LOGINالفصل الحادي والخمسون: جدارُ الشك وخيارُ المواجهةانطلقت السيارة تشق طريق العودة نحو المزرعة وسط صمتٍ ثقيل، أطبقت فيه الأم "أم لينا" شفتيها بغضب، مكتفية بنظرات العتاب الشاخصة عبر النافذة. خيم الذهول على الجميع؛ فالصدمة كانت أكبر من أن تستوعبها الكلمات، والقضية الموجهة إليهم لم تكن بالأمر الهين.ما إن وطأت أقدامهم بيت المزرعة، حتى التفت مراد إلى "لينا"، ونظر في عينيها بنظرةٍ تحمل رجاءً خفياً، ثم طلب منها أن يتحدثا على انفرد. سارت معه بخطواتٍ متهاداة إلى غرفتهما، وما إن أُغلق الباب، حتى جذبها إليه بلهفة وضمها بحرارة، وكأنه يحاول حمايتها من عالمٍ يتربص بهما.قال بصوتٍ خفضه الخوف:"عشان خاطري يا لينا.. روحي مع ماما الفتـرة دي."نظرت إليه بضيقٍ وابتسمت بسخرية:"أنت ما بتصدق تخلص مني؟"رد برغبةٍ صادقة في حمايتها:"أوعي تقولي كده! أنا كل اللي عايزه إني أبقى مطمن عليكي.""وتطمن عليا لما تسيبني لوحدي؟""مش هتبقي لوحدك، هتبقي مع ماما وأخواتك يا حبيبتي."فزفرت بحسم: "ما دمت مش معايا، أبقى لوحدي برضه."أمسك كفيها بين يديه وقال بنبرةٍ قاطعة:"افهميني يا لينا.. الموضوع مش بسيط، ولو على
الفصل الخمسون: عاصفةٌ في الفناءمرت الأيام رخيّة، تتسلل الحشمة والهدوء إلى المزرعة، حتى جاء ذاك الصباح الذي انكسر فيه الصفو.اتصل أحد العاملين بمنفذ بيع فرع العباسية يُبلغ "بابا أستاولوا" بنبأٍ كالصاعقة: شرطة التموين داهمت الفرع وشمعته بالشمع الأحمر، والأمر يحتاج دخولاً سريحاً.انقبض وجه بابا أستاولوا، وقال وهو ينظر إلى مراد ولينا القادمين للتو:"فرع العباسية اتشمّع يا مراد! شوف محامي بسرعة وروح شوف إيه الحكاية.. دي مصيبة!"تقدمت لينا بوجهٍ يكسوه الذهول: "أنا لسه جاية من هناك..""عرفتِ حاجة يا لينا؟""أيوه.. النهاردة اليوم اللي بندبح فيه عشان الناس تاخد اللحمة طازة."فقال مراد بقلق: "وبعدين؟ إيه علاقة ده بتشميع الفرع؟""في حد مبلغ إن البقرة اللي هتتدبح تعبانة ومقيدة إنها مش هي اللي واخدة تصريح الطب البيطري."اتسعت عينا مراد: "أنتِ بتقولي إيه؟ دي مصيبة فعلاً!"فخفضت لينا رأسها وقالت بأسف: "المصيبة الأكبر إن البقرة كانت فعلاً مريضة وغير صالحة للاستهلاك!"صرخ مراد بقلة صبر: "ليه أصلاً بتدبحوا في منافذ البيع؟ ليه اللحمة ما بتروحش جاهزة ومغلفة؟"فقال بابا أستاولوا بصوتٍ خفيض: "دي ك
الفصل التاسع والأربعون: ودائعُ الصمتِ ومرافئُ الفقدفي تلك اللحظات التي كان الصخب فيها يبلغ مداه، وتصدح الموسيقى بأجراس ختام الحفل الأسطوري، كانت هناك روحٌ تنسحب في صمتٍ ثقيل، تبحث عن أثرٍ لظلٍّ طالما أوهَمها بالأمان.لم تكن "أم البكري" تفكر في بريق الأضواء ولا في تهاني الحاضرين؛ كان قلبها يطرق بوجل، يسائلها: أين ذهب سليم؟ أيعقل أنه ترك ليلة عمر ابنه وفرحة ابنته التي طالما حلم بها ليطمئن عليهما قبل الرحيل؟كانت تفاصيل الماضي تتزاحم في رأسها كشريطٍ عتيق؛ هي لم تكن لـ"سليم" مجرد زوجة أتاها القدر، بل كانت حبّه الأول وصديقة طفولته. ابنة العم التي ولدت بعده بعامين، والتي شهدت شقاوته وشغفه. ما زالت تذكر حتى اللحظة تلك الأيام البعيدة، حين كان العرّابون يطرقون باب أبيها، فيهرع سليم إلى البيت متحججاً بخوفه عليها، محبوكاً بالحيل والافتراءات حتى يُطفش العريس ويُفركش الجوازة.تراءى لها صوت أبيها وهو يواجه سليم يومها:"إيه يا سليم؟ أنت كل ما يجي عريس لسامية تطفشه ليه؟"فردّ سليم بثقة الشباب الشرسة:"أنا ابن عمها وأولى بيها يا عمي!""بس أنت لسه صغير، وما تؤاخذنيش يا ابن أخويا، حالتك المادية
