Mag-log inصدر صوت تحطم هائل من جهة الأشجار.
كأن شيئًا ضخمًا اندفع عبرها دون اكتراث. تبعثر عدد من الأغصان فوق الأرض. ثم… ساد الصمت. الصمت الذي يسبق الكارثة. حبست سيرين أنفاسها. كانت تسمع دقات قلبها فقط. نبضة. نبضتان. ثم خرج من الظلام. في البداية رأت عينين. عينين متوهجتين بلون رمادي بارد وسط العتمة. ثم ظهر الجسد تدريجيًا. ضخم. أكبر من أي ذئب رأته أو سمعت عنه. الفراء الأسود غطى أجزاء من جسده، بينما بقيت ملامح بشرية مشوهة بسبب التحول. مخالبه كانت طويلة بما يكفي لتمزيق جذع شجرة، وأنفاسه الثقيلة خرجت كسحب بيضاء في الهواء البارد. تراجعت سيرين خطوة. ثم أخرى. السلة سقطت من يدها دون أن تشعر. الأعشاب تناثرت فوق الأرض. لكنها لم تستطع النظر بعيدًا. لأن الوحش كان ينظر إليها مباشرة. ولم يكن ذلك نظر مفترس وجد فريسته. بل بدا وكأنه… يبحث عن شيء. ....... قبل قليل لم تكن سيرين تعرف متى بدأت تكره الغابة. ربما منذ المرة الأولى التي أُرسلت فيها إلى هنا وهي في التاسعة من عمرها، تحمل سلة أكبر من جسدها الصغير، بينما كانت زوجة أبيها تقف عند الباب وتقول ببرود: "إذا عدتِ قبل امتلائها، فلا تعودي أصلًا." أو ربما حين أدركت أن الحيوانات المفترسة في الغابة أرحم أحيانًا من البشر داخل منزلها. لكن الليلة… كانت مختلفة. الهواء نفسه بدا ثقيلًا. الأشجار الساكنة تحولت إلى ظلال طويلة تشبه الأيدي، والبرد تسلل تحت جلدها ببطء حتى شعرت أن أطرافها فقدت الإحساس. وقفت مكانها تحدق نحو العمق المظلم للغابة، بينما ذلك الشعور الغريب داخل صدرها ازداد وضوحًا. نبضة. ثم أخرى. ثم دفء خافت. تجمدت أناملها فوق ملابسها. ماذا يحدث؟ لم تختبر هذا الإحساس من قبل. لم يكن خوفًا فقط. بل شيئًا يشبه… النداء. وكأن جزءًا مجهولًا داخلها يستيقظ من نوم طويل. ثم جاء الصوت مرة أخرى. لكن هذه المرة لم يكن زئيرًا بعيدًا. كان أقرب. أوضح. وأكثر رعبًا. ارتجف جسدها كله فورًا. النجاة. أول شيء تعلمه الإنسان حين يعيش طويلًا وسط القسوة هو متى يهرب. واستوعبت سيرين فورًا: يجب أن تغادر. الآن. لكن الأوان كان قد فات. اتسعت عيناها أكثر عندما لاحظت آثار الدماء. كانت تغطي ذراعيه وجانبه. بعضها قديم. وبعضها يبدو حديثًا. هل هو مصاب؟ جاءتها الفكرة بغرابة، ثم كادت تضحك من نفسها. ماذا يهم إن كان مصابًا؟ ذلك الشيء قادر على قتلها خلال ثانية. صدر صوت خافت من حلقه. أشبه بالهدير. ثم بدأ يقترب. خطوة. أخرى. كانت حركته غير مستقرة قليلًا، كأنه يقاوم شيئًا داخل نفسه. لكن ذلك لم يجعله أقل رعبًا. تراجعت سيرين بسرعة حتى اصطدم ظهرها بجذع شجرة. انقطع نفسها. انتهى. هذه هي النهاية إذًا. لن يعود أحد للبحث عنها. زوجة أبيها ربما ستغضب لأن الأعشاب لم تصل. أختها قد تشفق عليها لدقيقة. أو ربما لا. أما والدها… خفضت عينيها للحظة. هل سيشعر بأي شيء لو علم أنها ماتت؟ هل سيصمت فقط كما يفعل دائمًا؟ ضحكة صغيرة مليئة بالمرارة كادت تخرج منها. مضحك. حتى في لحظة الموت، لا تزال تتساءل إن كان أحد سيحزن. رفع الوحش رأسه فجأة. وكأنه التقط شيئًا. ثم… في لمح البصر، انقض نحوها. صرخت. أغمضت عينيها بقوة، ورفعت ذراعيها أمام وجهها غريزيًا. لكن الألم لم يأتِ. مرت ثانية. ثم ثانية أخرى. لا شيء. فتحت عينيها ببطء. وتجمدت. الوحش كان أمامها مباشرة. قريبًا جدًا. حتى إنها استطاعت رؤية الألم داخل عينيه. نعم. ألم. وليس جوعًا. لم تكن تعرف كيف فهمت ذلك، لكنها فعلت. كان جسده كله يرتجف بعنف. أنفاسه مضطربة. وعيناه… بدتا ضائعتين. كأن شيئًا داخله يمزقه. ثم حدث الأمر. دفء غريب اندفع من صدرها مرة أخرى. أقوى هذه المرة. انتشر داخل جسدها كله بسرعة. شهقت دون وعي. نور أبيض خافت ظهر حول يدها للحظة قصيرة جدًا. لحظة بالكاد تُرى. لكن الوحش توقف فورًا. توقف تمامًا. اتسعت عيناه. وصدر عنه صوت منخفض، ليس هديرًا. بل أقرب إلى… ذهول. ارتجفت سيرين. ماذا كان ذلك؟ نظرت إلى يدها بسرعة. اختفى كل شيء. هل تخيلت الأمر؟ لكن قبل أن تفكر أكثر… صدر زئير مفاجئ من الوحش. تراجعت مذعورة. غير أن الزئير لم يكن موجهًا لها. كان موجهًا نحوه هو. كأنه يقاتل نفسه. قبض مخالبه داخل الأرض بقوة حتى تشققت. ثم ارتجف جسده بعنف. سقط على ركبة واحدة. شهقت سيرين. الوحش… ينهار؟ أخذ يتنفس بصعوبة. أنفاس ثقيلة ومتقطعة. ثم بدأت التغيرات. ببطء. الفراء الأسود تقلص. المخالب بدأت تعود. العظام تحركت بصوت مرعب. واحدة تلو الأخرى. حتى تحول المشهد أمامها إلى شيء لن تنساه أبدًا. رجل. رجل طويل القامة يرقد فوق الأرض الباردة، وجسده مغطى بجروح قديمة وحديثة. شعر أسود مبعثر. وجه شاحب بشكل مخيف. وكان يبدو… مريضًا. ارتجفت أصابعها. عقلها صاح فورًا: اهربي. لكن قدميها لم تتحركا. اقتربت خطوة صغيرة دون وعي. ثم توقفت. ماذا تفعل؟ هذا غريب. رجل مجهول خرج من وحش كاد يقتلها. كان يجب أن تبتعد. لكن شيئًا ما منعها. ربما لأن وجهه، رغم القسوة، بدا متعبًا بطريقة مؤلمة. أو لأن رؤية شخص يتألم كانت مألوفة أكثر مما يجب. خفضت نظرها. يداه. كانت هناك آثار قديمة حول معصميه. ندوب دائرية. كأن قيودًا بقيت عليه سنوات. تقلص شيء داخل صدرها. كم مرة رأت آثارًا مشابهة على نفسها بعد عقاب زوجة أبيها؟ ابتلعت ريقها. لا. لا تقارني. هذا رجل خطير. لكن بينما كانت تفكر… خرج صوت ضعيف منه. كلمة واحدة فقط. غير واضحة، كأنها هذيان. اقتربت دون وعي. "ماذا…؟" ثم سمعته. همس: "...لا…" صمت. ثم: "...يكفي…" ارتجفت. هل كان يحلم؟ أم يتألم؟ رفعت رأسها نحو السماء. القمر خرج أخيرًا من خلف الغيوم. وضوؤه سقط فوق وجه الرجل. فبدا أصغر للحظة. أصغر من هيئته المخيفة. أغمضت عينيها بإحكام. هذا ليس شأنك يا سيرين. عودي. لكنها لم تتحرك. وبعد دقائق طويلة من الصراع داخلها… تنهدت باستسلام. همست لنفسها: "لو تركتك هنا… ستموت." وكأنها تكره قرارها أصلًا. اقتربت بحذر. ركعت قربه. مدت يدها بتردد نحو جبينه. شهقت فورًا. حار. حرارته مرتفعة بشكل غير طبيعي. سحبت يدها بسرعة. مستحيل. هل يشتعل جسده؟ عضت شفتها بتوتر. ثم نظرت حولها. كوخها الصغير ليس بعيدًا. المكان الذي تستخدمه أحيانًا أثناء جمع الأعشاب. لكن… كيف ستنقله؟ حدقت فيه لثوانٍ. طويل. وضخم. أكبر منها بوضوح. أغلقت عينيها للحظة كأنها تلعن حظها. ثم تمتمت: "حتى عندما أحاول فعل شيء جيد… يكون صعبًا." في الوقت نفسه… داخل قصر فالتور. كانت الفوضى تعم المكان. وقف رجل ذو شعر بني داكن أمام الباب الحديدي المحطم، وعيناه متسعتان بشكل خطير. ريان. الحارس الشخصي لكايلان منذ سنوات طويلة. وأحد القلة الذين بقوا بجانبه رغم كل شيء. نظر إلى السلاسل المكسورة فوق الأرض. ثم إلى الحائط المدمر. فكه انقبض بقوة. أحد الحراس اقترب متوترًا. "سيدي… آثار الخروج تتجه نحو الغابة الغربية." ساد الصمت. ثم قال ريان بصوت منخفض: "...منذ متى؟" "قرابة ساعة." اتسعت عروق عنقه. ساعة. هذا يعني أن الوحش حر طوال هذا الوقت. كارثة. إذا صادف أحدًا… قبض يده بقوة. لا. كايلان لم يعد يخرج عادة. شيء تغير الليلة. شيء جعل الوحش أكثر عنفًا. استدار فجأة. "اجمعوا الفرقة." تردد أحدهم: "لكن سيدي… الاقتراب أثناء اللعنة—" نظر إليه ريان. مرة واحدة فقط. فصمت الرجل فورًا. أكمل ريان: "إذا وجدتموه… لا تقتربوا." "وإن حاول مهاجمتنا؟" ساد الصمت لحظة. ثم قال: "...اهربوا." لأن الجميع يعرف الحقيقة. لا أحد يستطيع إيقاف الوحش حين يظهر كاملًا. ولا حتى صاحبه. عادت سيرين تجر الرجل بصعوبة فوق الأرض. كانت تلهث بشدة. "أنت… ثقيل بشكل مستفز." تمتمت بذلك وهي تحاول رفع ذراعه فوق كتفها. لم يجب طبعًا. كان فاقدًا للوعي. وأحيانًا يخرج منه تأوه خافت يجعلها تتوقف للحظة. الطريق إلى الكوخ بدا أطول من المعتاد. وأكثر من مرة فكرت بتركه. ثم تراجعت. وفي كل مرة كانت تسأل نفسها: لماذا؟ لماذا تساعدينه؟ لكنها لم تجد جوابًا. ربما لأن الأشخاص الذين يعرفون الألم… يصعب عليهم تجاهله عند الآخرين. حتى لو أرادوا. وأخيرًا، ظهر الكوخ الصغير بين الأشجار. تنفست بارتياح. ثم همست: "وصلنا." دون أن تدري… أن الرجل الذي تنقذه الآن ليس مجرد غريب فقد وعيه في الغابة. بل الوحش الذي ترتعد المملكة بأكملها من ذكر اسمه. والليلة التي بدأت بجمع الأعشاب… كانت في الحقيقة بداية القدر الذي سيقلب حياتها إلى الأبد.أول شجار بعد الزواج...