LOGINبدأت تستيقظ وصلاة الظهر يتبقي عليها قُرابة الساعة والنصف، اعتدلت بفراشها شاعرة بمزاج سيء اليوم، خالتها عازفة عن الاتصال، تعترف أنها بأخر زيارة كانت حادة معها وقليلة الذوق، لقد بالغت بفظاظتها وحتما الخالة غاضبة منها الأن، يجب أن تذهب لتراضيها. "أشرقت جت يا ماما" هكذا صاحت سارة بترحيب حار وهي تعانقها قائلة: وحشتيني خالص يا شوشو، أخبارك وأخبار رضا ايه. بادلتها العناق الحاني: وأنتي وحشاني أكتر يا سارة، رضا كويس. ثم عاتبتها: بس لو فعلا وحشتك كنتي عديتي عليا. _ يا حبيبتي انتي عروسة برضوا مش معقول أضايقكم بزياراتي من أولها. _والله عيب عليكي الكلام ده، هتضايقينا ازاي بالعكس انا بفضل أغلب النهار لوحدي ورضا برة _ خلاص يا ستي هبقا اعدي عليكي وانا راجعة من الجامعة. _ هستناكي، ثم تجولت عيناها تفتش عن العم والخالة قائلة: أمال عمي سلامة فين؟ وخالتي فينها مش سامعة صوتي ولا أيه؟ _ بابا لسه بره، وماما هروح أناديها. _ أستني يا سارة، خليني انا أروح أشوفها وانتي اعمليلنا حبة شاي من إيدك الحلوة. ولجت غرفتها بعد طرقتان مستأذنة في الدخول، ليأتيها صوت الخالة "تعالي يا أشرقت" دلفت لتراها جا
بعد وقت لحقتها في المطبخ تلقي نظرة على ما أنجزته، لتجد "مودة" أنهت الكثير من الطعام لتهتف والدة رفعت بإعجاب واضح: بسم الله ما شاء الله ده انتي عملتي كل حاجة لوحدك يا بنتي، وأنا اللي قلت اجي أساعدك. ابتسمت لها الصغيرة وهي تمزج الأرز مع الخضرة المقطعة والطماطم المخفوقة: مفيش داعي يا طنط، أنا خلاص بظبط توابل الخلطة بتاعة المحشي وعمله كله لوحدي، ارتاحي حضرتك. _ أمال أنا قولتلها تيجي ليه يا ماما؟ مودة بقيت لهلوبة في المطبخ وسريعة جدا، مع إن السوسة كانت بتمثل علينا انها مش بتحب تطبخ وقلت هتقصر رقبتنا بعد كده. قهقهت مودة مازحة شقيقتها: أمال اخليكوا تعتمدوا عليا من بدري وتتعبوني؟ كان لازم اتدلل شوية. شمرت العجوز يديها بعد غسلها جيدا وهمت بمشاركتها لف أصابع المحشي، لترفض نجوى: والله ما يحصل يا ماما، انا واختي هنخلصه، أخرجي انتي أشربي الشاي مع سامي وعينك بس علي العيال خصوصا القرد الصغير. رضخت والدة رفعت أخيرا وغادرت المطبخ، لتهمس مودة لشقيقتها: نجوي، هو أخو جوزك جاي الساعة كام؟ _ يعني بعد العصر يكون وصل إن شاء الله، بتسألي ليه؟ تنحنحت قبل أن تخبرها : أصل أنا هخلص الأكل معاكي و
وقفت تعدل هيئتها بزاوية غير مكشوفة قبل أن تبصق قطعة "اللادن" من فمها المرسوم بحُمرته الصارخة، لتقترب لذاك الذي ينتظرها بلهفة بدت واضحة فور رؤيتها أتية نحوه. _ أتأخرتي عليا ياقمري. قالت وهي تأخذ مكانه في المقعد المقابل: _ أعمل ايه يا "ضرغام"، أمي بتوجع دماغي في الطالعة والنازلة جاية منين وراحة فين، كنت بدبرلها حجة عشان اجيلك. تمتم وعيناه تحدجها بوقاحة: أمتي بقا نتلم في بيت واحد وأطفي شوقي يا ست البنات. قهقهت بضحكة صاخبة مرددة: بنات ايه يا ضرغام؟ أنت نسيت اني كنت…. قاطعها وكفه يتجرأ ليرسوا علي شفتيها: تفي من بقي وماتقوليهاش، أنا مش عايز افتكر انك كنتي لغيري، أنتي حبيية ضرغام وبس. ليتبع قوله وهو يسحب كفه ويجذب من جيبه علبة صغيرة فتحها لتري قمر فحواها فتشهق: الله، الخاتم ده عشاني؟ أومأ لها هامسا: وعشان مين غيرك؟ عيار اربعة وعشرين وحياتك، مش خسارة فيكي. منحته نظرة راضية يتخللها الدلال وهي تلتقط الخاتم وتدسه بكفها هاتفة: طب لما انت هتموت عليا كده، مستني ايه؟ ماتيجي تطلبني من أخويا ونتجوز ونتلم في بيتنا ونعيش حياتنا. _ ياريت يا قمر، ده اليوم اللي بتمناه، بس اعمل ايه
