Share

الفصل 127: امرأة السواد

Author: H.E.D
last update publish date: 2026-06-12 04:55:14

كان الطريق من سوق الجمعة إلى المقبرة القديمة أقصر مما توقعت ليان، لكنه بدا أطول من كل الطرق السابقة.

لم يكن الطريق صعبًا على الجسد فقط، بل على الذاكرة. كل خطوة فيه كانت تشبه عودة إلى بداية الحكاية؛ إلى القبور، وإلى أم نوال، وإلى السؤال الذي ظل يطارد ليان سنوات:

هل اقتربت أمي مني أكثر مما عرفت؟

كانت مريم تمشي بين ليان ورنا. لم تعد تمسك يد ليان طوال الوقت، لكنها كلما اقتربوا من المقبرة، عادت يدها تبحث عنها دون وعي.

قالت أم نوال وهي تشير إلى الطريق الترابي:

"من هنا كان الناس يدخلون إلى المقبرة دون
Continue to read this book for free
Scan code to download App
Locked Chapter

Latest chapter

  • أمي، لماذا تركتِني؟   الفصل 130: بيت الخياطة

    كان سوق الأقمشة في الحي القديم مزدحمًا رغم اقتراب المساء.ألوان كثيرة معلقة على الأبواب، أثواب مطوية، خيوط تتدلى من الرفوف، وروائح قماش جديد ممزوجة بغبار قديم. لكن ليان لم تكن ترى السوق كما يراه الناس. كانت تبحث عن باب عليه نقش إبرة وخيط.سارت زينب في المقدمة.قالت:"بيت الخياطة ليس دكانًا عاديًا. من الخارج يبدو مكانًا لخياطة الأثواب. لكن النساء كنّ يتركن فيه أشياء لا يجرؤن على تركها في الورق."قال آدم:"مثل الأسماء."أومأت زينب."الأسماء، تواريخ الولادة، أسماء الأمهات الحقيقيات، وأحيانًا رسائل صغيرة داخل البطانات."توقفت مريم أمام زقاق ضيق."كنت هنا وأنا صغيرة."نظرت ليان إليها."مع فاطمة؟""نعم. أمي كانت تمسك يدي بقوة وتقول لي: لا تلمسي شيئًا، ولا تسألي عن أسماء النساء."قالت نور:"لأن السؤال كان خطرًا."قالت مريم:"نعم. لكنني أتذكر الخيوط. خيوط كثيرة. وامرأة كانت تضحك وتقول لي: البنت التي تحفظ الألوان تحفظ الطريق."قالت زينب:"هذه غالبًا خالتي حنان، أمي."تقدمت ليان خطوة."أمكِ كانت هنا؟"قالت زينب:"نعم. بعد أن حاولوا تغيير اسمي، صارت تأتي إلى بيت الخياطة مع فاطمة. لم تكن تملك قوة

  • أمي، لماذا تركتِني؟   الفصل 129: زينب ونور

    كان الطريق إلى بيت زينب مختلفًا عن كل الطرق السابقة.لم يكن طريقًا إلى بيت عزل، ولا إلى دار أخفت النساء، ولا إلى مكان حراسة أو سوق قديم أو وادٍ ابتلع الأسماء. كان طريقًا إلى امرأة احتفظت باسم طفلة، في زمن كان الاسم نفسه خطرًا.كانت زينب تسكن في بيت صغير عند طرف بساتين الزيتون، قريبًا من البلدة القديمة، لكنه بعيد بما يكفي عن العيون. الطريق إليه ترابي، تحيط به أشجار منخفضة، وفي آخره باب أخضر فاتح، فوقه عريشة ياسمين.قالت أم نوال وهي تشير إلى البيت:"هذا بيت زينب."توقفت مريم قبل الباب.بدت متوترة بطريقة مختلفة. لم يكن خوفها هذه المرة من رجل أو ورقة أو مكان سجن. كان خوفها من طفلة حفظت اسمها في الذاكرة، ثم كبرت بعيدًا عنها.قالت ليان:"ماما؟"قالت مريم بصوت خافت:"ماذا لو لم تتذكرني؟"قالت رنا بهدوء:"أنتِ لا تطلبين منها أن تتذكركِ لتثبتي نفسكِ. أنتِ جئتِ لتعرفي إن كان اسمها بقي معها."قالت مريم:"كنت أقول لها كل ليلة: نور. لا تصيري رقمًا."قالت ليان:"إذن اليوم نسأل: هل وصل صوتكِ إليها؟"طرقت ليان الباب.لم يفتح أحد فورًا. ثم سُمعت خطوات هادئة، وانفتح الباب.ظهرت امرأة في الستين تقريبًا،