مرّ على تجديد عهد كايلان وسيرين عدة أشهر، وعادت المملكة إلى حياتها الهادئة، حتى أصبحت أيامهما تمضي بين إدارة شؤون القبيلة، والاجتماعات، وتفقد القرى، ثم العودة معًا إلى القصر عند الغروب.ورغم كل ما عاشاه...إلا أن شيئًا واحدًا لم يتغير.عناد سيرين.ولا عناد كايلان.كانت الشمس قد مالت نحو الغروب عندما دخل كايلان قاعة الطعام أخيرًا.خلع عباءته وهو يتنهد بتعب واضح بعد اجتماع طويل مع قادة القبائل.ابتسم فور أن لمح المائدة.كانت مليئة بالأطباق التي يحبها.بحث بعينيه عنها.لكنه لم يجدها.جلس وهو يبتسم."أكيد جاية."مرت دقيقة...ثم دقيقتان...ثم خمس دقائق.رفع حاجبه."سيرين!"لم يجبه أحد.دخلت إحدى الخادمات بسرعة."مولاي...""فين سيرين؟"ابتسمت الخادمة بتوتر."مولاتي... قالت إنها مش هتنزل."قطب حاجبيه."ليه؟"ابتلعت الخادمة ريقها."قالت... إنها زعلانة."توقف عن الحركة."زعلانة؟"أومأت بسرعة."آه."تنهد."عملت إيه المرة دي؟"همست الخادمة بخوف:"حضرتك... نسيت."نظر إليها بعدم فهم."نسيت إيه؟"صمتت.ثم قالت:"النهارده... ذكرى أول مرة اتقابلتوا فيها."ساد الصمت.أغمض كايلا
حين أصبحت عائلتي...مر عام كامل منذ توحدت القبيلتان، ولم تعد المملكة تعرف معنى الخوف الذي عاشته طويلًا. امتلأت الغابات من جديد بأصوات الضحكات بدلًا من عواء الحرب، وأصبحت القلعة بيتًا مفتوحًا لكل أفراد القبيلة، يدخلها الجميع دون رهبة أو خوف.ورغم مسؤولياته الكثيرة كألفا للمملكة الموحدة، كان كايلان يحرص على عادة لم يتخلَّ عنها منذ زواجه من سيرين.أن يختطفها ليوم كامل بعيدًا عن الجميع.في صباح ربيعي هادئ...كانت سيرين منهمكة في دار العلاج، تتابع حالة طفل صغير أصيب أثناء التدريب على التحول، عندما شعرت بيدين تعرفهما جيدًا تغطيان عينيها من الخلف.ابتسمت دون أن تتحرك."كايلان."جاءها صوته ضاحكًا:"غش."ضحكت."أنا أعرف ريحتك."أبعد يديه عنها، فاستدارت نحوه لتجده يقف مبتسمًا، وقد ارتدى ملابس بسيطة بعيدًا عن الملابس الرسمية التي يضطر لارتدائها داخل القصر.عقدت ذراعيها وهي تنظر إليه بشك."أكيد وراك مصيبة."رفع حاجبه."هو أنا بقيت معروف كده؟""آه."اقترب منها حتى أصبح على بعد خطوة واحدة."سيبي كل حاجة."نظرت حولها."إزاي؟ عندي شغل."مال نحوها هامسًا:"أوامر الألفا."ابتسمت بمكر."وأوامر زوجتك أه
"أول اكتمال للقمر بعد اللعنة" 🌕🐺...في هذا الفصل نرى كايلان وسيرين بعد أشهر من الزواج، وكيف يعيشان أول ليلة اكتمال قمر بعد زوال اللعنة، حيث يتحولان إلى ذئبين بإرادتهما لأول مرة دون ألم أو خوف، مع الكثير من الرومانسية واللحظات اللطيفة.الفصل السابع والثلاثون بعد المئةأول اكتمال للقمر بعد اللعنةالجزء الأولمرّت عدة أشهر منذ ذلك اليوم الذي توحدت فيه القبيلتان، حتى أصبحت المملكة أكثر هدوءًا مما عرفته عبر تاريخها الطويل.اختفت أصوات المعارك، وحلّت محلها ضحكات الأطفال، بينما امتلأت الساحات بالمتدربين الصغار الذين يتعلمون السيطرة على تحولاتهم الأولى تحت إشراف كبار المحاربين.