تسجيل الدخولالفصل التاسع والأربعون: ودائعُ الصمتِ ومرافئُ الفقدفي تلك اللحظات التي كان الصخب فيها يبلغ مداه، وتصدح الموسيقى بأجراس ختام الحفل الأسطوري، كانت هناك روحٌ تنسحب في صمتٍ ثقيل، تبحث عن أثرٍ لظلٍّ طالما أوهَمها بالأمان.لم تكن "أم البكري" تفكر في بريق الأضواء ولا في تهاني الحاضرين؛ كان قلبها يطرق بوجل، يسائلها: أين ذهب سليم؟ أيعقل أنه ترك ليلة عمر ابنه وفرحة ابنته التي طالما حلم بها ليطمئن عليهما قبل الرحيل؟كانت تفاصيل الماضي تتزاحم في رأسها كشريطٍ عتيق؛ هي لم تكن لـ"سليم" مجرد زوجة أتاها القدر، بل كانت حبّه الأول وصديقة طفولته. ابنة العم التي ولدت بعده بعامين، والتي شهدت شقاوته وشغفه. ما زالت تذكر حتى اللحظة تلك الأيام البعيدة، حين كان العرّابون يطرقون باب أبيها، فيهرع سليم إلى البيت متحججاً بخوفه عليها، محبوكاً بالحيل والافتراءات حتى يُطفش العريس ويُفركش الجوازة.تراءى لها صوت أبيها وهو يواجه سليم يومها:"إيه يا سليم؟ أنت كل ما يجي عريس لسامية تطفشه ليه؟"فردّ سليم بثقة الشباب الشرسة:"أنا ابن عمها وأولى بيها يا عمي!""بس أنت لسه صغير، وما تؤاخذنيش يا ابن أخويا، حالتك المادية
الفصل الثامن والأربعون: اعترافات المحتضر.. ولوعة حب لا يزولالتفتت ريتا ونظرت إليه بتأثر ومشاعر متضاربة:"نعم يا سليم..".قال سليم بنبرة معاتبة يملؤها الشجن:"تركتِ الفرح ورحلتِ لم؟ هل أنا أضايقكِ إلى هذا الحد؟".ردت ريتا بصوت خفيض يهرب من النظرات:"ليس معقولاً يا سليم! نظراتك تلك تفضحتنا أمام الجميع.. حظيت باهتمام كل الموجودين، وزوجتك تسجل كل شيء بعينيها!".تنهد سليم بصدر يجيش بالزفير:"هي تعلم أنني أحبكِ.. وتعلم أنني ظلمتكِ وصرمتُ حبنا!".أشاحت برأسها وقالت بقسوة مصتنعة:"تلك حكاية انقضت وطويت أوراقها يا سليم".اقترب بكرسيه خطوة إضافية وقال بإصرار:"لا.. لم تنتهِ ولن تنتهي!"."وبعد معك يا سليم؟! إلى أين تريد الوصول؟".سألها بنبرة ترجٍّ كسيرة:"ألن تسامحيني يا ريتا؟".ردت بنظرة عميقة حزينة:"لو سامحتك.. هل ستبتعد عني وترجع لحياتك وتنساني؟".تأوه سليم وتطلع إلى السماء:"أنساكِ؟! يااااه.. ليتني أستطيع ذلك!".اضطربت أنفاس ريتا وقالت:"هذا كثير جداً.. ارجوك!".قال سليم:"اسمعيني للمرة الأخيرة يا ريتا.. أنا أعيش أيامي الأخيرة، وحياتي وشيكة على الانتهاء".قاطعته بلوم دافئ:"أ
الفصل السابع والأربعون: مباغتة القلوب.. وعهود العهد الجديدفي صباح اليوم التالي، تجددت حالة الطوارئ المحببة في جنبات المزرعة؛ فما إن أشرقت الشمس حتى أقبل مراد بسيارته ومعه ليلى وفيولا، ليستأنفوا جولاتهم المكثفة في تجهيز مستلزمات الزفاف. وفي الوقت ذاته، كانت أروقة البيت الكبير تبسط ذراعيها للتغيير؛ حيث خُصص فريق عمل لتعديل بعض الديكورات واستبدال قطع من الأثاث القديمة بأخرى حديثة تليق باستقبال العروس الجديدة وتمنح المكان نفحة من التجدد والبهجة.وبعد ساعات طوال من التنقل بين المتاجر وإجهاد الصبايا في التدقيق بين الخامات والألوان، التفتت ليلى نحو مراد وقالت بنبرة رجاء حنونة وهي تمسك بمرفقه:"مراد.. لقد نال منا التعب كلياً، ما رأيك أن نذهب إلى ذاك المطعم الهادئ لنلتقط أنفاسنا ونتناول وجبة الغداء؟".ابتسم مراد وهو ينظر إلى إرهاق لينا وفيولا وقال بدفء:"رغباتكِ مجابة يا ليلى، هيا بنا".داخل المطعم الدافئ بأضوائه الخافتة، اتخذوا مجلسهم حول طاولة مستديرة. وما هي إلا دقائق معدودة حتى لمحَت ليلى شاباً يتقدم بخطى واثقة من بعيد، فقفزت من مكانها بابتسامة متسعة وهي تنتفض خجلاً:"مراد.. بعرّفك