  • أمي، لماذا تركتِني؟   الفصل 128: حجر الموقد

    كان بيت طفولة مريم عند أطراف البلدة، بعيدًا قليلًا عن الطرق التي حفظتها ليان من الخرائط والرسائل.لم يكن بيتًا كبيرًا. جدرانه قديمة، وسطحه منخفض، وبابه الخشبي أزرق باهت كأن اللون بقي عليه رغم كل السنوات. أمامه شجرة ليمون يابسة، وبجانب الباب حجر صغير كانت مريم تحدق فيه طويلًا.قالت مريم بصوت خافت:"كنت أجلس هنا."اقتربت ليان منها."تتذكرين؟"أومأت."كنت أنتظر أمي وهي تخبز. كانت تقول لي: لا تجلسي قرب الباب كثيرًا، الباب يسمع أخبار الناس قبل أن تدخل."قالت رنا:"حتى طفولتكِ كانت مليئة بالأبواب."نظرت مريم إلى المفتاح الصغير في يدها."لكن هذا الباب كان آمنًا."قالت ليان:"لنفتحه."وضعت مريم المفتاح في القفل. في البداية لم يتحرك، كأنه نسي وظيفته. ساعدها سامر قليلًا، ثم دار المفتاح بصوت صدئ. انفتح الباب ببطء، وخرجت منه رائحة غبار وخشب قديم وذاكرة مغلقة.دخلوا.كان البيت شبه فارغ، لكن ليس مهجورًا تمامًا. هناك أشياء بقيت في أماكنها كما لو أن أصحابها خرجوا ليوم واحد ولم يعودوا: كرسي قرب النافذة، رف عليه أوانٍ قديمة، سجادة مطوية، وموقد حجري في زاوية المطبخ.توقفت مريم عند الموقد فورًا."هنا."ق

  • أمي، لماذا تركتِني؟   الفصل 127: امرأة السواد

    كان الطريق من سوق الجمعة إلى المقبرة القديمة أقصر مما توقعت ليان، لكنه بدا أطول من كل الطرق السابقة.لم يكن الطريق صعبًا على الجسد فقط، بل على الذاكرة. كل خطوة فيه كانت تشبه عودة إلى بداية الحكاية؛ إلى القبور، وإلى أم نوال، وإلى السؤال الذي ظل يطارد ليان سنوات:هل اقتربت أمي مني أكثر مما عرفت؟كانت مريم تمشي بين ليان ورنا. لم تعد تمسك يد ليان طوال الوقت، لكنها كلما اقتربوا من المقبرة، عادت يدها تبحث عنها دون وعي.قالت أم نوال وهي تشير إلى الطريق الترابي:"من هنا كان الناس يدخلون إلى المقبرة دون أن يمروا من الشارع الرئيسي. خديجة كانت تسكن عند آخر السور، في بيت صغير. كانت تغسل الموتى، وتعرف وجوه الحزن قبل أن يتكلم أصحابها."قالت ليان:"وهل كانت تعرفكِ؟"أومأت أم نوال."نعم. كانت تعرفني جيدًا. وكانت تعرف مريم أيضًا، ولو من بعيد."توقفت مريم."كانت تعرفني؟"قالت أم نوال:"قبل كل ما حدث، رأتكِ مرات معي. لم تكوني غريبة عنها."قالت رنا:"إذن إذا وصلت مريم إلى المقبرة بعد سوق الجمعة، خديجة كانت قادرة على التعرف عليها."قالت أم نوال:"نعم. وهذا ما أخشاه."نظرت ليان إليها."لماذا تخافين؟"تنهدت