أما كايلان...فقد أصبح الجميع ينادونه بلقب "الألفا العظيم"، لكنه كان يكره الرسميات كلما عاد إلى القصر.فما إن يعبر باب جناحه...حتى يخلع عباءته الملكية، ويصبح مجرد كايلان.زوج سيرين.وفي تلك الليلة...كان القمر يكتمل للمرة الأولى منذ اختفاء اللعنة.وقفت سيرين في الشرفة تتأمل السماء.دخل كايلان خلفها بهدوء.ووضع عباءته فوق كتفيها.ابتسمت دون أن تلتفت."كنت عارفة إنك هتعمل كده."اقترب حتى وقف خلفها."وبردو خرجتي من غي
شهر العسل الذي لم يحلما به....لم تمضِ سوى أيام قليلة على احتفالات المملكة، حتى بدأت الحياة تعود إلى إيقاعها الهادئ، واختفت أصوات الطبول والأبواق التي ملأت القلعة طوال أيام التتويج وتجديد العهد. عاد الجنود إلى مواقعهم، وعاد الناس إلى أعمالهم، بينما أخذت المملكة تلتقط أنفاسها بعد سنوات طويلة من الحروب والخوف.أما كايلان...فلم يسمح لأحد أن يثقل كاهله بالاجتماعات أو التقارير أكثر مما يجب.كان يدرك أن المملكة لن تنهار إذا غاب عنها بضعة أيام، لكنه كان يعرف أيضًا أن هناك شخصًا انتظر معه نهاية تلك الرحلة الطويلة، ويستحق أن يعيش بداية جديدة بعيدًا عن ضوضاء القلاع والسياسة.لذلك، وقبل شروق أحد الأيام، خرج من القلعة بصحبة سيرين وحدهما، دون حرس، ودون موكب ملكي، وكأنهما عادا مرة أخرى إلى ذلك الشاب والفتاة اللذين كانا يهربان من العالم بأسره.كانت العربات تنتظرهما عند البوابة.لكن كايلان تجاوزها كلها.نظرت إليه سيرين باستغراب."إحنا مش هنركب؟"ابتسم وهو يمسك يدها."لا.""طب هنروح إزاي؟"اقترب منها أكثر، ثم انحنى قليلًا وهمس بالقرب من أذنها:"فاكرة أول مرة قولتيلي نفسك تشوفي ذئبي الحقيقي وهو حر؟"
حين أصبح الوطن قلبًانهاية رواية: أصبحتُ زوجة الوحش الملعونما إن انفتحت البوابة الملكية على مصراعيها، حتى دوّت الأبواق في أنحاء القلعة، وارتفع عواء الذئاب من كل صوب، لكنه لم يكن عواء حرب كما اعتاد الجميع، بل كان نشيدًا قديمًا لم يُسمع منذ مئات السنين، نشيدًا كانت القبيلتان ترددانه في الأزمنة التي سبقت اللعنة، يوم كانتا تعيشان أسرةً واحدة.تقدم كايلان وسيرين بخطوات هادئة، تتشابك أيديهما في ثبات، بينما كانت بتلات الزهور البيضاء تتساقط فوق رأسيهما من الشرفات العالية، ويتردد التصفيق والهتافات في أرجاء الساحة حتى ارتجت له جدران القلعة.لم يكن أحد ينظر إلى الملابس الفاخرة، ولا إلى الأعلام المرفوعة.بل كانت الأنظار كلها معلقة بذلك الرجل الذي عاش عمره كله مقتنعًا أنه وحش...وبتلك المرأة التي لم ترَ فيه يومًا سوى قلبٍ يستحق أن يُحب.وقف كبير الحكماء في منتصف المنصة، ثم رفع يديه طالبًا الصمت.وبالفعل...ساد السكون.قال بصوت وقور حملته الرياح إلى آخر الواقفين:"لقد شهدت هذه الأرض قبل سنوات اتحاد كايلان وسيرين زوجًا وزوجة، لكن الحرب سرقت منهما فرحة البداية، وحولت يومًا كان يفترض أن يكون بداية حي