الفصل الثامن والأربعون: اعترافات المحتضر.. ولوعة حب لا يزولالتفتت ريتا ونظرت إليه بتأثر ومشاعر متضاربة:"نعم يا سليم..".قال سليم بنبرة معاتبة يملؤها الشجن:"تركتِ الفرح ورحلتِ لم؟ هل أنا أضايقكِ إلى هذا الحد؟".ردت ريتا بصوت خفيض يهرب من النظرات:"ليس معقولاً يا سليم! نظراتك تلك تفضحتنا أمام الجميع.. حظيت باهتمام كل الموجودين، وزوجتك تسجل كل شيء بعينيها!".تنهد سليم بصدر يجيش بالزفير:"هي تعلم أنني أحبكِ.. وتعلم أنني ظلمتكِ وصرمتُ حبنا!".أشاحت برأسها وقالت بقسوة مصتنعة:"تلك حكاية انقضت وطويت أوراقها يا سليم".اقترب بكرسيه خطوة إضافية وقال بإصرار:"لا.. لم تنتهِ ولن تنتهي!"."وبعد معك يا سليم؟! إلى أين تريد الوصول؟".سألها بنبرة ترجٍّ كسيرة:"ألن تسامحيني يا ريتا؟".ردت بنظرة عميقة حزينة:"لو سامحتك.. هل ستبتعد عني وترجع لحياتك وتنساني؟".تأوه سليم وتطلع إلى السماء:"أنساكِ؟! يااااه.. ليتني أستطيع ذلك!".اضطربت أنفاس ريتا وقالت:"هذا كثير جداً.. ارجوك!".قال سليم:"اسمعيني للمرة الأخيرة يا ريتا.. أنا أعيش أيامي الأخيرة، وحياتي وشيكة على الانتهاء".قاطعته بلوم دافئ:"أ
الفصل السابع والأربعون: مباغتة القلوب.. وعهود العهد الجديدفي صباح اليوم التالي، تجددت حالة الطوارئ المحببة في جنبات المزرعة؛ فما إن أشرقت الشمس حتى أقبل مراد بسيارته ومعه ليلى وفيولا، ليستأنفوا جولاتهم المكثفة في تجهيز مستلزمات الزفاف. وفي الوقت ذاته، كانت أروقة البيت الكبير تبسط ذراعيها للتغيير؛ حيث خُصص فريق عمل لتعديل بعض الديكورات واستبدال قطع من الأثاث القديمة بأخرى حديثة تليق باستقبال العروس الجديدة وتمنح المكان نفحة من التجدد والبهجة.وبعد ساعات طوال من التنقل بين المتاجر وإجهاد الصبايا في التدقيق بين الخامات والألوان، التفتت ليلى نحو مراد وقالت بنبرة رجاء حنونة وهي تمسك بمرفقه:"مراد.. لقد نال منا التعب كلياً، ما رأيك أن نذهب إلى ذاك المطعم الهادئ لنلتقط أنفاسنا ونتناول وجبة الغداء؟".ابتسم مراد وهو ينظر إلى إرهاق لينا وفيولا وقال بدفء:"رغباتكِ مجابة يا ليلى، هيا بنا".داخل المطعم الدافئ بأضوائه الخافتة، اتخذوا مجلسهم حول طاولة مستديرة. وما هي إلا دقائق معدودة حتى لمحَت ليلى شاباً يتقدم بخطى واثقة من بعيد، فقفزت من مكانها بابتسامة متسعة وهي تنتفض خجلاً:"مراد.. بعرّفك
الفصل السادس والأربعون: ملكة القلب.. وأغنيات البهجةأقبلت سيارة مراد، وصعدت الفتيات الثلاث. أدار مراد عجلة القيادة واتجه مباشرة نحو المزرعة، ثم توقف عند البهو وقال:"هيا يا ليلى، انزلي أنتِ وفيولا.. سأوصل لينا إلى منزلها وأعود فوراً".رمقته ليلى بنظرة ذات مغزى:"كان يجدر بك إيصال لينا أولاً، فمنزلها أقرب من المزرعة!".سخر مراد بنبرة ضاحكة:"وما شأنكِ أنتِ يا فتاة؟ أين ذلك الخطيب الذي يترككِ لتفسدي على كل عاشقين لحظاتهما؟!".شهقت ليلى بمزاح:"أهكذا تخرجني من المشهد ببرود؟!".ابتسم مراد وقال بحنان:"أنتِ وفيولا حبيبتاني، لكن فيولا تبدو مجهدة وتريد النوم فوراً".سألتهما لينا:"صحيح.. هل اشتريتما فستانين للحفل أم لا؟".ردت ليلى:"وهل تركِتِ لنا مجالاً للتركيز في شيء غير فستان العروس؟! غداً نبحث عن احتياجاتنا، فما زالت لديكِ أغراض كثيرة لم تكتمل".تبسم مراد وقال:"لماذا لا تقتدين برجال الأعمال في الشاشات، وتطلبين إحضار التشكيلات إلى المنزل لتختارا منها؟!".ردت لينا ببساطة:"أنا من فضلت النزول والتجول بين المتاجر لنلتمس متعة الاختيار بنفسنا".ضحك مراد وهو ينظر إليها بعبادة:"العر