  • أمي، لماذا تركتِني؟   الفصل 126: سوق الجمعة

    كان سوق الجمعة يبدأ قبل الفجر.عندما وصلوا إليه، لم يكن السوق مزدحمًا كما تخيلت ليان. كثير من البسطات كانت مغلقة، وبعض الرجال يفرشون بضائعهم القديمة على الأرض: صناديق خشبية، أوانٍ نحاسية، كتب ممزقة، ألعاب أطفال، مفاتيح بلا أبواب، وصور لا يعرف أحد أصحابها.قال يوسف بصوت خافت:"أمي كانت تأتي إلى هنا."نظر إلى المكان كأنه يدخل طفولته من باب لم يفتحه منذ سنوات.قالت ليان:"كانت تُسمى أم الصناديق؟"أومأ."نعم. لأنها كانت لا ترمي شيئًا. كل صندوق عندها كان له قصة. أحيانًا كان الناس يتركون عندها أشياءهم مؤقتًا، فتحتفظ بها كأنها أمانة."قالت رنا:"ولهذا ترك سامر عندك دفتر البحر."قال يوسف:"ربما. أو تركه عند أمي ليصل إليّ عندما أكبر."وقفت مريم عند مدخل السوق. كان وجهها شاحبًا، لكنها لم تكن خائفة كما كانت في وادي الغياب. السوق أعاد إليها صورًا متقطعة: أصوات باعة، رائحة قهوة، صندوق خشبي مفتوح، وامرأة تقول لها: لا تقفي في وسط السوق، العيون هنا تشتري الأخبار قبل البضاعة.قالت:"كنت هنا."اقتربت ليان منها."ماذا تتذكرين؟"قالت مريم:"كنت أبحث عن يوسف. أو عن أمه. كنت أقول: أحتاج الصندوق الذي تركه س

  • أمي، لماذا تركتِني؟   الفصل 125: وادي الغياب

    لم يكن الطريق إلى وادي الغياب طريقًا واضحًا.كلما ابتعدوا عن البلدة القديمة، خفتت الأضواء، وصارت البيوت أقل، ثم بدأت الأرض تنخفض بين تلال صخرية قاسية. لم تكن هناك لافتة تحمل اسم المكان. كأن الوادي نفسه لا يريد أن يُعثر عليه.قالت أم نوال بصوت منخفض:"هنا كانوا يتركون من لا يريدون أن يسأل عنهم أحد."نظرت ليان من النافذة."مكان بلا اسم للناس بلا أسماء."قالت مريم:"كنت هنا."لم تقلها كذكرى كاملة، بل كوجع قديم عاد إلى جسدها. كانت عيناها على الحجارة، ويداها تمسكان بطرف وشاحها.قالت رنا:"تتذكرين شيئًا واضحًا؟"أغمضت مريم عينيها."برد. تراب. صوت باب حديد. وامرأة تقول لي: لا تنامي على التراب."قالت أم نوال:"هذه ربما حليمة، زوجة برهان."قالت ليان:"وبرهان؟"أجابت أم نوال:"كان حارسًا قديمًا في الوادي. في البداية كان يعمل مع من يملكون الطريق، ثم صار يخاف من نفسه أكثر مما يخاف منهم."قال محمود من السيارة الخلفية عندما توقفوا:"بيت الحارس هناك."أشار إلى بيت صغير عند طرف الوادي، مبني من حجارة خشنة، له باب معدني صدئ، ومصباح ضعيف فوقه.نزلوا من السيارات.كان الهواء باردًا رغم أن الليل لم يتعمق ب

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status