الفصل السادس والأربعون: ملكة القلب.. وأغنيات البهجةأقبلت سيارة مراد، وصعدت الفتيات الثلاث. أدار مراد عجلة القيادة واتجه مباشرة نحو المزرعة، ثم توقف عند البهو وقال:"هيا يا ليلى، انزلي أنتِ وفيولا.. سأوصل لينا إلى منزلها وأعود فوراً".رمقته ليلى بنظرة ذات مغزى:"كان يجدر بك إيصال لينا أولاً، فمنزلها أقرب من المزرعة!".سخر مراد بنبرة ضاحكة:"وما شأنكِ أنتِ يا فتاة؟ أين ذلك الخطيب الذي يترككِ لتفسدي على كل عاشقين لحظاتهما؟!".شهقت ليلى بمزاح:"أهكذا تخرجني من المشهد ببرود؟!".ابتسم مراد وقال بحنان:"أنتِ وفيولا حبيبتاني، لكن فيولا تبدو مجهدة وتريد النوم فوراً".سألتهما لينا:"صحيح.. هل اشتريتما فستانين للحفل أم لا؟".ردت ليلى:"وهل تركِتِ لنا مجالاً للتركيز في شيء غير فستان العروس؟! غداً نبحث عن احتياجاتنا، فما زالت لديكِ أغراض كثيرة لم تكتمل".تبسم مراد وقال:"لماذا لا تقتدين برجال الأعمال في الشاشات، وتطلبين إحضار التشكيلات إلى المنزل لتختارا منها؟!".ردت لينا ببساطة:"أنا من فضلت النزول والتجول بين المتاجر لنلتمس متعة الاختيار بنفسنا".ضحك مراد وهو ينظر إليها بعبادة:"العر
الفصل الخامس والأربعون: كرم النفوس.. وحلم الرداء الأبيضظل أريج الود ينساب بين العائلتين في مجلس الشرف ببيت شبرا، وما إن عزمت الأم على إحضار العشاء حتى كرر "البكري" تحيته وامتنانه، فنطقت أم لينا بحزم ينبع من أصلها الأصيل:"والله لا يكون إلا هذا! هنتعشى سوياً يعني هنتعشى سوياً.. نحن أناس نعرف الواجب ولا نرد الكرم!".ابتسم مراد برفق وقال:"لا تقولي هذا يا أمي، نحن أصلنا واحد وأصبحنا عائلة واحدة".ردت الأم وهي تطوقه بنظرة حنونة:"تسلم يا بني، هذا من طيبك".اعتدل البكري في جلسته ونظر إلى الحاضرين بنبرة يملؤها الوقار والأصالة:"أنا أخو مراد الكهْل والكبير، وأقولها لكم صريحة: النسب كالحليب الصافي، لا يصح أن يشوبه تكدير أو شائبة، بل ينبغي أن يظل ناصعاً. وحتى نكون أهلاً بحق، يجب أن نبرم اتفاقنا بنفوس صافية يراعي فيها كل طرف ظروف الآخر".أومأت الأم برأسها موافقة:"سلم فوك يا بني، هذا عين الصواب".استطرد البكري بثقة وهدوء:"لا تقلقي على لينا إطلاقاً، ولا تشغلي بالكِ بتجهيز منزلها أو شراء أثاثه؛ فهذا كله لا وزن له. الشرع الشريف أوجب على الرجل أن يتكفل بمؤن الزواج من ألفها إلى يائها. وما
الفصل الرابع والأربعون: عهد القلوب.. ونور الخطوبةأشرقت شمس الصباح الموعود محملة بالبهجة. وصلت الشقيقتان "شرين" و"أنغام" برفقة أطفالهما إلى منزل العائلة، ليمددن يد العون لأمهن في تنظيف البيت، وترتيب الأثاث، وإعداد أشهى أصناف الطعام. كانت الفرحة تغمر زوايا المنزل بأكمله؛ فرحاً بظهور فارس الأحلام الذي طالما انتظرته "لينا" وبحثت عنه في ثنايا قدرها، وها هو يتوج حبها بطلب يدها على رؤوس الأشهاد.انتهين من ترتيب المنزل وتجهيز المائدة، وارتدين أجمل ثيابهن، وجلسن في الشرفة والصالة بانتظار وصول العريس وعائلته.وفي الجانب الآخر..وصل "مراد" إلى المستشفى برفقة موكبه العائلي. وكان الحاج "سليم" قد اتصل بابنه الآخر "سلمان" ليرافقه.دخل مراد الغرفة، فوجد سلمان قد أنهى ترتيب ملابس والده وإجلاسه على كرسي متحرك أنيق.قال الحاج سليم فور رؤيته لمراد بابتسامة مشعة:"وصلت يا مراد؟ ممتاز.. أنا جاهز يا بني!".تأمله مراد بإعجاب ومزاح دافئ:"ما كل هذا الجمال يا حاج سليم؟! هل أنت العريس اليوم أم أنا؟!".ضحك الوالد بثبات:"هههه! كف عن هذا يا ولد، وهل هناك عريس أجمل منك؟! ألن تسلم على شقيقك سلمان وتبارك له؟







