حتى شعرت ليان بذلك الضيق الخفي الذي كان يزورها كلما وجدت ليلى بالقرب منه، ورغم أنها حاولت أل

  • ما بيننا لم يمت   الفصل 189

    كان الشوق المشتعل في عينيه الحادتين أكثر وضوحاً من أي شيء آخر، ابتسم سيف ابتسامة صغيرة فيها الحنين والألم وهمس بصوت خافت مرتجف: "لياني..." ارتعشت شفتيها الجميلتان دون إرادة منها، بينما همست بعدم تصديق وقد انعكس الذهول على وجهها الناعم: "سيف...؟!" ثم استعادت شيئاً من تماسكها وسألته بثبات رغم رجفة قلبها العنيفة: "ما الذي جاء بك إلى هنا؟" تأملها سيف للحظات طويلة وكأنه يروي ظمأ روحه من مجرد النظر إليها، ثم قال بصوت يحمل من الشوق ما يكفي لإذابة أقسى القلوب: "جئت لأنني أحبك يا ليان، ولأن فكرة أنك تتألمين وحدك بينما أبقى بعيداً عنك كانت أمراً لا أستطيع احتماله، جئت لأنني لا أعرف كيف أعيش بينما أنت غاضبة مني." شعرت ليان بأن قلبها يخونها، فحاولت بسرعة إغلاق الباب في وجهه خوفاً من ضعفها أمامه، إلا أن سيف وضع قدمه مانعاً الباب من الانغلاق، ثم نظر إليها بعينين متوسلتين وقال بحرقة: "لا تفعلي هذا بنا يا ليان، أرجوك... أعلم أنني أخطأت، وأعلم أنني أحرجتك، لكنني لم أخفِ عنك شيئاً لأنني لا أحبك أو لأنني أردت خداعك، بل لأن خوفي من خسارتك كان أكبر من قدرتي على التفكير بعقلانية." كانت ا

  • ما بيننا لم يمت   الفصل 188

    وقبل أن يترجل سيف من سيارته التفت للخلف لا ارادياً ليتأكد من اغلاق النوافذ ثم لمح شيئاً أسود منزلقاً أسفل المقعد الخلفي فانعقد ما بين حاجبيه وانحنى على الفور ليلتقطه، ضغط على الشاشة فاتسعت عيناه قليلاً، لقد كان هاتف روان الذي ظهرت على شاشته صورة قديمة تجمعه بروان في طفولتهما حيث كان يحتضنها ببراءة وهما يبتسمان أمام عدسة الكاميرا وقد تزين وجهها بضحكة صافية لم تعرف الجنون الذي سيأكل قلبها يوماً زفر بضيق وأغمض عينيه لبرهة ثم تمتم لنفسه: "تباً لك يا روان... وتباً لهذا الحب الأحمق الذي دمرك...." ثم ضيّق عينيه وقد سرى التوتر في اوصاله قائلاً: " سأرى ان كانت قد ارسلت الصور الى ليان اوّلاً " حاول فتح الهاتف لكن كلمة المرور منعته من الدخول فأخذ نفساً عميقاً وهو يمرر أصابعه بين خصلات شعره السوداء ثم قال بيأس: "هذه آخر محاولة..." وبدافع غريزي لم يفهمه كتب تاريخ ميلاده الخاص، وفي اللحظة التالية انفتح الهاتف... تجمد سيف مكانه واتسعت عيناه بصدمة خافتة بينما هبط شيء ثقيل فوق قلبه فقد كان يعلم جيداً ماذا يعني أن تجعل فتاة كلمة مرورها تاريخ ميلاد رجل أحبته بجنون ابتلع ريقه بصعوبة وهمس بأس

  • ما بيننا لم يمت   الفصل 187

    ما إن أغلق الباب الضخم خلف سيف حتى ارتجف الرجل المقيد فوق الكرسي بعنف وقد شحب وجهه بالكامل حين رأى ذلك الرجل الطويل الوسيم يتقدن نحوه بخطوات بطيئة بينما كانت عيناه السوداوان تحملان غضباً مخيفاً لم يعرف الرحمة في تلك اللحظة فصرخ السائق بخوف وجسده يرتجف: "أرجوك يا سيدي استمع إلي أولاً ودعني أشرح لك" لكن الكلمات لم تجد طريقها إلى أذن سيف الذي كان يعيش جحيماً يشتعل في صدره، فاندفع ولكمه بقوه على وجهه ثم أمسك بمقدمة الكرسي بيديه القويتين ودفعه بقوة هائلة جعلت الرجل يسقط أرضاً مع الكرسي الذي كان مقيداً إليه وسط صرخة ألم خرجت من أعماقه انحنى سيف نحوه وقد برزت عروق عنقه من شدة الغضب وأمسك بشعره بعنف ثم ضرب رأسه على الارض بقوه وهو يقول بصوت أجش مخيف: "أي تفسير تظن أنه سيغير ما حدث أيها الحقير" كان الرجل يتأوه من الألم ويحاول التقاط أنفاسه بينما أمسكه سيف من ياقة ثيابه ثم هتف بغضب : "هل كنت بحاجة إلى عقل كي تعرف أن الفتاة العاجزة التي وثقت بك لا يجوز أن تُستغل" فلكمه مره اخرى ثم سقط الرجل مجدداً فوق الأرض وهو يأن ثم قال بصعوبة: "أنت لا تعرف الحقيقة" تجمدت ملامح سيف للحظة ثم قبض على عنق

  • ما بيننا لم يمت   الفصل 167

    وصلت ليلى إلى المجمع السكني الذي يقيم فيه ماتيو وقد كانت تقود سيارتها بعصبية واضحة حتى إنها أوقفتها أمام المدخل بطريقة حادة ثم اندفعت نحو المصعد بخطوات سريعة بينما كانت نيران الغضب تتأجج داخل صدرها مع كل ثانية تتذكر فيها ما حدث في الحانة وما إن وصلت إلى شقته حتى رفعت يدها وطرقت الباب بعنف متواصل

  • ما بيننا لم يمت   الفصل 165

    وما إن همّت ليلى بالتقدم نحو القاعة الرئيسية بينما كانت ابتسامتها الغامضة لا تزال معلقة على شفتيها حتى شعرت فجأة بيد قوية تستقر على ذراعها من الخلف لتتجمد خطواتها في مكانها لثانية واحدة قبل أن تُسحب بعيداً عن الأنظار نحو الممرات الجانبية للحانة. اتسعت عيناها بدهشة وحاولت الالتفات لمعرفة هوية الشخص

  • ما بيننا لم يمت   الفصل 164

    مرت الأيام كلمح البصر حتى جاء اليوم المنتظر. " عيد ميلاد سيف " وكانت ليان منذ الصباح تعيش حالة من الحماس لا تستطيع إخفاءها بينما كانت تتنقل داخل غرفتها الواسعة في الفيلا الفاخرة تراجع تفاصيل الحفل للمرة الأخيرة وتتأكد من حضور الجميع ومن أن المفاجأة ستبقى سراً حتى اللحظة المناسبة. وبعد عدة اتصالا

  • ما بيننا لم يمت   الفصل 162

    بينما كانت ليان تعبر مدخل الحانة بخطوات هادئة وقفت للحظة تتأمل المكان من الداخل وقد ازداد إعجابها بالتفاصيل الراقية التي تملأ الأرجاء من الثريات الذهبية المتدلية من السقف إلى الجدران المزينة بلمسات فنية أنيقة جعلت المكان يبدو وكأنه جزء من أحد أحياء ميلانو الراقية لا حانة افتتحت حديثاً في مدينة ال

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status