حين أصبح الوطن قلبًالم يكن المساء الذي ألقى بظلاله على المملكة يشبه أي مساء عرفته تلك الأرض منذ ولادتها.فالهواء الذي كان يحمل يومًا رائحة الدم والدخان، أصبح مشبعًا بعبق الزهور البرية التي نمت حول القلعة بعد زوال اللعنة، والسماء التي طالما غطتها الغيوم الثقيلة بدت صافية على نحو غير مألوف، حتى إن النجوم بدأت تظهر مبكرًا، وكأنها هي الأخرى أرادت أن تكون شاهدة على الليلة التي انتظرتها الأجيال طويلًا.من أعلى الأسوار، كانت المشاعل تضيء الطرقات المؤدية إلى القلعة، بينما امتدت صفوف أبناء القبيلتين على جانبي الساحة الكبرى، رجالًا ونساءً وأطفالًا، لا يفصل بينهم شعار أو راية كما كان يحدث قديمًا، بل وقف الجميع تحت راية واحدة، يتوسطها شعار الذئب الفضي والشجرة المقدسة، رمزًا لعهدٍ جديد لم يُبنَ بالقوة وحدها، وإنما بالتضحية، والغفران، والحب.وفي قلب القلعة...كانت الاستعدادات الأخيرة توشك على الانتهاء.لم يكن أحد يستعد لزفافٍ جديد...فالجميع يعلم أن كايلان وسيرين أصبحا زوجين منذ زمن، وأن ما جمعهما لم يكن عقدًا أو احتفالًا، بل رحلة طويلة من الألم والوفاء.ولهذا، قرر مجلس الحكماء أن تكون الليلة تجدي
مرت ثلاثة أيام منذ عودة سيرين من الغابة.ثلاثة أيام كاملة حاولت فيها إقناع نفسها أن ما حدث لم يكن سوى ليلة غريبة ستُدفن مع الوقت.أن الرجل صاحب العينين الرماديتين عاد إلى عالمه.وهي عادت إلى عالمها.وهذا كل شيء.لكن بعض الليالي لا تنتهي حين تشرق الشمس.بعضها يعلق داخل الروح مثل شوكة صغيرة… لا ترى،
حين اختفت العربة السوداء بين أشجار الغابة، وبقي أثر العجلات محفورًا فوق الأرض الرطبة، ظلت سيرين واقفة عند باب الكوخ للحظات طويلة دون أن تتحرك.كان الهواء أبرد الآن.أو ربما هي التي أصبحت تشعر به أكثر.رفعت يدها ببطء نحو صدرها، إلى المكان الذي كانت القلادة تستقر فوقه دائمًا، وضغطت عليها دون وعي.لما
ظل الطرق على الباب يتردد داخل الكوخ الصغير، ثقيلًا بما يكفي ليجعل صدر سيرين ينقبض دون سبب واضح.مرة.ثم مرة أخرى.لكن المختلف هذه المرة…أن الشخص بالخارج لم يحاول الدخول.انتظر.وكأن مجرد فتح الباب دون إذن يعد تجاوزًا لا يُغتفر.وقفت سيرين قرب النار الصغيرة، تحدق بالرجل أمامها بينما بدأت الأسئلة تت
بقي السؤال معلقًا بينهما داخل الكوخ، ثقيلًا بشكل جعل حتى صوت النار الصغيرة يبدو بعيدًا."من أنتِ؟"كانت عيناه مثبتتين عليها بطريقة لم تعتدها.ليس كمن ينظر إلى فتاة فقيرة تعيش على هامش المجتمع.ولا كمن ينظر إلى شخص أنقذه.بل كمن رأى شيئًا مستحيلًا.أما سيرين…فلم تفهم أصلًا ما الذي حدث.خفضت نظرها ب