بينما كانت اشرقت تحارب مشاعرها الغريبة داخلها وتُظهر امامه انها لا تهتم لكل ما يفعله، صدح رنين الباب بغتة فنهض رضا قائلا: ده تلاقيه أوردر السمك وصل، هروح اجيبه و انتي خليكي زي ما انتي. ثم عاد بعد قليل: شوية سمك بقا هيعجبوكي جدا يا أشرقت، انا عرفت من خالتك انه اكلتك المفضلة. ترمقه بشرود و من جديد تشتعل المقارنة بينه و بين من سبقه فيكتسح رضا، كل فعل يصدر منه تتطاير بروحها حفنة من المخاوف التي تحتلها وتتبعثر في الهواء، ومع هذا لا تزال بقايا مخاوفها تقيدها و تتوقع الأسوأ دائما، لن تثق ان تمنحها الدنيا السعادة دون أن تغدر بها، لا داعي للإفراط في الأمل حتي لا تسقط قتيلة الخذلان. _ انا مش جعانة، اتغدى انت و اخواتك لوحديكم. جاءت نبرتها جافة ليقترب منها محتوي كتفيها قائلا: مفيش حاجة اسمها ناكل من غيرك انتي بقيتي مراتي و في مقام اخت كبيرة لمازن ورحمة، لازم نتعود نتلم كلنا و نتشارك اللقمة عشان ربنا يبارك في النعمة، ثم رفع خصلات من شعرها من فوق عيناها و قال بإعجاب: هو انا قولتلك قبل كده اني بحب شعرك و هو مفرود كده؟ زفرت بحنق و راحت تبرم خصلاته و تكوره ليضحك قائلا: متهيئلي ان الصداع كده خف
من جديد انتظرت أن يثور عليها بعد حديثها المبالغ به عن الطلاق وقد أعترفت داخلها أنها خير مثال للزوجة النكدية، لتجده يهتف بهدوء ونظرة متفهمة كأنه يراها مجرد طفلة ثائرة لا تزن ما تقوله أو تفعله: عايزة تقولي حاجة تانية ولا خلصتي كلامك؟ حدقته ببلاهة و رده أذهلها بحق، ألن يتشاجر معها كما تنتظر؟ ألن يظهر وجهه الأخر؟ وجدته يدنو نحوها ويميل مقبلا وجنتيها برفق هامسا: أنتي هنا مش خدامة يا أشرقت، أنا اتجوزتك عشان تكوتي ست البيت، اللي مش عايزة تعمليه بمحبة منك مش هغصبك عليه ابدا. ليصمت قبل ان تكتسب نبرته بعض الصرامة: بس اللي مش هسامح أو أتهاون فيه، إنك تعاملي اخواتي بقسوة، إياكي تجرحيهم بكلمة واحدة وإلا وقتها هتشوفي ليا وش تاني خالص، دول ولادي مش اخواتي وبس. معنديش استعداد حد يضايقهم حتي لو انتي. تركها ورحل لتمكث علي طرف فراشها تفكر، ردة فعله وهدوءه وحتي صرامته في تحذيره الأخير جعلها بحالة حيرة تحاصرها، ما هذا الرجل؟ لو قص لهم أحد عن صفات مثل صفاته لظنتها خيالا لا تسكن سوي الأساطير والخرافات، رضا تركيبة رجل لما تصادفه من قبل بأبٍ او شقيق أو زوج، متفرد بطبيعته وتصرفاته وصبره، حتي ابتسا
بأول فرصة اختلت الخالة بأشرقت لتحدثها في امر برودها الواضح مع الصغيران، هما عائلة زوجها ويجب ان تبدي اهتمام اكبر لهما. "عاملة ايه مع جوزك يا بنتي؟ هكذا تسائلت الخالة عندما اختلت بها بعيدا لتجيبها: كويسة يا خالتي. زفرت بعمق قبل ان تبدأ بقولها: طب اسمعيني يا أشرقت، ربنا أداكي راجل جدع وأصيل يتوزن بالدهب والألماظ، اوعي تضيعي لمعة عيونه وفرحته بيكي دي مهما حصل، رضا بيحبك وعمل كل اللي قدر عليه عشان يبسطك، وجه دورك انتي كمان عشان تثبتيله انك صاينة جميله علي راسك. _ جميل؟! مش فاهمة جميل ايه يا خالتي انتي حسستيني اني كنت بجري وراه، ده هو اللي كان هيموت عليا عشان يتجوزني. لم تعجبها نبرة الناكرة هذه، والعجيب أن أشرقت ذاتها شعرت بوخز يؤلم ضميرها وهي تنكر ما تقوله خالتها عن موقف رضا، لكن أليست هنا المشكلة؟ هي تشعرها دائما أنها مطوقة بجميله، تذكرها كيف وافقت دون رغبة حقيقية، ورغم حرارة مشاعره التي لمستها الأيام الماضية مازالت تنتظر لحظة خذلانه لها مثله مثل سابقه حين ينطفيء وهج عاطفته. لن يظل بقناعه الحنون المحب هذا طيلة الوقت. طلت الخالة ترمقها مليا بحسرة قبل ان تعود تهتف بها: رضا أنق







